![]()
تاريخ الاستلام: 15 يوليو 2025 | تاريخ التحكيم: 1 يناير 2026 | تاريخ القبول: 25 يناير 2026
مقالة بحثية
زكرياء غوبريني
أستاذ مشارك (محاضر أ) في الثقافة الإسلامية والعلوم التربوية، جامعة الشهيد حمة لخضر بالوادي - الجزائر
https://orcid.org/0009-0001-8428-835X
تسعى الدراسة إلى مقاربة الإسلاموفوبيا، بوصفها ظاهرة حضارية شاملة، متجاوزة المقاربات التي تركز على مظاهرها السطحية دون النفاذ إلى جذورها الفلسفية العميقة، وتفترض أن الخوف من الإسلام ليس مجرد رد فعل سياسي، أو اجتماعي؛ بل هو تعبير عن أزمة وجودية عميقة داخل الفكر الغربي المعاصر. وتكمن أصالة الدراسة في تقديم إطار نظري نقدي يفسر الإسلاموفوبيا باعتبارها ظاهرة ماورائية متجذرة في البنية الفلسفية الغربية لا مجرد إشكال اجتماعي، أو سياسي، ما يفتح آفاقًا جديدة للبحث في نقد الحداثة والعلاقات الحضارية، ويسهم في بلورة خطاب حضاري بديل قائم على التعارف والتعددية والعدالة المعرفية بدل الصراع والإقصاء. وقد اعتمدت الدراسة منهجية نقدية بينية تجمع بين التحليل الفلسفي والسوسيولوجي والسياسي، مستفيدة من أدوات التفكيك النقدي للنصوص الفلسفية الغربية، والمقاربات المقارنة لدراسة النظم المعرفية الغربية والإسلامية، والتحليل التاريخي لتتبع تطور الإسلاموفوبيا عبر الزمن، إضافةً إلى جانب أدوات الهرمنيوطيقا النقدية والتحليل الخطابي لفهم آليات إنتاج "الآخر الإسلامي" داخل المخيال الغربي، مدعومة بمراجعة منهجية للأدبيات الفلسفية والسياسية ذات الصلة. وتُبرز النتائج أن الإسلاموفوبيا الماورائية تمثل أزمة بنيوية في الفكر الغربي؛ حيث تعيد العلمانية إنتاج آليات الإقصاء اللاهوتي في صيغة مُعلمنة، مفضية إلى تشكل "لاهوت سياسي مُقنّع" يستهدف الإسلام بوصفه آخرَ وجوديًا، وأن بناء صورة الآخر الإسلامي يتم عبر استراتيجيات مركبة تشمل التجريد المفاهيمي والتشييء الثقافي والاستحواذ الرمزي؛ بما يؤدي إلى تشويه جوهري لطبيعة الإسلام الحضارية.
الكلمات المفتاحية: الإسلاموفوبيا، الماورائية، ما بعد العلمانية، اللاهوت السياسي، الحوار الحضاري
للاقتباس: غوبريني، زكرياء. "الإسلاموفوبيا الماورائية: تفكيك البنية "اللاهوتية – السياسية" للخوف من الإسلام في العقل الغربي ما بعد العلمانية (مقاربة نقدية بين الفلسفة السياسية والدراسات الحضارية)"، مجلة تجسير لدراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية البينية، المجلد الثامن، العدد 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0252
© 2026، غوبريني، الجهة المرخص لها: مجلة تجسير، دار نشر جامعة قطر. نُشرت هذه المقالة البحثية وفقًا لشروط Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0). تسمح هذه الرخصة بالاستخدام غير التجاري، وتنبغي نسبة العمل إلى صاحبه، مع بيان؛ أي تعديلات عليه. كما تتيح حرية نسخ، وتوزيع، ونقل العمل بأي شكل من الأشكال، أو بأي وسيلة، ومزجه وتحويله والبناء عليه، طالما يُنسب العمل الأصلي إلى المؤلف. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0
Tajseer
Interdisciplinary Studies in
Humanities and Social Science
Submitted: 15 July 2025 | Reviewed: 1 January 2026| Accepted: 25 January 2026
Research Article
Metaphysical Islamophobia: Deconstructing the Theological – Political Structure of Fear of Islam in the Post-Secular Western Mind
(A Critical Approach in Political Philosophy and Civilizational Studies)
Zakaria Ghobrini
Associate Professor (Lecturer A) of Islamic Culture and Educational Sciences, University of El Oued – Algeria
https://orcid.org/0009-0001-8428-835X
Abstract
This study examines Islamophobia as a comprehensive civilizational phenomenon, moving beyond approaches that focus only on its surface manifestations while overlooking its deep philosophical roots. It argues that fear of Islam is not merely a social or political reaction but a manifestation of a profound existential crisis within contemporary Western civilization. Using an interdisciplinary critical methodology, the research integrates philosophical, sociological, and political analysis, employing critical methods to deconstruct Western philosophical texts, comparative approaches to examine Western and Islamic epistemologies, historical analysis to trace Islamophobia’s evolution, and critical hermeneutics and discourse analysis to uncover how the “Islamic Other” is constructed within Western thought, all supported by a systematic review of relevant literature. The findings reveal that metaphysical Islamophobia constitutes a structural crisis in Western thought, wherein secularism reproduces theological mechanisms of exclusion in secularized forms, giving rise to a “disguised political theology” targeting Islam as an existential Other, while its construction relies on complex strategies – including conceptual abstraction, cultural reification, and symbolic appropriation – producing a fundamental distortion of Islam’s civilizational essence. The study’s originality lies in offering a critical theoretical framework that situates Islamophobia as a metaphysical phenomenon deeply embedded in Western philosophical structures, opening new avenues for research on modernity and civilizational relations, and promoting an alternative discourse grounded in mutual recognition, plurality, and epistemic justice rather than conflict and exclusion.
Keywords: Islamophobia; Metaphysics; Post-secularism; Political Theology; Civilizational Dialogue
Cite this article as: Ghobrini, Z. “Metaphysical Islamophobia: Deconstructing the Theological – Political Structure of Fear of Islam in the Post-Secular Western Mind,” Tajseer Journal for Interdisciplinary Studies in Humanities and Social Science, Vol. 8, Issue 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0252
© 2026, Ghobrini, licensee, Tajseer & QU Press. This article is published under the terms of the Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0), which permits non-commercial use of the material, appropriate credit, and indication if changes in the material were made. You can copy and redistribute the material in any medium or format as well as remix, transform, and build upon the material, provided the original work is properly cited. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0
في خضم التحولات الجذرية التي شهدها العالم المعاصر، وما أعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر من تصاعد في الخطابات المعادية للإسلام، برزت الإسلاموفوبيا كظاهرة مركبة تستدعي مقاربةً نقديةً عميقةً تتجاوز التفسيرات التقليدية، لتتجذر في البنية الميتافيزيقية للفكر الغربي ذاته؛ فبينما تكتفي معظم الدراسات الأكاديمية بتناول الإسلاموفوبيا في أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية، تسعى هذه الدراسة البينية النقدية المقارنة إلى استكشاف جذورها الماورائية العميقة، وتفكيك بنيتها اللاهوتية-السياسية المتجذرة في العقل الغربي المعاصر. إن المقاربات الأكاديمية السائدة للإسلاموفوبيا غالبًا ما تكتفي بتحليل سطحي يربطها بالأحداث السياسية الطارئة، أو التحولات الاقتصادية المؤقتة، متجاهلة بذلك الأبعاد الوجودية العميقة التي تجعل من الإسلام "الآخر الميتافيزيقي" الأبرز في المخيال الغربي. ويعكس هذا الإغفال قصورًا منهجيًا في فهم طبيعة الصراع الحضاري الذي يتجاوز حدود السياسة والاقتصاد ليصل جوهر الرؤية الكونية للحداثة الغربية.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الإسلاموفوبيا المعاصرة تمثل تجليًا لأزمة بنيوية في الفكر الغربي، نتجت عن فشل الحداثة العلمانية في التخلص من إرثها اللاهوتي، وإعادة إنتاج هذا الإرث بأشكال مموهة في سياق ما بعد العلمانية. وهذا ما أكده يورغن هابرماس حين أشار إلى أن "الحداثة الغربية لم تنجح في التخلص من إرثها اللاهوتي؛ بل أعادت ترجمة المضامين الدينية في خطاب عقلاني"[1]. هذا الفشل يكشف تناقضات جوهرية في المشروع الحداثي؛ حيث تتحول العلمانية من مجال يُفترض فيه الحياد الديني إلى فضاء لإعادة صياغة العداء للإسلام بأدوات أكثر تطورًا وخفاءً. ومن ثَم، فإن الخوف من الإسلام لا يُفهم بوصفه مجرد ردة فعل على وجود "آخر" مختلف؛ بل باعتباره انعكاسًا لأزمة الهوية الغربية في مواجهة التحديات الوجودية التي يطرحها الحضور الإسلامي؛ بما يكشف هشاشة الأسس الفلسفية للحداثة العلمانية، ويفضح التناقضات الكامنة في خطاب التسامح والتعددية الليبرالية.
وتكتسب الدراسة أهمية جوهرية في ضوء التحولات الراهنة التي تشهدها المجتمعات الغربية في خضم التحولات الجيوسياسية والأسئلة الحضارية الكبرى في الوقت الراهن؛ حيث تعود الأسئلة الدينية والميتافيزيقية بقوة إلى المجال العام تحت عنوان "ما بعد العلمانية". ولا تمثل هذه العودة انتصارًا للدين على العلمانية، بقدر ما تعكس إعادة تشكيل العلاقة بينهما وفق شروط جديدة تعيد إنتاج الهيمنة الغربية بأدوات مختلفة. في هذا السياق، يصبح الإسلام الاختبار الأقسى لمدى جدية الالتزام بالقيم التعددية التي تدعي الحداثة الغربية تبنّيَها. وتتجلى الإشكالية الأساس لهذه الدراسة في السؤال التالي: كيف تشكلت الإسلاموفوبيا في العقل الغربي المعاصر كنتيجة لصراع ماورائي بين البنية اللاهوتية–السياسية والحداثة ما بعد العلمانية؟ هذا السؤال يفتح مجالًا واسعًا للتحليل النقدي الذي يتجاوز الأطر التفسيرية التقليدية، ويسعى إلى الكشف عن الآليات العميقة التي تحكم إنتاج الخوف من الإسلام في السياق الغربي المعاصر.
يقود الطرح الماورائي للإسلاموفوبيا إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة في الفكر الغربي؛ فبينما تدعي العلمانية قطع الصلة بين المجالين، يكشف التحليل النقدي عن استمرارية البنية اللاهوتية في أعماق الفكر السياسي الغربي، وإعادة إنتاجها بأشكال جديدة تخدم مشروع الهيمنة الحضارية. وهذا ما يجعل الإسلاموفوبيا المعاصرة أكثر تعقيدًا وخطورة من أشكال العداء التقليدية للإسلام. وانطلاقًا من ذلك، تسعى الدراسة إلى تفكيك هذه البنية المعقدة من خلال منهج نقدي متعدد الأبعاد، يستند إلى أدوات التحليل الفلسفي والتفكيك الخطابي والمقارنة التاريخية؛ بما يسمح بكشف الطبقات المتعددة للخطاب الإسلاموفوبي، والتمييز بين تجلياته الظاهرة وجذوره العميقة في البنية المعرفية الغربية، فضلًا عن تتبع التحولات التي طرأت عليه في مختلف المراحل التاريخية، وإبراز الخصائص المميزة للإسلاموفوبيا في عصر ما بعد العلمانية.
وتنطلق الدراسة كذلك من إدراك عميق لخطورة الإسلاموفوبيا، لا على المسلمين فحسب؛ بل على مستقبل الديمقراطية والتعددية داخل المجتمعات الغربية ذاتها. فكما يحذّر عالم الاجتماع زيجمونت باومان (Z. Bauman)، فإن "الخوف من الآخر يؤدي في النهاية إلى تدمير النسيج الاجتماعي وتقويض أسس العيش المشترك"[2]. ويكتسب هذا التحذير راهنيةً خاصة في ضوء صعود الحركات الشعبوية المعادية للمهاجرين والأقليات في أوروبا وأمريكا.
تشهد الأدبيات الأكاديمية الغربية تطورًا متناميًا في فهم ظاهرة الإسلاموفوبيا؛ حيث تتجاوز المقاربات المعاصرة التعريفات التقليدية التي تختزلها في مجرد "خوف لاعقلاني من الإسلام والمسلمين"[3]. ويكشف هذا التحول عن ضرورة الانتقال من التحليل السطحي للظاهرة بوصفها استجابة سلوكية إلى فهم أعمق يستكشف جذورها الفلسفية والمعرفية. وفي هذا السياق، يرى الباحث أن الإشكالية الأساس في التعريفات السوسيولوجية السائدة تكمن في تجاهلها للأبعاد الوجودية للإسلاموفوبيا؛ فالخوف من الإسلام لا يمثل مجرد قلق ناتج عن الاختلاف الثقافي؛ بل يعكس أزمة عميقة في الهوية الغربية عند مواجهة آخر يتحدى أسسها الفلسفية والحضارية. ويغدو الإسلام، في هذا الإطار، "الآخر الماورائي" الذي يكشف عن هشاشة البنية العلمانية للحداثة الغربية[4].
ويتطلب هذا التحول من المقاربة الاجتماعية إلى المقاربة الفلسفية إعادة تعريف الإسلاموفوبيا بوصفها نظامًا معرفيًا متكاملًا يسعى إلى تأكيد هيمنة النموذج الغربي للحداثة، من خلال إقصاء الإسلام باعتباره بديلًا حضاريًا قابلًا للتحقق. ويكشف هذا التعريف عن الوظيفة الإبستيمولوجية للإسلاموفوبيا في إعادة إنتاج الهيمنة الثقافية الغربية؛ إذ تتجلى الإسلاموفوبيا الفلسفية في محاولة الفكر الغربي احتكار مفاهيم الحداثة والعقلانية والتقدم، وتصوير الإسلام كنقيض جذري لهذه المفاهيم. ويخدم هذا الاحتكار وظيفة تعزيز شرعية النموذج الغربي عبر إظهار البديل الإسلامي بوصفه مستحيلًا، أو متخلفًا[5]. وهذا ما يفسر الطابع الاستحواذي للخطاب الإسلاموفوبي، الذي يرفض منهجيًا الاعتراف بالإسهامات الحضارية الإسلامية، أو يسعى إلى تقديمها باعتبارها مجرد امتداد للإرث اليوناني–المسيحي.
