![]()
تاريخ الاستلام: 5 نوفمبر 2025 | تاريخ التحكيم: 22 يناير 2026 | تاريخ القبول: 22 فبراير 2026
مقالة بحثية
مها زياده
ماجستير في الأدب المقارن، معهد الدوحة للدراسات العليا – قطر
maha97ziyadeh@gmail.com
تسلّط هذه الدراسة الضوء على تفرد الرواية في بناء العوالم التاريخية، من خلال تناول الأسلوبية عند ميخائيل باختين، التي تحيل إلى السمات اللغوية، وتؤثر في بنية الشكل الروائي. وتهدف إلى البحث في العلاقة التي يقيمها الشكل الروائي مع الأجناس التعبيرية؛ مستحضرةً أدب الرحلات والمخطوطات التاريخية، التي تؤثر في تشكّل الفضاء المكاني بطريقة تشير إلى مفهوم الكرونوتوب عند باختين، لاستقراء خصوصية الشكل الروائي. كما تراعي الدراسة المرونة كسمة أدبية تمتاز بها الرواية، التي تستمد عبرها قدرتها على الابتكار في الشكل والسياق. وعليه، تستحضر الدراسة رحلة الحج كشكل تاريخي من أشكال الرحلات في السياق الأدبي المعاصر، وتوظيفه في نقد الاستعمار وتفكيكه، وبحث الذات عن موقعها. من خلال تحليل رواية "تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية" لعبد الرحيم لحبيبي، استنادًا إلى تفردها في بناء شكل سردي يتصل بالتراث الأدبي والتاريخي عن طريق مخطوطة تاريخية متخيّلة.
كلمات مفتاحية: رحلة الحج، الخريطة الأدبية، الشكل الروائي، الكرونوتوب، الاستعمار
للاقتباس: زيادة، مها. "خصوصية الشكل الروائي في بناء العوالم التاريخية: رحلة الحج في رواية "تغريبة العبدي" نموذجًا"، مجلة تجسير لدراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية البينية، المجلد الثامن، العدد 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0253
© 2026، زيادة، الجهة المرخص لها: مجلة تجسير، دار نشر جامعة قطر. نُشرت هذه المقالة البحثية وفقًا لشروط Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0). تسمح هذه الرخصة بالاستخدام غير التجاري، وتنبغي نسبة العمل إلى صاحبه، مع بيان؛ أي تعديلات عليه. كما تتيح حرية نسخ، وتوزيع، ونقل العمل بأي شكل من الأشكال، أو بأي وسيلة، ومزجه وتحويله والبناء عليه، طالما يُنسب العمل الأصلي إلى المؤلف. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0
Tajseer
Interdisciplinary Studies in
Humanities and Social Science
Submitted: 5 November 2025 | Reviewed: 22 January 2026 | Accepted: 22 February 2026
Research Article
The Singularity of Novelistic Form in Constructing Historical Worlds: The Pilgrimage in “Taghribat al-ʿAbdī” as a Case Study
Maha Zeyadeh
Master’s degree in Comparative Literature, Doha Institute for Graduate Studies – Qatar
https://orcid.org/0009-0007-0561-6508
maha97ziyadeh@gmail.com
Abstract
This study highlights the distinctive qualities of the novel form in Shaping historical worlds, drawing on Bakhtin’s stylistics to illuminate the linguistic features that give literary texts their unique texture. It explores how the novel interacts with other expressive genres, such as travel literature and historical manuscripts, to construct both spatial and temporal dimensions. Employing Bakhtin’s concept of the chronotope, the study emphasizes ‘flexibility’ as a defining literary trait that allows the novel to innovate in form and context. This framework is applied to the theme of Al-Hajj as a historical form of travel in contemporary literature, highlighting its potential to critique colonial structures and explore the formation of the self. the analysis focuses on Abdel Rahim Lahbibi’s Taghribat al-ʿAbdī al-Mashhūr bi-Walad al-Ḥamriyy, chosen for on the novel’s unique method of linking literary creativity with historical heritage through an imagined historical manuscript.
Keywords: The Pilgrimage; Literary Cartography; Novel Form; Chronotope; Colonialism
Cite this article as: Zeyadeh, M. “The Singularity of Novelistic Form in Constructing Historical Worlds: The Pilgrimage in “Taghribat al-ʿAbdī” as a Case Study,” Tajseer Journal for Interdisciplinary Studies in Humanities and Social Science, Vol. 8, Issue 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0253
© 2026, Zeyadeh, licensee, Tajseer & QU Press. This article is published under the terms of the Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0), which permits non-commercial use of the material, appropriate credit, and indication if changes in the material were made. You can copy and redistribute the material in any medium or format as well as remix, transform, and build upon the material, provided the original work is properly cited. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0
تعدّ الرحلة مبحثًا بينيًا شكّل مجالًا مهمًا لتدوين المعارف المختلفة عبر التاريخ. وجاء اهتمام الغرب بالارتحال نحو الشرق والكتابة عنه في أدبيات الرحلات متفردًا. ورغم أن عددًا كبيرًا من الأعمال أسهم إيجابيًا في التعرف على الشعوب غير الأوروبية وثقافاتها؛ فإن بعض تلك الرحلات حمل في طياته نزعة استعمارية واضحة[1]؛ إذ عمد بعض المستكشفين إلى الارتحال بدوافع تتصل بتحقيق الثراء المادي، أو نيل المجد العلمي والأكاديمي؛ مما جعل كشوفاتهم الجغرافية والمعرفية مدخلًا لأهدافٍ ومطامعَ تحوّلت لاحقًا إلى أدوات استثمار وتمهيد لبسط الهيمنة الاستعمارية على المناطق التي كتبوا حولها[2].
ولهذا، لم تخلُ كتابات عدد من المستشرقين من تصوير الآخر بصورة تمهّد لاستعماره، أو تُعيد تشكيله ضمن تصورات تخدم الهيمنة الاستعمارية. في المقابل، نبعت الرحلات العربية إلى الغرب من رغبة حقيقية في فهم الفارق في التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعسكري؛ لا سيما في الفترة التي أعقبت الحملة الفرنسية على مصر وسبقت الغزو البريطاني والفرنسي للمنطقة العربية. وكانت بوادر الرحلة إلى الغرب مرتبطة بتوجيهات محمد علي باشا (1769- 1849)، بإرسال الشيخ رفاعة الطهطاوي رفقة بعثة تعليمية إلى فرنسا، الأمر الذي أتاح له تسجيل مشاهداته حول الحضارة الغربية في كتابة تخليص الإبريز في تلخيص باريز[3]، الذي يمكن اعتباره من النصوص التأسيسية في أدب الرحلة العربي الحديث.
شكلت كتابات الرحلة موردًا مهمًا للأدب، ولا سيما الرواية؛ حيث استثمَرت بعض الأعمال الروائية الغربية ما دوّنه الرحالة عن الشرق، فجعلت من الشعوب العربية وجغرافيتها موضوعًا لما عرف لاحقًا بالرواية الاستعمارية. ورغم أن التراث العربي عرف أجناسًا أدبية متعددة، مثل المقامات والسير الهلالية وغيرهما؛ فإن أدب الرحلات – رغم قيمته السردية – ظل محكومًا بوظيفته الإخبارية والتوثيقية، الأمر الذي حدّ من انفتاحه على التخييل بوصفه عنصرًا أساسًا في البناء الأدبي. وقد أسهم ذلك في غياب رد سردي موازٍ على السرديات الغربية التي تزامنت مع ولادة الرواية الحديثة في الغرب واتصالها بالسياقات الاستعمارية؛ غير أن الرواية العربية الحديثة سعت لاحقًا إلى استدراك هذا الغياب من خلال مساءلة تلك السرديات، ونقدها، وتفكيكها في إطار أدب ما بعد الاستعمار.
ومع تطور الرواية العربية الحديثة بدأ توظيف الرحلة بوصفها عنصرًا بنائيًا داخل عوالمها السردية؛ حيث تحوّلت إلى وسيلة لتفكيك خطاب الآخر المستعمِر عبر البنية المكانية للنص. ولم يعد هذا التوظيف مشروطًا بالانتقال إلى بلاد الغرب؛ بل اتخذ من الرحلة وسيلة لفهم غزو الغرب لعوالمنا العربية. وبالنظر إلى أن ولادة الرواية العربية ارتبطت جزئيًا بفعل الاستجابة للسرديات الغربية؛ فإنها لم تُغفل خصوصيتها الثقافية؛ إذ أعادت استحضار وإنتاج التراث السردي العربي داخل فضائها النصي. وتجلت هذه الخصوصية – عبر الرحلة بشكل أساس – في قدرة النص الروائي على تجديد بنية الفضاء الأدبي القائم على خرائطية السرد، من خلال اهتمامه بعنصر المكان. ففي الوقت الذي اقتصرت فيه تدوينات الرحالة على الوصف المجرد للأماكن، عكفت الرواية على إضفاء روح الإبداع على المكان عبر التخييل، ما شكل ممارسة جمالية لا تنفك عن تكوين معرفة جامعة للخصائص التي اشتملت عليها سرديات الرحالة، ومنها الجغرافي والتاريخي.
وبالتالي؛ فإن توظيف التراث الأدبي منح الرواية العربية قدرة على الابتكار عبر شكلها، وهو ما تناقشه هذه الدراسة انطلاقًا من اعتبارها شكلًا يمكن أن تنصهر فيه أشكال سردية عدة، بما يؤسس لطبيعة الرواية الفسيفسائية المركبة التي تتداخل فيها الأجناس التعبيرية[4]. ويقع هذا التداخل على مستوى التعالُق النصي والشكلي معًا، بصورة تؤسس للقيمة المعرفية، وهي قيمة تتحدد في بناء العوالم التاريخية بطريقة تسمح بإعادة الاعتبار إلى الذاكرة غير الرسمية عبر استحضار المدن والحضارات[5]. وبما أن الشكل الروائي يبني أفق الارتحال المكاني في فضاء النص، يمكن اتخاذ ذلك مدخلًا لفهم علاقة الرواية بالتاريخ والجغرافيا على السواء.
تستجيب هذه الدراسة لمطلب معرفي يبحث في خصوصية الشكل الأدبي للرواية وقدرته على استثمار الأشكال الأدبية للأنواع السردية التقليدية مثل أدب الرحلات، والسير الهلالية، والمخطوطات، في بناء عوالم النص التاريخية لتمنح الشكل الأدبي بعدًا معرفيًا نقديًا. ويتأتى ذلك عبر أسلوبية الرواية (Novelistic Discourse) التي نظر لها ميخائيل باختين (Mikhail Bakhtin) في إطار تعدد مستويات اللغة (Heteroglossia) والحوارية (Polyphony) والبنية الزمكانية من خلال ما اصطلح عليه بالكرونوتوب (Chronotope). وتتجاوز هذه الطريقة التحليلية النظر للشكل الروائي بوصفه هيكلًا بنيويًا للنص، لتعتبره حاملًا للبعد النقدي والأيديولوجي عبر الخطاب الذي يؤديه بالتظافر مع مكونات النص الداخلية، مؤسسًا بذلك على فرادة الرواية ومرونتها في بناء شكل أدبي مركب يؤسس لغاية خطابية تتصل بالتاريخ والواقع.
بناءً على ذلك، يُنظر للشكل الروائي في هذا المقال على أنه بنية مرنة ومكتسبة من مرونة الرواية التي لا تمتلك قالبًا ثابتًا، لكونها تقوم على السرد الحواري وبناء خطاب ذي خصوصية قائمة على استدعاء الأجناس الأدبية في بناء عوالم النص، ما يؤسس لمعمارها النصي الذي يقوم على مرونتها في توظيف العتبات كنصوص موازية، بصورة تمنح الشكل الروائي بعدًا جماليًا فاعلًا في منحها خصوصية لا تنفصل عن الدور الخطابي الذي يؤديه إلى جانب خطاب النص. كما تبرهن الدراسة على قدرة الشكل في التنظير فيما يتعلق بتوليد العوالم التاريخية من خلال ابتكاره للفضاء المكاني وقيامه بممارسة نقدية منتجة للمعرفة؛ بحيث يُنظر إلى المكان كأكثر من مجرد مسرح للأحداث؛ بل كبنية تتسع وتتنوع باتصال الشكل الروائي مع غيره من الأشكال الأدبية.
ندرس في هذا السياق رواية "تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية"[6] لعبد الرحيم لحبيبي، انطلاقًا من خصوصية الرواية في بناء شكل روائي يتصل بالتراث الأدبي والتاريخي، من خلال مخطوطة تاريخية متخيلة تحوي مذكرات الرحالة المغربي العبدي في رحلته إلى الحج. وتستفيض هذه المخطوطة في التطرق إلى تاريخ الاستعمار للمنطقة العربية، اعتمادًا على رحلة الحج كوجهة قائمة على الانتقال من مكان إلى آخر، ما يفتح باب التأمل التاريخي في تفكيك الاستعمار كظاهرة تاريخية بالاتصال مع الجغرافيا، ونقد الذات وتقهقرها أمام المستعمر الغربي.
في هذا السياق، مثلت الرحلة إلى الحج إلهامًا للرواية العربية، وشكلت منذ قديم الزمان شكلًا من أشكال الوحدة العربية. ويُعد استحضارها في الرواية الحديثة نابعًا من محاولة تقصي أثر العزلة الثقافية والحضارية عن الغرب. ولذلك، كانت الوجهة إلى الحج بشكلها التاريخي عبر البر في الرواية التي تتناولها الدراسة مصدرًا مهمًا لاسترجاع تاريخ الاستعمار، بما يحدد أهمية الماضي في قراءة الحاضر واستشراف المستقبل. فالرواية، عبر شكلها المتفرد، استلهمت قيمتها الأدبية بقدرتها على إيجاد علاقة بين التاريخ والمكان،استدراكًا للذاكرة الجمعية[7]، وهو ما عززته الرحلة كوجهة لبناء المكان في النص الروائي. من هذا المنطلق، تؤسس الرواية إلى تجاوز النظر للارتحال إلى المقدس بما يقتصر على الجانب الديني، كما تناولتها رواية مالك بن نبي "لبيك حج الفقراء"[8]، التي عكست الوجهة إلى الحج كمقصد للتطهر من الخطايا؛ حيث يتجه لحبيبي في روايته إلى توظيف رحلة الحج كمقصد راهن يستجيب لأزمة الأمة والثقافة من خلال بناء خطاب يفكك الاستعمار زمانيًا كظاهرة تحكم الواقع العربي.
