cid:image007.png@01DA94D4.752A8770Publizieren – Why Open Access? 

 

 

تاريخ الاستلام: 21 أكتوبر 2025 | تاريخ التحكيم: 11 يناير 2026 | تاريخ القبول: 17 فبراير 2026

 

مقالة بحثية

من ثقافة الاستهلاك إلى قيم الاستدامة: نحو تجسير سوسيو-تاريخي لبناء المواطن الإيكولوجي

ربيع حدف

طالب دكتوراه، علم الاجتماع، جامعة عبد الملك السعدي – المغرب

rabie.hadaf@etu.uae.ac.ma

https://orcid.org/0009-0002-4458-5170

ملخص

يروم البحث معالجة إشكالية هيمنة ثقافة الاستهلاك المفرط في المجتمعات المعاصرة، وما تفرزه من اختلالات بيئية وقيمية واجتماعية تُهدد استدامة الحياة الإنسانية، في سياق يتسم بمفارقة لافتة تجمع بين الوفرة المادية وتنامي مظاهر الندرة على مستويات متعددة. وتنبع أهمية البحث من كونه لا يختزل الأزمة البيئية في أبعادها التقنية، أو الاقتصادية؛ بل ينظر إليها بوصفها أزمة تمثلاتٍ وقيم وأنماط عيش. ويهدف البحث إلى تحليل المسار السوسيو-تاريخي لتشكل ثقافة الاستهلاك، والكشف عن محدداتها النفسية والاجتماعية والرمزية، مع استشراف إمكانات الانتقال منها إلى نموذج بديل يقوم على الاستدامة والمسؤولية. وتعتمد المقالة مقاربة نظرية تحليلية، تستثمر الأدبيات السوسيولوجية والفلسفية والتربوية في تفكيك أنماط الاستهلاك السائدة وإعادة تأطيرها نقديًا.

وتبرز النتائج أن النزعة الاستهلاكية لا تقتصر على كونها سلوكًا اقتصاديًا؛ بل تُشكل بنية ثقافية يُعاد إنتاجها عبر آليات رمزية وإعلامية تسهم في تكريس اللامساواة البيئية والاجتماعية. كما يبين البحث أن التربية البيئية تمثل مدخلًا استراتيجيًا لتجسير الهوة بين ثقافة الاستهلاك وقيم الاستدامة، من خلال إعادة بناء الوعي النقدي وتوجيه الممارسات اليومية. وتخلص المقالة إلى أن هذا التحول القيمي والمعرفي يُشكل أساسًا لبناء نموذج "المواطن الإيكولوجي"، القادر على إدراك الترابط بين اختياراته الفردية والتوازنات البيئية الكونية، بما يتيح الانتقال من منطق الامتلاك إلى منطق المسؤولية، ومن الاستهلاك المفرط إلى الاعتدال المستدام.

كلمات مفتاحية: البيئة، العصر الاستهلاكي، الاستهلاك المفرط، الاستهلاك المستدام، المواطن الإيكولوجي

للاقتباس: حدف، ربيع. "من ثقافة الاستهلاك إلى قيم الاستدامة: نحو تجسير سوسيو-تاريخي لبناء المواطن الإيكولوجي"، مجلة تجسير لدراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية البينية، المجلد الثامن، العدد 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0251

© 2026، حدف، الجهة المرخص لها: مجلة تجسير، دار نشر جامعة قطر. نُشرت هذه المقالة البحثية وفقًا لشروط Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0). تسمح هذه الرخصة بالاستخدام غير التجاري، وتنبغي نسبة العمل إلى صاحبه، مع بيان؛ أي تعديلات عليه. كما تتيح حرية نسخ، وتوزيع، ونقل العمل بأي شكل من الأشكال، أو بأي وسيلة، ومزجه وتحويله والبناء عليه، طالما يُنسب العمل الأصلي إلى المؤلف. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0

 


 

Publizieren – Why Open Access?Tajseer
Interdisciplinary Studies in
Humanities and Social Science

Submitted: 21 October 2025 | Reviewed: 11 January 2026 | Accepted: 17 February 2026

 

Research Article

From a Culture of Consumption to Sustainability Values: Toward a Socio-Historical Bridging of the Ecological Citizen

Rabie Hadf

PhD Candidate in Sociology, Abdelmalek Essaadi University – Morocco

rabie.hadaf@etu.uae.ac.ma

https://orcid.org/0009-0002-4458-5170

 

Abstract

This study addresses the dominance of excessive consumer culture in contemporary societies and the resulting environmental, value-based, and social imbalances that threaten the sustainability of human life, within a context marked by a striking paradox between material abundance and the growing manifestations of scarcity at multiple levels. The significance of this research lies in its refusal to reduce the environmental crisis to its technical or economic dimensions alone; instead, it approaches the crisis as one of representations, values, and ways of living. The study aims to analyze the socio-historical trajectory of consumer culture, uncover its psychological, social, and symbolic determinants, and explore the potential for transitioning toward an alternative model founded on sustainability and responsibility. To this end, the paper adopts a theoretical – analytical approach, drawing on sociological, philosophical, and educational literature to deconstruct prevailing consumption patterns and critically reframe them.

The findings indicate that consumerism is not merely an economic behavior, but a cultural structure continuously reproduced through symbolic and media mechanisms that reinforce environmental and social inequalities. The study further demonstrates that environmental education constitutes a strategic entry point for bridging the gap between consumer culture and sustainability values, by fostering critical awareness and guiding everyday practices. The paper concludes that this value-based and cognitive transformation provides the foundation for shaping the model of the “ecological citizen,” capable of understanding the interconnections between individual choices and global ecological balances. This shift enables a transition from the logic of possession to the logic of responsibility, and from excessive consumption to sustainable moderation.

Keywords: Environment; Consumer Age; Excessive Consumption; Sustainable Consumption; Ecological Citizen

Cite this article as: Hadf, R. “From a Culture of Consumption to Sustainability Values: Toward a Socio-Historical Bridging of the Ecological Citizen,” Tajseer Journal for Interdisciplinary Studies in Humanities and Social Science, Vol. 8, Issue 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0251

© 2026, Hadf, licensee, Tajseer & QU Press. This article is published under the terms of the Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0), which permits non-commercial use of the material, appropriate credit, and indication if changes in the material were made. You can copy and redistribute the material in any medium or format as well as remix, transform, and build upon the material, provided the original work is properly cited. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0


مقدمة

يشهد العالم المعاصر أزمات بيئية متفاقمة ناجمة عن التوسع الديمغرافي المتسارع، والتطور التكنولوجي الهائل، والاقتصاد القائم على الاستهلاك اللامحدود، إلى جانب الاستنزاف المفرط للموارد الطبيعية، وتلوث الهواء والمياه والتربة. ولا تنحصر خطورة هذه الأزمات في آثارها البيئية المباشرة فحسب؛ بل تمتد لتكشف عن خلل أخلاقي وإنساني عميق في علاقة الإنسان بالطبيعة؛ ما يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا السلوك اللاعقلاني – وأحيانًا شبه الانتحاري – تجاه البيئة؛ بالتالي: كيف يمكن تفسير هذا التوجه الاستهلاكي؟ وما الدوافع التي تجعل الإنسان يواصل استنزاف محيطه وموارده رغم إدراكه خطورة العواقب؟

ينطلق البحث من مسلمة مفادها أن الأزمة الإيكولوجية الراهنة لا تُختزل في كونها أزمة موارد، أو تقنيات؛ بل بالأساس أزمة تمثلات وقيم؛ ووجودية تمس علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. ومن ثم، يصبح تصحيح هذه التمثلات شرطًا لبناء وعي بيئي جديد، وهو ما يجعل من التربية البيئية مدخلًا استراتيجيًا لمواجهة النزعة الاستهلاكية، وتعزيز قيم المواطنة الإيكولوجية المسؤولة.

