![]()
تاريخ الاستلام: 2 فبراير 2026 | تاريخ القبول: 10 مارس 2026
مراجعة كتاب
مراجعة: بدران بن لحسن
مدير مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة قطر – دولة قطر
https://orcid.org/0000-0002-9742-2108
|
|
عنوان الكتاب: الإرث الاستعماري والمناطق ذات الأغلبية العربية: من الشروط المعاصرة إلى آفاق بديلة المؤلف: علي قاسم الإصدار: باللغة الإنجليزية الناشر: دار نشر جامعة بريستول سنة النشر: 2023 عدد الصفحات: 300 صفحة |
|
|
ISBN: 978-1529240559 (Hardcover) / 978-1529240559 (eBook) |
الترقيم الدولي (ردمك): |
|
للاقتباس: بن لحسن، بدران. "الإرث الاستعماري والمناطق ذات الأغلبية العربية: من الشروط المعاصرة إلى آفاق بديلة، لعلي قاسم"، مجلة تجسير لدراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية البينية، المجلد الثامن، العدد 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0254
© 2026، بن لحسن، الجهة المرخص لها: مجلة تجسير، دار نشر جامعة قطر. نُشرت هذه المقالة البحثية وفقًا لشروط Creative Commons Attribution-Non Commercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0). تسمح هذه الرخصة بالاستخدام غير التجاري، وتنبغي نسبة العمل إلى صاحبه، مع بيان أي تعديلات عليه. كما تتيح حرية نسخ، وتوزيع، ونقل العمل بأي شكل من الأشكال، أو بأي وسيلة، ومزجه وتحويله والبناء عليه، طالما يُنسب العمل الأصلي إلى المؤلف. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0
Tajseer
Interdisciplinary Studies in
Humanities and Social Science
Submitted: 2 February2026 | Accepted: 10 March 2026
Book Review
Colonial Legacies and Arab Majority Regions: From Contemporary Conditions to Alternative Futures by Ali Kassem
Review by: Badrane Benlahcene
Director, Ibn Khaldon Center for Social and Human Sciences, Qatar University – Qatar
|
Book Title: Colonial Legacies and Arab Majority Regions: From Contemporary Conditions to Alternative Futures Edited by: Ali Kassem Edition: English language Publisher: Bristol University Press Year of Publishing: 2026 No. of pages: 300 pages |
|
|
|
ISBN: 978-1529240559 (Hardcover) / 978-1529240559 (eBook) |
|
|
Cite this article as: Benlahcene, B. “Colonial Legacies and Arab Majority Regions: From Contemporary Conditions to Alternative Futures by Ali Kassem,” Tajseer Journal for Interdisciplinary Studies in Humanities and Social Science, Vol. 8, Issue 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0254
© 2026, Benlahcene, licensee, Tajseer & QU Press. This article is published under the terms of the Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0), which permits non-commercial use of the material, appropriate credit, and indication if changes in the material were made. You can copy and redistribute the material in any medium or format as well as remix, transform, and build upon the material, provided the original work is properly cited. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0
مقدمة: مساءلات التحرر من الاستعمار وإعادة توجيه المعرفة النقدية
شهدت الدراسات المعنية بالمجتمعات العربية خلال العقدين الأخيرين تحولات ملحوظة في طبيعة الأسئلة التي تطرحها وفي الأطر النظرية التي تستند إليها. فبعد أن ظل تحليل هذه المجتمعات لفترة طويلة أسير المقاربات الجيوسياسية أو التفسيرات الثقافوية المرتبطة بإشكاليات "التحديث المتعثر"، بدأت موجة متنامية من البحوث تتجه نحو مساءلة الأسس المعرفية التي بُنيت عليها معرفة المنطقة ذاتها. وفي هذا السياق، أدت أعمال إدوارد سعيد (Edward Said) دورًا محوريًا في تفكيك البنية المعرفية للاستشراق، مبينة كيفية تداخل إنتاج المعرفة مع علاقات الهيمنة الإمبريالية. غير أن إدماج المقاربات التفكيكية لما بعد الاستعمار ضمن دراسة المجتمعات العربية ظل متفاوتًا، خصوصًا فيما يتعلق بالاستفادة من أطروحات التحرر من الاستعمار (Decolonial Theory) التي طورها مفكرو أمريكا اللاتينية، مثل أنيبال كيخانو (Anibal Quijano) ووالتر منيولو (Walter Mignolo)، الذين سعوا إلى توسيع نقد الاستعمار ليشمل البنى المعرفية والاقتصادية والسياسية التي استمرت بعد نهاية السيطرة الاستعمارية المباشرة.