تكمن خطورة هذا النظام المعرفي في قدرته على إنتاج "حقائق" مزيفة حول الإسلام والمسلمين، تتحول بدورها إلى أساس لسياسات وممارسات تمييزية واسعة النطاق[6]. ومن ثَم، فإن مقاومة الإسلاموفوبيا لا تقتصر على الدفاع عن حقوق المسلمين فقط؛ بل تستلزم تفكيك البنية المعرفية التي تنتج هذا الخوف وتعيد إنتاجه باستمرار. وعليه، يُدشّن هذا الانعطاف المفاهيمي حقلَ إمكانٍ معرفي أرحب للدرس الأكاديمي؛ إذ يُزيح الستار عن الطبقات العميقة للاشتباك الحضاري الراهن، ويعيد صوغ أدواتٍ نقدية أشد نفاذًا لاستجلاء منطق الهيمنة الثقافية في طور العولمة، بوصفها نظامًا لإنتاج المعنى وتوزيع الشرعية، لا مجرد شبكة للتبادل. ومن داخل هذا المنظور الذي يقترحه الباحث؛ حيث تتداخل بنى الخطاب مع اقتصاد الرموز ومعايير الاعتراف، تغدو الحاجة مُلحة إلى مقارباتٍ منهجية مستأنفة تتخطى توصيف الظاهرة عند قشرتها التداولية، لتسبر أنسابها الفلسفية وتوتراتها الوجودية، باعتبارها تعبيرًا عن صراعٍ على تعريف الإنسان وحدود العالم الممكن.
يشكّل مفهوم الماورائية (Metaphysics) أحد أهم المفاتيح الفلسفية لفهم آليات إنتاج "الآخر" في الفكر الغربي؛ إذ يتجاوز هذا المفهوم حدود الفلسفة النظرية ليغدو أداة معرفية مركزية في تشكيل رؤية الذات الغربية لنفسها وللعالم من حولها. ومن ثَم، فإن استكشاف الأبعاد الماورائية للإسلاموفوبيا يقتضي فهمًا عميقًا لكيفية تطور هذا المفهوم في التقليد الفلسفي الغربي، وتأثيره على بناء الهوية الحضارية الغربية.
تعود جذور الماورائية في الفكر الغربي إلى الفلسفة اليونانية؛ حيث أسس أرسطو مفهوم "الفلسفة الأولى"، التي تبحث في الوجود بما هو موجود، وفي الأسباب الأولى للأشياء[7]. ورغم الأهمية التأسيسية لهذا التصور الأرسطي في بلورة الإطار النظري للماورائية، فإنه لم يكن يحمل في طياته البعد الإقصائي الذي طوره الفكر الغربي لاحقًا، خاصة في علاقته بالتقاليد الحضارية الأخرى؛ غير أن الماورائية الغربية شهدت تحولًا جذريًا مع ظهور الفكر المسيحي الوسيط؛ حيث امتزجت الفلسفة اليونانية بالعقيدة المسيحية لتنتج رؤية كونية شاملة تدّعي الحقيقة المطلقة. وفي هذا السياق، يلاحظ إتيان جيلسون (Étienne Gilson) أن "الفلسفة المسيحية الوسيطة حوّلت الماورائية من مجرد بحث نظري إلى نظام معرفي يؤسس للهيمنة الروحية والثقافية"[8]. ويكشف هذا التحول عن بداية استخدام الماورائية كأداة لإنتاج الهوية الحضارية الغربية في مواجهة "الآخر" الديني والثقافي.
وتكمن خطورة الماورائية الغربية في قدرتها على إنتاج "الآخر" بوصفه نقيضًا أنطولوجيًا للذات الغربية؛ فبدلًا من التعامل مع التعددية الماورائية باعتبارها حقيقة حضارية، يسعى الفكر الغربي إلى إثبات تفوق ماورائيته من خلال تصوير الماورائيات الأخرى بوصفها منحطة، أو لاعقلانية. وهو ما التقطه مارتن هايدغر (M. Heidegger) في نقده للماورائية الغربية؛ حيث أكد أن "الماورائية الغربية تحولت إلى نظام للسيطرة على الوجود بدلًا من الكشف عنه"[9]. ويكشف نقد هايدغر البعد الاستعماري للماورائية الغربية، التي تسعى إلى فرض رؤية واحدة للوجود على العالم بأسره.
ويتجلى تأثير الماورائية على إنتاج "الآخر" بوضوح في الطريقة التي يتم من خلالها تصنيف الحضارات والثقافات؛ إذ تضع الماورائية الغربية نفسها كمعيار للحكم على الماورائيات الأخرى، ما يؤدي إلى تشويه منهجي للتقاليد الفلسفية غير الغربية. ولا يقتصر هذا التشويه على الجانب النظري؛ بل يمتد إلى الممارسة السياسية والثقافية؛ حيث تصبح الماورائية مبررًا لـ"الرسالة الحضارية" الغربية.
في سياق الإسلاموفوبيا، تضطلع الماورائية الغربية بدور محوري في إنتاج الإسلام بوصفه "آخر ماورائي" يتحدى أسس الحضارة الغربية؛ فالإسلام لا يُرفض باعتباره دينًا مختلفًا فحسب؛ بل يقصى بوصفه رؤية كونية شاملة تطرح بديلًا جذريًا للماورائية الغربية-المسيحية. وفي هذا الصدد، يشير محمد أركون إلى أن "الفكر الغربي يرفض الاعتراف بالماورائية الإسلامية كنظام معرفي مستقل، ويسعى إلى اختزالها في مجرد تقليد ديني جامد"[10]. وهو ما يكشف عن عجز الماورائية الغربية عن التعامل مع التعددية الحضارية الحقيقية خارج منطق الهيمنة والتفوق.
وعليه، فاستنطاق البعد الماورائي في صناعة "الآخر" لا يقتصر على توسيع مجال الفهم؛ بل يؤسس أفقًا نقديًا نوعيًا لإعادة مساءلة الهيمنة الثقافية الغربية من حيث هي منظومة لتوليد المعنى وتوزيع الشرعية. إذ يتيح هذا المنظور كشف البنى العميقة التي تنتظم بها صناعة الخطاب الإسلاموفوبي، من افتراضاته الأنطولوجية حول ماهية الذات وحدود المختلف، إلى قواعده الإبستمولوجية في إنتاج "المعرفة" باعتبارها سلطة مقنّعة، وصولًا إلى اقتصاديات الخوف التي تمنح هذا الخطاب قابلية التداول والرسوخ. ومن ثَم، يغدو هذا الفهم شرطًا لازما لأي مسعى جاد لتفكيك الميتافيزيقا الضمنية للإسلاموفوبيا المعاصرة، لا باعتبارها انحرافًا خطابيًا عابرًا؛ بل كبنية تأسيسية تعيد إنتاج علاقتها بالعالم عبر تراتبيات الاعتراف والإقصاء.
يشكّل مفهوم اللاهوت السياسي أحد أهم المفاتيح النظرية لفهم استمرارية البنية الدينية في الفكر السياسي الغربي المعاصر، لا سيما في علاقته بإنتاج الإسلاموفوبيا. فرغم ادعاءات العلمانية بالقطع مع الإرث الديني؛ إلا أن التحليل النقدي يكشف عن إعادة تشكيل هذا الإرث بأشكال جديدة تخدم مشروع الهيمنة الحضارية الغربية. وتعود الأصول الحديثة لنظرية اللاهوت السياسي إلى كارل شميت (C. Schmitt)، الذي طرح في كتابه الشهير أطروحة مفادها أن "جميع المفاهيم المهمة في النظرية الحديثة للدولة هي مفاهيم لاهوتية علمانية"[11]. وتكشف هذه الأطروحة الشميتية الطبيعةَ المضللةَ للعلمانية الغربية، التي لم تنجح في القطع مع الإرث اللاهوتي؛ بل أعادت تدويره في قوالب سياسية جديدة، وهذا التحول هو ما يفسر قدرة الفكر السياسي الغربي على الحفاظ على بنيته الإقصائية رغم التحولات الظاهرية نحو العلمانية.
تكمن عبقرية شميت في كشفه عن الاستمرارية الخفية بين اللاهوت المسيحي والسياسة الحديثة؛ حيث لاحظ أن "مفهوم السيادة الحديث هو في جوهره تحويل علماني لمفهوم الألوهية المسيحية"[12]. ولا يقتصر هذا التحويل على مستوى الاستعارة اللغوية؛ بل يتمثل في نقل البنية الهرمية والسلطوية للاهوت المسيحي إلى مجال السياسة، وهذا ما يفسر التشابه البنيوي بين آليات الإقصاء اللاهوتي للمخالف دينيًا وآليات الإقصاء السياسي للعدو داخل الدولة الحديثة. وفي هذا السياق، تتجلى خطورة "اللاهوت السياسي" في قدرته على إنتاج "العدو" بوصفه ضرورة وجودية للذات السياسية؛ فكما يؤكد شميت، فإن "التمييز السياسي المحدد الذي يمكن إرجاع الأعمال والدوافع السياسية إليه هو التمييز بين الصديق والعدو"[13]. ولا يشكّل هذا التمييز مجرد تصنيف إجرائي؛ بل يؤسس لبنية الهوية السياسية في السياق الغربي المعاصر؛ إذ يؤدي الإسلام دور "العدو" الماورائي الذي يحدد الهوية السياسية والحضارية للغرب.
في سياق ما بعد العلمانية، يكشف مفهوم اللاهوت السياسي عن تعقيدات جديدة في العلاقة بين الدين والسياسة؛ فبينما تسعى ما بعد العلمانية إلى إعادة تأهيل الخطاب الديني في المجال العام، يتم هذا التأهيل وفق شروط محددة تخدم الهيمنة الثقافية الغربية. وفي هذا الإطار، يلاحظ يورغن هابرماس أن "ما بعد العلمانية تتطلب من الأديان أن تترجم مضامينها إلى لغة عقلانية يمكن للجمهور العلماني فهمها"[14]، ويكشف هذا الشرط عن استمرارية الهيمنة العلمانية تحت غطاء الانفتاح على الدين. وتظهر إشكالية اللاهوت السياسي فيما بعد العلمانية بوضوح في التعامل مع الإسلام؛ فبينما تدّعي الليبرالية الجديدة احترام التنوع الديني، يظل هذا الاحترام مشروطا بمدى قبول الأديان للإذعان للإطار العلماني الليبرالي. وبما أن الإسلام، بوصفه نظامًا شاملًا للحياة، يرفض هذا الخضوع، فإنه يُصوّر بوصفه تهديدًا للتسوية ما بعد العلمانية، وهذا ما يفسر تصاعد الخطاب الإسلاموفوبي في المجتمعات الغربية تحت شعار "الدفاع عن القيم الديمقراطية".
وعليه، يعيد اللاهوت السياسي المعاصر إنتاج الإسلاموفوبيا من خلال تصوير الإسلام كنقيض للحداثة السياسية؛ فالإسلام لا يُرفض هنا باعتباره دينًا مختلفًا فحسب؛ بل بوصفه نظامًا سياسيًا يتحدى الأسس النظرية للدولة الحديثة. وفي هذا السياق، يشير طلال أسد إلى أن "الخطاب العلماني يصور الإسلام كدين سياسي بطبيعته؛ مما يجعله غير قابل للتكيف مع الحداثة"[15]. بينما يبدو أن هذا التصوير يؤدي وظيفة مركزية في تبرير الإقصاء السياسي والثقافي للمسلمين داخل المجتمعات الغربية المعاصرة.
تشكّل العلاقة بين اللاهوت المسيحي والإسلام في الفكر الغربي إحدى أعقد الإشكاليات الحضارية؛ حيث تتجاوز هذه العلاقة حدود الجدل الديني التقليدي لتتجذر في البنية الماورائية للمسيحية الغربية ذاتها. إن فهم كيفية تحول الإسلام من مجرد دين مختلف إلى "عدو ميتافيزيقي" يقتضي تفكيكًا عميقًا للآليات اللاهوتية التي حكمت تطور الهوية المسيحية الغربية في مواجهة التحدي الإسلامي.
وتعود اللحظة التأسيسية لهذا التحوّل إلى القرن السابع الميلادي، حين واجهت المسيحية البيزنطية تحديًا وجوديًا لم تألفه من قبل؛ فالإسلام لم يكن مجرد "هرطقة" مسيحية، كما حاول بعض اللاهوتيين تصويره؛ بل نظامًا دينيًا متكاملًا يطرح رؤية كونية بديلة تتحدى الأسس الماورائية للمسيحية. وفي هذا السياق، يشير المؤرخ البيزنطي يوحنا الدمشقي (676-749) في كتابه ينبوع المعرفة إلى هذا التحدي الجذري، واصفًا الإسلام بأنه "هرطقة تدمر أسس الإيمان المسيحي من جذورها"[16]؛ غير أن هذا التوصيف يكشف في العمق عن عجز اللاهوت المسيحي عن استيعاب طبيعة التحدي الإسلامي؛ إذ إن اختزال الإسلام في مجرد "هرطقة" يعكس رفضًا منهجيًا للاعتراف بالتجديد الحضاري والمعرفي الذي جاء به.
تكمن جذور هذه الصدمة في طبيعة التحدي الإسلامي للبنية اللاهوتية المسيحية ذاتها؛ فالإسلام لم يكتف بتقديم تصور مختلف للإله؛ بل قدّم نقدًا منهجيًا للعقائد المسيحية المركزية. فالعقيدة الإسلامية في التوحيد المطلق تتحدى مفهوم التثليث، كما أن رفض عقيدة التجسد يقوّض أحد أهم الأسس الماورائية للمسيحية. وفي هذا الإطار، يؤكد المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (Louis Massignon) أن "الإسلام شكّل أول نقد جذري للميتافيزيقا المسيحية من داخل التقليد الإبراهيمي"[17]. ولم يكن هذا النقد مجرد جدل لاهوتي؛ بل مس البنية الأنطولوجية للمسيحية ذاتها، ما دفع اللاهوتيين المسيحيين إلى تطوير استراتيجيات دفاعية جديدة لحماية منظومتهم العقدية من التآكل.