تبعًا لذلك، تُظهر الدراسات الحديثة أن جذور الأزمة البيئية تتجاوز العوامل المادية لتشمل الأبعاد القيمية والثقافية للمجتمعات. فرغم تنامي الوعي بالمخاطر البيئية، لا يترجم هذا الإدراك في كثير من الأحيان، إلى ممارسات مستدامة، أو ما يُعرف في الأدبيات العلمية بـ"فجوة القيم–السلوك (Value–Action Gap)[1]. ويعزى ذلك إلى هيمنة أنماط اجتماعية وثقافية جعلت من الاستهلاك عنصرًا محوريًا في بناء الهوية الفردية والجماعية على حد سواء.

لقد تحول الاستهلاك في القرن الحادي والعشرين من مجرد وسيلة لتلبية الحاجات الأساس إلى أداة للتعبير عن المكانة الاجتماعية والانتماء الثقافي. وتؤكد الأبحاث المعاصرة أن الاستهلاك بات يتجاوز كونه نشاطًا اقتصاديًا ليشكل ظاهرة اجتماعية وثقافية تمس جميع مجالات الحياة اليومية. ومع تفاقم النزعة الاستهلاكية، اكتسبت الممارسات الاستهلاكية قيمة رمزية ودلالات اجتماعية؛ حتى أصبح الاستهلاك، في كثير من الأحيان، واجبًا اجتماعيًا واقتصاديًا أكثر منه خيارًا فرديًا حرًا[2].

وفي مواجهة هذه التحديات، شهدت السنوات الأخيرة ما يمكن وصفه بـ"التحول نحو المسؤولية"[3]. ويُطرح في هذا السياق مفهوم الاستهلاك المسؤول باعتباره مقاربة مزدوجة ترى في الاستهلاك تهديدًا من جهة، وفرصة من جهة أخرى لمواجهة التحديات الإيكولوجية. ويظهر ذلك بوضوح في قضايا مثل الموضة السريعة التي تُفاقم مشكلات الاستدامة البيئية والاجتماعية[4]؛ غير أن النقاش الأكاديمي ما يزال مفتوحًا حول توزيع المسؤوليات؛ فبينما تُحمل المسؤولية في الغالب للمستهلك الفرد، تتعرض هذه المقاربة لانتقادات واسعة باعتبارها تعفي المؤسسات والدول من أدوارها الجوهرية في إدارة الأزمة الإيكولوجية[5].

أمام هذه التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، تبرز التربية البيئية كأحد الخيارات الاستراتيجية لإرساء وعي نقدي قادر على تفكيك التمثلات الاستهلاكية السائدة، وإحداث تحول قيمي وثقافي نحو تبني سلوكيات أكثر مسؤولية واستدامة. ومن هذا المنظور، تتمحور إشكالية هذا البحث حول السؤال المركزي الآتي: كيف يمكن تجسير الانتقال من ثقافة الاستهلاك إلى قيم الاستدامة؟ وما الدور الذي يمكن أن تضطلع به التربية البيئية في تأهيل المواطن الإيكولوجي القادر على مواجهة الأزمات البيئية والاجتماعية التي تفرزها النزعة الاستهلاكية؟

يهدف البحث إلى تحليل المسار السوسيو-تاريخي لثقافة الاستهلاك واستجلاء انعكاساتها على البيئة والمجتمع، مع استكشاف مفهوم الاستهلاك المستدام في أبعاده النظرية والعملية، وتقديم تصور بنيوي لبناء المواطن الإيكولوجي. ويعتمد البحث مقاربة نظرية تحليلية تقوم على استثمار الأدبيات والدراسات العلمية لتأطير المفاهيم الأساس، وتفسير التحولات القيمية والاجتماعية التي ترافق عملية التجسير نحو ثقافة الاستدامة، بما يتيح بناء فهم معمق يربط بين الأبعاد الفكرية والتربوية والبيئية.

أولاً: نبذة تاريخية عن ثقافة الاستهلاك

يعود ظهور ثقافة الاستهلاك إلى القرن الثامن عشر؛ بفضل الابتكارات التقنية وارتفاع الطلب على الملابس، إضافة إلى التطور الملحوظ في صناعة النسيج في بريطانيا. ومع ذلك، يرى بعض الباحثين أن ثورة الاستهلاك الفعلية بدأت في أواخر القرن التاسع عشر في فرنسا؛ حيث لعبت المعارض التجارية دورًا محوريًا في ترسيخ هذه الثقافة؛ إذ أسهمت تلك المعارض في الترويج للمنتجات وتحفيز الرغبة الاستهلاكية؛ مما أدى إلى بروز ثقافة الاستهلاك وانتشارها على نطاق أوسع[6].

يتزامن تطور الاستهلاك مع نشوء المجتمع الصناعي ونظام الرأسمالية؛ حيث شهد التحول من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث تغيرات جذرية، تمثلت في التخلي عن الإنتاج الذاتي (l’autoproduction) والاستهلاك الذاتي (l’autoconsommation)، وبرز هذا التحول بوضوح مع الفصل بين عمليتي الإنتاج والاستهلاك نهاية القرن الثامن عشر، ويمكن التمييز بين ثلاث فترات رئيسة:

·      تمتد المرحلة الأولى الهامة للاستهلاك على مدار قرن تقريبًا (1860-1945) ، وارتبطت بالرأسمالية الإنتاجية التي تميزت بالإنتاج الضخم للسلع بهدف تحقيق النمو الاقتصادي. وكان هذا التحول مدعومًا بالتقدم العلمي المستمر، الذي أدى إلى تطوير تقنيات جديدة مكّنت من زيادة الإنتاج، مع ظهور البدايات الأولى لثقافة السوق والمنافسة بين الشركات. كما أدت الفتوحات الاستعمارية دورًا رئيسًا في توفير المواد الخام بتكلفة منخفضة؛ مما أسهم في تقليل تكاليف الإنتاج وتعزيز انتشار السلع المصنعة على نطاق واسع. في هذه الفترة كان الاستهلاك مرتبطًا أساسًا بتلبية الاحتياجات المادية الأساس؛ حيث ركزت المجتمعات على إنتاج السلع الضرورية التي تلبي متطلبات الحياة اليومية.

·      بدأت المرحلة الثانية بعد الحرب العالمية الثانية، التي شهدت نقلة نوعية في التطور نحو الرأسمالية الاستهلاكية. وتميزت هذه المرحلة بظاهرة الاستهلاك الشامل، التي تحققت بفضل خلق توازن دقيق بين ارتفاع تكاليف العمالة، الناتج عن تطور دولة الرفاه (The welfare state)، وبين الاعتدال في أسعار السلع الأساس. وفي تلك الحقبة، أدى النمو الاقتصادي المستمر والتوسع الكبير في وسائل الإعلام إلى نشر ثقافة الاستهلاك بين جميع شرائح المجتمع. كما أن تعزيز دولة الرفاه مكن الفئات الاجتماعية المختلفة من الاستفادة من التقدم التكنولوجي؛ مما أسهم في تحسين كبير لظروف المعيشة. أصبح الاستهلاك في هذه المرحلة جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية؛ إذ لم يعد مقتصرًا على الطبقات العليا؛ بل صار متاحًا على نطاق أوسع؛ مما رسخ مفهوم المجتمع الاستهلاكي وعمق دوره في تشكيل الهوية الاجتماعية والثقافية للأفراد.