في هذا السياق، يُعد الكتاب الجماعي الإرث الاستعماري والمناطق ذات الأغلبية العربية، الذي حرره علي قاسم، الصادر سنة 2026 عن دار نشر جامعة بريستول، ضمن "سلسلة تفكيك الاستعمار والعوالم الاجتماعية"، من أبرز المحاولات المعرفية الرصينة لسد هذا الفراغ؛ إذ ينطلق هذا العمل من فرضية مركزية مفادها أن المناطق ذات الأغلبية العربية لا ينبغي النظر إليها بوصفها فضاءات هامشية تأخرت في الالتحاق بمسار الحداثة الغربية، بل باعتبارها جزءًا مكونًا من تشكل النظام العالمي الحديث ذاته[1]. فبدل إعادة إنتاج السؤال التقليدي عن أسباب "تأخر" هذه المجتمعات، يقترح الكتاب تحويل زاوية النظر نحو تحليل الحداثة ذاتها بوصفها مشروعًا تاريخيًا ارتبط منذ نشأته بعمليات التوسع الاستعماري وإعادة تنظيم العالم اقتصاديًا ومعرفيًا وسياسيًا. ومن خلال هذا التحول المفاهيمي يسعى الكتاب إلى إدماج المنطقة العربية في النقاشات العالمية حول العلاقة بين الحداثة والاستعمارية، مع تقديم قراءات جديدة للواقع المعاصر تنطلق من هذه الرؤية النقدية.
الاستعمارية وإشكالية "المنطقة"
يؤسس الفصل الافتتاحي[2] الذي كتبه قاسم للإطار المفاهيمي العام للكتاب، مستندًا إلى مفهوم الاستعمارية كما بلوره أنيبال كيخانو. ويُقصد بهذا المفهوم أن الاستعمار لا يُختزل في مرحلة تاريخية انتهت بانتهاء السيطرة السياسية المباشرة، بل يشير إلى منظومة أوسع من علاقات السلطة والمعرفة التي تشكلت في ظل التوسع الإمبريالي الأوروبي، واستمرت في تشكيل العالم الحديث. وبناءً على ذلك، فإن الحداثة لا تُفهم بوصفها مسارًا عالميًا محايدًا للتقدم، بل بوصفها مشروعًا حضاريًا تشكل من خلال تداخل وثيق بين التطور الرأسمالي والهيمنة الإمبريالية وإنتاج تراتبيات عرقية وثقافية على نطاق عالمي[3].
انطلاقًا من هذا المنظور، يعيد الكتاب النظر في الطريقة التي جرى بها بناء مفهوم "الشرق الأوسط" ذاته بوصفه فئة تحليلية. فبدل استخدام هذه التسمية التي ارتبطت تاريخيًا بالجغرافيا السياسية الأوروبية، يفضل المحرر استخدام تعبير "المناطق ذات الأغلبية العربية"[4]. ويُعد هذا التحول الاصطلاحي جزءًا من محاولة أوسع لتفكيك التصنيفات الجغرافية التي نشأت في سياق المعرفة الاستعمارية، ولفتح المجال أمام إعادة التفكير في كيفية تشكل "المناطق" بوصفها كيانات معرفية وسياسية في آن واحد. وعلى هذا الأساس، لا يتعامل الكتاب مع المنطقة العربية باعتبارها كيانًا ثابتًا أو متجانسًا، بل باعتبارها فضاءً تاريخيًا متنوعًا تشكل عبر تفاعلات معقدة بين الإمبراطوريات والاستعمار والدولة الحديثة والعولمة.