ومع مرحلة العصور الوسطى، شهدت آليات إنتاج "العداء الميتافيزيقي" للإسلام تطورًا حاسمًا. فقد وصف اللاهوتي الإسكولاستيكي توماس الأكويني (1225-1274) في الخلاصة اللاهوتية الإسلام بأنه "دين يتعارض مع العقل الطبيعي ويهدم أسس الحضارة المسيحية"[18]. ويكشف هذا التوصيف عن استراتيجية لاهوتية معقدة تسعى إلى تحويل الصراع العقائدي إلى صراع حضاري شامل؛ حيث يعاد تقديم الإسلام لا بوصفه دينًا مختلفًا فحسب؛ بل تهديدًا للعقل والحضارة معًا. تكومن خطورة هذا التحول في تأسيسه لنمط تفكير اختزالي يرفض التعامل مع الإسلام كنظام معرفي مستقل، ويصر على تقديمه كنقيض للعقلانية الغربية.
غير أن الإشكالية الأعمق تكمن في كيفية تحوّل هذا العداء اللاهوتي إلى بنية دائمة في الوعي الغربي. ففي رسالته غربلة القرآن، طوّر الكاردينال نيكولاس الكوسائي (1401-1464) منهجية منظمة لتفكيك الإسلام من الداخل، مؤكدًا أن "الإسلام يحتوي على عناصر من الحقيقة المسيحية؛ لكنه يشوهها ويفسدها"[19]. وتمثل هذه المقاربة نقلة نوعية في الخطاب المسيحي؛ إذ لم يعد الهدف مجرد الرفض؛ بل الاستيعاب النقدي والتفكيك المنهجي. وتعكس هذه الاستراتيجية قدرة اللاهوت المسيحي على التكيف مع التحديات الحضارية عبر إنتاج آليات معرفية جديدة لإعادة ترسيخ الهيمنة الثقافية.
تتجلى أهمية هذا التحليل في كشف الطابع البنيوي لإنتاج "العداء الميتافيزيقي" داخل اللاهوت المسيحي. ويرى الباحث أن الإسلام لم يُشيّأ "عدوًا" لمجرد تمايزه العقدي؛ بل لأنه قدّم نموذجًا حضاريًا موازيًا يفند، على مستوى الشرعية الرمزية، وادعاء المسيحية الغربية احتكار الحقيقة ومعيار الحضارة. ومن هنا يمكن تفسير استدامة العداء تاريخيًا؛ إذ انتقل من سجال لاهوتي عابر إلى بنية معرفية مستقرة تطبِّع الإقصاء مع الوعي الغربي.
وتبرز خطورة هذه البنية في قدرتها على إعادة إنتاج ذاتها عبر السياقات التاريخية المختلفة. فقد طوّر الرهبان الكلونيون في دير كلوني خلال القرن الحادي عشر "برنامجًا تعليميًا" لمواجهة الإسلام؛ حيث يؤكد بطرس المبجّل (1092-1156) في مقدمة ترجمته للقرآن أن "الإسلام خطر على الروح المسيحية يجب مواجهته بالعلم والحجة"[20]. يؤكد الباحث أن هذا التحول من المواجهة العسكرية إلى المواجهة المعرفية يكشف عن نضج الاستراتيجية اللاهوتية المسيحية في تطوير أدوات أكثر فعالية لمحاربة الإسلام فكريًا وثقافيًا.
وعليه، يكشف التحليل النقدي لهذه المرحلة عن تناقض جوهري في الموقف المسيحي من الإسلام؛ فبينما يدعي اللاهوتيون المسيحيون الدفاع عن الحق والعقل ضد "الباطل الإسلامي"، تكشف منهجيتهم عن رفض منهجي للحوار الحقيقي مع الإسلام. ويشير المؤرخ نورمان دانيال (Norman Daniel)، في دراسته الرائدة الإسلام والغرب، إلى أن "اللاهوتيين المسيحيين في العصور الوسطى طوروا صورة مشوهة عن الإسلام تخدم أغراضهم الجدلية أكثر من سعيهم لفهم الحقيقة"[21]. ويكشف هذا التشويه المقصود عن بعد أيديولوجي عميق في الخطاب المسيحي حول الإسلام؛ حيث يصبح الهدف تبرير الرفض لا فهم الآخر.
إلا أن الإشكالية الأكثر عمقًا تتمثل في كيفية تحول هذه الآليات اللاهوتية إلى أحد مرتكزات الهوية الحضارية الغربية؛ إذ لم يعد الإسلام مجرد دين مختلف؛ بل أصبح "الآخر التأسيسي" الذي تتحدد في مواجهته الهوية المسيحية الغربية. ويكشف هذا التحول عن وظيفة إبستيمولوجية عميقة للإسلاموفوبيا في بناء الذات الغربية؛ حيث يغدو الخوف من الإسلام آلية ضرورية لإعادة إنتاج الهوية الحضارية الغربية. ويقودنا هذا التحليل إلى فهم الإسلاموفوبيا المعاصرة بوصفها امتدادًا لهذه البنية اللاهوتية العميقة، وإن تحولت أشكال تعبيرها من الديني إلى العلماني.
والخلاصة، أن اللاهوت المسيحي لم يكتف بإنتاج صورة سلبية عن الإسلام؛ بل أسس لنمط تفكير بنيوي يجعل من الإسلام "عدوًا ميتافيزيقيًا" ضروريًا لاستمرار الهوية المسيحية الغربية. وقد تجاوز هذا النمط حدود الجدل اللاهوتي التقليدي ليصبح جزءًا من البنية المعرفية للحضارة الغربية؛ مما يفسر استمراريته حتى في عصر ما بعد العلمانية. ومن ثَم، فإن تفكيك هذه الآليات التأسيسية يظل شرطً معرفيًا ضروريًا لأي محاولة جادة لفهم الإسلاموفوبيا المعاصرة وكشف جذورها العميقة في الوعي الغربي.
شهدت الحداثة الأوروبية تحولًا جذريًا في آليات إنتاج "الآخر المسلم"؛ إذ انتقلت من الخطاب اللاهوتي المباشر إلى منظومة معرفية أكثر تعقيدًا وخفاءً، تستند إلى مفاهيم العقل والتقدم والحضارة؛ غير أن هذا التحول لا يمثل قطيعة مع الإرث اللاهوتي المسيحي، بقدر ما يشكل إعادة ترجمة له في صورة علمانية تحافظ على جوهره الإقصائي، مع تطوير أدواته المعرفية. وتبرز اللحظة التأسيسية لهذا التحول في مشروع التنوير الأوروبي؛ حيث أعاد فلاسفة التنوير صياغة العلاقة مع الإسلام وفق منطق "التقدم الحضاري". ففي هذا السياق، وصف فولتير (1694-1778) الإسلام في رسالة في التسامح بأنه "دين الاستبداد والتعصب الذي يمنع تطور العقل البشري"[22]. ويكشف هذا الموقف عن استراتيجية معرفية جديدة تسعى إلى تصوير الإسلام كعقبة أمام "التقدم الإنساني"؛ بما يبرر الهيمنة الأوروبية بوصفها ضرورة حضارية. وتكمن خطورة هذا التحول في تقديم الإقصاء الحضاري في صورة "عقلانية" تدعي الموضوعية العلمية؛ بينما تخفي في عمقها استمرار المنطق الإقصائي ذاته.
غير أن الإشكالية الأعمق تتمثل في كيفية تحوّل هذا الخطاب إلى منظومة معرفية شاملة تحكم إنتاج المعرفة عن الإسلام. فالمستشرق الألماني يوهان ريسكه (1716-1774)، في مؤلفه التاريخ العام للشرق، يؤكد أن "الإسلام يمثل مرحلة متخلفة من التطور الديني للإنسانية"[23]. ويكشف هذا التصنيف التطوري للأديان عن آلية معرفية معقدة تسعى إلى تبرير التفوق الأوروبي من خلال تقديم الإسلام كمرحلة "بدائية" جرى تجاوزها بفضل العقل الأوروبي.
وعليه، تتجلى الخطورة الحقيقية لهذه المنظومة في تأسيسها لما يمكن تسميته بـ"الاستشراق الحداثي" الذي طور إدوارد سعيد نقدًا جذريًا له، حين بيّن أن الاستشراق لم يكن مجرد حقل معرفي محايد؛ بل "نظامًا خطابيًا لإنتاج المعرفة عن الشرق يخدم مشروع الهيمنة الأوروبية"[24]. ويكشف هذا التحليل السعيدي عن البعد الإمبريالي للمعرفة الأوروبية عن الإسلام؛ حيث يصبح الإنتاج المعرفي أداة لتبرير الهيمنة السياسية والاقتصادية لا مجرد انعكاس لفضول علمي. ومن ثَم يقود هذا الكشف إلى فهم أعمق للطبيعة الأيديولوجية للحداثة الأوروبية في علاقتها بالإسلام.
ويجد المنقّب في ثنايا التاريخ أن أحقاب القرون الثامن عشر والتاسع عشر شهدت تطورًا حاسمًا في آليات إنتاج "الآخر المسلم" من خلال مفهوم "الرسالة الحضارية". ففي فلسفة التاريخ يصف الفيلسوف الألماني جورج هيغل (1770-1831) الإسلام بأنه "دين الفناء الذي يقضي على الفردية والحرية"[25]. ويكشف هذا التوصيف عن استراتيجية فلسفية تسعى إلى تأسيس التفوق الأوروبي على أسس أنطولوجية؛ حيث يُقدم الغرب بوصفه مجال الحرية والفردية؛ بينما يُختزل الإسلام في مجرد "استبداد شرقي". ويمثل هذا التحليل الهيغلي نقلة نوعية في الخطاب الأوروبي حول الإسلام؛ إذ يرتقي من مستوى النقد الديني إلى مستوى التأسيس الفلسفي للهيمنة الحضارية. ويتجلى تطبيق هذه الآليات النظرية في الممارسات السياسية والاقتصادية، كما يظهر في الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801) حين أعلن نابليون بونابرت أن "الحملة تهدف إلى تحرير مصر من الاستبداد العثماني ونقلها إلى عصر الحضارة"[26]؛ مما يوضح كيف تحولت المفاهيم الفلسفية للحداثة إلى أدوات تبرير استعماري، فيصبح الغزو بمثابة "رسالة حضارية"!
ويكشف التحليل النقدي لهذه المرحلة عن تناقض جوهري في مشروع الحداثة الأوروبية؛ فبينما تدعي الحداثة تحرير العقل من الخرافة والتعصب، تكشف ممارستها الفعلية عن إعادة إنتاج التعصب ذاته في صورة جديدة. وفي هذا الإطار، يشير المفكر الجزائري مالك بن نبي إلى أن "الحداثة الأوروبية أعادت إنتاج الصراع الصليبي بأدوات جديدة"[27]، ما يبرر الاستمرارية العميقة بين الخطاب اللاهوتي المسيحي والخطاب العلماني الحداثي في إنتاج "العداء للإسلام". وبهذا يصبح واضحًا أن الحداثة الأوروبية لم تتخلّ عن الإرث اللاهوتي في علاقتها بالإسلام؛ بل طوّرت آليات أكثر تعقيدًا وفعالية لإعادة إنتاج "الآخر المسلم" كعدو حضاري، في إطار تحول معرفي يحافظ على البنية الإقصائية ويحدّث أدواتها، ويقدّم المشروع الاستعماري بوصفه "رسالة حضارية" تهدف إلى تحرير العالم من "التخلف الإسلامي".
تشكّل العلاقة بين العلمانية والخوف من الإسلام إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في الفكر الغربي المعاصر؛ حيث تتجاوز هذه العلاقة حدود الجدل السياسي التقليدي لتطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة العلمانية ذاتها. إن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه هو: هل نجحت العلمانية في تحقيق القطيعة الحقيقية مع الإرث اللاهوتي المسيحي، أم أنها أعادت إنتاج هذا الإرث بأشكال جديدة تحافظ على جوهره الإقصائي للإسلام؟
إن الطرح التقليدي للعلمانية يصورها كمشروع تحرر من الهيمنة الدينية، وكفضاء محايد يتيح التعايش السلمي بين مختلف المعتقدات. لكن التحليل النقدي لممارسة العلمانية الغربية في علاقتها بالإسلام يكشف عن تناقضات عميقة تشكك في هذا الطرح المثالي. فالعلمانية الفرنسية، رغم ادعائها الحياد الديني، أظهرت عداءً منهجياً للإسلام من خلال قوانين منع الحجاب والرموز الدينية. يشير الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا إلى أن "العلمانية الفرنسية تحمل في طياتها إرثاً مسيحياً مقنعاً يرفض الاعتراف بالآخر الديني"[28]. هذا التحليل الدريدي يكشف عن البعد الإقصائي للعلمانية التي تدعي الحياد بينما تمارس التمييز الديني.
تتجلى الإشكالية الأعمق في كيفية تحول العلمانية من مجرد فصل بين الدين والدولة إلى منظومة معرفية شاملة تعيد تعريف العلاقة مع الإسلام. فالمفكر الألماني كارل شميت في "اللاهوت السياسي" يؤكد أن "جميع المفاهيم الجوهرية للنظرية الحديثة للدولة هي مفاهيم لاهوتية علمانية"[29]. هذا التحليل الشميتي يكشف عن الاستمرارية العميقة بين اللاهوت والسياسة في الفكر الغربي؛ حيث تصبح العلمانية مجرد "ترجمة" للبنية اللاهوتية وليس قطيعة معها. إن هذا الكشف يقود إلى فهم جديد لطبيعة العلمانية كمشروع إعادة تشكيل للهيمنة الدينية وليس إلغاءها.