·      تزامنت المرحلة الثالثة مع الانتفاضة السوسيو-اقتصادية التي رافقت أزمة النفط الأولى في سبعينيات القرن العشرين، التي أدت إلى تفاقم معدلات البطالة وارتفاع تكاليف المواد الأولية. وأمام هذه التحديات، أصبحت العولمة ضرورة ملحة لتخفيف آثار الانكماش الاقتصادي؛ حيث توجهت الأنظار نحو تعزيز التجارة الدولية، وتقليل التكاليف عبر نقل الإنتاج إلى مناطق أقل تكلفة. شهدت هذه المرحلة تغيرات جوهرية وتباطؤًا في النمو الاقتصادي؛ ما أدى إلى تعميق خيبة الأمل لدى المجتمع والمستهلكين. فقد باتت التوقعات الاقتصادية والاجتماعية أكثر تعقيدًا وغموضًا، مع تصاعد القلق بشأن الاستقرار المالي والتفاوت الاجتماعي. وكان العبور من المجتمع الحديث إلى مجتمع ما بعد الحداثة مصحوبًا بحالة من الارتباك وضبابية المستقبل؛ حيث بدأت القيم التقليدية للاستهلاك تخضع لإعادة النظر، وظهرت توجّهات جديدة تمزج بين النزعة الفردية المتزايدة والبحث عن هوية مميزة؛ مما زاد تعقيد العلاقة بين الفرد والمجتمع في ظل هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة[7].


 

ثانيًا: العصر الاستهلاكي وصياغته الحديثة

يُختزل الاستهلاك غالبًا في عمليتي الشراء والإنفاق، ويُنظر إليه على أنه مجرد إهدار للموارد والطاقة. إلا أنه يجب الانتباه إلى النظام الاستهلاكي الذي بلغ حده الأقصى اليوم مقارنة بما سبق، والنظر في الآثار المترتبة على هذه الأيديولوجية التي فرضت نفسها في جميع أنحاء العالم. وقد وصفته حنة آرنت (Hannah Arendt) منذ الستينيات أنه "يدمر كل ما يمسه"؛ إذ يُنتج محيطات من النفايات وصحارى ثقافية استهلاكية قاحلة؛ مما يهدد النظام الاجتماعي برمته من خلال إقامة عالم اصطناعي – آلي، غير إنساني وغير قابل للعيش[8].

يشكل الاستهلاك عنصرًا وسيطًا بين الإنتاج والتدبير، ويُعد، وفقًا لعالم الاجتماع بيير بورديو (Pierre Bourdieu)، إحدى آليات التمايز الاجتماعي؛ إذ يتجلى في أنماط الممارسات الغذائية والثقافية والرياضية التي تميز الأفراد والجماعات. ومن هذا المنطلق، يرى معظم الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية أن الاستهلاك في جوهره نشاط اجتماعي يتجاوز كونه مجرد فعل فردي معزول[9]. أما المجتمع الاستهلاكي، كما يصوره جون بودريار (Jean Baudrillard)، فلا يُختزل في كونه عملية اقتصادية؛ بل يُفهم أساسًا بوصفه نسقًا ثقافيًا–رمزيًا يعكس فائض الإنتاج ومنطق الإسراف وإتلاف السلع [10]. وقد ظهر هذا النمط المجتمعي أولًا في الدول المتقدمة نتيجة ارتفاع مستويات الدخل وإشباع الحاجات الأساس؛ مما أفسح المجال أمام التوجه نحو استهلاك الكماليات.

وفي سياق مجتمع السوق، يبين زيجمونت باومان (Zygmunt Bauman) أن مركز الثقل انتقل إلى "الإنسان المستهلك"؛ حيث تهيمن أسطورة الاستهلاك اللامحدود باعتبارها منطقًا منظمًا للحياة الاجتماعية. ونتيجة لذلك، لم يعد اقتناء السلع مرتبطًا بحاجات فعلية بقدر ما أصبح وسيلة لتعزيز المكانة الاجتماعية والاستجابة لمتطلبات رمزية ووهمية تفرضها ثقافة السوق. تسهم آليات التسويق وتصميم المنتجات في ترسيخ هذا المنطق، من خلال إدماج مبدأ التقادم المبرمج والعمر الاستعمالي القصير ضمن استراتيجيات الربح، إلى جانب تمجيد الجديد والحط من قيمة القديم[11].

في العصر الراهن، لم يعد الاستهلاك مجرد ممارسة اقتصادية؛ بل أضحى معيارًا مركزيًا لتحديد المكانة الاجتماعية؛ إذ يُنظر إلى الفرد الأكثر استهلاكًا والأقدر على اقتناء السلع مرتفعة الثمن بوصفه الأكثر تميزًا وارتقاءً داخل السلم الاجتماعي؛ مما أسهم في تكريس نزعة مادية نفعية تُضعِف الروابط الاجتماعية، وتُهمش القيم الأخلاقية والعلاقات الإنسانية العميقة. ونتيجة لهذا التحول، بات الفرد يعيش حالة من الاغتراب والتشظي؛ مما يحد من قدرته على بناء تفاعلات اجتماعية سليمة ومتوازنة، سواء مع الآخرين، أو محيطه الاجتماعي والبيئي[12].

تعزز وسائل الإعلام والإعلانات هذه العقلية الاستهلاكية، التي تعمل على تزييف وعي الأفراد من خلال إغوائهم بوعود السعادة التي يظنون أنها تتحقق عبر الاستهلاك. في خضم هذا السعي المستمر وراء سعادة وهمية، يزداد شعور الأفراد بالفراغ وعدم الإشباع؛ مما يسهم في حصر حياتهم ضمن إطار مادي بحت يفتقر إلى العمق الروحي والإنساني[13].

فبعد الكوجيتو الديكارتي "أنا أفكر؛ إذًا أنا موجود"، أصبح الكوجيتو اليوم "أنا أستهلك؛ إذًا أنا موجود"[14]. في عصرنا الحالي، نشهد استهلاكًا مفرطًا في مجالات متعددة؛ مثل الطعام (انتشار السوبرماركت والوجبات السريعة)، والتقنيات، والعلاقات الإنسانية، مع سيطرة الثقافة الاستهلاكية السطحية "جوطابل"[15]. كما أن اللا-استقرار في العمل والشعور باللا-أمن المتزايد، والضغط النفسي والاجتماعي، والمنافسة على جميع المستويات، أصبحت تكاليف رئيسة للمجتمع الاستهلاكي. هذه التحديات تخلق حالة من القلق المستمر؛ إذ أضحى الاستهلاك ليس مجرد فعل مادي؛ بل أيضًا وسيلة للهروب من هذه الضغوط؛ مما يعمق الانفصال بين الأفراد والواقع المحيط بهم.