الدولة الحديثة ومنطق الحكم الاستعماري
يركز القسم الأول من الكتاب على تحليل ما يسميه المؤلفون "الشرط الاستعماري"[5]، في بنية الدولة الحديثة وممارسات الحكم المعاصرة. ففي إحدى المساهمات البارزة، يذهب أندرو ديلاتولا (Andrew Delatolla) إلى أن الدولة الحديثة، سواء داخل المنطقة العربية أو خارجها، تشكلت تاريخيًا من خلال منطق مزدوج يجمع بين الاستغلال المنظم وممارسات السيطرة العنيفة على السكان[6]. وبدل تفسير السلطوية في بعض الدول العربية بوصفها انحرافًا عن نموذج الدولة الليبرالية الغربية، يقترح المؤلف قراءة هذه الظواهر في سياق أوسع يتعلق بتاريخ الدولة الاستعمارية وأساليبها في إدارة المجتمعات الخاضعة لسلطتها.
ويستند هذا التحليل إلى أمثلة من مصر وفلسطين، حيث يبين الكاتب كيف أن قوانين الطوارئ والأجهزة الأمنية وأنماط الضبط الاجتماعي ليست مجرد تدابير استثنائية، بل تمثل امتدادًا لتقنيات حكم نشأت في سياق السيطرة الاستعمارية[7]. ومن خلال هذا المنظور، تصبح السلطوية جزءًا من بنية أوسع تتعلق بكيفية إدارة الدولة الحديثة للسكان والموارد، وهو ما يضع التجربة العربية ضمن نقاشات أوسع في العلوم السياسية والأنثروبولوجيا حول سياسات السيادة وإدارة الحياة الاجتماعية.
العرق والعمل الإنساني وسياسات الرعاية
من الإسهامات المهمة التي يقدمها الكتاب تركيزه على مسألة العرق بوصفها فئة تحليلية أساسية لفهم التحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. ففي فصل يتناول المغرب، يناقش ياسين ياسني ويونس ياسني كيف تشكلت أنماط التمييز ضد السود عبر تفاعل معقد بين الإرث الاستعماري الأوروبي وتقاليد اجتماعية أقدم ارتبطت بتاريخ العبودية في المنطقة[8]. ويكتسب هذا التحليل أهمية خاصة لأنه يسلط الضوء على بعد غالبًا ما ظلّ مهمشًا في الدراسات العربية، حيث جرى التعامل مع مسألة العرق بوصفها قضية خارجية مرتبطة أساسًا بالمجتمعات الغربية.
ومن خلال إعادة بناء تاريخية وتحليل إثنوغرافي، يبيّن الفصل كيف أن العنصرية المعادية للسود في المغرب تشكّلت عند تقاطع تراتبيات العرق التي رسّخها الاستعمار الأوروبي مع بعض الموروثات المرتبطة بتاريخ الاسترقاق في المجال العربي الإسلامي. ويرفض الكاتبان صراحة السرديات التي تحصر العنصرية في كونها وافدًا غربيًا، مؤكدَيْن أن "إرجاع العنصرية إلى الاستعمار الأوروبي وحده يفضي إلى محو تواريخ محلية من التصنيف العرقي ما تزال تؤثر في بنية الحياة الاجتماعية"[9].
ويقدم هذا الفصل إسهامًا مهمًا في البحث البيني من خلال إبراز تجارب العرب السود ووضعها في صدارة التحليل، كما يتحدى الأطر الفكرية التي تتجاهل مسألة اللون وتدعي الحياد بوصفها تعبيرًا عن المساواة. وكما يلاحظ الكاتبان بحدة نقدية: "إن تجاهل اللون لا يعمل بوصفه التزامًا بالمساواة بقدر ما يعمل بوصفه تقنية من تقنيات الإنكار"[10]. ومن ثم يوسع هذا الإسهام النقدي نطاق النقاش حول العرق والتراتبية الاجتماعية وأشكال اللامساواة في السياقات العربية.