أما بالنسبة لأهمية الرواية في سياق ما تروم له الدراسة، فهي تكمن في استدعائها لمخطوطة تاريخية تحتوي على الرحلة، وتوظيفها كحيلة سردية تسمح برصد الوقائع التاريخية في أواخر القرن التاسع عشر وما بعده، وبصورة تستدعي الماضي للبحث في معضلات الحاضر. فتأخذ الرواية شكل تحقيق نص المخطوطة؛ بحيث تعكس قدرة الشكل الروائي على استيعاب مخطوطة الرحلة بما تقوم عليه من توثيق تاريخي وإثنوغرافي للمجتمعات والثقافات، ما يؤسس لشكل ذي خصوصية تجمع بين استكشاف التاريخ والحاجة إلى المغامرة، وبناء خطاب يوفق بين شكل الرواية وبين تحوّل غرض الارتحال إلى الحج، من البحث عن المعرفة، إلى فضاء جامع للمعرفة التاريخية والثقافية، في مساءلة الذات عن موقعها، وتفكيك خطاب الاستعمار، والإخبار عن الجغرافيا البشرية، والحروب التاريخية.
يمنح شكل الرواية، المنبثق من تحقيق المخطوطة، فضاء النص الرمزية التاريخية والمعرفية، في بناء فضاء خرائطي قائم على الحركة والسكون في وجهة الرحالة الفردية إلى الحج؛ مما يجعل الوجهة إلى الحج سياقًا نقديًا منتجًا للمعرفة والتجربة الإنسانية، في ضوء تجاوز قصد المقدس لأغراض دينية محضة. وتتموضع هذه الدراسة ضمن دراسات الأدب المقارن الحديث في ضوء النقد الثقافي لأدب ما بعد الاستعمار، وكذلك الدراسات المكانية التي تشدد على أهمية المكان بوصفه خطابًا معرفيًا. عليه، تستفيد هذه الدراسة من طروحات ميخائيل باختين فيما يتعلق بأسلوبية الرواية، واستدعاء التنظير البنيوي لجيرار جينيت (Gérard Genette) لتقصي وظيفة بناء النص في منح الشكل الروائي خصوصية حاملة للأبعاد الحوارية التي تنعكس على توظيف البعد المكاني. وتعتمد في تقصي خصوصية الشكل الأدبي على القراءة الفاحصة للنص الروائي من خلال البنية اللغوية وتأويلها؛ بحيث ينتج النص التحليلي معرفة تفكيكية تجعل من الشكل الروائي أدبًا لا يقف عند حدود ثابتة للمعنى، مع التشديد على أن هذه القراءة ضرورية في ضوء الكشف عن الخطاب الاستعماري والرد عليه عبر السياق التاريخي وما يمنحه من سلطة للغة.
وفي ضوء ما سبق، تسعى الدراسة إلى مقاربة الأسئلة التأطيرية الآتية:
- كيف يمكن فهم خصوصية الشكل الروائي بوصفه مؤسسًا لفرادة النص الروائي؟
- كيف يمكن النظر إلى الشكل الروائي بوصفه منطلقًا لمقاربة النص من خلال الأسلوبية الحوارية التي تمنحه بعدًا فكريًا؟
- كيف أسهم سياق الرحلة المتخيلة إلى الحج عبر المخطوطة بناء رافد معرفي يتصل بالتاريخ في تداخله بين الماضي والحاضر؟
- ما القيمة المعرفية للرحلة بوصفها ممارسة نقدية في سياق دراسات ما بعد الاستعمار في الرواية؟
تعد الرواية، ببنيتها الحوارية، الشكل الأدبي الذي أثبت قدرته على استيعاب الأجناس التعبيرية المتنوعة[9]؛ إذ برهنت على قدرتها على استيعاب التجارب الإنسانية، انطلاقًا من كونها منجزًا إنسانيًا لا ينفك يعيد إنتاج العالم وفق متطلبات الواقع الراهن ومعضلاته السياسية والاجتماعية، ما يجعلها شكلًا أدبيًا منتجًا للمعرفة في سياق استنطاق النص. وبحسب ميخائيل باختين، اكتسبت الرواية، كشكل أدبي، قيمتها الحوارية لإدراكها أهمية الأجناس التعبيرية القديمة التي احتوت على السرد، ومهدت بطريقة ما لبنية الرواية الحديثة، فلم تهمشها لكونها اعتمدت على العنصر السردي[10]، خلافًا لجورج لوكاتش (Georg Lukács)، الذي استند إلى البعد التاريخي في ظهور الأجناس الأدبية، معتبرًا أن هناك شروطًا تاريخية أوجدت الأنواع التعبيرية القديمة كالملحمة وغيرها من أشكال التعبير[11]، وهي الشروط ذاتها التي استدعت اختفاءها لتظهر الرواية كشكل أدبي "يسمح بالتفكير في مآزق العصر الراهن وتناقضاته"[12].
ورغم أن كلًّا من لوكاتش وباختين استند إلى إدراك أهمية الرواية في اتصالها مع الواقع ومعضلاته؛ فإن تنظير باختين للرواية – كجنس أدبي مرن قائم على تعدد الأصوات وتعدد مستويات اللغة في التأصيل لخصوصيتها – أكسبها أهمية عززت من كونها شكلًا أدبيًا منفتحًا يمتلك قدرة استيعابية وأسلوبية تستحدث من خلاله المعرفة الاجتماعية والأيديولوجية. وتتقاطع هذه الفكرة مع ما ذهب إليه جورجي زيدان (Jurji Zaydan)، الذي عزا الرواية لكونها منجزًا إنسانيًا عابرًا للثقافات والعصور؛ إذ جعلت حاجة الإنسان للسرد منها حاضرًا في علاقته مع نفسه ومع العالم. وعليه؛ فإن الكتابة الروائية فعل تراكمي ناتج عن تطور العلاقة بين الكاتب ولغته، ما أدى إلى تحررها من معايير إنتاج النص، وأوجد أصنافًا متعددة منها؛ التهذيبية، والتاريخية، والعلمية، والأدبية، وغيرها[13].
1. الشكل الروائي بوصفه بنيانًا للنص
تعد الأسلوبية أحد المداخل النظرية الأساس لدراسة تفرد الرواية بوصفها جنسًا أدبيًا نثريًا، في سياق البحث عما يميز بنيتها التعبيرية ووظيفتها الجمالية؛ إذ حظيت باهتمام خاص لدى الشكلانيين لكونها ظاهرة خطابية متعددة الأساليب والألسن والأصوات[14]. وبينما يتحدد الشكل عادةً بدوره البنيوي؛ فقد يتعدى هذا التحديد حين ينظر إليه كحامل لخصوصية أسلوبية تسهم في إرساء أدبية النص الروائي. وتنطلق هذه الدراسة من مساءلة الشكل الروائي وقدرته على تسريد المعرفة وبناء العوالم التاريخية، من خلال تحليل مخطوطة الرحلة إلى الحج، في محاولة لفهم دور اللغة على مستويين متكاملين: المستوى البنيوي الذي يؤسس لخصوصية النص الداخلية، والمستوى التأويلي الذي يتيح للنص بناء علاقته مع العالم الخارجي. ويتم ذلك عبر إبراز فرادة مخطوطة الرحلة كشكل أدبي قائم بذاته، استطاع أن يجد طريقه نحو البنية الروائية مما يسمح بإضفاء خصوصية مغايرة تسهم في تشييد شكل روائي مركب، يتشكل عبر التداخل الخلاق مع الأجناس القديمة.
في هذا السياق، تقتضي دراسة الشكل بالضرورة النظر في بناء النص الروائي، وإن كنا معنيين ببنية النص الداخلية لفهم خصوصية فضائه اللغوي والثقافي؛ فإن الأسلوبية تقف بنا على مفترق طرق يجعل من النظر إلى امتدادات النص الخارجية ضرورة لفهم بنيته الداخلية. كما أن النظر إلى بنية النص الداخلية دون الأخذ بعين الاعتبارات ارتباطاته الخارجية يجعل منه فضاءً مغلقًا على ذاته، بصورة تهمش امتداداته المعرفية، وهو ما تعمد هذه الدراسة إلى تجاوزه من خلال النظر إلى الشكل الروائي بوصفه مؤسسًا لأسلوبية الرواية الحوارية عبر الخطاب المعرفي الذي يؤديه، ما يجعلنا أمام ثلاثة عناصر أساس لفهم خصوصية الشكل الروائي من خلال الأسلوبية، هي: الكاتب، والقارئ، وما بينهما (اللغة).
يعرّف ميكائيل ريفاتير (Michael Riffaterre) الأسلوب الأدبي، ضمن ما يسميه الأسلوبية البنيوية (Structural Stylistics)، بأنه: "كل شكل ثابت فردي ذي مقصدية أدبية"[15]. ويعزو ريفاتير ثبات الشكل إلى الخصائص الشكلية التي تميز كل شكل أدبي على حدة، وبذلك يميز بين الشعر والرواية؛ إذ تشير المقصدية لديه إلى تفضيل الحمولة الجمالية على الحمولة الدلالية على مستوى وحدات النص. ومن ثم ينشغل ريفاتير بتقصي أسلوبية النص من جانب بنيوي، مع تأكيده في الوقت نفسه على الدور المحوري للقارئ في خضم السياق الأسلوبي للنص، بوصفه مركز العملية التأويلية في فعل التلقي؛ إذ تتحقق مقصدية النص الأدبي لديه من خلال الاهتمام بالقارئ[16]. وعلى هذا الأساس، يتحدد موقع القارئ في المقاربة الأسلوبية بقدرته على إنتاج قراءة إبداعية، يجعل منها دريك أتريدج (Derek Attridge) شرطًا ضروريًا للوصول إلى خصوصية العمل الأدبي، باعتبارها استجابة لثلاث خصائص مترابطة، هي: اختلاف العمل وإبداعه وخصوصيته[17]؛ إذ يؤدي كل منها إلى الآخر ضمن دينامية القراءة والتأويل.
يستند ريفاتير في تنظيره للأسلوبية إلى اعتبار النص ذا فردانية بفضل الكاتب الذي يقدم نصًا يجعل القارئ شريكًا في أسلوبيته، على أن يتوافر في هذا القارئ وعي بإدراك مكونات النص التي تستهدفه بوصفه بعدًا فاعلًا، لا عابرًا، في عملية القراءة[18]. فيما يعتبر أتريدج القراءة تكريمًا لإبداع الكاتب في إطار منجز ثقافي فريد من نوعه، وبالتالي فإن القراءة حدث بقدر ما هي فعل[19]؛ إذ تتوج الوعي بتجربة الاختلاف التي يقصدها الكاتب في أسلوبيته للنص.
إن عملية القراءة، بوصفها إدراكًا لأسلوبية الرواية وخصوصيتها الشكلية، تتموضع أولًا في فعل الكتابة، الذي يجعل من النص ذا قيمة وجودية تستدعي فعل القراءة، ما يتحدد أيضًا بالوعي بقيمة اللغة بوصفها أداة تعمل بينهما. ورغم أن ريفاتير أَولى اهتمامًا باللغة التي يجب أن تسترعي انتباه القارئ؛ فإن الأسلوبية لديه لا تتجاوز القارئ؛ بل تَعبر من خلاله إلى النص ولا تخرج منه، لتتحدد قيمة اللغة على مستوى النص داخليًا، إلا أن قيمة اللغة قد تتجاوز ذلك في إطار علاقة النص مع السياقات الثقافية والاجتماعية والتاريخية، بوصفها ضرورة في خضم القراءة الإبداعية التي تقتضي قراءة العمل باعتباره تمثيلا للأحداث والأشخاص والأشياء[20].
في سياق هذه الدراسة، ننطلق من فعل القراءة كما يتصوره ريفاتير؛ إذ نسعى إلى إدراك خصوصية الأسلوبية في الرواية بالنظر إلى الشكل بوصفه مفتاحًا للنص، لا ينفصل عن البنية اللغوية بل يؤصل لها. في حين أننا لا نحصر اهتمامنا الحمولة الجمالية للغة التي قدمها ريفاتير على حساب الحمولة الدلالية في إطار المقصدية؛ إذ إن ذلك يجعل دور اللغة في تفرد النص مهمشًا، ويتجاهل قدرتها على الابتكار بما يتجاوز حدودها في النص الأدبي. وهو ما يأتي على النقيض مما توجه إليه باختين عبر المرونة التي تتسم بها الرواية انطلاقًا من مبدأ الحوارية، الأمر الذي يجعل أسلوبية الرواية لا تعتمد بالضرورة على القارئ وحده؛ بل تشكل اللغة جوهرها؛ فالأسلوبية لا تركن بالضرورة إلى القارئ، وإنما تأخذه بعين الاعتبار؛ بحيث تعد اللغة منطلقًا يميز الشكل الروائي ويجعل منه ابتكارًا.