عمومًا، يتضح أننا نعيش في مجتمع يتسم بالوفرة والإنفاق المفرط الذي يفتقر إلى الفائدة الحقيقية؛ حيث صارت الاستهلاكية المفرطة جزءًا من الثقافة العامة. ومن أبرز مظاهر هذا الإسراف، عدم إتمام الوجبات وترك بقايا الطعام في الأطباق، وانتشار المتاجر الضخمة التي تشجع على الشراء المتزايد، بالإضافة إلى التباهي الكمي الذي يركز على الاقتناء المتفاخر. يتجلى هذا أيضًا في السعي نحو التميّز السلبي؛ حيث يسعى الأفراد إلى اقتناء منتجات وخدمات لا تحمل قيمة حقيقية؛ بل تهدف فقط إلى خلق تميز استهلاكي يعكس صورة اجتماعية وهمية. تؤكد هذه الظاهرة أن الاستهلاك أصبح أداة للتموضع الاجتماعي أكثر من كونه وسيلة لتلبية احتياجات حقيقية.

فالتحول من الحداثة الصلبة إلى الحداثة السائلة، ومن مجتمع المنتجين إلى مجتمع المستهلكين، يعكس أسلوب حياة قائمًا على السعي المستمر لإرضاء الذات والبحث عن الاعتراف والتقدير الاجتماعي. ويصبح الاستهلاك ليس مجرد فعل اقتصادي؛ بل وسيلة لتحديد الهوية وبناء المكانة الاجتماعية[16].

وعلى النقيض من خطاب الوفرة الذي يطبع المجتمع الاستهلاكي، يؤدي عدم الانخراط في هذه الدورة إلى جعل الفرد عرضة للتهميش والإقصاء؛ إذ تُحدَد مكانته الاجتماعية بشكل متزايد من خلال ما يمتلكه ويستهلكه. ويخلق هذا الوضع ضغطًا رمزيًا واجتماعيًا يدفع الأفراد إلى الامتثال لمنطق الاستهلاك، خشية فقدان الاعتراف الاجتماعي؛ غير أن هذه الوفرة الظاهرة تُخفي في عمقها أشكالًا جديدة من الندرة، لا تقل خطورة، من قبيل ندرة الوقت، والمكان، والموارد الطبيعية الأساس كالماء والهواء النقي، فضلًا عن ندرة الهدوء والمساحات الخضراء، وتفاقم أزمة السكن بوصفها أحد التحديات البنيوية في المجتمعات المعاصرة. ونتيجة لهذا التناقض، تصبح المعرفة والسلطة من السلع النادرة ذات القيمة المتزايدة؛ إذ بينما تتراكم السلع المادية في مجتمعات الوفرة، يظل الوصول إلى المعرفة والقدرة على التأثير والتحكم في مراكز القوة امتيازًا محدودًا؛ مما يكرس أشكالًا جديدة من التفاوت الاجتماعي والاقتصادي[17].

مع التطور الصناعي والتقدم التقني، نواجه عواقب بيئية وخيمة نتيجة الأنشطة الاقتصادية الحديثة؛ فالضجيج الصناعي، والتلوث، والزحف العمراني، وإنشاء البنى التحتية الضخمة مثل المطارات والطرق السريعة، كلها تسهم بشكل كبير في تدهور البيئة. وهذه الأنشطة تُنفذ تحت شعار "النمو من أجل النمو"، دون مراعاة للتأثيرات السلبية على الأنظمة الإيكولوجية. هذا النمو الاقتصادي، الذي لا يرتبط بالاستدامة البيئية، يؤدي إلى استهلاك مفرط وغير مسؤول للموارد الطبيعية؛ مما يفاقم من تدهور البيئة ويهدد مستقبل الأجيال القادمة، ويزيد من هشاشة كوكب الأرض[18].

ثالثًا: دوافع الاستهلاك بين الحاجات الأساس والرغبات الاجتماعية

لا يشتري المستهلك بشكل عشوائي؛ بل إن كل منتج، أو خدمة يستهلكها تلبي احتياجات معينة؛ حتى وإن لم يكن واعيًا بها بشكل كامل. غالبا ما تعكس هذه الاحتياجات حالة من عدم التوازن النفسي، أو الجسدي؛ إذ يسعى المستهلك لتعويض هذا النقص، أو تلبية هذا الإحساس من خلال سلوكه الشرائي. تُعرَف الحاجة أنها "مطلب ينشأ من الطبيعة، أو من الحياة الاجتماعية"، ويمكن التمييز بين نوعين رئيسين من الاحتياجات: الاحتياجات الفطرية المرتبطة بالطبيعة البشرية، مثل الغذاء والمأوى، والاحتياجات النفسية التي تتشكل من خلال التربية والتفاعل الاجتماعي والاشهار[19].

يرى بعض علماء الاجتماع، مثل إميل دوركهايم (Émile Durkheim)، أن غالبية الاحتياجات ذات طابع جماعي؛ إذ تنبع من الانتماء إلى المجتمع. أما جان بودريار (Jean Baudrillard) فيشدد على أن فكرة الحاجة الفردية هي مجرد وهم؛ إذ إن ما يعتقد الفرد أنه "حاجة شخصية" يتأثر بشكل كبير بالمجتمع والبيئة المحيطة به. يتشكل سلوك المستهلك الشرائي من مجموعة عوامل، مثل التربية والأسرة ووسائل الإعلام؛ مما يجعل ما يُعتقد أنه احتياجات فردية انعكاسًا للمعايير والقيم الاجتماعية. بذلك، يصبح الاستهلاك وسيلة للتعبير عن الانتماء والهوية أكثر من كونه استجابة لاحتياجات فردية خالصة[20].

بشكل عام، هناك مدرستان فكريتان بارزتان تناولتا سلوك المستهلك بشكل مختلف:

§      المدرسة السلوكية: تركز على تأثير البيئة والعوامل الخارجية في تشكيل سلوك المستهلك، معتبرة السلوك نتيجة مباشرة للمثيرات الخارجية، ويعتمد على تفاعل الفرد مع بيئته من خلال التعزيز، أو العقاب. بهذا المعنى، يُعتبر الاستهلاك استجابةً للظروف المحيطة، مثل الإعلانات والعروض الترويجية، أو البيئة الاجتماعية.

§      المدرسة المعرفية: تهتم بالعمليات الذهنية الداخلية التي تؤثر على سلوك المستهلك، مثل؛ الحفظ، والتفسير، ومعالجة المعلومات. وفقًا لهذه المدرسة، السلوك ليس مجرد استجابة تلقائية للعوامل الخارجية؛ بل نتيجة لتكامل تلك العوامل مع المعرفة والخبرات الداخلية للفرد. تسعى المدرسة المعرفية لفهم كيفية استخدام الأفراد للمعلومات لحل المشكلات واتخاذ قرارات استهلاكية واعية. ويُعتبر السلوك وفق هذا المنظور استجابةً مركبة، يتم توجيهها عبر التفكير والتحليل. بهدف تمكين الفرد من التعامل مع المشكلات واتخاذ قرارات مدروسة تلبي احتياجاته وتحقق أهدافه[21].