التنمية بوصفها أداة للحكم الاستعماري: فلسطينيو 1948
تتوسع فصول أخرى في هذا الاتجاه من خلال تحليل سياسات التنمية بوصفها امتدادًا لأشكال جديدة من الحكم الاستعماري. ففي دراسة تتناول السياسات التنموية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، تقدم هبة الله طه[11] واحدًا من أكثر التحليلات إقناعًا في هذا الكتاب لمسألة الاستعمار الاستيطاني والاقتصاد السياسي. إذ تركّز طه على الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، وتفكّك الافتراض الشائع القائل إن التنمية تعني الاندماج أو التقدم، مبيّنة بدلًا من ذلك كيف تؤدي التنمية وظيفة آلية لإفراغ الفعل السياسي من مضمونه وإحكام السيطرة.
وكما تكتب طه: "إن التنمية الاقتصادية لا تتعارض مع الأساس الاستعماري الذي تقوم عليه الدولة الإسرائيلية، بل تعمل بوصفها إحدى أكثر تقنياته فاعلية"[12]. فخطاب التنمية يعيد تأطير سلب الأرض باعتباره حالة من التخلف التنموي، ويحوّل الصراع السياسي إلى مسائل تقنية تتعلق بالإنتاجية والكفاءة والاندماج.
ويبرز في هذا التحليل، بشكل خاص، تركيز طه على مسألة التطبيع. فهي ترى أن "العنف الاستعماري يبلغ أقصى درجات فاعليته حين يُقدَّم بوصفه ممارسة روتينية، تُدار عبر الأجهزة البيروقراطية، وتُسوَّغ بلغة التنمية"[13]. ويشكل هذا التصور إسهامًا مهمًا في الدراسات البينية التي تبحث في الاقتصاد السياسي، وأنماط الحكم، وبنية السلطة في سياقات الاستعمار الاستيطاني.
العمل الإنساني، والنوع الاجتماعي، واستعمارية الرعاية
تُوسّع الفصول المتبقية من القسم الأول نطاق تشخيص الاستعمارية ليتجاوز إطار الدولة. ففي نقدها لمفهوم توطين العمل الإنساني في شرق البحر المتوسط[14]، تكشف وطفة نجدي كيف أن الإصلاحات التي تُقدَّم في خطابها بوصفها تمكينًا للفاعلين المحليين كثيرًا ما تنتهي إلى إعادة إنتاج هيمنة الجهات المانحة. وكما تشير نجدي: "إن التوطين غالبًا ما يعمل بوصفه تمكينًا انتقائيًا، يمنح الظهور والاعتراف دون أن يعيد توزيع السلطة"[15].
وبالمثل، يكشف فصل سماء التركِي ودينا حمودة حول الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية في مصر[16]، كيف تسهم أنظمة التمويل العالمية في تشكيل الأجندات، وتحديد ما يتعلق بالأجساد، وأنماط التدخل. وترى الكاتبتان أن "السلطة الاستعمارية لا تستمر فقط في تحديد ما يُموَّل، بل أيضًا في الطريقة التي تُعرَّف بها المشكلات وتُتصوَّر بها الحلول"[17].
وتكمن أهمية هذين الفصلين في أنهما يربطان النقد النظري الموجه إلى خطاب التنمية والعمل الإنساني بخبرات الفاعلين الميدانيين وتجاربهم المعيشة، بما يعزز المقاربات النسوية والنقدية المناهضة للإمبريالية التي أصبحت ركنًا مهمًا في حقل الدراسات البينية.
نحو أفق تحرري من الاستعمار: الصراع المعرفي وحدوده
ينتقل القسم الثاني من الكتاب، المعنون "نحو التحرر من الاستعمار: التوترات والموارد وميادين الصراع"[18]، من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الاستكشاف. ومن اللافت أن مفهوم التحرر من الاستعمار لا يُعرض هنا بوصفه برنامجًا فكريًا متماسكًا أو مشروعًا مكتمل المعالم؛ بل، كما يوضح قاسم، يظهر باعتباره "ممارسة متعددة الأوجه، مضطربة، وغير مكتملة، ينبغي أن تبقى مفتوحة للنقد، والنقد الذاتي، واحتمال الإخفاق"[19].