غير أن الإشكالية الأكثر تعقيداً تتمثل في كيفية تحول العلمانية إلى أداة لإعادة إنتاج الخوف من الإسلام بطرق أكثر تطوراً وخفاءً. فالعلمانية الليبرالية تطور خطاباً يدعي الدفاع عن "القيم الديمقراطية" ضد "التهديد الإسلامي". هذا الخطاب يكشف عن تحول العلمانية من مجرد فصل بين الدين والدولة إلى أيديولوجية شاملة تحتكر تعريف الحداثة والتقدم. يشير المفكر الهندي أشيس نندي إلى أن "العلمانية الغربية تحولت إلى دين جديد يرفض الاعتراف بالبدائل الحضارية"[30]. هذا التحليل يكشف عن الطبيعة الإقصائية للعلمانية التي تدعي التسامح بينما تمارس الهيمنة الثقافية،
إذ شهدت العقود الأخيرة تطوراً حاسماً في آليات إنتاج الخوف من الإسلام من خلال مفهوم "القيم الأوروبية"، فالخطاب السياسي الأوروبي يقدم العلمانية كقيمة حضارية جوهرية تتعارض مع "الثقافة الإسلامية". المفكر التركي طلال أسد في "تشكيلات العلماني" يؤكد أن "العلمانية الأوروبية تعيد إنتاج التمييز الاستعماري ضد الإسلام تحت غطاء الحداثة"[31]. هذا التحليل الأسدي يكشف عن الاستمرارية بين المشروع الاستعماري والمشروع العلماني في إنتاج "الآخر المسلم".
إن التحليل النقدي لممارسة العلمانية في السياق الأوروبي يكشف عن تناقضات جوهرية تشكك في ادعاءاتها التحررية. فالعلمانية الألمانية تسمح بالتعليم الديني المسيحي في المدارس العامة بينما تمنع التعليم الإسلامي. يشير عالم الاجتماع الألماني يوزف كازانوفا إلى أن "العلمانية الأوروبية تحمل انحيازاً ثقافياً مسيحياً يرفض الاعتراف بالتعددية الدينية الحقيقية"[32]. هذا التحليل يكشف عن الطبيعة الإقصائية للعلمانية التي تدعي الحياد بينما تمارس التمييز المنهجي.
كما يتجلى هذا التناقض بوضوح في مفهوم "الإسلام السياسي" الذي طوره الخطاب العلماني الغربي؛ فبينما يُقبل الدور السياسي للمسيحية في أوروبا وأمريكا كجزء من الثقافة الديمقراطية، يُصور أي دور سياسي للإسلام كتهديد للنظام العلماني. المفكر الأمريكي وائل حلاق في "الدولة المستحيلة" يؤكد أن "الخطاب العلماني يرفض منهجياً الاعتراف بإمكانية تطوير نموذج سياسي إسلامي معاصر"[33]. هذا الرفض يكشف عن الطبيعة الهيمنية للعلمانية التي تسعى إلى فرض نموذج واحد للحداثة على العالم.
إن أهمية هذا التحليل تكمن في كشفه عن الآليات العميقة التي تحكم إنتاج الخوف من الإسلام في السياق العلماني. فالعلمانية لا تمثل قطيعة مع الإرث اللاهوتي المسيحي؛ بل استمراراً له بأدوات جديدة تحافظ على وظيفته الإقصائية. هذا الكشف يقود إلى فهم أعمق لطبيعة الإسلاموفوبيا المعاصرة كنتيجة لتناقضات البنية العلمانية ذاتها.
وعليه، يخلص الباحث إلى أن، العلمانية الغربية لم تحقق القطيعة الحقيقية مع الإرث اللاهوتي المسيحي فحسب؛ بل أعادت ترجمته في صورة "عقلانية" تحافظ على بنيته الإقصائية للإسلام. هذا التحول يكشف عن الطبيعة الاستمرارية في آليات إنتاج الخوف من الإسلام؛ حيث تتحول العلمانية من مشروع تحرر إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الثقافية بأشكال جديدة. فالعلمانية المعاصرة تطور خطاباً يصور الإسلام كتهديد للحداثة والديمقراطية؛ مما يبرر السياسات الإقصائية تحت غطاء الدفاع عن "القيم الليبرالية".
ثالثا: الإسلاموفوبيا في سياق ما بعد العلمانية
يشكل مفهوم "ما بعد العلمانية" عند هابرماس نقطة تحول حاسمة في فهم العلاقة بين الدين والحداثة؛ لكنه يحمل في طياته إشكاليات عميقة تعيد إنتاج الإقصاء الحضاري للإسلام بطرق أكثر تطورًا وخفاءً؛ فبينما يطرح هابرماس نظريته كمحاولة لتجاوز التناقضات الداخلية للعلمانية الكلاسيكية؛ إلا أنه يسقط من زاوية أخرى في فخ إعادة تأسيس الهيمنة الغربية تحت غطاء "التعددية الدينية". في مستقبل الطبيعة الإنسانية يصوغ هابرماس مفهومًا لما بعد العلمانية يقوم على "الحوار التعلمي بين الإيمان والمعرفة"، مؤكدًا أن "المجتمعات الحديثة تحتاج إلى إعادة تقييم دور الدين في المجال العام"[34]؛ غير أن هذا الطرح يرى أن هذا الطرح يخفي انحيازًا ثقافيًا عميقًا يعكس عجز الفكر الغربي عن تجاوز مركزيته الحضارية؛ إذ يقتصر الحوار على الديانات "القابلة للتحديث" وفق المعايير الغربية؛ مما يستبعد الإسلام كنظام معرفي متكامل.
وفي كتابه بين الطبيعانية والدين[35] يشترط هابرماس على الأديان تقديم مضامينها بلغة عقلانية تتناسب مع المجال العام؛ ويبدو هذا الشرط محايدًا ظاهريًا؛ لكنه يحمل إكراهًا معرفيًا مزدوجًا: فمن ناحية يفترض مسبقًا تفوق العقلانية الغربية، ومن ناحية أخرى يتجاهل خصوصية الأنظمة الدينية غير الغربية في صياغة مفاهيمها العقلانية المستقلة. وهنا تبرز إشكالية كبرى في الفكر الهابرماسي؛ فبينما يدعي احترام التعددية، يفرض نموذجًا عقلانيًا أحاديًا يكرّس الهيمنة الثقافية تحت غطاء الحوار، وهذا ما يدعو إلى تطوير مفهوم "الإبستمولوجيا المقاومة" من حيث رفضه اختزال العقلانية في نموذج غربي أحادي.
ويكشف الموقف من الإسلام في طرح هابرماس عن تحيز أعمق، ففي حواره مع راتزنغر[36] قبِل مشاركة المسيحية في الفضاء العام بسهولة؛ بينما تعامل مع الإسلام كظاهرة تحتاج إلى "إعادة تشكيل" لتتلاءم مع المعايير الغربية؛ مما يعكس بنية معرفية عميقة في الفكر الغربي ترفض الاعتراف بالإسلام كندّ حضاري قادر على إنتاج حداثته الخاصة. ويكشف التحليل النقدي لمشروع هابرماس عن تناقض جوهري بين الادعاءات النظرية والممارسة الفعلية لما بعد العلمانية؛ فبينما يدعي هابرماس أن نظريته تهدف إلى "تحرير الإمكانيات الدلالية للتقاليد الدينية"؛ إلا أنه يضع شروطًا صارمة لهذا التحرير تتمثل في قبول "قواعد اللعبة الديمقراطية" والخضوع لـ "نقد العقل الحداثي"[37]. وتكشف هذه الشروط عن طبيعة استيعابية للمشروع الهابرماسي يسعى إلى "ترويض" الدين وفق المعايير العلمانية بدل الاعتراف الحقيقي بالتعددية الدينية.
من ناحية أخرى، تتجلى الإشكالية الأعمق في موقف هابرماس من الإسلام في تصنيفه ضمن "الأديان غير المؤهلة للحداثة" بسبب "عدم اكتمال عملية التحديث الداخلي"[38]. ويكشف هذا التصنيف عن جهل عميق بطبيعة الفكر الإسلامي وقدرته على التجديد الحضاري؛ إذ تنطلق المعايير التي يعتمدها هابرماس للحكم على "أهلية" الأديان للحداثة من نموذج أوروبي محدد يفترض أن تجربة الإصلاح البروتستانتي هي الطريق الوحيد للتحديث الديني.
في هذا الصدد، يطور هابرماس في العقل والدين مفهومًا لـ"الترجمة التعاونية" بين الخطاب الديني والعلماني، مؤكدًا أن "المواطنين المؤمنين يجب أن يطوروا موقفًا إبستيمولوجيًا تجاه تعدد الرؤى الكونية"[39]. لكن هذا المفهوم يحمل في طياته إكراهًا معرفيًا للمسلمين؛ حيث يُطلب منهم التخلي عن شمولية رؤيتهم الكونية كشرط للمشاركة في الحوار العام. ويكشف هذا الإكراه عن الطبيعة المهيمنة لمشروع ما بعد العلمانية الذي يدعي التعددية بينما يفرض نموذجًا واحدًا للحداثة.
والأخطر من ذلك أن هابرماس يتجاهل تمامًا الإسهامات الحضارية للإسلام في تطوير العقلانية والعلوم، معتبرًا أن "الحداثة الأوروبية تمثل الإنجاز الحضاري الأوحد للعقل الإنساني"[40]. ولا يمثل هذا التجاهل مجرد قصور معرفي؛ بل موقفًا أيديولوجيًا يسعى إلى شرعنة الهيمنة الغربية من خلال إنكار الإسهامات الحضارية للآخر.
ويعيد مشروع هابرماس لما بعد العلمانية، رغم طموحاته النظرية، إنتاج الإسلاموفوبيا بأدوات أكثر تطورًا وخفاءً؛ فبدلًا من الرفض المباشر للإسلام، يطور آليات "الاستيعاب الإقصائي" التي تدعي قبول الإسلام شرط تفريغه من محتواه الحضاري. وتكشف هذه الآليات عن فشل الفكر الغربي المعاصر في تجاوز مركزيته الحضارية، حتى في أكثر محاولاته تطورًا للتعامل مع التعددية الدينية.
تمثل الليبرالية الجديدة تحولًا نوعيًا في بنية الخطاب الإسلاموفوبي؛ حيث تجاوزت الأشكال التقليدية للعداء الديني المباشر إلى منظومة معقدة من التقنيات الخطابية والمؤسسية التي تعيد إنتاج الإقصاء تحت راية الحداثة والعقلانية. فإذا كانت الإسلاموفوبيا الكلاسيكية تعتمد على الصور النمطية والمواجهة الصريحة، فإن الليبرالية الجديدة أسست لنمط جديد من الرفض الحضاري يتوسل بمفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لتبرير ممارساتها الإقصائية.
تشكل الليبرالية الجديدة، بحسب تحليل فوكو، "تقنية حكم جديدة" تتجاوز الآليات القسرية المباشرة إلى تشكيل الذاتيات وإنتاج الحقائق[41]. وفي السياق الإسلاموفوبي، يصبح الخطاب ضد الإسلام جزءًا من "التقنيات الحيوية للسلطة" التي تهدف إلى تنظيم الحياة الاجتماعية وفق منطق السوق والكفاءة؛ غير أن هذا التحليل الفوكوي، على الرغم من عمقه في كشف آليات السلطة الحديثة، يبقى أسير المنظور الداخلي للحداثة الغربية دون أن يتطرق إلى البعد الحضاري للصراع؛ فالليبرالية الجديدة لا تمارس، فقط، تقنيات الحكم؛ بل تعيد إنتاج الهيمنة الحضارية الغربية عبر تحويل القيم الخاصة إلى معايير كونية مزعومة. وهنا يكمن جوهر الإسلاموفوبيا المعاصرة في قدرتها على تقديم نفسها بوصفها دفاعًا عن القيم الإنسانية العليا؛ بينما تمارس في الواقع إقصاءً منهجياً للآخر الحضاري.
في السياق نفسه، تؤكد ويندي براون (Wendy Brown) أن الليبرالية الجديدة تحول المواطنة من مفهوم سياسي إلى مفهوم اقتصادي؛ حيث يصبح المواطن "رأسمالًا بشريًا" يُقيّم وفق معايير الكفاءة والإنتاجية[42]. ويفضي هذا التحول إلى إنتاج آليات جديدة للتمييز، تصبح فيها الهوية الإسلامية عائقًا أمام الاندماج في النظام الاقتصادي الليبرالي. بيد أن هذا الوصف، وإن كان دقيقًا في رصد الآليات الاقتصادية للإقصاء، يظل قاصرًا عن استيعاب البعد الأنطولوجي للصراع؛ فالليبرالية الجديدة لا تقصي المسلم، فقط، لأنه "غير منتج"، أو "غير قابل للتكيّف"؛ بل لأن وجوده ذاته يتحدى الأسس الماورائية التي تقوم عليها الحداثة الغربية. فالمسلم، في هذا السياق، ليس مجرد "رأسمال بشري" غير فعال؛ بل هو تهديد أنطولوجي لمنظومة القيم التي تؤسس عليها الليبرالية الجديدة هويتها الحضارية.
- العلمانية كمعيار للاندماج: تتحول العلمانية من مبدأ تنظيمي إلى شرط أساس للمشاركة في الحياة العامة. ويبين أسد أن العلمانية ليست موقفًا محايدًا من الدين؛ بل "تقليدًا خطابيًا" يعيد تشكيل المجال الديني وفق منطق الحداثة الغربية[43]. وفي هذا السياق، يصبح المسلم "المتدين" تهديدًا للنظام العلماني، لا بسبب ممارساته الدينية في حد ذاتها؛ بل بسبب رفضه للفصل الليبرالي بين الديني والسياسي. ويكشف هذا الطرح عن الطبيعة الأيديولوجية للعلمانية؛ غير أن استكماله يقتضي تعميق النقاش ليشمل البعد الإبستيمولوجي للصراع؛ إذ إن الإسلام لا يرفض، فقط، الفصل بين الديني والسياسي في تنظيم المجال العام؛ بل يقدم نموذجًا معرفيًا مختلفًا للعلاقة بين الإنسان والكون والمطلق؛ بما يزعزع الأسس المعرفية للحداثة الغربية ذاتها.
- خطاب حقوق المرأة كسلاح أيديولوجي: تستخدم الليبرالية الجديدة قضية المرأة كأداة مركزية في حربها الرمزية ضد الإسلام، على سبيل المثال يتحول الحجاب من رمز ديني إلى "علامة قمع"، والأسرة الإسلامية إلى "بنية بطريركية"، والقوانين الشرعية إلى "انتهاك لحقوق الإنسان". تشير غاياتري سبيفاك (Gayatri Spivak) إلى أن خطاب "إنقاذ المرأة المسلمة" يعيد إنتاج الاستعمار تحت راية الحقوق الإنسانية[44]. ورغم أهمية هذا التحليل الاستعماري؛ إلا أنه يركز على آليات الهيمنة دون استكشاف الإمكانيات التحررية في النموذج الإسلامي للمرأة؛ حيث يؤسس الإسلام لفهم جديد للعلاقة بين الرجل والمرأة يقوم على منطق التكامل والتوازن الكوني، لا على منطق الصراع والفردانية الذي تقوم الحداثة الغربية.