من جهة أخرى؛ يبين سمير أمين، من خلال نظرية التنمية غير المتكافئة ونموذج المركز–المحيط، أن أنماط الاستهلاك السائدة في العالم المعاصر لا يمكن اختزالها في اختيارات فردية فحسب؛ بل ينبغي فهمها بوصفها نتاجًا لبنية اقتصادية عالمية غير متكافئة تشكلت تاريخيًا منذ المرحلة الاستعمارية. فقد أسهمت علاقات الاستعمار والتبادل غير المتكافئ في بناء اقتصاد عالمي يقوم على استنزاف موارد بلدان الجنوب لتلبية حاجات المراكز الصناعية؛ مما رسخ نموذجًا إنتاجيًا واستهلاكيًا قائمًا على الهيمنة والتبعية ونهب الثروات الطبيعية. وضمن هذا الإطار، تُفهم النزعة الاستهلاكية المعاصرة باعتبارها امتدادًا لتلك البُنى الهيكلية؛ حيث تواصل الدول الصناعية الغنية استهلاك النصيب الأكبر من الموارد العالمية؛ بينما تتحمل البلدان الفقيرة الأعباء البيئية والاجتماعية المترتبة عن أنماط الإنتاج والاستهلاك السائدة، وهو ما يتجلى في تفاقم التلوث وتسارع التغير المناخي وفقدان التنوع البيولوجي[22].

انطلاقًا من ذلك؛ فإن تحليل العلاقة بين الاستهلاك والبيئة يقتضي استحضار الخلفيات التاريخية والسياسية التي أفرزت نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على الاستغلال المفرط للطبيعة، بدل الاكتفاء بالمقاربات التقنية، أو السلوكية الضيقة. وهذا ما يجعل التربية البيئية مدعوة إلى تفكيك هذه البُنى الفكرية والاقتصادية المهيمنة، وتعزيز ثقافة نقدية تمكّن الأفراد من إدراك الطابع العالمي واللا-متكافئ للأزمة البيئية، وربطها بقضايا العدالة الاجتماعية والبيئية في سياقها التاريخي الشامل.

تماشيًا مع هذه الدينامية، أصبحت المتاجر الكبرى ومراكز التسوق العملاقة أكثر من مجرد أماكن لشراء الاحتياجات اليومية؛ بل تحولت إلى فضاءات تقدم تجربة حياة متكاملة وترفيهية. إذ لم يعد التسوق مقتصرًا على اقتناء السلع والبضائع؛ بل بات يرتبط بتجربة مريحة وممتعة داخل أجواء مكيفة تجمع بين الجوانب المادية والاجتماعية والنفسية[23].

توفر هذه المراكز باقة متنوعة من الأنشطة والخدمات، تشمل فضاءات ألعاب الأطفال، وحلبات التزلج، ودور السينما، إلى جانب مناطق مخصصة لتناول الطعام ومقاهٍ مهيأة للراحة والاستجمام. وقد أفضى هذا التنوع الوظيفي إلى تحول هذه المراكز إلى ما يشبه "مدنًا مصغرة" متكاملة تعكس نمط عيش حضري عصري؛ حيث تتداخل تجربة التسوق مع الترفيه والتفاعل الاجتماعي ضمن بيئة شاملة تستجيب لحاجات متعددة. ويعكس هذا التحول بروز ثقافة استهلاكية جديدة لم تعد فيها تلبية الحاجات المادية الغايةَ الوحيدة، بقدر ما غدا التسوق وسيلة لإشباع الحاجات النفسية والاجتماعية، وإطارًا لممارسة ما يُعرف بـ"فن العيش" المعاصر، بما يجمع بين الشراء والاسترخاء والاندماج الاجتماعي، ويُعزز من المكانة المركزية لمراكز التسوق في الحياة اليومية للإنسان المعاصر[24].

رابعًا: الاستهلاك المفرط: أبعاده ودوافعه وانعكاساته

تشير النزعة الاستهلاكية إلى الميل المتزايد نحو تحقيق السعادة الذاتية من خلال شراء السلع والخدمات، متجاوزةً بذلك حدود تلبية الاحتياجات الأساس. تاريخيًا، لم تكن النزعة الاستهلاكية حكرًا على المجتمعات الحديثة، إلا أن الثورة الصناعية أحدثت تحولًا جذريًا في هذا السياق، حين أتاحت السلع لشرائح أوسع من المجتمع؛ مما أدى إلى ظهور استهلاك مفرط ومتفاخر لم يكن ممكنًا للأجيال السابقة.

من منظور العدالة البيئية، تكشف النزعة الاستهلاكية عن أوجه خلل عميقة؛ حيث إن استيراد السلع والاستخدام المفرط للطاقة يخفي وراءه عوامل اجتماعية واقتصادية معقدة مرتبطة بإنتاج هذه المنتجات. ويؤدي هذا النمط من الاستهلاك إلى تأثيرات بيئية خطيرة، بدءًا من استخراج الموارد الطبيعية واستغلالها، مرورًا بعمليات الإنتاج التي تستهلك طاقة هائلة، وصولًا إلى التخلص من النفايات بطرق غير مستدامة. وفي كثير من الحالات، يكون المستهلكون غير مدركين، أو غير مبالين بهذه التأثيرات السلبية؛ حيث يركزون على الاستفادة الفورية دون اعتبار للتداعيات البيئية. هذا السلوك يعمق المشكلات البيئية، مثل استنزاف الموارد الطبيعية والتلوث وزيادة المخلفات؛ مما يجعل النزعة الاستهلاكية المفرطة إحدى العقبات الرئيسة أمام تحقيق الاستدامة البيئية والتنمية المتوازنة[25].

إن النزعة الاستهلاكية الشرهة، أو ما أطلق عليه السوسيولوجي الفرنسي ريجاس أرفانيتيس (Rigas Arvanitis) "الولوج الأسطوري إلى السعادة"، تُعد محركًا فعالًا لتفاقم المشكلات الصحية وانتشار الأوبئة وارتفاع معدلات الوفيات، فضلًا عن وقوع كوارث بيئية واجتماعية. هذه النزعة تخلق وهمًا بأن السعادة يمكن شراؤها؛ لكنها تؤدي في الواقع إلى عواقب وخيمة على الأفراد والمجتمعات. من جانب آخر، يشير برونو لاتور (Bruno Latour) إلى أن الناس غالبًا ما يتجاهلون التغير المناخي، ولا يشعرون بالانتماء الحقيقي إلى الأرض التي يعيشون عليها؛ ما يدفعهم إلى تبني استراتيجيات فردية للهروب من المخاطر، مثل الانتقال بسرعة إلى أماكن أكثر أمانًا عند وقوع الأزمات، دون التفكير في المصالح الجماعية، أو السعي لحلول شاملة ومستدامة[26]. هذا التوجه يعكس قصورًا في الوعي البيئي والمسؤولية الجماعية؛ حيث يتخلى الأفراد عن التزاماتهم تجاه الكوكب والمجتمع ككل؛ مما يزيد من تعقيد التحديات البيئية والإنسانية التي تواجه العالم اليوم. وما نشهده اليوم من استهلاك مفرط للموارد الطبيعية كان قد حذر منه هنري فارفيلد أوزبورن (Henry Fairfield Osborn) في كتابه الشهير كوكبنا في نهب[27]؛ حيث وصف هذا السلوك أنه تهديد خطير يفوق في تأثيره التخريبي أي حرب قد مرت. وتتجلى هذه المخاطر في مسارين متوازيين ومتصاعدين؛ يتجلى الأول في النمو الاقتصادي اللا-متناهي الذي يسعى لتحقيق أرباح دون النظر إلى عواقب الاستنزاف البيئي، ويتمظهر الثاني في النمو الديموغرافي المتزايد؛ حيث يزداد عدد السكان بوتيرة تضغط على الموارد الطبيعية المحدودة.