في رواية تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية تنعكس هذه الأسلوبية على مستوى الشكل، الذي يستند إلى مخطوطة مجهولة يقرر الكاتب تحقيقها بنفسه، عبر إضافة الشروح عليها وسد الثغرات الناتجة عن فقدان أوراق، لتتخذ الرواية بذلك هيئة مخطوطة يجري تحقيقها. ومن ثم لا تتوقف وظيفة الكاتب عند كونه منجزًا للنص فحسب؛ بل تتجلى في دوره كمحقق لنص المخطوطة داخل فضاء الرواية. فنحن، بوصفنا قرّاءً، نتتبع هذا الدور منذ المقدمة التي تسبق الولوج إلى المتن السردي؛ حيث يفصح الكاتب عن وجود أوراق ناقصة تفتقدها المخطوطة المتخيلة، ما يجعل اللغة أداته في سد الثغرات، ضمن عملية سردية متواصلة تستقطب القارئ على امتداد النص فيما يمكن تسميته بـ"استقراء التميز الأسلوبي"[21] للرواية. وعلى هذا الأساس، تتأرجح اللغة بين داخل النص وخارجه، من خلال إحالتها إلى محتوى المخطوطة التاريخية المتخيلة عبر الهوامش التي يضيفها الكاتب المحقق إلى النص الروائي؛ مما يضع القارئ في حالة تردد معرفي بين إدراكه أنه يقرأ نصًا روائيًا متخيلًا، وبين الإيحاء بأن هذا النص يستند إلى مرجعية تاريخية قوامها المخطوطة ورحلة الحج التي تتضمنها. ويكمن هذا التراوح بين الداخل والخارج في كونه فضاءً تخييليًا تتشكل فيه حدود الغرابة السردية؛ حيث تنبثق هوية كل من الكاتب والقارئ من اللغة ذاتها، في الوقت الذي لا تنفك حدود اللغة عن سياقاتها الاجتماعية والتاريخية التي تحتضنهما معًا.
تفرز اللغة، بهذا المعنى، تفردًا للشكل الروائي، يتجلى عند جيرار جينت في العتبات[22] التي تضطلع بدور تأطيري في تقسيم النص ومنح الشكل الأدبي ملامحه الخاصة، بدءًا من العنوان بوصفه المدخل الأول للنص، وصولًا إلى حد التغلغل في بنيته من خلال المتعاليات النصية (التي تشمل: المناص، والتناص، والميتا-نص، والنص اللاحق، والنص الجامع)[23]. وتؤدي هذه المتعاليات دورًا أساسًا في تحقيق خصوصية الشكل الروائي، بما يتجاوز حدود النص المغلق، نظرًا لما تتيحه من بناء علاقة تفاعلية مع نصوص أخرى. وتزداد هذه الدينامية ثراءً في الرواية من خلال مبدأ الحوارية الذي صاغه باختين بما يسمح بتشكل أسلوبية لغوية ذات بعد اجتماعي – أيديولوجي. وفي هذا السياق يعد العنوان، بوصفه العتبة الأولى في الشكل الأدبي، عنصرًا يتجاوز وظيفته البنيوية المجردة داخل النص؛ إذ تمثل العتبة في جوهرها فضاءً تأويليًا يفتح النص على إمكانات متعددة للتفاعل[24]. ومن ثمّ فإن الوعي بفضاء العتبة في الوقت ذاته وعي بضرورة التفاعل النصي[25]. وهو ما يؤدي إلى انفتاح النص على تعددية القراءات والتأويلات ويقود هذا الانفتاح إلى التلاقي مع أسلوبية الرواية لدى باختين، عبر سماتها المثمثلة في الحوارية وتعدد الأصوات وتعدد مستويات اللغة، وهي سمات تتجلى في وحدات لغوية تنعكس في السرد المباشر، والأسلبة، والتهجين[26]. وتتيح هذه الوحدات إعادة التفكير في النص بوصفه معمارًا[27] دلاليًا، والنظر إليه كمبتَكِر ومبتكَر في آن واحد. وفي هذا الإطار يحتل الشكل موقعًا جوهريًا في عملية الابتكار هذه؛ إذ يغدو بمثابة نافذة النص التي ينفتح من خلالها القارئ على عوالمه المعرفية. وهي نافذة ذات أفق غير محدود؛ بحيث إن كل قراءة للنص تمر بالضرورة عبر الشكل بوصفه المدخل الذي يتيح الولوج إلى بنيته الدلالية وآفاقه التأويلية.
2. الشكل الروائي بوصفه عتبة- والعتبة بوصفها فضاء
يعد الشكل الروائي أول ما يواجه القارئ عند ولوجه النص، بوصفه العتبة الأولية التي يعبر من خلالها إلى العالم السردي؛ غير أن هذا الشكل لا يتسم الثبات؛ إذ إن الرواية، بحسب باختين، نوع أدبي "يبحث بشكل دائم ويحلل ذاته أبدًا ويعيد النظر في كل الأشكال التي استقر فيها"[28]. ويشكّل هذا الطابع الدينامي معيارًا من معايير أدبية الرواية؛ إذ يسمح لها بإعادة إنتاج ذاتها والتنوّع في بنيتها شكلًا ومضمونًا، من خلال اللغة التي تكرس خصوصيتها الشكلية، وتسهم في بناء العوالم الزمكانية التي صاغها باختين في مفهوم "الكرونوتوب"[29] الذي يشير إلى الارتباط الجوهري بين الزمان والمكان[30]؛ حيث يبلغ هذا الارتباط حد التعالق والتقاطع بصورة يتعذر الفصل بينها.
وقد ربط باختين مفهوم الكرونوتوب بالمساهمة في البداية بنظرية الأنواع الأدبية، مثل الملحمة الأسطورة الشعر وغيرها، إلا أن هذا المفهوم تجاوز لاحقًا دوره التصنيفي المرتبط بالتمييز بين الأجناس الأدبية. ففي السرديات الحديثة، وتحديدًا في الرواية، بات واضحًا دوره المؤسس في ابتكار الشكل الروائي، من خلال قدرة هذا الشكل على محاورة الأنواع التعبيرية التقليدية. وقد أفضى ذلك إلى إعادة النظر في هذه الأنواع بوصفها أكثر من مجرد قوالب شكلية؛ إذ يمكن فهمها بوصفها أدوات فكرية ومعرفية تتيح إدراك العالم وتجسيد التجربة الإنسانية. وبذلك أصبحت الهياكل الأدبية المرتبطة بتلك الأنواع الأدبية (كالملحمة والأسطورة والمخطوطات وما يرتبط بها) وسائل لحفظ التجربة الإنسانية ونقلها، بوصفها تعبيرًا عن الفترة التاريخية التي أوجدتها[31]؛ غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف استثمرت الرواية هذه الأنواع التقليدية في تجديد شكلها السردي؟، ولأي غايات جمالية ومعرفية تم ذلك؟،وكيف استفادت من الأنماط الزمكانية في توظيف البعد التاريخي داخل النص الأدبي؟
يبدو استحضار الكرونوتوب في السرديات الحديثة عاملًا بنيويًا أسهم في الابتكار الشكلي للرواية، إلى جانب قيمته النقدية في ربط النص بالسياقات الثقافية والاجتماعية والتاريخية. ومن ثم فإن بعض الكرونوتوبات التي تشكلت في الأصل ضمن أجناس أدبية تقليدية، ثم تراجعت عبر الزمن؛ إما لضعف قدرتها على إنتاج دلالات جديدة، أو لعدم ملاءمتها للسياق الأدبي والثقافي المتغير[32]. وأعادت الرواية الاعتبار إليها عبر استدعائها ضمن بنية الشكل الروائي، وتحويلها إلى ثيمات سردية تُبنى عليها ثيمات عوالم النص. وفي هذا الإطار تمكن ملاحظة حضور المخطوطة والرحلة إلى الحج بوصفها كرونوتوبات استدعتها الرواية موضوع الدراسة. فقد منح الشكل الروائي القائم على تحقيق نص تاريخي لهذين العنصرين بعدًا خرائطيًا؛ إذ يغدو النص بمثابة خريطة أدبية تستكمل عبر الشروح والتفسيرات، ويتشكل الفضاء المكاني فيها كخريطة متعددة الأماكن. وهكذا يمهد الشكل الروائي لقيام علاقة تعالُق مع التاريخ تخدم البعد النقدي للرواية؛ إذ إن خصوصية البناء الشكلي تحيل إلى فرادة الطرح المكاني، بما يتيح تسليط الضوء على سياقات تاريخية وحقب زمنية كادت تتلاشى تدريجيًا من ذاكرة الإنسان والمجتمع[33].
بناءً على ذلك، يغدو الشكل في الرواية قادرًا على تأصيل الكرونوتوب بوصفه أداة فكرية قابلة لإعادة التوظيف تبعًا للسياق، فإعادة تدوير الكرونوتوبات القديمة داخل النص الأدبي أسهمت في إحيائها ضمن الأدب الحديث بصورة جادة وأصيلة[34]. ومن مظاهر هذا الإحياء ما يتيحه الشكل الروائي من إقامة صلة تاريخية تمنح الرواية بعدها الأيديولوجي؛ إذ تتحقق خصوصيتها الشكلية عبر التنويع وإدراك الاختلاف في بناء التجربة الأدبية. وبذلك، تنظر هذه الدراسة إلى الكرونوتوبات بوصفها بنية مؤسسة في تشكيل خصوصية الشكل الروائي، بدءًا من العنوان، مرورًا بهيكل الرواية، ووصولًا إلى نسيج النص ذاته. ذلك أن الكرونوتوبات تتراكب فيما بينها وتنجز معرفيًا بما يخدم الرواية على مستوى الشكل والمضمون. ففي الرواية التي نتناولها بالدراسة يظهر كرونوتوب التغريبة في العنوان بوصفه عتبة أولى، في إحالة واضحة إلى تغريبة بني هلال كموروث ينتمي إلى أدب السيرة الشعبية، وقد جرى استدعاؤه لتوصيف رحلة العبدي إلى الحج بما تنطوي عليه من تجربة الاغتراب والغربة. أما الرحلة إلى الحج ذاتها فتشكل كرونوتوبًا ذا قيمة تاريخية، يستند توظيفه إلى ممارسة نقدية قائمة على التنقل المكاني. في حين تمثل المخطوطة التي يعثر عليها الكاتب عتبة ثانية؛ إذ ترد في مقدمة تسبق النص عنوانها: "قد تكون المدخل وقد تشبه الخاتمة؟!"[35]، ويسرد فيها الكاتب قصة عثوره على المخطوطة. ومن ثم تصبح هذه المخطوطة مدخلًا يمنح النص الروائي شكل تحقيق النص التاريخي، وهو ما يتجلى في العنوان الذي يسبق الدخول المتن السردي: "المخطوطة الفريدة، أو مخطوطة سوق العفاريت"[36].
ومن ثم تعنى هذه الدراسة بالشكل الروائي بوصفه عتبة أولية تقود إلى انفتاح النص على الفضاء الزمكاني الذي يؤسس لتمثيل العوالم التاريخية. فالتفكير في الفضاء من خلال الكرونوتوب، بوصفه عتبة متأسسة في الشكل الأدبي، يفتح أفق النص على الأسلوبية الحوارية التي تتفاعل فيها الأصوات داخل النص عبر اللغة. وتتجسد هذه التفاعلات في أشكال خطابية متعددة، مثل الحوار المباشر، والتهجين الذي يعرفه باختين بأنه "مزج لغتين اجتماعيتين داخل ملفوظ واحد"[37]، والأسلبة التي تكشف قدرة النص على استيعاب أشكال لغوية متنوعة، بما في ذلك اللغة الأجنبية واللهجات المختلفة[38]. وبذلك يتأسس الفضاء مكانيًا عبر الكرونوتوبات التي تمنح الرواية شكلها المتفرد؛ حيث تمارس الشخصيات وجودها داخل شبكة من التفاعلات الصوتية والأيديولوجية، ويغدو المكان، النابع من الشكل الروائي، أداة معرفية تجعل من الرواية "رحلة في الزمان والمكان معا" [39]. ومن هنا تبدو حاجة النص إلى العتبات كنصوص موازية ومؤسسة في الشكل الأدبي، لأنها تحمل مضامين الزمان والمكان التي تستدعيها الرواية في بناء خصوصية شكلها الروائي والفضاء المكاني الذي يقوم عليه.
يعد تشكيل النص الروائي عملية معرفية تتفاعل داخلها أدوار الكاتب والقارئ؛ إذ لا يمكن تصور بناء العالم السردي بمعزل عن العلاقة التي تربط الكاتب بجمهور القراء، بالنظر إلى هذا العالم بوصفه فضاءً مشتركًا. ومن ثم فإن طريقة الكاتب في ابتكار أسلوبية الشكل الروائي تؤسس لابتكار البنية النصية؛ بحيث يبدو القارئ عنصرًا فاعلًا في إنتاج النص، عبر التفاته إلى السمات الأسلوبية التي تحيله بالضرورة إلى حضور الكاتب داخل النص[40]. مما يفسح المجال للنظر إلى كل كاتب بوصفه قارئًا، وإلى كل قارئ بوصفه شريكًا في عملية الكتابة؛ بحيث تمثل كل قراءة إنجازًا جديدًا لأسلوبية الابتكار الإبداعي القائم على اللغة المنتجة للنص.
1. تحقيق المخطوطة: حيلة سردية لانفتاح النص على متون التاريخ
ينعكس هذا التفاعل بين الكاتب والقارئ في الكيفية التي تبنى بها خصوصية الشكل الروائي، من خلال استدعاء المخطوطة التاريخية كحيلة سردية يتم عبرها تحقيق النص داخل الرواية؛ إذ تبدأ الرواية بمقدمة يروي فيها الكاتب كيفية عثوره على المخطوطة، وسعيه إلى تجميع أوراقها وعرضها على أساتذته في الجامعة من أجل الإشراف على تحقيقها، بوصفها نصًا ينتمي إلى أدب الرحلة، دونه رحالة عاش في القرن التاسع عشر. ويؤدي الكاتب في هذه المقدمة دور الراوي، غير أنه في الوقت ذاته يظهر بوصفه قارئًا لنص المخطوطة المتخيلة التي تُستثمر كاستراتيجية سردية لبناء شكل النص القائم على الرحلة، وهو الغاية الفكرية التي يسعى إليها الكاتب، والمتمثلة في استدعاء التاريخ وإعادة توظيفه داخل النص الروائي.