وفي هذا السياق، يتناول منير سعيداني في مقاله "في استعادة فانون"[20] المكانة المتناقضة التي يحتلها فانون في الفكر العربي. فمع أن اسمه كثيرًا ما يُستحضر في الخطاب الفكري، فإن أعماله نادرًا ما تُستثمر بوصفها منهجًا للتحليل والعمل. وكما يلاحظ سعيداني: "يحضر فانون في الفكر العربي بوصفه مرجعًا، لكنه يغيب بوصفه ممارسة"[21]. ويرى أن استعادة فانون تقتضي العودة إلى "قلق أسئلته"[22]، ولا سيما تلك التي تتصل بالعنف والقطيعة ومخاطر الفعل الثوري.
أما فصل علي قاسم، الذي يقدم فيه تأملًا إثنوغرافيًا ذاتيًا حول إنتاج المعرفة في لبنان[23]، فيتجه إلى مساءلة الافتراضات المعرفية السائدة في الحقل الأكاديمي. ويحذر قاسم من "رومانسية الموقع"[24]، مؤكدًا أن "كون الباحث من المنطقة لا يعني في حد ذاته تجاوز الاستعمارية المعرفية"[25]. ويرى أن البحث الساعي إلى التحرر من الاستعمار يتطلب عملية تفكيك للتعلّم الموروث، أي "تفكيكًا مقصودًا للعادات والمقولات التي جرى من خلالها تطبيع المعرفة المتمركزة حول أوروبا"[26].
وتواصل دينا طه هذا النقد في تأملاتها حول المؤسسات الأكاديمية[27]، حيث تشير إلى أن الجامعات العربية هي "في آن واحد فضاءات لاحتمالات معرفية جديدة، وعُقد داخل منظومات عالمية تمنح الشرعية الأكاديمية"[28]. ومن ثم، فإن مسار التحرر من الاستعمار المعرفي لا يتقدم في خط مستقيم، بل يتشكل عبر "مفاوضات غير متكافئة، ورفض جزئي، ومخاطر دائمة بالاحتواء والاستيعاب"[29].
البيئة والأنطولوجيا، وصناعة العالم
يمتد النقد التحرري من الاستعمار في الفصول الختامية إلى مجالات البيئة والأنطولوجيا. ففي تحليل آدم شركاوي للفضاءات العامة الخضراء في بيروت[30]، وفي دراسة محمد باكر الحراك لمفهوم العِرفان[31]، يجري توسيع نطاق هذا النقد ليتناول أنماط تصور الإنسان للعالم وعلاقته بالطبيعة.
أما الحراك، فيذهب أبعد من ذلك باستكشاف الأبعاد الأنطولوجية للأزمة البيئية، مؤكدًا أن "الأزمة البيئية للحداثة لا تنفصل عن عنفها الأنطولوجي"[32]. وبهذا يضع في الواجهة التشابك العميق بين تدمير البيئة ومنطق صناعة العالم الاستعماري، حيث لا يُعاد تشكيل الطبيعة فحسب، بل يُعاد تعريف الوجود ذاته ضمن أفق حداثي مُهيمن.
ومع رفضه لأي نزعة رومانسية، يصرّ الحراك في الوقت نفسه على أن "رفض التقاليد الإسلامِيّة بوصفها موارد ممكنة إنما يعني القبول بالاحتكار المعرفي للحداثة"[33]. وبذلك يوسّع هذان الفصلان آفاق الدراسات البينية، من خلال إدراج الأزمة البيئية ضمن نقد أوسع لاستعمارية المعرفة وأسسها الأنطولوجية.
من الكفاح المعرفي إلى التحرر المقاوم للاستعمارية
عند قراءة القسم الثاني في ترابط مكوناته، يتبيّن أنه لا يقتصر على استكمال التشخيص، بل يهيّئ الأرضية للتحول النظري والعملي الذي يختتم به الكتاب. فمسارات الصراع المعرفي التي عالجها هذا القسم تكشف أسباب تعثّر الخطاب النقدي في لحظات العنف المفرط، حيث تختبر المفاهيم حدودها القصوى. وكما يؤكد علي قاسم، فإن التحرر من الاستعمار "ممارسة غير مكتملة، تتشكل عبر الاحتكاك والرفض وتحمل المسؤولية"[34]. وتشي هذه الرؤية بالانتقال في القسم الثالث إلى أفق أكثر اشتباكًا ومواجهة.