أدت هذه الديناميكية المزدوجة إلى استغلال مفرط وفاحش للثروات الطبيعية؛ مما يعزز من تدهور الأنظمة البيئية وتفاقم أزمة الموارد. والنتيجة ليست فقط أزمة بيئية؛ بل تهديد لاستدامة الحياة على كوكب الأرض؛ ما يضع البشرية أمام ضرورة ملحة لإعادة التفكير في أنماط الإنتاج والاستهلاك، وضمان تدبير مسؤول للموارد الطبيعية.

أدى التهديد البيئي المتزايد إلى ظهور خطاب جديد يمزج بين نتائج العلوم الطبيعية والوعي البيئي، مع التركيز على الدفاع عن البيئة في ظل تصاعد الكوارث الطبيعية. فلم تعد التغيرات المناخية والمشكلات البيئية مجرد قضايا إيكولوجية منفصلة؛ بل أصبحت تحديات تمتد لتؤثر على البنى الاجتماعية في المجتمعات المعاصرة.

ومع تزايد الوعي الإيكولوجي، بات من الواضح أن بقاء البشرية وتنميتها، إلى جانب التمتع بحقوق الإنسان، تعتمد بشكل أساس على وجود بيئة آمنة وسليمة. فالبيئة ليست مجرد إطار طبيعي للحياة؛ بل عاملًا أساسًا يحدد جودة الحياة واستدامتها. وبالتالي؛ فإن حماية البيئة ليست مسألة اختيارية؛ بل ضرورة ملحة تقتضيها متطلبات حقوق الإنسان وحماية التراث المشترك للبشرية. بما يضمن مستقبلًا مستدامًا للأجيال القادمة والتوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية النظام البيئي[28].

تبعًا لذلك، يُعد الاستهلاك المفرط أحد أخطر التحديات التي تواجه البشرية؛ إذ يهدد استمرارية الحياة على كوكب الأرض. لذا، يتوجب على دعاة الإصلاح تكثيف جهودهم لتوعية المجتمع بأهمية خفض معدلات الاستهلاك وخلق مستهلك واعٍ يراعي البيئة عند شراء المنتجات، أو الاستفادة من الخدمات. فمعالجة "حمى الاستهلاك" التي تجتاح كثيرًا من دول العالم غدت ضرورة ملحة؛ حيث إن الاستمرار في استنزاف الموارد الطبيعية بالمعدلات الحالية ينذر بكوارث بيئية وإنسانية. كما أن هذا النمط الاستهلاكي غير المتكافئ لا يقتصر أثره على البيئة فحسب؛ بل يعمق الفوارق العالمية؛ إذ تعيش دول ومجتمعات أخرى في حالة حرمان بنيوي من أبسط مقومات العيش الكريم، مثل الغذاء والماء والرعاية الصحية؛ مما يجعل ملايين الأفراد عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الأساس.

ولا تتوقف آثار هذا النمط الاستهلاكي عند حدود تعميق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين المجتمعات؛ بل تمتد لتطال التوازنات البيئية ذاتها؛ إذ تؤدي معدلات الاستهلاك الحالية إلى إنتاج كميات هائلة من المخلفات والملوثات التي تتجاوز قدرة النظم البيئية وكوكب الأرض على التحمل. وقد أسفر هذا التلوث عن انقراض العديد من الكائنات الحية، وأضحى يشكّل تهديدًا مباشرًا لحياة الإنسان؛ حيث يزيد من خطر الإصابة بالعديد من الأمراض، ويقوض شروط العيش السليم للأجيال الحاضرة والمقبلة.

ولعلاج آفة الاستهلاك، يجب معالجة الجوانب الفكرية والمادية المرتبطة به. فكريًا، ينبغي تصحيح النظرة إلى الإنسان كونه ليس محور الكون، أو سيده، وأن غاية حياته لا تكمن في تحقيق أكبر قدر من الملذات. ماديًا، يجب اتباع استراتيجية بثلاثة مستويات: أولًا، ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية. ثانيًا، خفض الإنتاج، خاصة للسلع التي تستنزف الموارد وتلوث البيئة. وثالثًا، الحد من استهلاك السلع والخدمات التي تؤثر سلبًا على التنوع البيولوجي والنظم البيئية[29].

أخيرًا، يتضح أن الاستهلاك المفرط يعد من العوامل الرئيسة في تدهور البيئة؛ حيث يسهم بشكل مباشر في استنفاد الموارد الطبيعية وتغير المناخ والتلوث[30]. فالاستهلاك لا يؤدي دورًا محوريًا في الحياة الاجتماعية فحسب؛ بل يتجاوز ذلك ليطال الطعام والتقنيات والعلاقات الإنسانية والثقافة. وفقًا لبومان، يسعى الأفراد لبناء هوياتهم الشخصية والمهنية كـ"منتجات" قابلة للاستهلاك عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ مما يعزز استهلاك العلاقات الإنسانية.

إن فهم القضايا البيئية مثل التغير المناخي والهجرة البيئية وانقراض الكائنات والتنوع البيولوجي يتطلب تحليلًا متعدد التخصصات. وبناءً على ذلك، يُعتبر الاستهلاك جزءًا أساسًا لفهم ومعالجة المشكلات البيئية، من خلال ربطه بالجوانب الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية؛ ما يجعل استحضاره كحقل معرفي أمرًا ضروريًا لتطوير التربية البيئية ولمواجهة التحديات البيئية بشكل فعال[31].

خامسًا: التربية البيئية كمدخل لتجسير الهوة بين ثقافة الاستهلاك وقيم الاستدامة

تشمل أدبيات الإيكولوجيا اليوم عدة مفاهيم، من قبيل: المستهلك المقاوم، والمستهلك المضاد، والمستهلك الأصيل، والاستهلاك المستدام، والمواطن الإيكولوجي. جميع هذه المفاهيم تتمحور حول فكرة الاستهلاك المسؤول والبديل، الذي يأخذ في الاعتبار الجوانب البيئية والاجتماعية عند شراء، أو استهلاك المنتجات والخدمات. فالمستهلك المسؤول يولي اهتمامًا أكبر بظروف معيشة الآخرين وصحة الإنسان بما في ذلك صحته الشخصية[32].

يسعى المواطن الإيكولوجي، الذي يتبنى هذا النمط من الحياة، إلى تقليل الاستهلاك المفرط حماية للبيئة وحفاظًا على الموارد الطبيعية. كما يرفض اقتناء السلع والخدمات غير الضرورية؛ ولا سيما تلك التي تلحق أضرارًا بالمنظومات البيئية. وتهدف هذه الحركة إلى إحداث تحول بنيوي في المجتمعات، من اقتصاد قائم على الاستهلاك المفرط إلى اقتصاد أكثر استدامة وتوازنًا، كما تشجع الأفراد على إعادة تعريف مفهوم الرفاهية من خلال التركيز على الحاجات الأساس والأهداف ذات المعنى؛ بدل الانغماس في دوامة الاستهلاك المظهري والسلع الزائفة. وفي هذا الإطار، يعتمد المواطن الإيكولوجي أسلوب حياة مستدامًا يقوم على تجنب الإسراف، والبحث عن بدائل صديقة للبيئة، ودعم الإنتاج المحلي، وممارسات إعادة التدوير، سعيًا إلى تحقيق نمط عيش متوازن يحد من التأثيرات السلبية على الكوكب ويعزز علاقة أكثر انسجامًا بين الإنسان وبيئته.