ويكشف هذا التوظيف عن بعدٍ ميتاسردي واضح؛ حيث يُوازِي الكاتب نفسه بالقراء؛ إذ يرفض الأساتذة الذين عرض عليهم المخطوطة الإشراف على تحقيقها بسبب ضياع أجزاء مهمة منها، الأمر الذي يجعلهم يرونها غير صالحة للتحقيق العلمي غير أن هذا الرفض يتحوّل داخل النص إلى وسيلة لتذويب الحدود التقليدية بين الكاتب والقارئ[41]؛ إذ لا يعود الكاتب مجرد منتج للنص، كما لا يبقى القارئ مجرد متلقٍ له؛ بل يندمج كلاهما داخل أفق انتظار مشترك يواكب تشكّل النص الروائي. وفي هذا السياق، يتتبع الكاتب الثغرات التي تعتري المخطوطة محاولًا سدها عبر تحقيق نصها داخل المتن الروائي، في حين يرافق القارئ هذه العملية من خلال متابعة تطور الأحداث، بما يجعله مشاركًا في إنتاج المعنى.
ومن ثم يغدو التأويل عنصرًا أساسًا في عملية تشكل النص؛ بحيث لا يجنب النص الروائي الاشتباك مع التاريخ؛ بل صياغته عبر الرمزية التأويلية والدلالية للمخطوطة ومحتواها. وفي هذا السياق، يشير بول ريكور (Paul Ricœur)، في كتابه: الزمان والسرد[42]، إلى أن عزل التاريخ عن السرد يفضي إلى تضييق أفق التأويل؛ إذ يُنظر إلى النص حينئذٍ بوصفه خطابًا مكتفيًا بسياقه، مع إقصاء دور كل من الكاتب والقارئ بوصفهما عنصرين ثانويين. أما ربط التاريخ بالسرد الأدبي فيتيح التعامل مع النص بوصفه فضاءً مفتوحًا للتأويل دون أن يفقد مقوماته الأدبية. من هذا المنطلق، لجأت الرواية الحديثة إلى استثمار الرحلات لإثراء أدبية النصوص، عبر توظيف الرحلة ببعدها التاريخي مكانيًا، والاستفادة منها في طرح السياقات التاريخية. وقد تحوّلت العديد من الرحلات الاستكشافية إلى القدس والمشرق العربي، على سبيل المثال، من مجرد نصوص جغرافية، أو تاريخية إلى نصوص أدبية، لما أتاحته من إمكانات تخييلية وسياقات إبداعية[43]. وقد أسهم هذا التحوّل في توسيع أفق التأويل؛ بحيث لم يعد النص يعيد إنتاج ذاته فحسب؛ بل أصبح فضاءً يعيد من خلاله الكاتب والقارئ معًا إنتاج المعنى[44]. وهكذا، يؤدي استدعاء مخطوطة الرحلة دورًا حاسمًا في تحديد شكل النص الروائي، عبر قدرته على الاشتباك مع التاريخ، فتغدو العلاقة بين المخطوطة المتخيلة والرواية علاقة تعالق نصي تجمع بين الأدبي والتاريخي؛ إذ يمكن النظر إلى المخطوطة التاريخية بوصفها نصًا سابقًا (hypotext)، في حين تمثل الرواية نصًا لاحقًا (hypertext).
يؤدي هذا التداخل على مستوى الشكل الروائي إلى توظيف الميتاقص (Metafiction) كتقنية سردية أساس؛ حيث تصبح المخطوطة نصًا مرجعيًا تبنى عليه الرواية التي تبدأ بسرد الرحلة على لسان الرحالة العبدي. وتتيح هذه الاستراتيجية توظيف الميتاقص التاريخي داخل متن النص الروائي، بما يبرز أهمية الرواية كشكل أدبي قادر على محاورة التاريخ. ويتحقق ذلك عبر توظيف تقنيات سردية متعددة تكشف آليات كتابة التاريخ وتشكله[45]، مثل تقنية تحقيق المخطوطة في سياق تشكل الرواية، فضلًا عن استحضار أحداث وشخصيات تاريخية تضفي على النص بعدًا معرفيًا نقديًا[46]. ولهذا تبدأ الرواية بعتبة نصية تحمل عنوان: "المخطوطة الفريدة، أو مخطوطة سوق العفاريت تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية"[47] في إشارة واضحة إلى أن النص الروائي سينبثق عن قيام الكاتب بدور المحقق. كما يضيف الكاتب في أسفل الصفحة ملاحظة: "عنوان المخطوطة وعناوين الفصول من وضع المحقق"[48]، في إعلان صريح عن تماهي شكل الرواية مع مخطوطة يجري تحقيقها. من خلال هذه الاستراتيجية السردية يمنح الميتاقص التاريخي الرواية شكلًا أدبيًا يقوم على بناء علاقة تبادلية مع التاريخ؛ بحيث يبدو تقمص الكاتب لدور المحقق كأنه يتجاوز مهمة ضبط النص وشرح ألفاظه إلى حدود تقترب من وظيفة المؤرخ، الأمر الذي يخلق نوعًا من الالتباس المنتج بين دور المؤرخ ودور المحقق في نظر قارئ نص الرواية. وهكذا فإن الشكل الروائي على أساس مخطوطة الرحلة إلى الحج يضع كلًا من الكاتب والقارئ داخل تجربة الحركة والتنقل والسكون التي يخوضها الرحالة على امتداد النص، لتغدو رحلة الرحالة من مدينة آسفي في المغرب إلى الديار المقدسة – ذهابًا وإيابًا – إلى سردية معيشة يشارك فيها كل من الكاتب والقاؤئ.
2. الكرونوتوب وترسيم الخريطة الأدبية: استدعاء التاريخ كممارسة نقدية
يشكّل تولي الكاتب وظيفة المحقق ممارسة خرائطية تمكنه من إنتاج النص الروائي وفق خريطة أدبية منظمة، تجنب القارئ الضياع داخل فضاء النص[49]، وتتجسد هذه الخريطة في بعدين متكاملبن: النصي والمكاني؛ إذ تتأسس الخريطة النصية على ملء الثغرات التي يزعم الكاتب افتقاد نص المخطوطة لها، وترسيمها بعتبات نصية رئيسة وداخلية، إضافة إلى الحواشي التي تغني النص الروائي، بما يمنح النص خصوصية شكلية على مستوى الابتكار السردي. أما الخريطة المكانية، فتتأسس على عنصر المكان في رحلة العبدي إلى الحج؛ بحيث يمارس القارئ قراءته النقدية في مقاربة للنص من منظور مكاني – جغرافي وزماني – تاريخي، فتتحقق الغاية من بناء نص روائي يستند إلى مخطوطة متخيلة، بما يؤسس للشكل الروائي ووظيفته الفكرية المشتقة من البناء والسرد[50].
يقع الشكل الروائي في صلب تجسيد تجربة النوع الأدبي، بوصفه ذا وظيفة بنيوية تنظم الكتابة والتلقي[51]. ومن هذا المنطلق، يحدد الكاتب العناصر المكونة لأسلوبية نصه الروائي؛ بحيث تظهر خصوصية العمل الأدبي من حيث الشكل، كما يجعل عملية التلقي مقصودة ومنهجية. ومن بين هذه العناصر التركيز على تمثيل العلاقات بين الزمان والمكان عبر اعتماد الكرونوتوب[52]، الذي يشكّل أداة تحليلية لترسيم خرائطية السرد وبناء الشخصيات الفاعلة، إلى جانب دوره في بنية الشكل الروائي. وتكمن أهمية الكرونوتوب في قدرته على توجيه فهم الأساليب النوعية للأعمال الأدبية في تشكّل بنى الزمان والمكان، كما يسهم في تأسيس الخرائط الأدبية التي ترشد القارئ [53].
في رواية تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية، يستثمر الكرونوتوب لبناء شكل الرواية وتجسيد الزمان والمكان بصورة متكاملة، بما يعكس طرق تفكير الشخصيات وأنماط التفاعل الاجتماعي في الإطار الزمكاني، متضمنًا العادات والتقاليد والقوانين والصراعات. ويهيمن كرونوتوب الرحلة إلى الحج على النص في تحديد حركة وسكون الشخصية الرئيسة، بينما يبقى كرونوتوب المخطوطة المتخيلة حاضرًا في كواليس بناء النص، مسهمًا في صياغة الأحداث التاريخية المرتبطة بفترة الاستعمار منذ القرن التاسع عشر، مع إبراز أبعادها الاجتماعية والثقافية والسياسية المعاصرة.
توظف الكرونوتوبات ضمن أفق مفتوح على بنى الزمان والمكان، ما يتيح التفاعل النصي وإبراز أيديولوجية الرواية. ويقوم الفضاء المكاني المستند إلى حركة وسكون الرحلة إلى الحج بخلق نص مفتوح على تنوع الكرنوتوبات التي تناولها باختين (اللقاء والطريق والمدينة والساحة العامة...إلخ)[54]؛ بحيث تؤدي وظيفةً في بناء شكل النص القائم على تمثيل علاقة النص بالتاريخ والجغرافيا، وبناء العوالم التاريخية، وإدماج المكان ضمن شبكة التفاعلات مع مكونات السردية الجوهرية. ومن ثم تتيح الرواية عبر هذا التوظيف "إعادة الاعتبار إلى الذاكرة التاريخية غير الرسمية"[55]، وفتح النص على أفق التأويل الزمكاني، مستحضرةً رحلات الحج التي نشطت في القرن التاسع عشر في بلاد المغرب العربي؛ بحيث يؤدي مسار الرحلة وظيفته التفكيكية للاستعمار كظاهرة تاريخية متأسسة في المكان.
تتضمن الرواية عبر مسار الرحلة نقدًا لسرديات أدب الاستعمار عن بلاد المغرب، التي برزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وسُيّرت لغايات استشراقية تهدف إلى تصوير المستعمَر كرجعي وتبرير الاستعمار. وترصد هذه الرواية الفجوة المعرفية الناتجة عن غياب الرد العربي على هذه السرديات الغربية، ما مكن الاستعمار من تصوير الجغرافيا العربية على أنها قاحلة وخالية من الحياة[56]. وفي هذا السياق، تتحوّل رحلة الحج إلى كرونوتوب ذي أبعاد تاريخية، مستحضرة سياقًا أوسع يبرز الحضارات والمدن التي عبرها الرحالة العبدي على امتداد الجغرافيا، في ممارسة نقدية وتفكيكية للرواية، على اعتبار أن الأدب الغربي مارس دورًا في الغزو الفكري[57]، فيما استدركت الرواية العربية الحديثة أهمية العودة التاريخية الزمنية، مع تضمين الرحلة بصورة عابرة للزمن، لتتمثل في الرواية بتجربة العبدي التي تمتد ثلاثة عقود، تبدأ سيرًا على الأقدام نحو الحجاز، وتنتهي بالعودة إلى المغرب بحرًا.
3. الفضاء المكاني والنقد الجغرافي: الوجهة إلى الحج في ضوء تجاوز الارتباط بالمقدس
تلقي العلاقة بين الرحلة والجغرافيا بظلالها على ابتكار الرواية في تجسيد الفضاء المكاني؛ إذ يعالج النص الروائي التعامل مع المكان بوصفه حدثًا رئيسًا ومحورًا للأحداث الأخرى[58]، وتمنح هذه السمة الجوهرية للمكان سلطة نقدية؛ إذ يستند إلى الجغرافيا الحاضرة في اشتباك المكان المتخيل مع الواقع، بما يجعل النص مُنتجًا للمعنى عبر تعدد مقاربات دراسة المكان. وتبرز هذه المقاربات من خلال الرحلة العابرة للجغرافيا؛ حيث تتقاطع الثقافات وتتلاقى سياقات النقد الاجتماعي والثقافي، ما يجعل المكان متحركًا ديناميكيًا[59]، وتجسد هذه الديناميكية الخريطة الجغرافية أدبيًا، متضمنة تجربة الشخصية في الرواية كجسد حاضر وفاعل داخل المكان، وموّلدًا لتعددية الدلالة والمعنى.
وفقًا لبول رودواي (Paul Rodaway)، تتجاوز الجغرافيا مجرد كونها خرائط، أو مواقع، لتصبح حضورًا جسديًا وإحساسًا ملموسًا[60]، بما يشمل شعور الاغتراب والرغبة في الانتقال، وهو ما يحوّل الرحلة من تجربة شخصية إلى تجربة جماعية، لا تخل بكونها ممارسة نقدية تتحقق من خلال عبور المكان واستحضار المعضلات السياسية والاجتماعية والثقافية. ويعود ارتباط الجغرافيا بالتاريخ إلى كون النزاع على المكان قاعدة قديمة، استندت إليها القوى الاستعمارية لصنع تاريخها المكاني. عليه، يشكّل الصراع المكاني ببعده التاريخي استحضارًا للعلاقة بين التاريخ والمكان في سرديات ما بعد الاستعمار؛ حيث يصبح الفضاء الأدبي أداة كتابة غير خطية للتاريخ[61]، قادرًا على استحضار الجغرافيا معرفيًا، وما قد ينتج عنها من أسماء وتخيلات تؤسس للعوالم التاريخية.
تتعدد الكتابات التي عنيت باستحضار الرحلة وعلاقتها بالتاريخ، غير أن رحلة الحج حظيت بنصيب وافر؛ إذ تتراوح بين تدوين تجارب الرحالة في وجهتهم إلى الحج، وبين نصوص وظفت الرحلة بصورة متخيلة كموضوع روائي. ففي الرحلات الحديثة، نجدها "ذريعة للتأمل الفكري العميق في شؤون المسلمين والدعوة إلى الإصلاح"[62]، بينما أصبح الاستحضار المتخيل للرحلة "ذريعة لمطارحة قضايا اجتماعية وفكرية وثقافية"[63]، ومن ثم، تجاوزت الرواية التي استدعت رحلة الحج تجسيدها لغايات دينية بحتة، وتعاملت مع المقدس كمنطق لمعالجة الأزمات الثقافية والاجتماعية والسياسية، مستحضرة حركة المكان وسكونه، وتوظيف المعرفة الجغرافية والتاريخية لتقديم معالجة نقدية لهذه الأزمات.
في تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية، تمثل الرحلة إلى الحج ممارسة مكانية قائمة على النقد الجغرافي؛ إذ تعمل الرواية على تشكيل معالجة تاريخية نقدية عبر مواجهة الاستعمار؛ مما يجعل النص ذا أسلوبية حوارية تتعدد فيها الأصوات، ويصبح المكان حاضرًا في اللغة، واللغة حاضرةً المكان[64]، لكشف البعد الأيديولوجي للاستعمار المستمر منذ القرن التاسع عشر. وترتبط الرحلة بالشعور بالاغتراب، لتتحوّل بذلك إلى منفى يعيشه الرحالة العبدي؛ حيث يصبح الحج محاولة للبحث عن حقيقة الاغتراب الذي يدفعه إلى الرحلة، دون أن يجد ضالته عند الوصول.
تشكل الوجهة محورًا أساسًا في سرديات ما بعد الاستعمار، بوصفها أداة لطرح "إشكالية الانتماء والهوية في السياقات الاستعمارية"[65]، وهو ما يتقاطع مع مفهوم "اللابَيْتية" (Unhomely)[66] لهومي بابا (Homi Bhabha)، الذي يعالج تجارب المنفى والتشرد؛ بحيث يصبح البيت ساحة صراع وغربة تنعكس على الحالة النفسية، في مواجهة المعضلات الاجتماعية والشخصية[67]. ومن ثم، يُنظر إلى رحلة الحج كسؤال عن وجود الذات ومقاومتها للواقع الاستعماري، عبر تقصي الحقائق التاريخية والوجودية، وتجسيد عملية النقد المكاني والاجتماعي والثقافي داخل النص الروائي.
تتناول هذه الدراسة الشكل الروائي وتتبع خصوصيته في إنتاج معرفة تاريخية تأسيسية، من خلال النظر إلى الشكل بوصفه بنية قادرة على إقامة علاقة دلالية مع نصية النص، وعلى الانفتاح في الوقت نفسه على التناص مع التاريخ؛ بحيث ينعكس البعد التاريخي في البنى المشكلة لهيكل النص، مثل العنوان والعتبات الداخلية والحواشي، بوصفها عناصر بنيوية تؤدي دورًا في تشكيل المعنى وتوجيه القراءة. وتستحضر الرواية تغريبة بني هلال كتراث أدبي تاريخي في عنوانها، من أجل تأطير رحلة العبدي ضمن أفق سردي يستعيد الذاكرة التاريخية ويعيد توظيفها دلاليًا. ويمتد هذا الارتباط التاريخي ليؤسس علاقة مع الأجناس التعبيرية المتنوعة على امتداد النص، من خلال اتخاذ الرواية شكل تحقيق مخطوطة متخيلة، مرتكزة على الحواشي بوصفها عنصرًا نصيًا يضيف قيمة معرفية، ويسمح بتمثيل القضايا التاريخية المهمة ومسائلتها بصورة يتعالق فيها السياسي بالاجتماعي والثقافي. وتستند الدراسة إلى قدرة الشكل الروائي، عبر هيكلة النص القائم على اشتباكه مع تحقيق المخطوطة، على سرد معرفة تاريخية تعالج إشكالية الواقع تحت الاستعمار. كما تستثمر الرواية سياق الوجهة إلى الحج لمعالجة القضايا الثقافية والحضارية، فضلًا عن ارتباطها بفعل التدوين بوصفه ممارسة كان ينشدها كثير من الرحالة؛ مما أكسبها كوجهة قيمة تاريخية وحضارية[68]، استلهمتها الرواية وأعادت توظيفها ضمن بنيتها السردية.
يوضح الكاتب في المقدمة، سمات المخطوطة، مثل احتوائها على ملحقات كثيرة وثغرات طالتها، إما بفعل التلف، أو نتيجة للظروف التي أحاطت عملية الكتابة، ومن ثم يعلن اتخاذه دور المحقق. وهو ما يمثل إعلانًا عن تماهٍ بين شكلين من أشكال الكتابة: المخطوطة التاريخية وإعادة انتاجها في الرواية. ويمثل هذا التداخل استراتيجية لبناء شكل النص، الذي يقوم على استدعاء التاريخ إلى جانب المتخيل الأدبي، بما يحقق خصوصيته الشكلية والنصية عبر تعدد مستويات اللغة العابرة للتاريخ والجغرافيا والحدود الثقافية التي تبنيها رحلة العبدي. كما يستدعي الزمان التاريخي في بناء الفضاء المكاني، وهو ما يؤدي إلى خصوصية الشكل الروائي عبر بناء "علاقات الزمان التي تتبلور في المكان، والمكان الذي يدرَس ويقاس بالزمان"[69]. ويؤدي الإفصاح عن وجود ثغرات وتلف في بعض أوراق المخطوط إلى منح الشكل الروائي مرونة بنيوية؛ إذ يبنى النص على العتبات التي تتضمن العناوين الداخلية والحواشي، في محاولة لملء هذه الثغرات. وبهذا تتشكل مساحة خصبة لحضور المتخيل الأدبي للنص الروائي، بوصفه نتيجة لعملية تحقيق المخطوطة التاريخية وإعادة بنائها سرديًا.
1. الرحلة إلى الحج وتعدد مستويات اللغة
تشكل الأسلوبية اللغوية عنصرًا جوهريًا في البنية الشكلية للرواية؛ إذ توظف الرواية رحلة العبدي إلى الحج عبر وسيط المخطوطة المتخيلة بوصفها إطارًا سرديًا يسمح بإبراز تعددية مستويات اللغة. وتكتسب هذه التعددية أهميتها في ضوء تنظير باختين لحوارية النص؛ حيث تتجلى في الملفوظ والكلمة والخطاب، بما يعكس انفتاح النص على العالم الخارجي وعبوره حدود الزمان والمكان[70]. وبهذا المعنى، تصبح اللغة في الرواية مجالًا لتفاعل الأصوات والخطابات، بما يتيح للنص إنتاج دلالات تتجاوز بنيته السردية المباشرة. ومن مستويات اللغة التي يستثمرها النص ما يحيل إلى التأثر اللغوي الناتج عن الاحتكاك بالاستعمار الأوروبي وهيمنته الصناعية. ويوظف هذا المستوى اللغوي في سياق نقد الرواية للطابع الأيديولوجي الذي انعكس في كتابات الرحالة خلال القرن التاسع عشر، التي قاربت إشكالية النهضة العربية وقضايا الإسلام والحداثة والصدام الحضاري مع الغرب، غالبًا من منظور ربط الهزيمة الحضارية أمام الغرب بضعف الإيمان، أو بالجمود الفقهي المنعزل عن العالم[71]. وفي مقابل ذلك، تعتمد الرواية توظيف اللغة أداةً لتشكيل رؤية مغايرة للعالم من خلال رحلة العبدي؛ بحيث تؤدي وظيفة أيديولوجية تكشف مظاهر التأثر بالمصطلحات الأوروبية الدخيلة. ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما تورده الرواية على لسان التجار في القافلة التي يخرج معها العبدي للحج: "ويستحوذون على كل ناتج الفلاحة من غلات الحبوب والمواشي والعطريات ]...[ يشترون ويبيعون ويختمون على الكنطردات"[72]؛ إذ تقوم الرواية بتكييف مفردة "الكنطردات" المأخوذة عن اللغة الإسبانية، وهو ما يندرج ضمن ما يسميه باختين الأسلبة؛ حيث تستثمر المفردة داخل النص لتؤدي وظيفة دلالية تكشف عن أشكال الهيمنة الاقتصادية خلال القرن التاسع عشر، في إشارة إلى العقود التجارية التي كانت تُبرم مع الدول الأجنبية بما يخدم صالحها[73]. ويعمد الكاتب – المحقق إلى توضيح معنى المفردة في الحاشية عبر ترميزها برقم (54)ـ في إشارة إلى بعديها التاريخي والاقتصادي.
وبالنظر إلى أن رحلة الحج تمثل منطلقًا مركزيًا في تقاليد الرحلات المغربية إلى الحجاز؛ فإن الرواية تستثمر هذا الإرث لتقديم اللغة كأداة ثقافية – أيديولوجية داخل الرواية المغربية. ويتجلى ذلك في تعدد مستويات اللغة؛ حيث تتراوح لغة السرد بين العربية الفصحى؛ بوصفها اللغة المهيمنة وبين العامية، فضلًا عن حضور الأمازيغية في بعض المواضع. ويسهم هذا التنوع في تعزيز الأسلوبية الحوارية للنص، عبر تحرير الرواية من هيمنة الصوت اللغوي الواحد، وتقديم خطاب لساني – اجتماعي يعكس التعدد الثقافي للمجتمع[74]. كما يتيح هذا التنوع للرواية تسليط الضوء على الواقع الاجتماعي والسياسي، وما يعتريه من أزمات تاريخية أسهمت في تمكين الاستعمار.
ومن ناحية بنيوية، تعد الحواشي عنصرًا فاعلًا في تشكيل خصوصية النص، بوصفها نتاج علاقة بين شكلين من أشكال الكتابة: الرواية، والمخطوطة. فالحواشي لا تؤدي وظيفة توثيقية فحسب؛ بل تسهم كذلك في إبراز الخصوصية اللغوية للنص من خلال تقديم شروح لغوية وثقافية لمتن الرواية. وتناص الرواية مع نصوص شعرية وخطابية وقرآنية، مع توثيق مرجعيتها في الحواشي، التي تؤدي جملة من الوظائف؛ منها الوظيفة التفسيرية والتعريفية للمصطلحات والمفردات الواردة في المتن، والوظيفة التعليقية التي تساعد في فهم السياقات التاريخية والدينية للنص، إضافة إلى الوظيفة الإخبارية التي تقدم إحالات إثرائية تتضمن معلومات بيوغرافية[75] عن الشعراء والكتّاب الحاضرين في متن الرواية. بهذا المعنى تغدو الحواشي بمثابة خريطة لغوية ترشد القارئ في تفاعله مع النص الروائي، وتكشف عن مقاصد الكاتب في جعل اللغة عنصرًا بنيويًا في أسلوبية الشكل الأدبي.
وانطلاقًا من ذلك، تحمل اللغة في الرواية بعدًا توثيقيًا يرتبط بالاتصال مع التاريخ؛ حيث تمارس دورًا في تسجيل الأحداث المرتبطة بسياق القرن التاسع عشر، وتحديدًا عام 1859، وهو القرن الذي شهد بداية الاستعمار الأوروبي للعالم العربي. وتوظف الرواية رحلة الحج في هذا السياق بوصفها أداة لاستكشاف الأبعاد التاريخية التي مهدت للاستعمار وأسهمت في استمراره. كما أن اتخاذ الرواية شكل تحقيق للمخطوطة التاريخية يفتح المجال لتعدد مستويات اللغة في النص، نتيجة التفاعل النصي الذي يولد تعالقات تاريخية واجتماعية عبر التناص مع التاريخ، وفق ما تشير إليه جوليا كريستيفا بمفهوم "الأيديولوجيم"[76]. ومن الأمثلة على ذلك ما يورده السرد التاريخي في الرواية: "حرب تطوان انتهت بدخول الصبنيول إلى بلادنا، وقبل ذلك احتل الفرنسيس بلد الأمير عبد القادر]... [حتى كانت معركة إيسلي"[77]؛ إذ تشير الرواية إلى حرب تطوان ومعركة إيسلي بوصفها من البدايات المفصلية للنفوذ الاستعماري في المنطقة، مع تدعيم هذا البعد المعرفي بحواش تحمل رقم (42) و(43)، تقدم معلومات تاريخية إضافية حول هذه الأحداث، بما يعزز البعد التوثيقي والمعرفي للنص.
2. البطل وتعدد الأصوات: العبدي والتجربة الجسدية الُمجسَّدة
توظف الرواية، في سياق رحلة الحج، بطلًا يحمل رمزية تاريخية تربطه بما كان ينهض به طلبة العلم في المغرب في القرن التاسع عشر من السعي إلى تحصيل علوم الدين وطلب المعرفة؛ غير أن الرواية لا تكتفي باستحضار هذا النموذج التقليدي؛ بل تعيد صياغته ضمن أفق معرفي أوسع؛ إذ تتعامل مع شخصية الرحالة ووجهته إلى الحج بوصفها وسيلة لكسر الجمود في النظر إلى الدين والتعامل معه، من خلال تحويل وجهة الحج إلى رحلة منتجة للمعرفة تتجاوز السعي إلى المعرفة التقليدية. وفي هذا الإطار يغدو العبدي، بوصفه بطل الرواية الرئيس، مولّدًا لتعددية الأصوات ووجهات النظر. فالخطاب الذي ينتجه البطل لا يتشكل بمعزل عن الآخرين؛ بل يتكون عبر شبكة من الخطابات التي ينتجها الآخرون حوله؛ بحيث يتكلم ويفكر من خلالهم، وتتشابك في صوته أصوات متناقضة وأحكام ووجهات نظر متباينة على لسان واحد[78]. وينسجم هذا البناء مع تصور الرواية للحوارية؛ حيث تصبح شخصية العبدي وسيطًا تتقاطع عبره خطابات متعددة، الأمر الذي ينسجم مع توظيف الرحلة في إطار المخطوطة المتخيّلة، ويجعل من شخصية العبدي عنصرًا بنائيًا في تشكيل العوالم المكانية في بعدها التاريخي. وبهذا المعنى، يغدو العبدي منتجًا لخطابات لغوية متعددة المستويات، ويتحوّل حضوره بوصفه متكلمًا في الرواية إلى حضور ذي حمولة أيديولوجية[79].