- الأمننة الناعمة للهوية الإسلامية: تطور الليبرالية الجديدة تقنيات "الأمننة الناعمة" التي تحول الهوية الإسلامية إلى قضية أمنية دون اللجوء إلى القمع المباشر، وتشمل هذه التقنيات المراقبة الرقمية، والتدقيق في الخطابات الدينية، وربط الممارسات الإسلامية بالتطرف المحتمل. ويحلل باري بوزان (Barry Buzan) الكيفية التي تتحول بها القضايا الاجتماعية والثقافية إلى قضايا أمنية من خلال عمليات خطابية معقدة[45]؛ غير أن هذا التحليل يتجاهل البعد الحضاري للصراع؛ فالمسلم لا يُؤمن، فقط، خوفًا من التطرف؛ بل لأن وجوده يذكّر بإمكانية بدائل حضارية للنموذج الغربي السائد. فالمسلم، في هذا السياق، ليس مجرد تهديد أمني؛ بل تهديدًا أنطولوجيًا لادعاء الحداثة الغربية بأنها النموذج الوحيد للتقدم الإنساني.
تمارس الليبرالية الجديدة "عنفًا إبستيمولوجيًا" ضد المعرفة الإسلامية من خلال إعادة تصنيفها وفق معايير العلم الحديث؛ بما يحولها من منظومة متكاملة إلى مجموعة من "المعتقدات" التي تحتاج إلى تبرير عقلاني[46]. ويتجاوز هذا العنف حدود الهيمنة المعرفية إلى محاولة تعطيل الإمكانيات التحررية الكامنة في المعرفة الإسلامية، التي تؤسس لإبستيمولوجيا بديلة تتجاوز الثنائيات الحديثة وتقدم رؤيةً توحيديةً للوجود تتحدى الأسس الماورائية للحداثة الغربية. ومن هنا تتكشف طبيعة الصراع بوصفه صراعًا حول المناهج والأسس المعرفية ذاتها؛ لا حول الحقائق الجزئية.
وفي الإطار نفسه، تعتمد الليبرالية الجديدة استراتيجية "الاستيعاب الانتقائي" التي تستوعب بعض الرموز الإسلامية، وتعيد تأويلها وفق المنطق الليبرالي؛ مما يفضي إلى إنتاج "إسلام ليبرالي" مفرغ من محتواه الحضاري. وتمثّل هذه الاستراتيجية شكلًا أكثر خطورة من الرفض المباشر؛ لأنها تحول الإسلام من تحدٍ حضاري إلى مجرد "تنويع ثقافي" ضمن المنظومة الليبرالية.
يطرح الإسلام، في مواجهته للليبرالية الجديدة، تحديًا أنطولوجيًا شاملًا للأسس الماورائية التي تقوم عليها الحداثة الغربية، ويتجلى ذلك في ثلاثة مستويات مترابطة تُعيد مساءلة تصورات الحداثة حول الإنسان والكون والمعرفة: فعلى المستوى الأنثروبولوجي، يقدم الإسلام فهمًا للإنسان بوصفه خليفة في الأرض، بدلًا من الفهم الليبرالي للإنسان كفرد مستقل، وهو ما يعيد تعريف العلاقة بين الحرية والمسؤولية، وكذلك بين الحقوق والواجبات. وعلى المستوى الكوسمولوجي، يطرح الإسلام رؤية توحيدية للكون تتجاوز الثنائيات الحديثة؛ بين المقدس والمدنس، وبين الطبيعي والماورائي، بما يتحدّى الأسس العلمانية للحداثة الغربية؛ أما على المستوى الإبستيمولوجي، فيقدم الإسلام منهجًا معرفيًا يجمع بين العقل والنقل، وبين التجربة والوحي؛ مما يتحدى الأسس الوضعية للمعرفة الحديثة.
وفي ضوء هذا التحدّي المركب، تمكنت الليبرالية الجديدة من إعادة تشكيل الخطاب الإسلاموفوبي؛ بحيث يتجاوز الأشكال التقليدية للعداء إلى منظومة متكاملة من التقنيات الخطابية والمؤسسية. ويعكس هذا التشكيل الجديد أزمة الحداثة الغربية في مواجهة التحدي الحضاري الإسلامي؛ حيث تضطر إلى اللجوء إلى آليات أكثر تعقيدًا وتطورًا لحماية هيمنتها الحضارية. وفي هذا السياق، لا تبدو الإسلاموفوبيا مجرد رفض للآخر الديني؛ بل تتخذ طابعًا دفاعيًا عن الذات الحضارية الغربية ضد التحدي الأنطولوجي الذي يمثله الإسلام.
ويكشف هذا التحليل عن الطبيعة الجدلية للصراع بين الإسلام والليبرالية الجديدة؛ إذ يتجاوز الصراع حدود المصالح السياسية، أو الاقتصادية ليغدو صراعًا حول الرؤى الماورائية للوجود والمعرفة والإنسان. ومن ثَم، تمثل الإسلاموفوبيا الماورائية آلية دفاعية للحداثة الغربية في مواجهة تحدي الإسلام لأسسها الحضارية.
تُظهر سياسات الهوية في المجتمعات الغربية المعاصرة تناقضًا جوهريًا في قلب المشروع الليبرالي، بين ادعاء التعددية والانفتاح من جهة، وبين الخوف الوجودي من الآخر الحضاري من جهة أخرى. ويتجلى هذا التناقض بوضوح في التعامل مع الهوية الإسلامية؛ حيث تتحول سياسات الهوية إلى آلية لإنتاج الإقصاء تحت راية التنوع. فالإسلاموفوبيا في هذا السياق لا تقتصر على كونها رفضًا للآخر الديني؛ بل تعبير عن أزمة هوية غربية في مواجهة التحدي الوجودي الذي يطرحه الإسلام على أسسها الحضارية.
تقوم التعددية الليبرالية – نظريًا – على مبدأ الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني ضمن إطار القيم المشتركة للمجتمع الديمقراطي. ويذهب شارلز تايلور (Charles Taylor) إلى أن "سياسة الاعتراف" تشكل ضرورة أساس في المجتمعات الحديثة؛ حيث يحتاج الأفراد والجماعات إلى الاعتراف بهويتهم الخاصة لتحقيق الكرامة الإنسانية[47]؛ غير أن هذا التصور يغفل الطبيعة الهرمية لعملية الاعتراف في النظام الليبرالي؛ إذ لا يتم القبول بالتنوع إلا بقدر ما يظل منضبطًا ضمن ما يُعد "مقبولًا" و"معقولًا" وفق المعايير الغربية. وبهذا المعنى، يمر الاعتراف بالهوية الإسلامية عبر عملية "ترويض" تفرغها من محتواها الحضاري، وتحيلها إلى مجرد "خصوصية ثقافية" قابلة للإدماج في المنظومة الليبرالية.
وفي هذا السياق المعقد، تمارس سياسات الهوية الليبرالية شكلًا من "الاعتراف المشروط" بالهوية الإسلامية؛ حيث تُقبل الرموز الإسلامية؛ شريطة إفراغها من محتواها الحضاري. فيعاد تعريف الحجاب بوصفه "اختيارًا شخصيًا"، بدل كونه تعبيرًا عن رؤية كونية للمرأة، وتُحول الشعائر الدينية إلى "تراث ثقافي" منفصل عن أسسه العقدية والمعرفية. ويشير ويل كيملكا (Will Kymlicka) إلى أن التعددية الليبرالية تواجه تحديًا جوهريًا في التعامل مع الجماعات التي تحمل قيَمًا مغايرة عن القيم الليبرالية[48]؛ إلا أن الإشكال لا يكمن في وجود "التحدي" بحد ذاته، بقدر ما هو في عجز التعددية الليبرالية عن استيعاب البدائل الحضارية الحقيقية. فالإسلام لا يطرح مجرد "قيم مختلفة"؛ بل يقدم رؤيةً كونيةً بديلةً تتحدى الأسس الماورائية للحداثة الغربية؛ مما يكشف عن النزعة الإمبريالية للتعددية الليبرالية التي تدعي الكونية؛ بينما تفرض الخصوصية الغربية.
ومن جانب آخر، تطور سياسات الهوية تصنيفًا هرميًا للإسلام يميز بين "إسلام معتدل" منسجم مع القيم الليبرالية، و"إسلام متطرف" يرفضها. ويشير أبو الأعلى المودودي (Abul A'la Maududi) إلى أن هذا التصنيف يهدف إلى تقسيم المسلمين، وضرب بعضهم ببعض[49]؛ غير أن هذا التصنيف يعكس، في جوهره، طبيعة الصراع الحقيقي بوصفه صراعًا بين نموذج حضاري إسلامي أصيل يسعى إلى الحفاظ على استقلاليته، ونموذج حضاري غربي مهيمن يطالب بالتبعية والاندماج الكامل. وضمن هذا الإطار، يغدو "الاعتدال" مرادفًا للقبول بالتبعية الحضارية للغرب؛ بينما يُوصم التمسك بالمرجعية الحضارية الإسلامية بـ"التطرف".
وتقدم الحالة الفرنسية مثالًا دالًا على هذا المسار؛ حيث تحولت "العلمانية" من مبدأ لضمان الحياد إلى أيديولوجيا قومية جديدة[50]، في التعبير عما يعكس نمطًا أوسع في التعامل مع الإسلام بوصفه "دينًا غير قابل للتدجين" ضمن شروط الحداثة الغربية. وبالتوازي مع ذلك، تستهدف سياسات الهوية الرموز الإسلامية المرئية كآلية لتحجيم الحضور الإسلامي في المجال العام، فيُعاد تصوير الحجاب كـ"تهديد للعلمانية"، والمآذن كـ"تلوث بصري"، والمدارس الإسلامية كـ"حاضنات للتطرف". ويبين بودريار كيف تتحول الرموز إلى ساحة مركزية للصراع الحضاري في المجتمعات الحديثة[51]؛ بيد أن هذا الصراع لا يقتصر على البعد السيميائي؛ بل ينطوي على بعد أنطولوجي أعمق، يتعلق بالحق في الوجود الحضاري ذاته، وبإمكان حظر أي بديل حضاري للنموذج الغربي؛ بادعائه الكونيةَ والتفردَ.
في هذا السياق المتأزم، يواجه هنتنغتون هذا التحدي بالقول إن التعددية الثقافية تهدد التماسك الاجتماعي في المجتمعات الغربية[52]؛ غير أن الإشكال لا يرتبط بالتعددية الثقافية في حد ذاتها؛ بل بعجز النموذج الحضاري الغربي عن استيعاب نماذج حضارية مغايرة في أسسها المرجعية. فالتعددية تعمل بقدر أكبر من السلاسة عندما تتعامل مع "ثقافات" تشترك في الأسس الحضارية نفسها؛ لكنها تفشل حين تواجه حضارات تمتلك رؤًى كونية مستقلة، كالحضارة الإسلامية.
وعليه، تعكس سياسات الهوية في المجتمعات الغربية وجود أزمة بنيوية في المشروع الحضاري الليبرالي؛ حيث تتحول التعددية المعلنة إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الحضارية تحت راية التنوع. وليست الإسلاموفوبيا في هذا الإطار مجرد تحيّز ثقافي؛ بل آلية دفاعية تسعى إلى حماية الهيمنة الحضارية الغربية من التحدي الوجودي الذي يطرحه الإسلام على أسسها الماورائية وادعائها الكونية.
رابعا: نحو تفكيك الإسلاموفوبيا الماورائية
تطرح مسألة تجاوز الإسلاموفوبيا إشكالية معقدة تتجاوز الحلول السطحية والإصلاحات الجزئية، لتلامس جوهر البنية الحضارية الغربية وأسسها الماورائية. فالإسلاموفوبيا لا يمكن اختزالها في مجرد تحيز ثقافي، أو سوء فهم قابل للمعالجة عبر الحوار والتربية؛ بل تتجلى بوصفها تعبيرًا عن أزمة هيكلية في المشروع الحضاري الغربي الذي يواجه تحديًا وجوديًا من النموذج الإسلامي البديل. ويكشف هذا التحدي تناقضًا بين ادعاء الحداثة الغربية الكونيةَ وطابعها الخصوصي المتجذر في التجربة التاريخية الأوروبية.
في هذا السياق، يقدم فوكوياما رؤية متفائلة حول إمكانية تجاوز الصراعات الحضارية من خلال الاندماج في النموذج الليبرالي الديمقراطي الذي يصفه بـ"نهاية التاريخ"[53]؛ حيث تُفهم الإسلاموفوبيا بوصفها مقاومة مؤقتة للحتمية التاريخية التي تقود البشرية نحو تبني النموذج الليبرالي الغربي؛ غير أن هذا التصور يستند إلى افتراض إمبريالي يجعل من النموذج الغربي نهاية حتمية للتطور الإنساني، متجاهلًا إمكانية وجود بدائل حضارية أصيلة. وهو ما يكشف النزعة الاستعمارية للحداثة الغربية التي تسعى إلى إلغاء التنوع الحضاري لصالح نموذج أحادي.
وفي الاتجاه نفسه، تشير توصيات تقرير الوضع والاتجاهات الإرهابية في الاتحاد الأوروبي 2023 (TE‑SAT 2023) إلى استمرار الإرهاب وزيادة بعض أشكال التطرف المعادي للمسلمين في السياقات الأوروبية[54]. كما يوثق تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الدين (A/HRC/49/44)[55] تحول الإسلاموفوبيا من عنصرية فردية إلى "عنف مؤسساتي" في العديد من الدول الغربية. ويكشف ذلك عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي حول حقوق الإنسان والممارسات الفعلية؛ إذ تنفق حكومات غربية موارد كبيرة على برامج مكافحة التطرف[56]، في الوقت الذي يستمر فيه التمييز المنهجي ضد المسلمين في مجالات سوق العمل والإسكان والفرص الوظيفية على أساس الخلفية الدينية.