تهدف التربية البيئية المتعلقة بالاستهلاك المستدام إلى توفير المعلومات حول المنتجات، مثل طرق الإنتاج وتأثيراتها البيئية وتكاليف الإعلانات الإشهارية، بالإضافة إلى تنمية قدرة المستهلكين على الاختيار بين الخيارات المتاحة. ومع ذلك، غالبًا ما يتم تجاهل الفوارق الاقتصادية، والفقر، وحاجة الأفراد لتلبية احتياجاتهم الأساس. لذا؛ ثمة ضرورة لتطوير استراتيجيات ملائمة للفئات الضعيفة، مثل؛ الأميين، والمحرومين من المعلومات والخدمات، وذوي القوة الشرائية المنخفضة. يتطلب ذلك تقديم الدعم لمساعدتهم في التغلب على ضعفهم الاقتصادي والقانوني، من خلال ممارسات تربوية تهدف القضاء على الفقر، وتعزيز الديمقراطية، واتباع نهج تشاركي لتقييم المنتجات الثقافية[33].

تماشيًا مع ما سبق، يرتبط الاستهلاك الإيكولوجي بطرح أسئلة مهمة قبل إجراء أي عملية شراء، مثل: هل يلبي هذا الشراء حاجة فعلية؟ وهل أمتلك بالفعل ما يماثله؟ يهدف هذا الأسلوب إلى تجنب الهدر غير الضروري، ويتطلب اختيار المنتوج بمسؤولية من خلال فحص دورة حياته، بما يساعد على تقليل التأثير البيئي وتعزيز الاستدامة. ومن أهم هذه الأسئلة:

-        من حيث الإنتاج: مم يتكون هذا المنتوج؟ هل المكونات غير ضارة؟ هل هي مصنوعة من مواد متجددة، أم مواد معاد تدويرها؟ هل تحترم عملية التصنيع المعايير البيئية والأخلاقية؟

-        من حيث التوزيع: أين صنّع المنتوج؟ كيف يمكن الحصول عليه؟ كيف يتم تجميعه؟ هل العبوة قابلة للإرجاع، أو لإعادة التدوير؟

-        من حيث الاستعمال: ما تعليمات الاستخدام؟ وهل له آثار على البيئة والصحة؟ هل يتضمن استخدامه استهلاك موارد أخرى (المياه، أو الطاقة، أو المنتجات الأخرى)؟ هل هو من مادة صلبة قابلة؛ للصيانة، أو إعادة الشحن، أو إعادة الاستخدام؟

-        من حيث التخلص: ما نهاية عمره الافتراضي؟ هل يمكن إعادة استخدامه بطريقة أخرى؟ هل توجد قنوات لإعادة التدوير؟ هل طريقة التخلص منه خاضعة للمراقبة؟ في أي نوع من القمامة يجب أن نضعه؟ وما تكلفة التخلص منه؟[34]

ضمن هذا المضمار، أشار تقرير مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية (قمة الأرض في ريو دي جانيرو) إلى ضرورة معالجة الطلب المتزايد على الموارد الطبيعية نتيجة الاستهلاك غير المستدام. وأوصى باستخدام الموارد بشكل فعال للحد من استنفادها وتقليل التلوث. ورغم ارتفاع أنماط الاستهلاك في بعض أجزاء العالم؛ فإن الكثير من البشر ما زالت احتياجاتهم الأساس غير ملباة. يؤدي هذا التفاوت إلى طلب مفرط بين الأغنياء؛ مما يزيد الضغط على البيئة؛ بينما تعاني الفئات الفقيرة من نقص الغذاء والرعاية الصحية والمأوى والتعليم. ومن أجل تحقيق استهلاك مستدام، يجب التركيز على تلبية احتياجات الفقراء ودعمها تقنيًا، وتقليل التبذير، وترشيد استخدام الموارد في الإنتاج[35].

فالاستهلاك غير العادل يؤدي إلى تفاقم التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية؛ حيث يتمتع الأثرياء بالوصول إلى سلع وخدمات عالية الجودة؛ بينما تعاني الفئات ذات الدخل المحدود صعوبة في تلبية احتياجاتها الأساس. وتسهم هذه الفجوة في تفشي الإقصاء الاجتماعي؛ إذ لا يعود الاستهلاك مجرد وسيلة للبقاء؛ بل معيارًا للمكانة الاجتماعية. كما يعزز النظام الاستهلاكي الحالي هذا التفاوت من خلال:

-      الإعلانات التجارية التي تروج لمنتجات لا يستطيع الجميع تحمل تكلفتها؛ مما يزيد الضغوط الاجتماعية.

-      النماذج الاقتصادية الفاخرة(Luxe)، التي يشجع الاستهلاك المترف في حين تبقى الاحتياجات الأساس لبعض الفئات غير ملباة.

-      ارتفاع تكاليف المنتجات المستدامة؛ مما يجعلها في متناول الأثرياء فقط؛ بينما تُترك الفئات ذات الدخل المحدود مع خيارات أقل استدامة وجودة[36].

أخيرًا، للحفاظ على البيئة وتحقيق التنمية المستدامة، يجب تحسين شروط الإنتاج وتقليل الهدر من خلال تعديل الأنماط الاستهلاكية والإنتاجية القائمة، خاصة في المجتمعات الصناعية والدول التي تقلدها. ويتطلب ذلك تعزيز القيم الداعمة للاستهلاك المستدام. كما يجب على الحكومات والقطاع الخاص لعب دور فعال في توعية الجمهور وتثقيفه عبر برامج توعية وإعلانات تشجع المنتجات والخدمات الصديقة للبيئة، مع إيلاء اهتمام خاص لدور النساء والأسر نظرًا لقدرتهم الشرائية وتأثيرها المحتمل على الاقتصاد.

سادسًا: نحو بناء المواطن الإيكولوجي

في إطار ما سبق، يبرز مفهوم المواطن الإيكولوجي بوصفه أحد المداخل الأساس لمواجهة الأزمات البيئية. لكن، قبل ذلك، يطرح سؤال جوهري: ماذا نعني بالمواطن الإيكولوجي؟

المواطن، حسب التعريف المعجمي، هو الشخص الذي يقع تحت حماية سلطة الدولة، ويتمتع بحقوق مدنية، وعليه القيام بواجباته. وبناءً على هذا التعريف، يرتبط مفهوم الواجب بالمواطنة الإيكولوجية. وقد نشأ هذا الواجب من فكرة بسيطة غالبًا ما يتم إغفالها، مفادها أنه لا يمكن للإنسان أن يستهلك أكثر مما تستطيع الطبيعة تجديده؛ وإلا استهلك جزءًا من رأس المال الطبيعي.

وفقًا للباحث ستيفن جيلبولت (Steven Guilbeault)، عضو منظمة السلام الأخضر؛ فإن المواطن الإيكولوجي هو الشخص الذي لا يهتم بحالة الكوكب فحسب؛ بل يكون أيضًا مطلعًا ومدركًا تأثيرات أنشطته اليومية على البيئة، ويتخذ مواقف فعلية من خلال تنفيذ إجراءات ملموسة تهدف التقليل من التبذير والهدر؛ بحيث تكون سلوكياته حكيمة واستعمالاته عقلانية، بما في ذلك تغيير عاداته الاستهلاكية. فالمواطن الإيكولوجي يهتم بالمشكلات الكبيرة والصغيرة التي تهم الكوكب، أو قريته، أو الحي الذي يعيش فيه، ليجعل صوته مسموعًا، ويكون قادرًا على الضغط على القادة لإحداث تغييرات في السياسات العمومية لصالح الحفاظ على الأولوية البيئية[37].