وتبني رحلة العبدي، عبر فعل التنقل والترحال، تجربة جسدية تسهم في تشكيل ما يمكن تسميته الفضاءات المجسدة (Embodied Spaces) داخل النص؛ وهي الفضاءات التي تنظر إلى الجسد بوصفه كيانًا ماديًا ومركزًا للفعل والفاعلية[80]، نختبر من خلاله العالم. ومن ثم فإن تجربة العبدي تمثل تجربة مكانية جسدية تتأسس في إنتاج هذه الفضاءات وتشكيل التجربة في العالم؛ حيث تصبح حركة الجسد في الرواية بحد ذاتها فضاءً يتجاوز الحدود المكانية التقليدية. وفي هذا السياق، يشير أليساندرو دورانتي (Alessandro Duranti) إلى أن اللغة، وحركة الجسد، والتوجه المكاني، والفضاء المأهول تشكل مجتمعة أبعاد الانتماء الثقافي والعلاقات الاجتماعية في تمثيل المجتمعات العابرة للحدود (Transnational Communities) [81]، وبناءً على ذلك، تغدو اللغة أساسًا في تشكيل الفضاءات المجسدة؛ حيث يستعين بها الرحّالة العبدي للولوج إلى الأماكن البعيدة عبر فعل الارتحال المكاني. ومن خلال هذه العملية يكتسب الجسد، عبر اللغة، كينونته الوجودية في إضفاء المعنى على الفضاء وتحويله إلى فضاء ثقافي. وتفصح الرواية، من خلال هذا البناء، عن توظيف معرفة جغرافية وتاريخية تتجسد عبر تجربة العبدي، بهدف تقريب تجربة معينة إلى القارئ؛ وهي تجربة معرفية مركبة تضم صوت القارئ والكاتب والشخصية في آن واحد. ويتولى الرحالة، بوصفه شخصية حاضرة جسديًا في النص، مهمة بناء خرائطية تتجاوز الوصف الجغرافي المجرد لتغدو وسيطًا تمثيليًا لعوالم بعيدة جسديًا عن القارئ، لكنها تصبح قريبة عاطفيًا بفضل تجسيدها داخل الفضاء النصي. ومن ثم، تتحوّل تجربة الشخصية في الفضاء المأهول الذي يتناوله النص الأدبي من مجرد تجربة ثقافية - اجتماعية إلى ما يشبه مختبرًا لفهم العالم؛ من خلال إبراز البعد العاطفي للتجربة، وحصيلة التفاعل الاجتماعي في اختبار الجسد لانتمائه إلى المكان، أو اغترابه عنه، وكذلك في تحديد غاية العبور من خلاله.
3. الفضاء المكاني: الرحلة بين المسير برًا والعودة بحرًا
يشكّل المكان، إلى جانب روح الموضوع، أحد العوامل الأساس التي تفرض شكل العمل الأدبي وتوجه بنيته السردية[82]. وبما أن الرواية تقوم على رحلة الحج وتستدعي فعل الارتحال من مكان إلى آخر؛ فإن طبيعة المكان تتخذ طابعًا خرائطيًا ينعكس مباشرة على شكل النص. ويتجسد ذلك في البنية الفصلية للرواية، التي تتكون من عشرة فصول صيغت في هيئة عتبات نصية، يحمل كل منها مصطلح "كتاب"؛ بحيث توظف الرواية هذه العتبات للإفصاح عن انتقال الرحالة العبدي بين الأماكن، في حركة سردية تتناسب مع ما أطلق عليه باختين فضاء العتبة؛ أي المكان الذي يشكّل ممرًا عبوريًا للشخصية أثناء تنقلها المستمر[83]. فمن خلال هذه العتبات، تُطرح رحلة العبدي نحو الحج بوصفها تجربة زمكانية ممتدة تستغرق ثلاثين عامًا، تتخذ مسارين رئيسين: مسار الذهاب برًا عبر الجغرافيا المغاربية والعربية، ومسار العودة بحرًا.
4. المشي والمكوث والحركة الخرائطية
تستدعي الرواية طريقة الذهاب للحج برًا من منظور تاريخي، لتسليط الضوء على مرحلة تاريخية مهمة من تاريخ المنطقة. ويغدو المشي، في هذا السياق، أكثر من مجرد وسيلة انتقال؛ إذ يتحوّل إلى وسيلة لاكتشاف التاريخ بوصفه مكونًا معرفيًا للرحلة، في إطار سير العبدي في الجغرافيا العربية. فالمشي يمثل فعلًا استكشافيًا بقدر ما هو فعل حركي، يجعل من المدينة العربية ومن الإحساس بها تجربة معيشة تُدرك عبر الجسد والحركة[84]. ومن هذا المنطلق، تصبح تجربة المشي جوهرية لتمثيل علاقات الزمان بالمكان؛ بحيث يغدو الفضاء المكاني حاملًا لمضامين تاريخية وإثنوغرافية ودينية واجتماعية، ويتجسد المكان في الرواية بوصفه خرائط متعددة الأبعاد. وفي هذا الإطار يمكن استحضار تصنيف باختين لأنواع المكان الذي يميز بين: المكان الداخلي، والمكان الخارجي، والمكان المعادي، وفضاء العتبة[85].
وتنعكس هذه الأنواع في البنية السردية للرواية من خلال تمثيل الفضاء المكاني بوصفه فضاءً عبوريًا. فابتداءً من "كتاب الخروج"، وهو أول أقسام الرواية، يعلن النص انطلاق العبدي في رحلته إلى الحج برًا، لتقدم الرواية بذلك ابتكارًا خرائطيًا للمكان يتجاوز كونه إطارًا ثابتًا. ومن ثم تتحوّل الممارسة النصية المنتجة لهذه الخريطة الأدبية إلى ممارسة نقدية تستثمر الجغرافيا من خلال ارتحال الجسد بين الأماكن. لتغدو التجربة المكانية نابعة من قلق الشعور بالمكان[86]؛ حيث تحدد علاقة الشخصية بالحركة في ضوء إحساس بعدم الانتماء المكاني؛ مما يدفع العبدي إلى مواصلة المسير. وبلك يغدو المسعى الدائم إلى الحركة نحو الحج محاولة لترسيخ الإحساس بالمكان عبر شبكة العلاقات المكانية التي تبني عوالم النص.
تجسد الرواية خرائطية المكان من خلال انطلاق العبدي من مدينة فاس، مرورًا بعدد من المدن المغربية مثل تمحضيت وميدلت وبلاد سجلماسة وتيغزة عبر التوات، وتامنتيت وتنبكتو وجيني. ومن خلال هذا المسار، ترسم الرواية بذلك خريطة لبلاد المغرب ترتبط ارتباطًا وثيقًا باستحضار الأحداث التاريخية المرتبطة ببدايات التوسع الاستعماري. وفي هذا السياق يقول العبدي أثناء خروجه من فاس: "لا أعلم إن كان من نُذُر الشؤم أم بشائر الأمل ]...[ أن يكون خروجي مقرونًا بسقوط تطوان في يد الإسبان الذين لم يغمدوا سيفًا] ...[ منذ سقوط غرناطة وطرد المسلمين من الأندلس"[87]. ويكشف هذا الاستحضار التاريخي المقرون بفعل الخروج من المكان عن الدافع المعرفي لرحلة العبدي؛ إذ يتحوّل الحج إلى رحلة بحث عن أسباب تمكن الاستعمار من التغلغل في البلاد العربية تدريجيًا.
ويمثل العبور الجغرافي في الرواية استحضارًا للمعرفة المرتبطة بأسباب الهيمنة الاستعمارية؛ إذ تشير الرواية إلى أن "الحمايات الأجنبية عمت التجار والفلاحين والشرفاء وحتى عدد من الوزراء والكتاب"[88]، في هذا إحالة إلى مظاهر الفساد الاقتصادي والسياسي المرتبط بالمصالح الاستعمارية. كما تبرز الرواية دور القوى الأجنبية في تكريس سلطة فئة التجار وتعميق الفوارق الاجتماعية؛ حيث تنص على أنـهم "اليوم أصحاب الوقت والمتحكمون في أقوات الرعية والمالكون لزمام الغنى والفقر]...[، وها هم اليوم محميون من طرف الأجناس الأوروباوية[89]".
أما الوقوف الجغرافي للعبدي في المدن المغربية فيمثل لحظة تأمل في تاريخ المدن وجغرافيتها؛ حيث يتجسد في الرواية المكان الخارجي الفسيح الذي يسمح للنص بتوليد معرفة جغرافية – مكانية. فعند وصول العبدي إلى مدينة سجلماسة، يصفها النص بقوله: "لم يبق منها إلا قصور متناثرة، وقد بدأت مدينة الريصان تحل محلها] ...[ واحات النخيل في كل مكان والسواقي والخطارات، الخضر اليانعة كأنك في سهل من سهول عبدة ودكالة ] ...[ التمور الفيلالية الرطبة الحلوة والماء الزلال ]...[ كما أن سجلماسة سوق للبيع والشراء] ...[ كلهم في سجلماسة يحسنون فنون التجارة والصرافة والمكيال"[90].
ولا تقف خرائطية المكان في الرواية عند حدود بلاد المغرب؛ بل تتجاوزها لتعبر الجغرافيا العربية وصولًا إلى مصر، ومن ثم إلى الحجاز. ويشكّل الوصول إلى مكة لحظة وعي نقدي بحال الأمة الإسلامية؛ حيث يقول العبدي: "كيف خرجت من هذا المكان أمة الإسلام فحكمت العالم، ودان لها القاصي والداني، ونشرت دين الإسلام، ثم دالت دولتها وأفل نجمها وغاض ماؤها وخبا سناؤها"[91]. كما يمثل المكوث في مكة لحظة استحضار للاستعمار الممتد من المغرب إلى المشرق؛ إذ يقول: "ما خرجت هاربًا منه، وما جئت باحثًا عنه، وجدته ماثلًا أمامي، فدار الحرب حاصرت العرب من السد الشرقي إلى السد الغربي ] ...[ وما سيأتي من الأيام المقبلات أعظم وأشد ويلًا وثبورًا"[92]. ويربط العبدي هذا الواقع بحالة الجمود الديني التي حالت دون تحقيق نهضة حضارية؛ حيث يشير إلى أن: "غلب عليهم التشدد فأنكروا كل حديث ورموه بالبدعة والضلال وأنذروا أصحابه بالنار"[93]. ومن ثم، تتحوّل لحظة الوجود في مكة إلى تجربة وجودية مشوبة بالإحساس بالغربة، تدفع العبدي إلى مغادرة الحجاز. ويصبح الشعور بالاغتراب دافعًا جديدًا للارتحال بعد المكوث؛ بحيث تتحوّل الرحلة إلى مكان معادٍ بالمعنى الباختيني؛ أي فضاء واسع جغرافيًا لكنه ينعكس نفسيًا على الشخصية بشعورها بالخيبة والضيق .
5. رحلة العودة والتجربة الاستعمارية
في مسار العودة، يعيد العبدي المكوث في مصر قبل توجهه بحرًا إلى بلاد المغرب؛ حيث تتبلور لديه الحقيقة التي يبحث عنها طوال رحلته؛ وهي أن تأخر الأمة الإسلامية لا يرتبط بأي عامل بقدر ما يرتبط بحالة العزلة التاريخية أما التقدم الحضاري، وما رافق ذلك من انتقال غير متكافئ لعناصر الحداثة الغربية دون تمكين شروط الوجود الحضاري الذاتي. وفي هذا السياق، ينظر العبدي إلى مصر بوصفها فضاءً يعكس صورة مشوهة للتحديث؛ إذ تبدو أقرب إلى نموذج للحضارة الغربية من كونها دولة تحتفظ بخصوصيتها الثقافية الإسلامية. ومن ثم تتحوّل مصر، بوصفها مكانًا سرديًا، إلى لحظة إدراك تاريخية؛ حيث يقول العبدي: "الحال في مصر لا يسر صديقًا ولا عدوًا، فقد أجهز الإنجليز على كل مدخرات البلاد، ووضعوا أيديهم على دواليب الحكم، وأخذ الفرنساوية الذين أخرجناهم من مصر في الاستحواذ على أراضي المسلمين في كل مكان ]...[ فبعد الجزائر جاءت بلاد تونس وبلدان إفريقيا والسودان الغربي، وهو اليوم يتحرشون ببلاد المغرب"[94]. ويكشف هذا الاستحضار المكثف للتاريخ عن تعالق زمكاني واضح في الرواية؛ إذ يعاد استدعاء تاريخ الغزو الاستعماري داخل الحاضر السردي.
في محطة العودة، يستقل العبدي العبّارة متجهًا بحرًا إلى بلاد المغرب، وتُفرد الرواية لهذه التجربة فصلًا كاملًا بعنوان "كتاب الكرنتينة". وتستدعي هذه اللفظة الأجنبية في الرواية بعدًا تاريخيًا؛ إذ تشير إلى نظام الحجر الصحي الذي كان يفرض على الحجاج القادمين من الغرب الإسلامي خلال تفشي وباء الكوليرا في أواخر القرن التاسع عشر. ويمثل استحضار هذه المفردة الأجنبية داخل النسيج السردي النص كرونوتوبًا كاشفًا لتجربة استعمارية ذات بعد مكاني، عكس طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الغرب والعالم الإسلامي؛ حيث كان الحجاج يُعاملون وفق تصورات صحية وعنصرية في آنٍ. وتصف الرواية هذه التجربة بقولها:
"بعد التمام من التبخير طلبوا منا الاصطفاف كالعساكر ليختبر الطبيب أبداننا واحدًا واحدًا، ثم رشونا بماء، رائحته كريهة وأخرجونا من طريق غير تلك التي سلكناها من قبل، وهنا وجد كل واحد منا ملبوسه مُلقًى على الأرض بعد تبخيره، في حالة رثة سيئة؛ ما هو محروق ممزق، وما هو مبلل بمياه تزكم الأنوف برائحتها العطنة، ومرأى الحاج الذي يبكي على حوائجه المحروقة، والحاجة التي تلطم خديها على ضياع حليها. أخرجوا الجميع إلى المحجر، حائطة بهم العساكر من كل جانب، وكانت المسافة بيننا وبين المحجر بعيدة، قطعناها راجلين، وفينا رجال ضعاف ونساء"[95].