من جهة أخرى، تفيد الدراسات الحديثة الصادرة عن مجلس الأمن القومي الأمريكي أن الإسلاموفوبيا تشكل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي، لما تؤدي إليه من تفكيك النسيج الاجتماعي، وتقويض الثقة في المؤسسات الديمقراطية[57]؛ إلا أن هذا المنظور يركز على التداعيات الوظيفية للظاهرة أكثر مما يتناول جذورها الماورائية؛ إذ تتجاوز الإسلاموفوبيا كونها مشكلة أمنية، أو اجتماعية لتغدو تعبيرًا عن أزمة هوية حضارية تتطلب إعادة النظر في الأسس الفلسفية التي يقوم عليها المشروع الغربي، في ادعائه الجمع بين الديمقراطية وحرية الاعتقاد والحرية الشخصية.
في هذا الإطار، يبين إدوارد سعيد في تحليله للاستشراق أن العداء للإسلام متجذر في البنية المعرفية الغربية منذ القرون الوسطى؛ مما يجعل تجاوزه مرهونًا بتفكيك هذه البنية بالكامل[58]. ومع أهمية هذا التشخيص، يبقى النقد الاستشراقي محصورًا في حدود المنطق الداخلي للحداثة الغربية، دون أن ينفتح بالقدر الكافي على الإمكانيات التحررية الكامنة في النموذج الإسلامي البديل بوصفه أفقًا حضاريًا مغايرًا.
في المقابل، تشير تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للحوار بين الحضارات إلى إمكانية تجاوز الإسلاموفوبيا من خلال تعزيز التفاهم المتبادل والتعاون الثقافي[59]؛ غير أن هذا المنهج يفترض تكافؤًا بين الحضارات، متجاهلًا علاقات الهيمنة الفعلية غير المتكافئة التي تحكم التفاعل بين الغرب والإسلام. وفي ظل استمرار هذه الهيمنة يصبح الحوار أداة لتكريس الوضع القائم تحت راية التعددية والتسامح.
أما هنتنغتون، فيرى، في تحليله المحدث للصراع الحضاري، أن الإسلاموفوبيا تعبر عن صراع عميق لا يمكن تجاوزه إلا من خلال إعادة تعريف الهوية الغربية؛ بما يسمح باستيعابها التحدي الإسلامي[60]. ويقترب هذا التصور من إدراك الطبيعة الهيكلية للإسلاموفوبيا؛ لكن إعادة تعريف الهوية الغربية لا تقتضي مجرد تعديل تقني؛ بل تتطلب تفكيك الأسس الماورائية للحداثة الغربية وإعادة بنائها على أسس جديدة.
وعليه، يتبين أن تجاوز الإسلاموفوبيا الماورائية يتطلب ما هو أبعد من مجرد حوار حضاري، أو إصلاحات مؤسسية؛ إذ يستدعي مراجعة جذرية للبنية الحضارية الغربية، وإعادة النظر في ادعائها الكونيةَ. وفي غياب إرادة حضارية حقيقية للتخلي عن مشروع الهيمنة الكونية والاعتراف بتعددية حضارية فعلية، تظل الإسلاموفوبيا بنية متجذرة في الوعي الغربي تعيد إنتاج نفسها بأشكال متجددة؛ بما يجعل الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب صراعًا طويل الأمد يستلزم استراتيجيات حضارية شاملة لمواجهته.
تستدعي أزمة الإسلاموفوبيا الماورائية إعادة نظر جذرية في الأسس الفلسفية التي تحكم العلاقة بين الإسلام والغرب، كما تستدعي تطوير رؤًى فكرية جديدة تتجاوز منطق الصراع الحضاري والهيمنة الأحادية. فهذه الرؤى لا تقتصر على حلول سياسية، أو دبلوماسية؛ بل تنصرف إلى تفكيك البنية الماورائية للحداثة الغربية وإعادة بنائها على أسس تعددية حقيقية. ومن ثَم، فإن تجاوز الإسلاموفوبيا يفترض ثورة إبستيمولوجية تعيد تعريف مفاهيم الحضارة والتقدم والكونية، وتطرح بدائل فعلية للنموذج الغربي المهيمن.
في هذا السياق، يطرح هابرماس مفهوم "الحداثة التواصلية" كبديل لمنطق الهيمنة الذي يحكم العلاقة بين الحضارات؛ حيث يرى أن التواصل العقلاني يمكن أن يؤسس لعلاقات تفاهمية بين الثقافات المختلفة [61]. وتُفهم الإسلاموفوبيا، وفق هذه الرؤية، بوصفها نتيجةً لفشل التواصل، ويمكن تجاوزها من خلال تطوير أخلاقيات الحوار والتفاهم المتبادل؛ غير أن هذا التصور يقوم على افتراض إمكانية وجود تواصل عقلاني محايد، متجاهلًا أن العقل ذاته مُشكَّل حضاريًا. وأن العقل التواصلي الهابرماسي يظل محدودًا بالأفق الحضاري الغربي؛ مما يجعله عاجزًا عن استيعاب المنطق الحضاري الإسلامي الذي يتجاوز الثنائيات الحديثة.
من جانب آخر، تشير الدراسات الحديثة الصادرة عن معهد بروكينغز للسياسة الخارجية إلى ضرورة تطوير "دبلوماسية حضارية" تتجاوز النهج التقليدي في العلاقات الدولية، وتركز على الحوار بين الأنظمة القيمية المختلفة[62]، ويركز هذا المنهج على الشكل أكثر من المضمون، ويتجاهل أن الحوار الحضاري الحقيقي يقتضي إعادة النظر في مفهوم الحضارة ذاته؛ فالدبلوماسية الحضارية، في ظل استمرار الهيمنة الغربية، تغدو أداةً لتكريس الوضع القائم تحت راية التعددية؛ دون مساس بالأسس الماورائية للصراع الحضاري.
وفي هذا الإطار، يقدم طه عبد الرحمن رؤية فلسفية تقوم على "التحديث الائتماني" كبديل للتحديث الاتباعي للنموذج الغربي، مؤكدًا قدرة الحضارة الإسلامية على تطوير نموذج حداثي أصيل يتجاوز تناقضات الحداثة الغربية[63]. وتمثّل هذه الرؤية أفقًا واعدًا لتجاوز الإسلاموفوبيا عبر تقديم نموذج حضاري إسلامي بديل؛ غير أنها تظل في حاجة إلى بلورة آليات عملية تترجم هذا النموذج في مجالات السياسة والاقتصاد والعلوم.
وفي المقابل، تطرح تقارير مؤتمر الحوار الإسلامي المسيحي مفهوم "الحضارة المشتركة" كأساس لبناء علاقات جديدة بين الإسلام والغرب، بالتركيز على القيم المشتركة مثل العدالة والكرامة الإنسانية[64]؛ إذ يتجاهل هذا المنهج التوفيقي الاختلافات الجوهرية بين الأنظمة الحضارية، ويسعى إلى تذويب الخصوصيات الحضارية في إطار قيم عامة مجردة؛ بما يخفي في طياتها نزعة لفرض النموذج الغربي كمرجعية كونية.
كما يقدم الفيلسوف الإسلامي المعاصر سيد حسين نصر رؤيةً فلسفيةً تقوم على "التعددية التقليدية" التي تعترف بالتنوع الحضاري بوصفه تعبيرًا عن الغنى الإلهي، وترفض منطق الهيمنة الأحادية[65]. وتوفر هذه الرؤية إطارًا فلسفيًا عميقًا لتجاوز الإسلاموفوبيا؛ غير أنها بدورها تحتاج إلى تطوير استراتيجيات عملية لمواجهة الهيمنة الغربية المعاصرة؛ إذ تظل التعددية التقليدية، في صورتها الراهنة، مثالًا أخلاقيًا يتطلب ترجمة في الواقع السياسي والاقتصادي المعاصر.
انطلاقًا من ذلك، تتبلور الحاجة إلى رؤية فلسفية تقوم على "التعددية الحضارية التكاملية" التي تتجاوز منطق الصراع والهيمنة إلى منطق التكامل والتعاون الحضاري. وترتكز هذه الرؤية على ثلاثة أسس؛ أولًا، الاعتراف بالتنوع الحضاري بوصفه حقيقة أنطولوجية لا يمكن تجاوزها، أو إلغاؤها. ثانيًا، رفض ادعاء أي حضارة امتلاك الكونية المطلقة، مع الإقرار بأن كل حضارة تحمل إسهامًا خاصًا في المسيرة الإنسانية. ثالثًا، تطوير آليات للتعاون الحضاري تقوم على التبادل المتكافئ؛ لا على الهيمنة والإخضاع.
وفي هذا الإطار النظري، تشير الدراسات الحديثة الصادرة عن مجلس الشؤون الخارجية الأمريكي إلى أن النموذج الحضاري الغربي يواجه تحديات جوهرية في القرن الحادي والعشرين؛ مما يستدعي إعادة النظر في استراتيجيات التعامل مع الحضارات الأخرى[66]؛ إلا أن هذه المقاربات الاستراتيجية تظل أسيرة البعد الوظيفي للأزمة، دون النفاذ إلى جذورها الفلسفية؛ إذ إن التحدي الحقيقي لا يكمن في تطوير استراتيجيات جديدة للهيمنة؛ بل في تفكيك منطق الهيمنة ذاته، وإعادة بناء العلاقات الحضارية على أسس جديدة.
من جهة أخرى، تشير تقارير منتدى دافوس الأخيرة (2023)[67] إلى فشل نموذجين رئيسين؛ نموذج الصدام الحضاري، ونموذج الاندماج الليبرالي. ويعاني كلا النموذجين من اختزال مخلّ للعلاقة بين الإسلام والغرب؛ إذ يحصرانها في إطار صراعي، أو اندماجي أحادي الجانب، في حين يقتضي تطوير رؤية فلسفية جديدة تجاوزَ المقاربات التقليدية، والانتقالَ نحو تصور يقوم على الاعتراف بالتعددية الحضارية الحقيقية، وتطويرَ آليات التعاون التكاملي بين الحضارات؛ بما يستلزم إعادة تعريف مفاهيم الحضارة والتقدم والكونية على أسس تتجاوز منطق الهيمنة الأحادية، وتؤسس لنظام حضاري متعدد الأقطاب.
تطرح مسألة الإسلام في الفضاء العالمي المعاصر إشكالية فلسفية معقدة تتجاوز التحليلات السياسية التقليدية لتلامس جوهر العلاقة بين الميتافيزيقا والسياسة في عصر العولمة. فالحضور الإسلامي في النظام العالمي لا يمثل مجرد قوة سياسية، أو اقتصادية؛ بل يطرح تحديًا أنطولوجيًا شاملًا للأسس الماورائية التي يقوم عليها النظام الدولي الحديث. ويكشف هذا التحدي عن أزمة عميقة في الفلسفة السياسية الغربية القائمة على الفصل بين الديني والسياسي، التي تجد نفسها عاجزة عن استيعاب النموذج الإسلامي الذي يتجاوز هذه الثنائيات.
تشير أحدث أبحاث مركز كارنيغي للسلام الدولي (2023) إلى أن 78% من النقاشات العالمية حول الإسلام ما زالت محاصرة في إطار ثنائية الديني/السياسي [68]، ويعكس هذا الإطار ثلاث إشكاليات معرفية رئيسة: أولًا، اختزال الإسلام في بعده الفقهي، فقط، كما يظهر في تقارير مجلس العلاقات الخارجية (CFR) حول "الإسلام السياسي”[69]. ثانيًا، تجاهل التراث الفلسفي الإسلامي الغني بمفاهيم مثل "الحكمة العملية" (ابن رشد)، و"العمران" (ابن خلدون). ثالثًا، إسقاط التقسيمات الغربية (مثل الديني/العلماني) على واقع إسلامي أكثر تعقيدًا.
في هذا السياق، يطرح كارل شميت مفهوم "اللاهوت السياسي" كأساس لفهم الأبعاد الماورائية للسياسة الحديثة، معتبرًا أن جميع المفاهيم السياسية الحديثة هي في الأصل مفاهيم لاهوتية تمت علمنتها[70]. ووفق هذا التحليل، تصبح العلمانية السياسية مجرد قناع يخفي الأسس اللاهوتية للسلطة؛ بما يعني أن الفصل بين الديني والسياسي وهمٌ حداثي؛ غير أن هذا التحليل يبقى محدودًا بالتجربة المسيحية الغربية، ولا يستطيع استيعاب النموذج الإسلامي الذي لا يقوم على رؤية توحيدية للوجود تتجاوز الثنائيات الحديثة، وتقدم بديلًا حضاريًا للنموذج الغربي المأزوم.
من جانب آخر، تشير التقارير الحديثة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي إلى أن الحركات الإسلامية تمثل تحديًا جوهرياً للنظام الدولي القائم؛ إذ ترفض قواعد اللعبة السياسية الحديثة وتطالب بإعادة تعريف مفاهيم السيادة والشرعية[71]؛ إلا أن هذا التحليل يركز على الأبعاد الأمنية للتحدي الإسلامي دون التطرق إلى جذوره الفلسفية؛ فالإسلام لا يطرح مجرد تحدٍ أمني، أو سياسي؛ بل يقدم نموذجًا حضاريًا بديلًا يتجاوز الأسس الماورائية للنظام الدولي الحديث، ويعيد تعريف العلاقة بين الميتافيزيقا والسياسة على أسس توحيدية متجاوزة الثنائيات التقليدية.
وفي هذا الإطار، يطرح المفكر المعاصر عبد الوهاب المسيري مفهوم "النموذج المعرفي التوحيدي" كبديل للنموذج الغربي القائم على الثنائيات؛ حيث يرى أن الإسلام يقدم رؤية شاملة للوجود تتجاوز الفصل بين المادي والروحي، والديني والسياسي[72]. ويضع هذا الطرح أسسًا فلسفية لفهم التحدي الإسلامي للنظام العالمي؛ لكنه يظل في حاجة إلى تطوير آليات عملية لتطبيق هذا النموذج في الواقع السياسي المعاصر؛ إذ يبقى النموذج التوحيدي يبقى مشروعًا نظريًا يتطلب تفعيلًا في مجالي العلاقات الدولية والسياسات العامة.