غزة واستحقاق الانتفاض
يأتي القسم الثالث[35] ليصرح بما كان مضمَرًا في التحليلات السابقة. ففي مقاله الختامي المعنون (التحرر من الاستعمار بعد غزة، أو نحو انتفاضة عالمية)، يرى نلسون مالدونادو توريس أن "غزة تفضح زيف نظام عالمي يدّعي الشمولية فيما يمارس إنسانية انتقائية"[36]. واستلهامًا لأفكار فرانتز فانون، يرى أن التحرر من الاستعمار يجب أن يتجاوز مجرد النقد ليصل إلى مستوى الثورة.
ومن المهم أن هذه الدعوة لا تُلغِي الجهد المعرفي الذي بُذل في القسم الثاني، بل تُعمّقه وتجعله أكثر جذريّة. فعمليات التفكيك المعرفي، والصراع داخل المؤسسات، والقطيعة الأنطولوجية التي رُصدت سابقًا تصبح شروطًا ضرورية لمواجهة الإبادة. ويؤكد الكتاب أن غزة ليست استثناءً. ولا يُفهم هذا النداء بوصفه قطيعة مع العمل المعرفي السابق، بل باعتباره تعميقًا له ودفعًا به إلى مداه الأقصى. فممارسات تفكيك المسلّمات، ومقاومة البُنى المؤسسية، وإحداث القطيعة الأنطولوجية التي جرى تتبعها في القسم الثاني، تتحول إلى شروط لازمة لمواجهة واقع الإبادة. ومن ثمّ، تُقدَّم غزة لا كحالة استثنائية، بل كشفٌ واعترافٌ بالقوة الاستعمارية، يضعان الفكر التحرري أمام خيار: أَيظلّ حبيس الوصف والتحليل، أم ينخرط في مسار مقاوم يسعى إلى إعادة تشكيل العالم؟
خاتمة
ما يمكن تسجيله من ملحوظات على الكتاب يمكن تقسيمها على ملحوظتين أساسيتين؛ أولاهما تتعلق بالسياق العام للكتاب، وثانيتهما الآفاق التي يفتحها الكتاب.
أ. السياق العام للكتاب: الوعي النقدي باستمرارية الاستعمار في تشكيل المعرفة الاجتماعية
يتمحور سياق الفكرة الأساسية لهذا النص حول بناء وعي نقدي يكشف استمرار الدور الاستعماري في تشكيل المعرفة الاجتماعية، ولا سيما في حقل العلوم الاجتماعية. فالنص ينطلق من فكرة أن الاستعمار لا ينتهي بانتهاء وجوده السياسي المباشر، بل يواصل حضوره من خلال أنماط إنتاج المعرفة، وتصنيف المجتمعات، وتبرير علاقات الهيمنة على المستوى العالمي، وهو ما يُعرف باستعمارية المعرفة (Coloniality of Knowledge). في هذا الإطار، تُقدَّم العلوم الاجتماعية لا بوصفها معرفة محايدة، بل كجزء من جهاز سلطوي تاريخي شارك في إدارة المجتمعات المستعمَرة وصياغة تفسيرات تخدم السيطرة الإمبراطورية.
كما يضع النص التراث الكلاسيكي للعلوم الاجتماعية ضمن أفق نقدي تاريخي، مبرزًا ارتباط عدد من المنظّرين الأوائل بالسياقات الإمبراطورية الأوروبية التي نشأت فيها أعمالهم، الأمر الذي يكشف التداخل العميق بين المعرفة والسلطة، ليس على مستوى التنظير فقط، بل في الممارسات العملية للإدارة والسيطرة الاستعمارية. ومن هذا المنطلق، يتجاوز النص القراءة الاحتفائية بتاريخ العلوم الاجتماعية إلى قراءة تفكيكية تسائل شروط إنتاجها ووظائفها السياسية.