وتكشف هذه التجربة عن مواجهة العبدي المباشرة مع مظاهر الهيمنة الاستعمارية في طريق عودته من الحج، وهو الذي خرج قبل ثلاثين عامًا بحثًا في أسباب استعمار الأمة العربية. وبيد أن امتداد الرحلة على هذا الزمن الطويل لم يكن مجرد تفصيل سردي؛ بل استراتيجية روائية تهدف إلى إبراز تجذر ظاهرة الاستعمار في الزمان والمكان معًا؛ إذ يقول العبدي بعدما بدأ يفقد صحته: "لو شفيت مما بي واستعدت صحتي ولو نصفها، لرحلت إلى بلاد الشمال، لن أعود إلى المغرب قبل أن أرى بلاد الأندلس وما خلفته سبعة قرون من حكم المسلمين، وقد ينطق الحجر بالحقيقة"[96]. ويعكس هذا التصور رغبة في قراءة التاريخ عبر آثاره المادية، بما يشير إلى أن الحاضر الاستعماري هو امتداد لجولات تاريخية عميقة شهدها العالم الإسلامي. ومن هذا المنطلق، يرى العبدي أن فهم واقع الشرق لا يكتمل دون معرفة الغرب؛ إذ يقول: "فلكي أعرف الشرق عليّ أن أعرف الغرب، وقد تكون أوروبا مفتاح فهم ما نحن عليه من تأخر وتدهور، وما أصابنا من تحلل وانحلال"[97]. وبهذا تنتهي تجربة العبدي بوصفها تجربة معرفية مفتوحة، لا تقوم على رفض الآخر بقدر ما تدعو إلى فهمه وتحليل بنياته، كما تتضمن في الوقت نفسه نقدًا للذات والدعوة إلى ضرورة تحررها. ومن ثم، تغدو رحلة الحج تجربة فكرية تتجاوز بعديها الديني التقليدي، لتتحوّل إلى مسار معرفي يستكشف شروط الوجود الحضاري للأمة، ويدعو إلى إعادة التفكير في علاقتها بالتاريخ والعالم في مواجهة تحديات الاستعمار.
سعت هذه الدراسة إلى مقاربة توظيف الرحلة في الرواية العربية في سياق البحث عن خصوصية الشكل الروائي وقدرته على بناء عوالم النص، من خلال تحليل أسلوبية الابتكار الشكلي وانعكاساته على خطاب الرواية، ولاسيما فيما يتعلق بمحاورة الرواية للأجناس التعبيرية الأخرى، مثل المخطوطات التاريخية. وقد أفضى هذا التداخل بين الأجناس إلى بناء شكل روائي مركب يتراوح بين كون النص رواية سردية من جهة، وكونه مخطوطة تاريخية يجري تحقيقها من جهة أخرى.
وقد خلصت الدراسة إلى أن الأسلوبية الروائية، التي نظّر لها باختين في إطار خطاب النص، تتجلى في ابتكار الشكل الروائي، الذي يغدو عنصرًا جوهريًا في تشكيل البنية النصية، بما في ذلك الفضاءان المكاني واللغوي. فحوارية الرواية مع الأجناس التعبيرية الأخرى لا تقتصر على مستوى المضمون؛ بل تتأسس كذلك على مستوى الشكل، بما يتيح تنوع العوالم المكانية واللغوية التي تؤدي دورها في خطاب النص. كما نظرت الدراسة إلى الشكل الروائي بوصفه عتبة أولى يواجهها القارئ عند الولوج إلى النص؛ غير أن هذه العتبة لا تكتفي بوظيفة التأطير؛ بل تؤسس الفضاء النصي عبر استدعاء الكرونوتوب في بناء العلاقة بين الزمان والمكان، ما يجعل الشكل الروائي مدخلًا أساسًا لمقاربة النص معرفيًا. وقد تجلى ذلك في رواية لحبيبي؛ حيث اتخذ الشكل بعدًا معرفيًا أسهم في إنتاج معرفة نقدية ذات طابع تاريخي – جغرافي.
كما أظهرت الدراسة أن الرحلة تمثل مبحثًا بينيًا أسهم في ابتكار الموضوعات التي عالجتها الرواية؛ إذ تحوّلت وجهة الحج إلى ما يشبه ممارسة خرائطية تسهم في رسم الخرائط المكانية المتخيلة، كما توظَّف عبر المخطوطة في تشكيل خريطة أدبية داخل الفضاء النصي. وقد نجح لحبيبي في ابتكار شكل روائي متصل بالتاريخ من خلال استدعاء المخطوطة بوصفها حيلة سردية، وفي الوقت ذاته توظيفها في بعدها الزمكاني، بما أسهم في تشكيل كرونوتوب ممتد عبر النص، يستدعي الأحداث التاريخية بصورة توليدية متزامنة مع فعل الحركة والتنقل والسكون الذي يعيشه الرحالة العبدي. وقد منح هذا البناء الروائي المركب النص خصوصيته الأسلوبية، سواء من خلال تعدد مستويات اللغة، أو عبر تعدد الأصوات؛ مما جعل الرواية حاملة لمضامين أيديولوجية تتصل بتفكيك الظاهرة الاستعمارية بوصفها إطارًا مفسرًا لعدد من التحوّلات التي عرفها الواقع العربي. وتُظهر نتائج هذه الدراسة أن مرونة الرواية، بوصفها شكلًا أدبيًا، لها قدرة كبيرة على الابتكار في بنيتها الهيكلية بما يتوافق وخطابَ النص والقضايا التي يعالجها، ولا سيما في سياق سرديات أدب ما بعد الاستعمار. وفي هذا الإطار، يغدو السياق التاريخي محفزًا للنقد الأدبي عبر الرواية، بما ينعكس على بناء عوالم تاريخية تسهم في منح النص خصوصية شكلية، وتؤسس لخطاب روائي حواري ذي طابع نقدي.
بلعابد، عبد الحق، عتبات جيرار جانيت من النص إلى المناص. الجزائر: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2008.
بن موسى، هنية والعايب، يوسف. "توظيف التراث العربي في نماذج من روايات جمال الغيطاني"، مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، مج12، ع3 (2020)، ص81-107.
بن نبي، مالك. لبيك حج الفقراء. ترجمة زيدان خويلف. دمشق: دار الفكر، (2009).
جيرار، جانيت وآخرون. نظرية السرد: من وجهة النظر إلى التبئير. ترجمة ناجي مصطفى. الدار البيضاء: منشورات الحوار الأكاديمي والجامعي، 1989.
خراب، ليندة. "رحلة الحج المتخيلة في رواية مالك بن نبي: "لبيك حج الفقراء". مجلة الإحياء. مج20، ع1 (2020)، ص543-568.
خربيش، سمية. "أسلوبية الرواية بين ميخائيل باختين وميكائيل ريفاتير". جسور المعرفة. مج 7، ع1 (2021)، ص362-368.
الخضراوي، إدريس. "جورجي زيدان وفن الرواية العربية: مؤسسة أدبية تتشكل وأدب يتجدد". مجلة تبين. مج5، ع16، (2006). https://doi.org/10.31430/LFDG4419
ريفاتير، ميكائيل. معايير تحليل الأسلوب. ترجمة حميد لحميداني. الدار البيضاء: منشورات دراسات سال، 1993.
ريكور، بول. الزمان والسرد: الحبكة والسرد التاريخ. ترجمة سعيد الغانمي وآخرون. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006.
سلطاني، وردة. "النص بين سلطة الكاتب والقارئ". مجلة المخبر: وحدة التكوين والبحث في نظريات القراءة ومناهجها. مج5، ع1 (2009).
شترة، خير الدين. "طرق ومناهج تحقيق التراث والمخطوطات التاريخية: مخطوط رحلة الشيخ عبد الرحمن بن عمر التنيلاني إلى الحج 1189ه/ 1775م أنموذجًا". مجلة التراث. ع2 (2013)، ص181-240.
صبحي، إبراهيم والسيد غندر. "تنبكتو بعيون الرحالة الفرنسي رينيه كاييه". قراءات إفريقية. ع 54 (2022)، ص86-99.
الطهطاوي، رفاعة رافع. تخليص الإبريز في تلخيص باريز. القاهرة: مؤسسة هنداوي. ط2، 2010.
عامرية، حاكم، "التأويل بين استراتيجيات النص وفعالية القارئ". مجلة المدونة. مج6، ع1 (2019)، ص137-170.
عبد الرؤوف، علي. مدن العرب في روايتهم. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2017.
كيليطو أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية. ترجمة عبد السلام بنعبد العالي. الدار البيضاء: دار توبقال، 2013.
___. الكتابة والتناسخ: مفهوم المؤلف في الثقافة العربية. ترجمة عبد السلام بنعبد العالي. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1985.
لحبيبي، عبد الرحيم. تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2014.
محمد فهيم، حسين. أدب الرحلات: دراسة تحليلية من منظور إثنوغرافي. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1989.
ميخائيل باختين. الخطاب الروائي. ترجمة محمد برادة. بيروت: دار الفكر للدراسات والتوزيع، 1987.
___. الملحمة والرواية. بيروت: معهد الإنماء العربي، 1982.
___. "حول الخطاب الروائي"، ضمن: جيرار جينيت وآخرون، نظرية السرد: من وجهة النظر إلى التبئير. ترجمة ناجي مصطفى. الدار البيضاء: منشورات الحوار الأكاديمي والجامعي، 1989.
وتد، لؤي. "لابيتية الوطن: مقاربة نفسية وثقافية للتجربة الفلسطينية وأدب ما بعد الاستعمار". مدى الكرمل - المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية. 24 أبريل 2025، تم الاسترجاع في 4 يونيو 2025. عبر الرابط: https://mada-research.org/post/16161
وديجى، رشيد. "التعدد اللغوي وحوارية الخطاب في الرواية عند باختين: التجليات والدلالة". مجلة تبين. مج8، ع 29، (2019)، ص83-97.
Reference
ʻAbd al-Raʼūf. ʻAlī. Mudun al-ʻArab fī rwāythm (in Arabic). Cairo: Madārāt lil-Abḥāth wa-al-Nashr, 2017.
Al-Ṭahṭāwī, R. Takhlīṣ al-Ibrīz fī Talkhīṣ Bārīz (in Arabic). 2nd ed. Cairo: Muʼassasat Hindāwī, 2010.
ʻĀmrīyah, Ḥ. “Al-taʼwīl bayna Istirātījīyāt al-naṣṣ wa-faʻālīyat al-qāriʼ” (in Arabic). Majallat al-Mudawwanah. Vol. 6, No. 1 (2019), pp. 137-170.
Attridge, D. The Singularity of Literature. London: Routledge, 2004.
Bakhtin, M. Al-Khiṭāb al-Riwāʾī (in Arabic). trans. Muḥammad Barāda. Beirut: Dar al-Fikr li-al-Dirāsāt wa-al-Tawzīʿ, 1987.
___. al-malḥamah wa-al-riwāyah. (in Arabic). Beirut: Maʻhad al-Inmāʼ al-ʻArabī, 1982.
Bemong, N., et al. Bakhtin's theory of the literary chronotope: Reflections, applications, perspectives. Ghent: Academia Press, 2010.
Ben Moussa, H. & Al-ʿAyb, Y. “Tawẓīf al-Turāth al-ʿArabī fī Namādhij min Riwāyāt Jamāl al-Ghayṭānī.” Majallat ʿUlūm al-Lughah al-ʿArabiyya wa-Ādābuhā. Vol. 12, No. 3 (2020), pp. 81-107.
Bilʻābid, ʻA. ʻAtabāt Jīrār Jānīt min al-naṣṣ ilá almnāṣ ʻArabīyah )in Arabic). Algeria: al-Dār al-ʻArabīyah lil-ʻUlūm Nāshirūn, 2008.
De Certeau, M. The practice of everyday life. trans. Steven Rendall. Berkeley: University of California Press, 1988.
El khadraoui, D. “Jurji Zaidan and the Arabic Novel: The Literary Institution and the Creation of Arabic Literature” (in Arabic). Tabayyun. Vol. 4, No. 16 (2016), pp. 7-36. https://doi.org/10.31430/LFDG4419
Hutcheon, L. A Poetics of Postmodernism. New York, and London: Routledge, 2004.
Ibn Mūsá, H. and alʻāyb, Y. “Tawẓīf al-Turāth al-ʻArabī fī namādhij min Riwāyāt Jamāl al-Ghīṭānī“ (in Arabic). Majallat ʻulūm al-lughah al-ʻArabīyah wa-ādābihā. Vol. 12, No. 3 (2020).
Ibn Nabī, M. Lubayk ḥajj al-fuqarāʼ (in Arabic). trans. Zaydān khwylf. Damascus: Dār al-Fikr, 2009.
Janet, Gérard et al. Naẓarīyat al-sard: min wijhat al-naẓar ilá altbʼyr (in Arabic). Trans. Nājī Muṣṭafá. Casablanca: Manshūrāt al-Ḥiwār al-Akādīmī wa-al-Jāmiʻī, 1989.
Kharāb, l. “Riḥlat al-ḥajj al-mutakhayyalah fī riwāyah Mālik ibn Nabī: Lubayk ḥajj al-fuqarā” )in Arabic). Majallat al-Iḥyāʼ. Vol. 20, No. 1 (2020), pp. 543-568.
Khrbysh, S. “Uslūbīyah al-riwāyah bayna Mīkhāʼīl bākhtīn wmykāʼyl ryfātyr” )in Arabic). Jusūr al-Maʻrifah. Vol. 7, No. 1 (2021), pp. 362-368.
Kīlīṭū, ʻA. Atakallam jamīʻ al-lughāt lākin bi-al-ʻArabīyah )in Arabic). Trans. ʻAbd al-Salām Bin-ʻAbd al-ʻĀlī. Casablanca: Dār Tūbqāl, 2013.
___. Al-kitābah wa-al-tanāsukh: Mafhūm al-muʼallif fī al-Thaqāfah al-ʻArabīyah (in Arabic). Trans. ʻAbd al-Salām Bin-ʻAbd ʻAlī. Beirut: Dār al-Tanwīr lil-Ṭibāʻah wa-al-Nashr, 1985.
Laḥbībī, ʻA. Taghrībat al-ʻAbdī al-mashhūr bi-Wuld al-ḥamrīyah (in Arabic). Casablanca: Afrīqiyā al-Sharq, 2014.