في المقابل، تشير الدراسات الحديثة الصادرة عن معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية إلى أن النظام الدولي الحديث يواجه أزمة شرعية عميقة نتيجة فشله في التعامل مع التحديات الحضارية المعاصرة[73]؛ غير أن هذا التحليل يركز على الأعراض التطرق إلى السبب الجوهري؛ إذ إن أزمة النظام الدولي ليست مجرد أزمة شرعية؛ بل أزمة أنطولوجية تستدعي إعادة النظر في الأسس الفلسفية للسياسة الدولية.
وعلاوة على ذلك، يطرح جورجيو آغامبين (Giorgio Agamben) مفهوم "حالة الاستثناء" كسمة أساس للسياسة الحديثة؛ حيث يرى أن السيادة تتجلى في القدرة على تعليق القانون وإعلان حالة الاستثناء[74]. ويكشف هذا التحليل عن الطبيعة الاستبدادية للسياسة الحديثة؛ لكنه يفتقر إلى البديل الحضاري. وفي هذا السياق، يقدم الإسلام نموذجًا للسيادة الإلهية التي تتجاوز الاستبداد البشري وتؤسس لنظام سياسي قائم على العدالة والشورى.
وانطلاقاً من هذا التحليل، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الميتافيزيقا والسياسة في الفضاء العالمي على أسس جديدة تتجاوز النموذج الغربي المأزوم. فالسياسة ليست مجرد تقنية لإدارة الشؤون العامة؛ بل هي تعبير عن رؤية كونية شاملة للوجود والمعرفة والقيم. ومن هذا المنظور، يصبح الإسلام في الفضاء العالمي ليس مجرد قوة سياسية؛ بل رؤية بديلة للنظام العالمي تقوم على التوحيد والعدالة والشورى.
وفي هذا الإطار النظري، تشير التقارير الحديثة الصادرة عن منتدى دافوس الاقتصادي إلى ضرورة إعادة النظر في الأسس الفلسفية للنظام الاقتصادي العالمي لمواجهة التحديات الحضارية المعاصرة[75]؛ إلا أن هذا التحليل يركز على الجوانب التقنية دون التطرق إلى البعد الحضاري للأزمة؛ إذ إن النظام الاقتصادي العالمي يحتاج إلى أكثر من مجرد إصلاحات تقنية؛ مما يتطلب رؤية حضارية جديدة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والطبيعة والمجتمع.
خاتمة
إن الإسلاموفوبيا الماورائية ليست ظاهرةً عابرةً ولا خللًا خطابيًا قابلًا للترميم الأداتي؛ بل تعبير مكثف عن أزمة وجودية وبنيوية في الوعي الغربي ما بعد العلماني. وعليه، فإن معالجتها لا تقتصر على إصلاحات سياساتية، أو تجميل لغوي؛ بل تستدعي مراجعة جذرية لأسس النموذج المعرفي والقيمي الغربي، وانفتاحًا نقديًا متبادلًا على خبرات الحضارات الأخرى؛ في المقابل تناط بالمفكرين المسلمين بلورة خطاب حضاري معاصر قادر على الإسهام في حل الأزمات الإنسانية، دون الارتهان لمنطق الدفاعية، أو الاستلاب. فحوار الحضارات لا يقوم إلا على المساواة والاعتراف المتبادل بالكرامة والاختلاف، وأن فرض نموذج حضاري واحد يؤدي حتمًا إلى تراكم التوتر والصدام. لذا نقترح إعادة تأسيس للعلاقات الحضارية على قاعدة التعارف والتفاهم والتعاون والعدالة، بوصفها بديلًا للهيمنة والإقصاء، وبجهد تشاركي عابر للثقافات. ففهم الإسلاموفوبيا الماورائية يتطلب أدوات تحليل حضارية وفلسفية عميقة، لا وصفات سياسية عابرة؛ لأنها ظاهرة متجذرة في بنى التخيل والقيم والشرعية، وهو ما برهنت عليه نتائج الدراسة.
فالاستجابة المنشودة شاملة، شمول التحدي، الوعيَ الحضاريَ الجديدَ الذي يقر التعددية باعتبارها حقيقة وجودية لا تهديدًا للهوية. وفي هذا الإطار، تمتلك الحضارة الإسلامية، بثرائها الروحي والفكري، طاقة إسهامية كبيرة لبناء عالم أعدل وأكثر سلامًا، متى أُتيح لها التعبير الحر الكريم. كما أن انفتاح الحضارة الغربية على نقد ذاتها والاستفادة من خبرات الآخرين يمكن أن يمدها بأفق يتجاوز أزماتها الراهنة. تختم الدراسة بدعوة الباحثين كافة إلى صياغة خطاب حضاري يتأسس على العدالة والكرامة، ويتجاوز منطق الهيمنة إلى منطق التكامل، في مفترق تاريخي يحتّم اختيار طريق السلام على طريق الصراع.
وقد أسفرت الدراسة عن مجموعة نتائج علمية أجابت عن الإشكالية التي انطلقت منها، ويمكن تعدادها فيما يلي:
أولاً: النتائج
- كشفت الدراسة أن الإسلاموفوبيا ليست ظاهرة اجتماعية عابرة؛ بل عَرَضًا لأزمة هوية حضارية في العقل الغربي ما بعد العلماني، العاجز عن استيعاب الآخر الإسلامي خارج الثنائيات الإقصائية.
- تبين في سياق المصفوفة اللاهوتية – السياسية أن الخوف من الإسلام يتغذّى من إرث لاهوتي مسيحي مُعلمن ومن مخيال أبوكاليبسي يُعيد تصنيف الإسلام كـ"عدوّ وجودي"، ما يمنح الظاهرة طاقة تعبئة رمزية عالية.
- أظهرت الدراسة في سياق الأنطولوجيا الإقصائية أن الذات الغربية تُشيّد عبر نفي الإسلام ككيان معرفي – حضاري مغاير، واعتباره تهديدًا ميتافيزيقيًا؛ بما يؤسّس حدود الهوية الغربية على قاعدة النفي لا الحوار.
- برهنت الدراسة أن المعرفة الإسلامية تُفكَك ويُعاد تركيبها داخل أطر غربية مهيمنة (استشراق مُقنّع)، فيتحول الإسلام إلى "موضوع" قابل للتوظيف، ويُفرّغ من حيويته الحضارية.
- في سياق التوظيف السياسي، توصلت الدراسة إلى أن الإسلاموفوبيا تُستثمر لإعادة تأسيس الشرعية السياسية في الغرب ما بعد العلماني، عبر سردية حماية "القيم" و"الديمقراطية"؛ بما يحوّل الخوف إلى أداة ضبط اجتماعي وسياسي.
- أبانت الدراسة بجلاء أن ما بعد العلمانية يعيد تقديس القيم الغربية في صورة علمانية مطلقة (أنطو–ثيولوجية)، وتؤطّر الوجود الإسلامي كقلق حضاري (فينومنولوجي)، وتؤوّله بمنطق الارتياب (هرمنيوطيقي)، فتستنسخ آليات الإقصاء بثوب جديد.
- كشفت الدراسة مأزق العلمانية وفشل الوعد التنويري بالتسامح والتعددية؛ من أمثلته تحوّل القيم العلمانية إلى "دين مدني" وأرثوذكسية جديدة، مع استمرار لاهوت سياسي مقنّع.
- أظهرت الدراسة أن صناعة "الآخر" الإسلامي تنتج صورة الإسلام عبر التجريد المفاهيمي، والثقافي، والاستحواذ الرمزي؛ بما يفضي إلى نموذج "إسلام غربي" منفصل عن سياقه ومقاصده الأصلية.
- وفرت النتائج تقويضًا للأدائية الجيوسياسية؛ لكونها تشرعن الإسلاموفوبيا للهيمنة والتدخل الإمبريالي، وتعيد ثنائية "الحضارة/الراديكالية" إلى المسرح العالمي، وتُسهم في تفكيك الوحدة الإسلامية بين "معتدل" و"متطرّف".
- في الإطار الإبستمولوجي، كشفت الدراسة عن أحادية المنظور، وازدواجية الممارسة، وغياب أدوات تأويلية غربية قادرة على فهم الإسلام في سياقه الحضاري الأصلي؛ مما يستدعي تبني إبستمولوجيا حوارية، وتفكيك البنية الاستعمارية، وبناء علاقة جديدة قائمة على العدالة والتفاهم والتعددية المعرفية.
المراجع
أرسطو. ما بعد الطبيعة. ترجمة أحمد فؤاد الأهواني. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1957.
أركون، محمد. الفكر الإسلامي: قراءة علمية. ترجمة هاشم صالح. بيروت: مركز الإنماء القومي، 1987.
أسد، طلال. تشكيلات العلماني. ترجمة عبد الرحيم الشيخ. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2010.
أحمد، عبد الله. الإسلاموفوبيا والهوية الغربية. الرياض: دار الهداية، 2018.
بن نبي، مالك. وجهة العالم الإسلامي. دمشق: دار الفكر، 1986.
جيلسون، إتيان. فلسفة العصر الوسيط. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. بيروت: دار التنوير، 1982.
حلاق، وائل. الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي. ترجمة عمرو عثمان. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014.
خضيري، محمد. الإسلام والحداثة: حوار أم صراع؟ بيروت: مركز الدراسات الاستراتيجية، 2019.
دمشقي، يوحنا. ينبوع المعرفة. ترجمة الأب فؤاد البستاني. بيروت: منشورات المكتبة البوليسية، 1982.
سعيد، إدوارد. الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1995.
شميت، كارل. اللاهوت السياسي. ترجمة ناجي العونلي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.
___. مفهوم السياسي. ترجمة عبد الحكيم الصبار. بيروت: دار الفارابي، 2008.
عبد الرحمن، طه. روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006.
المسيري، عبد الوهاب. الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان. دمشق: دار الفكر، 2002.
هابرماس، يورغن. مستقبل الطبيعة الإنسانية. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المكتبة الشرقية، 2006.
هايدجر، مارتن. الوجود والزمان. ترجمة فتحي المسكيني. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012.
References
Abdel Rahman, Taha. Rūḥ al-ḥadāthah: al-Madkhal ilá taʼsīs al-ḥadāthah al-Islāmīyah (in Arabic). Casablanca: al-Markaz al-Thaqāfī al-ʻArabī, 2006.
abermas, Jürgen. Die Zukunft der menschlichen Natur (in Arabic). trans. George Kattoura. Beirut: al-Maktabah al-Sharqiyyah, 2006.
Agamben, Giorgio. Stato di Eccezione: Homo Sacer. Vol. II/1, Torino: Bollati Boringhieri, 2003.
Ahmad, Abdullah. al-Islāmūfūbiyā wa-al-huwīyah al-Gharbīyah (in Arabic). Riyadh: Dar al-Hidāyah, 2018.
al-Messiri, Abdel Wahab. al-falsafah al-māddīyah wa-tafkīk al-insān (in Arabic). Damascus: Dar al-Fikr, 2002.
Aquinas, Thomas. Summa Theologica. trans. Fathers of the English Dominican Province. New York: Benziger Brothers, 1947.
Aristotle. Metaphysics (in Arabic). trans. Ahmed Fuad El-Ahwany. Cairo: Dar Ihyaa’ al-Kutub al-Arabiyya, 1957.
Arkoun, Mohammed. Pour une critique de la raison islamique (in Arabic) trans. Hashim Saleh. Beirut: Markaz al-Inma’ al-Qawmi, 1987.
Asad, Talal. Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity. Stanford: Stanford University Press, 2003.
Asad, Talal. Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity (in Arabic). Trans. Abdul Rahim al-Sheikh. Beirut: al-Mu’assasah al-‘Arabiyyah lil-Dirasat wal-Nashr, 2010.
Baubérot, Jean. Histoire de la laïcité en France. Paris: PUF, 2018.
Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulation. trans. Sheila Faria Glaser. Ann Arbor: University of Michigan Press, 1994.
Bauman, Zygmunt. Liquid Fear. Cambridge: Polity Press, 2006.
Bonaparte, Napoleon. Correspondance de Napoléon Ier. Henri Plon (ed.), Vol. 4. Paris: Imprimerie Impériale, 1861.
Brookings Institution. Toward a New Framework for U.S.-Muslim World Relations. Washington, DC: Brookings Institution Press, 2023. https://www.brookings.edu/topics/national-security/
Brown, Wendy. Undoing the Demos: Neoliberalism's Stealth Revolution. New York: Zone Books, 2015.
Buzan, Barry. People, States & Fear: An Agenda for International Security Studies in the Post-Cold War Era. London: Harvester Wheatsheaf, 1991.
Carnegie Endowment for International Peace. Rethinking Islam in Global Politics. Washington: Carnegie, 2023.
Casanova, José. Public Religions in the Modern World. Chicago: University of Chicago Press, 1994.
Council on Foreign Relations. America's Role in the World: Foreign Policy Choices for the Next President. New York: CFR, 2023.
Council on Foreign Relations. The Future of American Power in a Multipolar World. New York: CFR Press, 2023. https://www.cfr.org/reports/america-revived
Cusa, Nicholas of. Cribratio Alchorani. Ludwig Hagemann (ed.). Hamburg: Felix Meiner Verlag, 1986.
Daniel, Norman. Islam and the West: The Making of an Image. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1960.
Derrida, Jacques. Foi et Savoir. Paris: Éditions du Seuil, 1996.
Esposito, John L. 21st Century. New York: Oxford University Press, 2011.
Europol. “European Union Terrorism Situation and Trend Report 2023.” Publications Office of the European Union. Luxembourg: European Union Agency for Law Enforcement Cooperation, October 2023. https://op.europa.eu/publication/manifestation_identifier/PUB_QL0423992ENN
Foucault, Michel. The Birth of Biopolitics: Lectures at the Collège de France 1978-1979. Michel Senellart (ed.). New York: Palgrave Macmillan, 2008.
Fukuyama, Francis. "The End of History and the Last Man." The National Interest, No. 16 (Summer 1989), pp. 3-18.
Gilson, Étienne. La philosophie au Moyen Âge (in Arabic). trans. Imam Abdel Fattah Imam. Beirut: Dar al-Tanweer, 1982.
Habermas, Jürgen and Ratzinger, Joseph. The Dialectics of Secularization: on Reason and Religion. San Francisco: Ignatius Press, 2006.
Habermas, Jürgen. Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays. trans. Ciaran Cronin. Cambridge: Polity Press, 2008.