وفي امتداد ذلك، يسعى النص إلى تأكيد أفق تحرري لإعادة بناء المعرفة الاجتماعية، من خلال توسيع مجال البحث ليشمل العلماء المهمَّشين، والحركات الاجتماعية المناهضة للاستعمار، وإعادة التفكير في علاقات المركز والهامش داخل النظام العالمي، فضلًا عن تحليل الأشكال المعاصرة للاستعمار في السياسة والاقتصاد والبيئة. ويولي النص أهمية خاصة لنقد أنظمة المعرفة المهيمنة، والدعوة إلى إعادة الاعتبار للمعارف المحلية والأصيلة بوصفها مصادر مشروعة للفهم الاجتماعي.
ويضع النص كل هذه الرؤى في سياق معاصر يتسم باستمرار البنى الاستعمارية رغم موجات التحرر السياسي في منتصف القرن العشرين، حيث ما تزال مشاريع الاستيطان، والتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية، والنزاعات المسلحة، وهياكل السلطة الدولية، وأنماط إنتاج المعرفة المهيمنة؛ تعيد إنتاج منطق السيطرة. ومن ثم، يؤكد النص الحاجة الملحّة إلى بحث نقدي تحرري يعيد تصور العالم من منظور تعددي، يعترف بتعدد العوالم والتجارب الإنسانية خارج المركز الإمبراطوري، ويسعى إلى تفكيك إرث الهيمنة المعرفية وبناء بدائل أكثر عدالة وشمولًا.
ب. في آفاق الكتاب
يفتح الكتاب مجالًا واسعًا للنقد والمساءلة النظرية والمنهجية للاستعمارية (Coloniality). فهو يكشف عن خطر ما يمكن تسميته "التحررية المخففة"؛ أي الإصلاحات المؤسسية السطحية التي تكتفي بتوظيف باحثين محليين دون المساس بالمعايير الليبرالية الضمنية التي تستمر في توجيه المعرفة ضمن النظام الحديث/الاستعماري. كما يبرز توترًا بين الفكر التحرري خارج المؤسسات والأطر الأكاديمية المنظمة، إذ قد تُفتقد المقاربات الجامعية للأثر الثوري الذي ميّز الفكر التحرري خارج الأطر الرسمية. ويثير الاعتماد على سنة 1492 كنقطة انطلاق تحليلية مركزية والفصل بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء احتمالات إعادة إنتاج نوع جديد من المركزية، هذه المرة ذات طابع لاتيني-أطلسي، ما قد يهمش تشابكات تاريخية أخرى لا تقل أهمية.
على صعيد آخر، يشير الكتاب إلى أن الانتماء المحلي أو الجغرافي للباحث لا يضمن وحده إنتاج فكر نازع للاستعمار، إذ يظل الباحثون المتكونون في أنظمة أكاديمية غربية معرضين لإعادة إنتاج المركزية الأوروبية، ويحضّ الكتاب على تجنب ما أسماه "الشعبوية المعرفية"؛ أي القبول غير النقدي لأي خطاب صادر عن فاعل مهمش بوصفه بالضرورة نقديًا أو تحرريًا. كما تواجه فكرة نزع الاستعمار مقاومة واسعة داخل الفضاء الأكاديمي، إذ كثيرًا ما تختزل في صراعات هوياتية ضيقة أو تُرفض حين تتجاوز النقد السياسي والاقتصادي لتطال أسس التفكير العقلاني أو التجريبية الوضعية أو المنطق التصنيفي السائد، ما يجعل المشروع تهديدًا مباشرًا للأسس المعرفية للمؤسسات. ويضاف إلى ذلك إشكالية فضاء التطبيق، إذ يرى بعض المساهمين أن الجامعة قد لا تكون البيئة الأكثر فاعلية لممارسة نزع الاستعمار، لا سيما في ظل التعقيدات التاريخية المشتركة بين المنطقة العربية والحداثة الأوروبية، ما يجعل البحث عن مسار "نقي" للتحرر من الاستعمار مسألة إشكالية ومعرضة دائمًا للتبسيط المخل.
وبذلك يمثّل الكتاب مقاربة نقدية راهنة ومثمرة رغم صعوبتها. فهو يُصرّ على أن مشروع التحرر من الاستعمار لا يكتمل بمواجهة الإمبراطورية وبُناها السياسية والاقتصادية فحسب، بل يقتضي أيضًا مساءلة الكيفيات التي قد تتحول بها المعرفة ذاتها إلى شريكٍ في إنتاج العنف أو تبريره وارتكاب "الإبادة المعرفية".