Low, S. M. “Embodied Space(s): Anthropological theories of body, space, and culture.” Space and Culture. Vol. 6, No. 1 (2003), pp. 9-18. https://doi.org/10.1177/1206331202238959
Muḥammad Fahīm, Ḥ. Adab al-riḥlāt: dirāsah taḥlīlīyah min manẓūr inthūjrāfi (in Arabic). Kuwait: al-Majlis al-Waṭanī lil-Thaqāfah wa-al-Funūn wa-al-Ādāb, 1989.
Ricœur, P. Al-Zamān wa-al-sard: al-ḥabkah wa-al-sard al-tārīkh (in Arabic). Trans. Saʻīd al-Ghānimī et al. Beirut: Dār al-Kitāb al-jadīd al-Muttaḥidah, 2006.
Rivière, M. Maʻāyīr taḥlīl al-uslūb (in Arabic). Trans. Ḥamīd Laḥmīdānī. Casablanca: Manshūrāt Dirāsāt Sālim, 1993.
Robert Tally, Spatiality. New York: Routledge, 2013.
Robert T. Tally Jr. et al. Geocritical Explorations: Space, Place, and Mapping in Literary and Cultural Studies. New York: Palgrave Macmillan, 2011.
Shatrah, K. “Ṭuruq wa-manāhij taḥqīq al-Turāth wa-al-Makhṭūṭāt al-tārīkhīyah: makhṭūṭ Riḥlat al-Shaykh ʻAbd al-Raḥmān ibn ʻUmar altnylāny ilá al-ḥajj 1189h / 1775m unamūdhajan” (in Arabic). Majallat al-Turāth, No. 2 (2013), pp. 181-240.
Ṣubḥī, I. & Ghndr, A. “Tanbaktū bi-ʻuyūn al-raḥḥālah al-Faransī Rīnīh kāyyh” (in Arabic). qirāʼāt Ifrīqīyah. No. 54 (2022), pp. 86-99.
Sulṭānī, W. “Al-naṣṣ bayna Sulṭat al-Kātib wālqār” (in Arabic). Majallat al-Mukhbir: Waḥdat al-Takwīn wa-al-Baḥth fī naẓarīyāt al-qirāʼah wa-manāhijuhā. Vol. 5, No. 1 (2009).
Tally, Robert Spatiality, New York: Routledge, 2013
Turchi, P. Maps of the imagination: The writer as a cartographer, San Antonio, Texas: Trinity University Press, 2004.
Watad, L. “Lābytyh al-waṭan : muqārabah nafsīyah wa-thaqāfīyah lil-tajribah al-Filasṭīnīyah wa-adab mā baʻda al-istiʻmār” (in Arabic). Madá krml-al-Markaz al-ʻArabī lil-Dirāsāt al-ijtimāʻīyah al-taṭbīqīyah. 24 April 2025. Accessed 4 June 2025. https://mada-research.org/post/16161
Wdyjá, R. “Al-taʻaddud al-lughawī wḥwāryh al-khiṭāb fī al-riwāyah ʻinda bākhtīn: al-Tajalliyāt wa-al-dalālah” (in Arabic). Majallat Tabayyun. Vol. 8, No. 29 (2019), pp. 83-97.
[1] حسين محمد فهيم، أدب الرحلات: دراسة تحليلية من منظور إثنوغرافي (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1989)، ص11-12.
[2] إبراهيم صبحي السيد غندر، "تنبكتو بعيون الرحالة الفرنسي رينيه كاييه"، قراءات إفريقية، ع54 (2022)، ص86-99.
[3] رفاعة رافع الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز(القاهرة: مؤسسة هنداوي، ط2، 2010).
[4] هنية بن موسى ويوسف العايب، "توظيف التراث العربي في نماذج من روايات جمال الغيطاني"، مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، مج12، ع3 (2020)، ص85.
[5] علي عبد الرؤوف، مدن العرب في روايتهم (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2017)، ص43-44.
[6] عبد الرحيم لحبيبي، تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية (الدار البيضاء، أفريقيا الشرق، 2014).
[7] عبد الرؤوف، مدن العرب في روايتهم، ص45.
[8] مالك بن نبي، لبيك حج الفقراء، ترجمة زيدان خويلف (دمشق: دار الفكر، 2009).
[9] ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة (بيروت: دار الفكر للدراسات والتوزيع، 1987)، ص7-8.
[10] رشيد وديجى، "التعدد اللغوي وحوارية الخطاب في الرواية عند باختين: التجليات والدلالة"، مجلة تبين، مج8، ع29 (2019)، ص89.
[11] باختين، الخطاب الروائي، ص10-11.
[12] المرجع نفسه، ص10.
[13] إدريس الخضراوي، "جورجي زيدان وفن الرواية العربية: مؤسسة أدبية تتشكل وأدب يتجدد،"مجلة تبين، مج5، ع16 (2006)، ص30-31.
[14] باختين، الخطاب الروائي، ص38.
[15] ميكائيل ريفاتير، معايير تحليل الأسلوب، ترجمة حميد لحميداني (الدار البيضاء: منشورات دراسات سال، 1993)، ص5.
[16] المرجع نفسه، ص6.
[17] Derek Attridge, The Singularity of Literature (London: Routledge, 2004), p. 79.
[18]سمية خربيش ومحمد زيوش، " أسلوبية الرواية بين ميخائيل باختين وميكائيل ريفاتير"، جسور المعرفة، مج7، ع1(2021)، ص362-368.
[19] Attridge,The Singularity of Literature, Op. Cit., pp. 81-82.
[20] Ibid, Op. Cit., p. 86.
[21] خربيش وزيوش، " أسلوبية الرواية بين ميخائيل باختين وميكائيل ريفاتير"، ص362-368.
[22] عبد الحق بلعابد، عتبات جيرار جانيت من النص إلى المناص (الجزائر: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2008).
[23] تعد هذه المتعاليات النصية جوهرية في مشروع جينيت، وتتأسس قيمتها المعرفية في توضيح الالتباس المفاهيمي الناتج عن مصطلح المناص (pratexte)، كما تطرق إليها نظرًا إلى توسعه في مشروعه الفكري حول مصطلح المناص، الذي لقي رواجًا في السياق النقدي في كتابه "عتبات". يرى بلعابد أن المناص ومن خلال كتاب جينت مهم؛ لكونه يتجاوز الأدبي والثقافي عبر ما يبنيه من انفتاح على تعدد القراءات والتأويلات عبر هذه المتعاليات. للمزيد: انظر المرجع السابق، ص19-22.
[24] بلعابد، عتبات جيرار جانيت من النص إلى المناص، ص15.
[25] المرجع السابق.
[26] باختين، الخطاب الروائي، ص18.
[27] بلعابد، عتبات جيرار جانيت من النص إلى المناص، ص16.
[28] ميخائيل باختين، الملحمة والرواية (بيروت: معهد الإنماء العربي، 1982(، ص66.
[29] Nele Bemong et al., Bakhtin's theory of the literary chronotope: Reflections, applications, perspectives (Ghent: Academia Press, 2010).
[30] Ibid., p. 3.
[31] Ibid., p. 8.
[32] Ibid., p. 9.
[33] عبد الرؤوف، مدن العرب في روايتهم، ص44-45.
[34] Bemong et al., Bakhtin's theory of the literary chronotope, Op. Cit., p.9.
[35] لحبيبي، تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية، ص5.
[36] المرجع نفسه، ص30.
[37] باختين، الخطاب الروائي، ص 18.
[38]المرجع السابق.
[39] عبد الرؤوف، مدن العرب في روايتهم، ص58- 59
[40] عبد الفتاح كيليطو، الكتابة والتناسخ: مفهوم المؤلف في الثقافة العربية، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، )1985)، ص8.
[41] تحدث عبد الفتاح كيليطو عن أفق الانتظار في كتابه الأدب والغربة استنادا إلى أن كل نوع أدبي يفتح أفق انتظار، للمزيد انظر: عبد الفتاح كيليطو، الأدب والغرابة دراسات بنيوية في الأدب العربي (الدار البيضاء: دار توبقال، 2006).
[42] بول ريكور، الزمان والسرد: الحبكة والسرد التاريخي، ترجمة سعيد الغانمي وآخرون (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006).
[43] حاكم عامرية، "التأويل بين استراتيجيات النص وفعالية القارئ"، مجلة المدونة، مج 6، ع1 (2019)، ص144.
[44] وردة سلطاني، "النص بين سلطة الكاتب والقارئ"، مجلة المخبر: وحدة التكوين والبحث في نظريات القراءة ومناهجها، مج5، ع1 (2009)، ص104.
[45] Linda Hutcheon, A poetics of Postmodernism: History, Theory, Fiction (New York and London: Routledge, 2004), p.108.
[46] Ibid.
[47] لحبيبي، تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية، ص30.
[48] المرجع السابق.
[49] Robert Tally, Spatiality (New York: Routledge, 2013).
[50] Peter Turchi, Maps of the imagination: The writer as a cartographer (San Antonio, Texas: Trinity University Press, 2004), p. 91.
[51] Tally, Spatiality, Op. Cit., p. 55.
[52] Ibid., p. 56.
[53] Ibid.
[54] Bemong et al., Bakhtin's theory of the literary chronotope, Op. Cit., p. 6.
[55] عبد الرؤوف، مدن العرب في روايتهم، ص43.
[56] عبد الفتاح كيليطو، أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي (الدار البيضاء: دار توبقال، 2013)، ص71.
[57] المرجع السابق.
[58] Moslund, Sten Pultz. “The Presencing of Place in Literature: Toward an Embodied Topopoetic Mode of Reading,” In: Robert T. Tally Jr. (ed.), Geocritical Explorations: Space, Place, and Mapping in Literary and Cultural Studies (New York: Palgrave Macmillan, 2011), p. 30.
[59] Ibid., p..30.
[60] Ibid.
[61] Peta Mitchell and Jane Stadler, “Redrawing the Map: An Interdisciplinary Geocritical Approach to Australian Cultural Narratives.” In: Robert T. Tally Jr. (ed.), Geocritical Explorations: Space, Place, and Mapping in Literary and Cultural Studies (New York: Palgrave Macmillan, 2011), p. 48.
[62] ليندة خراب، "رحلة الحج المتخيلة في رواية مالك بن نبي: لبيك حج الفقراء"، مجلة الإحياء، مج20، ع1 (2020)، ص550.
[63] المرجع نفسه، ص551.
[64] Moslund, “The Presencing of Place in Literature”, Op. Cit., p. 31.
[65] لؤي وتد، "لابيتية الوطن: مقاربة نفسية وثقافية للتجربة الفلسطينية وأدب ما بعد الاستعمار"، مدى كرمل- المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية، 24 أبريل 2025، تم الاسترجاع في 4 يونيو 2025، عبر الرابط: https://mada-research.org/post/16161
[66] Homi K. Bhabha, “The World and the Home,” Study material on Studocu (not peer‑reviewed), accessed 4 June 2025, available at: https://www.studocu.com/row/document/university-of‑nairobi/economics/466222‑sociology/19045536
[67] وتد، "لابيتية الوطن"، ص7.
[68] خير الدين شترة، "طرق ومناهج تحقيق التراث والمخطوطات التاريخية: مخطوط رحلة الشيخ عبد الرحمن بن عمر التنيلاني إلى الحج 1189ه/1775م أنموذجًا"، مجلة النراث، مج3، ع2 (2013)، ص215.
[69] عبد الرؤوف، مدن العرب في روايتهم، ص54.
[70] باختين، الخطاب الروائي، ص16.
[71] لحبيبي، تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية، ص29.
[72] المرجع نفسه، ص49.
[73] المرجع نفسه، هامش رقم (54).
[74] تمتد الأساليب اللغوية للنص على طول الرواية وتنعكس بالسمات الأسلوبية للغة في الرواية، التي نظر لها باختين في إطار التهجين والأسلبة التنويع والحوار المباشر، واستدعاء الأجناس التعبيرية من شعر وخطابة ورسائل، إلى جانب التناص مع القرآن والحديث في متن الرواية وحواشيها، ما يطرح خصوصية الشكل الأدبي للنص الروائي في التماهي مع المخطوطة التاريخية، وتبرير الرواية لكثرة الحواشي من خلال ممارسة الكاتب لتحقيق نص تاريخي متخيل، ما يمثل مجالًا رحبًا لإثراء النص بالمعلومات التاريخية والإثنوغرافية والثقافية؛ إذ تعد الرواية بجلها دليلا على خصوصيتها كشكل أدبي يتماهي مع المخطوطة التاريخية عبر اللغة.
[75] بلعابد، عتبات جيرار جانيت من النص إلى المناص، ص131.
[76]وديجى" التعدد اللغوي وحوارية الخطاب في الرواية عند باختين"، ص90.
[77] لحبيبي، تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية، ص45.
[78] ميخائيل باختين، "حول الخطاب الروائي"، ضمن: جيرار جينيت وآخرون، نظرية السرد: من وجهة النظر إلى التبئير، ترجمة ناجي مصطفى (الدار البيضاء: منشورات الحوار الأكاديمي والجامعي، 1989)، ص111.
[79] باختين، الخطاب الروائي، ص18.
[80] Setha M. Low, “Embodied Space(s): Anthropological theories of body, space, and culture,” Space and Culture, Vol. 6, No. 1 (2003), pp. 9-18.
[81] Ibid., p. 15.
[82] عبد الرؤوف، مدن العرب في روايتهم، ص56-57.
[83] المرجع نفسه، هامش رقم (7)، ص60.
[84] Michel De Certeau, The practice of everyday life, trans. Steven Rendall (Berkeley: University of California Press, 1988), p. 93.
[85] عبد الرؤوف، مدن العرب في روايتهم، ص60.
[86] Tally, Spatiality, Op. Cit., p. 47.
[87] لحبيبي، تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية، ص35.
[88] المرجع نفسه، ص49.
[89] المرجع نفسه، ص51.
[90] المرجع نفسه، ص54.
[91] المرجع نفسه، ص197.
[92] المرجع نفسه، ص201.
[93] المرجع نفسه، ص205.
[94] المرجع نفسه، ص236.
[95] المرجع نفسه، ص248.
[96] المرجع نفسه، ص252.
[97] المرجع نفسه.