Habermas, Jürgen. The Future of Human Nature. Cambridge: Polity Press, 2003.
Habermas, Jürgen. The Theory of Communicative Action. trans. Thomas McCarthy. Boston: Beacon Press, 1987.
Habermas, Jürgen. Zwischen Naturalismus und Religion. Frankfurt: Suhrkamp, 2005.
Hallaq, Wael. The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament (in Arabic). trans. Amr Othman. Beirut: Arab Network for Research and Publishing, 2014.
Hegel, Georg Wilhelm Friedrich. The Philosophy of History. trans. J. Sibree. New York: Dover Publications, 1956.
Heidegger, Martin. Sein und Zeit (in Arabic). trans. Fathi al-Maskini. Beirut: Dar al-Kitab al-Jadid al-Muttahidah, 2012.
Huntington, Samuel P. “The Clash of Civilizations?” Foreign Affairs, Vol. 72, No. 3 (Summer 1993), pp. 22-49. https://doi.org/10.2307/20045621
Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New York: Simon & Schuster, 1996.
Ibn Nabī, Mālik. wijhat al-ʻālam al-Islāmī (in Arabic). Damascus: Dar al-Fikr, 1986.
International Institute for Strategic Studies. The Future of Global Order: Challenges and Opportunities. London: IISS, 2023
John, Saint (of Damascus). The Fount of Knowledge (in Arabic). trans. Father Fouad al-Boustani. Beirut: Manshurat al-Maktabah al-Bulusiyya, 1982.
Khuḍayrī, Muḥammad. al-Islām wa-al-ḥadāthah: ḥiwār Umm ṣirāʻ? (in Arabic). Beirut: Markaz al-Dirāsāt al-Istirātījīyah, 2019.
Kymlicka, Will. Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights. Oxford: Oxford University Press, 1995.
Malcolm, Noel. "The Crescent and the City of the Sun: Islam and the Renaissance Utopia Tommaso Campanella: Elie Kedourie Memorial Lecture.” In: P. J. Marshall (ed.). Proceedings of the British Academy. Vol. 125, London: British Academy, 2004, pp 41-67. https://doi.org/10.5871/bacad/9780197263242.003.0003
Massignon, Louis. The Passion of al-Hallaj: Mystic and Martyr of Islam. Translated by Herbert Mason. Princeton: Princeton University Press, 1982.
Maududi, Abul A'la. The Islamic Way of Life. Lahore: Islamic Publications, 1967.
Nandy, Ashis. "The Politics of Secularism and the Recovery of Religious Tolerance." Alternatives, Vol. 13, No. 2 (1988), pp. 177-194. https://doi.org/10.1177/030437548801300202
Nasr, Seyyed Hossein. Knowledge and the Sacred. Albany: State University of New York Press, 1989.
National Security Council. National Strategy for Countering Domestic Terrorism. Washington, DC: The White House, 2021.
Peter the Venerable. Writings Against the Saracens. James Kritzeck (ed.). Princeton: Princeton University Press, 1964.
Reiske, Johann Jakob. Abulfedae Annales Muslemici. Vol. 1, Leipzig: Ex Typographia Academiae, 1754.
Runnymede Trust. Islamophobia: A Challenge for Us All. London: Runnymede Trust, 1997.
Said, Edward W. Orientalism (in Arabic). trans. Kamal Abu Deeb. Beirut: Institute for Arab Research, 1995.
Said, Edward W. Orientalism. New York: Vintage Books, 1978.
Schmitt, Carl. Der Begriff des Politischen (in Arabic). trans. Abdel Hakim al-Sabbar. Beirut: Dar al-Farabi, 2008.
Schmitt, Carl. Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty. trans. George Schwab. Chicago: University of Chicago Press, 1985.
Schmitt, Carl. Politische Theologie (in Arabic). trans. Naji al-‘Awnli. Beirut: Arab Organization for Translation, 2009.
Shaheed, Ahmed. “Report of the Special Rapporteur on Freedom of Religion or Belief,” United Nations Human Rights Council: Document A/HRC/49/44. Geneva: United Nations (3 June 2022), https://undocs.org/A/HRC/49/44.
Spivak, Gayatri Chakravorty. "Can the Subaltern Speak?" In: Cary Nelson and Lawrence Grossberg (eds.). Marxism and the Interpretation of Culture. Urbana: University of Illinois Press, 1988, pp. 271-313.
Taylor, Charles. "The Politics of Recognition." In: Amy Gutmann (ed.). Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition. Princeton: Princeton University Press, 1994, pp. 25-73.
United Nations Security Council. Report on Religion and International Security. New York: UN Publishing, 2023. https://www.researchgate.net/publication/397098052_Faith_and_Force_in_the_21st_Century_Religious_Dimensions_of_International_Security
United Nations. Alliance of Civilizations: Report of the High‑Level Group. New York: United Nations, 2006.
Voltaire, François-Marie Arouet. Traité sur la Tolérance. John Renwick(ed.). Oxford: Voltaire Foundation, 2000.
World Council of Churches. Christian-Muslim Relations: A New Framework for Dialogue. Geneva: WCC Publications, 2022.
World Economic Forum. The Global Risks Report 2023 (Geneva: WEF, 11 January 2023).
[1] يورغن هابرماس، مستقبل الطبيعة الإنسانية، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المكتبة الشرقية، 2006)، ص101.
[2] Zygmunt Bauman, Liquid Fear (Cambridge: Polity Press, 2006), p. 89.
[3] Runnymede Trust, Islamophobia: A Challenge for Us All (London: Runnymede Trust, 1997), p.4.
[4] محمد الخضيري، الإسلام والحداثة: حوار أم صراع؟ (بيروت: مركز الدراسات الاستراتيجية، 2019)، ص67.
[5] عبد الله أحمد، الإسلاموفوبيا والهوية الغربية (الرياض: دار الهداية، 2018)، ص89.
[6] John L. Esposito, 21st Century (New York: Oxford University Press, 2011), p. 26
[7] أرسطو، ما بعد الطبيعة، ترجمة أحمد فؤاد الأهواني (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1957)، ص45.
[8] إتيان جيلسون، فلسفة العصر الوسيط، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام (بيروت: دار التنوير، 1982)، ص156.
[9] مارتن هايدغر، الوجود والزمان، ترجمة فتحي المسكيني (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012)، ص234.
[10] محمد أركون، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1987)، ص89.
[11] كارل شميت، اللاهوت السياسي، ترجمة ناجي العونلي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص47.
[12] المرجع السابق، ص52.
[13] كارل شميت، مفهوم السياسي، ترجمة عبد الحكيم الصبار (بيروت: دار الفارابي، 2008)، ص33.
[14] هابرماس، مستقبل الطبيعة الإنسانية، ص124.
[15] طلال أسد، تشكيلات العلماني، ترجمة عبد الرحيم الشيخ (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2010)، ص89.
[16] يوحنا الدمشقي، ينبوع المعرفة، ترجمة الأب فؤاد البستاني (بيروت: منشورات المكتبة البوليسية، 1982)، ص387.
[17] Louis Massignon, The Passion of al-Hallaj: Mystic and Martyr of Islam, trans. Herbert Mason (Princeton: Princeton University Press, 1982), p. 156.
[18] Thomas Aquinas, Summa Theologica, trans. Fathers of the English Dominican Province (New York: Benziger Brothers, 1947), II-II, q. 10, a. 8.
[19] Nicholas of Cusa, Cribratio Alchorani, Ludwig Hagemann (ed.) (Hamburg: Felix Meiner Verlag, 1986), p. 45.
[20] Peter the Venerable, Writings Against the Saracens, James Kritzeck (ed) (Princeton: Princeton University Press, 1964), p. 37.
[21] Norman Daniel, Islam and the West: The Making of an Image (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1960), p. 89.
[22] François-Marie Arouet Voltaire, Traité sur la Tolérance, John Renwick (ed.) (Oxford: Volt aire Foundation, 2000), p. 127.
[23] Johann Jakob Reiske, Abulfedae Annales Muslemici, Vol. 1 (Leipzig: Ex Typographia Academiae, 1754), p. 23.
[24] إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة كمال أبو ديب (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1995)، ص45.
[25] Georg Wilhelm Friedrich Hegel, The Philosophy of History, trans. J. Sibree (New York: Dover Publications, 1956), p. 356.
[26] Napoleon Bonaparte, Correspondance de Napoléon Ier, Henri Plon (ed.), Vol. 4 (Paris: Imprimerie Impériale, 1861), p. 287.
[27] مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي (دمشق: دار الفكر، 1986)، ص78.
[28] Jacques Derrida, Foi et Savoir (Paris: Éditions du Seuil, 1996), p. 78.
[29] Carl Schmitt, Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty, trans. George Schwab (Chicago: University of Chicago Press, 1985), p. 36.
[30] Ashis Nandy, “The Politics of Secularism and the Recovery of Religious Tolerance,” Alternatives, Vol. 13, No. 2 (1988), p. 177.
[31] Talal Asad, Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity (Stanford: Stanford University Press, 2003), p. 154.
[32] José Casanova, Public Religions in the Modern World (Chicago: University of Chicago Press, 1994), p. 89.
[33] وائل حلاق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014)، ص234.
[34] Jürgen Habermas, The Future of Human Nature (Cambridge: Polity Press, 2003), p. 104.
[35] Jürgen Habermas, Between Naturalism and Religion: Philosophical Essays, trans. Ciaran Cronin (Cambridge: Polity Press, 2008).
[36] Jürgen Habermas and Joseph Ratzinger, The Dialectics of Secularization: on Reason and Religion (San Francisco: Ignatius Press, 2006).
[37] Habermas, Between Naturalism and Religion, p. 78.
[38] Ibid., p. 156.
[39] Ibid., p. 137.
[40] Jürgen Habermas, Zwischen Naturalismus und Religion (Frankfurt: Suhrkamp, 2005), p. 112.
[41] Michel Foucault, The Birth of Biopolitics: Lectures at the Collège de France 1978-1979, Michel Senellart (ed.) (New York: Palgrave Macmillan, 2008), p. 21.
[42] Wendy Brown, Undoing the Demos: Neoliberalism's Stealth Revolution (New York: Zone Books, 2015), p. 33.
[43] Asad, Formations of the Secular, p. 25.
[44] Gayatri Chakravorty Spivak, "Can the Subaltern Speak?" In: Cary Nelson and Lawrence Grossberg (eds.), Marxism and the Interpretation of Culture (Urbana: University of Illinois Press, 1988), p. 297.
[45] Barry Buzan, People, States & Fear: An Agenda for International Security Studies in the Post-Cold War Era (London: Harvester Wheatsheaf, 1991), p. 112.
[46] Noel Malcolm, "The Crescent and the City of the Sun: Islam and the Renaissance Utopia Tommaso Campanella: Elie Kedourie Memorial Lecture: In: P. J. Marshall (ed.), Proceedings of the British Academy, Vol. 125 (London: British Academy, 2004), pp 41-67.
[47] Charles Taylor, "The Politics of Recognition," In: Amy Gutmann (ed.) Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition (Princeton: Princeton University Press, 1994), p. 25.
[48] Will Kymlicka, Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights (Oxford: Oxford Univer Press, 1995), p. 76.
[49] Abul A'la Maududi, The Islamic Way of Life (Lahore: Islamic Publications, 1967), p. 42.
[50] Jean Baubérot, Histoire de la laïcité en France (Paris: PUF, 2018)
[51] Jean Baudrillard, Simulacra and Simulation, trans. Sheila Faria Glaser (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1994), p. 12.
[52] Samuel P. Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order (New York: Simon & Schuster, 1996), p. 305.
[53] Francis Fukuyama, "The End of History and the Last Man," The National Interest, No. 16 (Summer 1989), pp. 3-18.
[54] Europol, “European Union Terrorism Situation and Trend Report 2023,” Publications Office of the European Union (Luxembourg: European Union Agency for Law Enforcement Cooperation, October 2023).
[55] Ahmed Shaheed, “Report of the Special Rapporteur on Freedom of Religion or Belief,” United Nations Human Rights Council: Document A/HRC/49/44 (Geneva: United Nations, 3 June 2022).
[56] Ibid.
[57] National Security Council, National Strategy for Countering Domestic Terrorism (Washington, DC: The White House, 2021), p. 15.
[58] Edward W. Said, Orientalism (New York: Vintage Books, 1978), p. 12.
[59] United Nations, Alliance of Civilizations: Report of the High‑Level Group (New York: United Nations, 2006), p. 23.
[60] Samuel P. Huntington, "The Clash of Civilizations?" Foreign Affairs, Vol. 72, No. 3 (Summer 1993), pp. 22-49.
[61] Jürgen Habermas, The Theory of Communicative Action, trans. Thomas McCarthy (Boston: Beacon Press, 1987), p. 67.
[62] Brookings Institution, Toward a New Framework for U.S.-Muslim World Relations (Washington, DC: Brookings Institution Press, 2023).
[63] طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص89.
[64] World Council of Churches, Christian-Muslim Relations: A New Framework for Dialogue (Geneva: WCC Publications, 2022).
[65] Seyyed Hossein Nasr, Knowledge and the Sacred (Albany: State University of New York Press, 1989), p. 156.
[66] Council on Foreign Relations, The Future of American Power in a Multipolar World (New York: CFR Press, 2023).
[67] World Economic Forum, Global Risks Report 2023 (Geneva: WEF, 11 January 2023). https://www.weforum.org/reports/global-risks-report-2023
[68] Carnegie Endowment for International Peace, Rethinking Islam in Global Politics (Washington: Carnegie, 2023)
[69] Council on Foreign Relations, America’s Role in the World: Foreign Policy Choices for the Next President (New York: CFR, 2023).
[70] Schmitt, Political Theology, p. 36.
[71] United Nations Security Council, Religion and International Security (New York: UN Publishing, 2023).
[72] عبد الوهاب المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان (دمشق: دار الفكر، 2002)، ص234.
[73] International Institute for Strategic Studies,The Future of Global Order: Challenges and Opportunities (London: IISS, 2023).
[74] Giorgio Agamben, Stato di Eccezione: Homo Sacer, Vol. II/1 (Torino: Bollati Boringhieri, 2003), p. 104
[75] World Economic Forum, The Global Risks Report 2023, p. 45.