المراجع
Reference
[1] Ali Kassem, “Introduction: Decolonization and Arab-Majority Region(s),” In: Ali Kassem (ed.), Colonial Legacies and Arab Majority Regions: From Contemporary Conditions to Alternative Futures (Bristol: Bristol University Press, 2026), p. 3.
[2] Ibid., p. 1-29.
[3] Ibid., p. 4.
[4] Ibid., p. 17.
[5] Ibid., pp. 33-239.
[6] Ibid., p. 33.
[7] Ibid., p. 45.
[8] Yassine Yassni & Youness Yassni, “Race as a Category for Analysing Social Inequalities in: Contemporary Morocco: Making a Case,” In: Ali Kassem (ed.), Colonial Legacies and Arab Majority Regions, p. 55.
[9] Ibid., p. 59.
[10] Ibid., p. 64.
[11] Hebatalla Taha, “Rethinking Israeli Development towards Palestinians of ’48: Economic Policies and Colonial Structures,” In: Ali Kassem (ed.), Colonial Legacies and Arab Majority Regions, pp. 73-96.
[12] Ibid., p. 74.
[13] Ibid., p. 88.
[14] Watfa Najdi, “Thinking Localization, Refugee Leadership, and Humanitarian Funding from the Eastern Mediterranean: Selective Empowerment or Systemic Colonizing Exclusion?” In: Ali Kassem (ed.), Colonial Legacies and Arab Majority Regions, pp. 97-118.
[15] Ibid., p. 103.
[16] Samaa Elturkey and Dina Hamouda, “Identifying Colonial Power in Contemporary SRHR in Egypt: Reflections from the Field,” In: Ali Kassem (ed.), Colonial Legacies and Arab Majority Regions, pp. 119-139.
[17] Ibid., p. 127.
[18] Ibid., pp. 141-239.
[19] Saidani, “On Reclaiming Fanon: From and For the Arab Maghreb,” In: Ali Kassem (ed.), Colonial Legacies and Arab Majority Regions, p. 142.
[20] Ibid., pp. 141-159.
[21] Ibid., p. 145.
[22] Ibid., p. 153.
[23] Ali Kassem, “Knowledge Production in the Arab-Majority Region and Unlearning in the Field: Autoethnographic Reflections from Lebanon towards Alternative Research Politics,” In: Ali Kassem (ed.), Colonial Legacies and Arab Majority Regions, pp. 160-177.
[24] Ibid., p. 165.
[25] Ibid., p. 166.
[26] Ibid., p. 168.
[27] Dina M. Taha, “Navigating Decoloniality in the Arab-Majority Region: Reflections from the Doha Institute for Graduate Studies,” In: Ali Kassem (ed.), Colonial Legacies and Arab Majority Regions, pp. 178-195.
[28] Ibid., p. 181.
[29] Ibid., p. 187.
[30] Adam Cherkawi, “(Re)Thinking Green Public Spaces in Beirut: Toward a Decolonial Political Ecology,” In: Ali Kassem (ed.), Colonial Legacies and Arab Majority Regions, pp. 196-219.
[31] Mohamad Baker Elharake, “Modernity’s Ecological Crisis: Thinking Alternatives Through ’Irfan,” In: Ali Kassem (ed.), Colonial Legacies and Arab Majority Regions, pp. 220-239.
[32] Ibid., p. 222.
[33] Ibid., p. 234.
[34] Ali Kassem, Seteney Shami & Moushira Elgeziri, “Thinking (alongside) the Arab Council for Social Sciences: Conversation with Seteney Shami and Moushira Elgeziri on Decoloniality, Knowledge, and Praxis, and/in/for the Arab Region,” In: Ali Kassem (ed.), Colonial Legacies and Arab Majority Regions, p. 143.
[35] Ibid., pp. 43-273.
[36] Nelson Maldonado-Torres, “Decoloniality after Gaza, or toward a Global Intifada,” In: Ali Kassem (ed.), Colonial Legacies and Arab Majority Regions, p. 261.