أدت الانعكاسية (La réflexion) التي أثارتها الأزمات والمخاطر إلى ولادة أخلاقيات جديدة؛ حيث انبثقت التربية البيئية. ويؤكد كريستيان غيوم (Christian Guillaume) أنها هي أحد الاستجابات للسلوك غير العادل والملوث والمدمر وغير المسؤول للمجتمعات البشرية، الناتج عن استنفاد الموارد الطبيعية (الطاقة، والماء، والتربة، والهواء).

يبرز ديمر أرنو كريستل ماركات (Diemer Arnault & Cristel Marquat) أنه عام 2010، لم تتردد الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة في التأكيد على أن التربية من أجل التنمية المستدامة؛ يجب أن تعد مواطن المستقبل لفهم ودمج التعقيدات الموجودة بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية؛ لذلك، تواجه التربية، من أجل التنمية المستدامة، تحديًا حقيقيًا؛ مما يجعل الجميع أكثر انتباهًا لمحيطهم وأكثر قدرة على المشاركة في حياة المجتمع.

إن حل جزء كبير من المشاكل البيئية يقع في يد التربية، لأنها تستحضر مصلحة الأجيال القادمة، وتسعى إلى بناء تحالف متين بين الإنسان والبيئة. كما لديها القدرة على تغيير التصرفات والانطباعات اليومية، مثل تقليل استهلاك المياه، والمساعدة في فرز النفايات المنزلية، وإطفاء المصابيح غير الضرورية. لذا، تبدو التنشئة البيئية في الوقت الحاضر واحدة من أهم الطرق الممكنة لمراجعة مواقف الطفل وسلوكه تجاه بيئته وعلاقاته مع الطبيعة والكائنات الأخرى؛ من أجل بناء مواطن إيكولوجي. وقد خاضت هذه المعركة جميع الأنظمة المدرسية منذ ما يقارب نصف قرن[38].

ومن أهم مستلزمات بناء المواطن الايكولوجي هو فهم الإكولوجيا؛ أي دراسة العلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية وبيئاتها، فهي تؤدي دورًا حاسمًا في تعزيز هذا الوعي، إلا أن التعليم الحديث نادرًا ما يركز على مفاهيمها بشكل كافٍ. فبدلًا من أن يقتصر فهم لإيكولوجيا على حلقات دراسية ذات صبغة بيئية، يجب أن يكون موجودًا عبر تخصصات متنوعة ومتداخلة (Interdisciplinarité) مثل الجغرافيا، وعلم النبات، والزراعة، والتاريخ، وحتى الاقتصاد. ويجب أن يكون الإدراك الإيكولوجي جزءًا لا يتجزأ من جميع هذه الحقول. ومع ذلك، يبدو أن التعليم لا يؤدي دوره من أجل هذا الفهم العميق؛ مما يؤدي إلى غياب تكوين إيكولوجي شامل[39].

تأسيسًا على ذلك، يرى الباحث الفرنسي جويل دي روزناي (Joël de Rosnay)، أن الجميع يفهم القضايا الرئيسة التي تهم المجتمع، بما فيها الكوارث، وما يتعين علينا القيام به هو مساعدة الأفراد على الانتقال من حالة العاطفة إلى المسؤولية. فالعاطفة والمسؤولية كلمتان تُستخدمان كثيرًا في سياق الإيكولوجيا؛ أي الانتقال من رد فعل عاطفي إلى فعل عقلاني. ومن وضع المواطن الأناني (Ego-citoyen)، الذي يفكر بمنطق "الأنا" ومصلحته الشخصية، إلى وضع المواطن الإيكولوجي (Eco-citoyen)، الذي يفكر بمنطق "النحن"، بمعنى من أجل الجميع. ويفهم القضايا الكبرى ويشارك بطريقة داعمة ومتكاملة في إنشاء بيئة أكثر توازنًا وثراءً. بالتالي، ينبغي أن يكون المبدأ الأساس لهذه التربية هو مساعدة الأفراد على الارتقاء في وعيهم، عبر تمكينهم من التوقف والتأمل النقدي في ممارساتهم وتمثلاتهم؛ بما يتيح لهم اكتساب رؤية أشمل وأعمق لعلاقتهم بالذات والآخرين والبيئة[40].

خاتمة

يتضح إذًا؛ أن المجتمع الاستهلاكي يمثل شكلًا جديدًا من التنشئة الاجتماعية، يقوم على ترويض الأفراد وفق منطق السوق، وتحفيزهم على الاستهلاك؛ بوصفه معيارًا للاندماج الاجتماعي، ودليلًا على النجاح الفردي. وقد تحولت أخلاق الاستهلاك إلى منظومة قيمية تُمجّد الوفرة، والتمتع، والحرية الفردية؛ مقابل تراجع قيم العمل والادخار والحفاظ على التراث. وهكذا، غدَا الإنسان المعاصر محكومًا بدورة الإنتاج والاستهلاك، وخاضعًا لقوانينها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية[41].

غير أن هذا النموذج القيمي، القائم على التوسع اللامحدود في الاستهلاك، أفرز أزمات بيئية متفاقمة، تتجلى في استنزاف الموارد الطبيعية، واختلال التوازنات الإيكولوجية. وهنا تبرز ضرورة إحداث تجسير قيمي ومعرفي بين منطقي الاستهلاك والاستدامة؛ بما يتيح الانتقال من ثقافة الامتلاك إلى ثقافة المسؤولية، ومن الإشباع اللحظي إلى الوعي بمحدودية الموارد، وحقوق الأجيال القادمة.

وفي هذا الإطار، تُعد التربية البيئية رافعة وأساسًا لتحقيق هذا التجسير؛ لما لها من دور محوري في إعادة بناء الوعي الإنساني على أسس نقدية وأخلاقية، تمكّن الفرد من إدراك الترابط العميق بين ممارساته اليومية وبين المصير البيئي الجماعي. وتهدف هذه التربية إلى تكوين مواطن إيكولوجيٍ واعٍ، مستقلٍ ومبدعٍ، قادرٍ على التفاعل المسؤول مع محيطه البيئي؛ من خلال إرساء توازن دقيق بين الحاجة والاستهلاك، والحرية والمسؤولية، والتنمية والعدالة البيئية. كما تسعى إلى تزويد الأفراد بالمعارف والمفاهيم والمهارات والقيم التي توجه سلوكهم نحو حماية البيئة، وترسيخ ثقافة العيش المشترك في عالم متعدّد[42].

وعليه؛ فإن عملية التجسير هذه لا تمثل انتقالًا خطيًا بسيطًا من نموذج إلى آخر؛ بل تشكل تحولًا سوسيو-تاريخي يمس القيم والتمثلات وأنماط العيش، ويستدعي إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين الاقتصاد والأخلاق، وبين متطلبات التنمية وحدود البيئة. ومن ثَمَّ تغدو التربية البيئية أفقًا استراتيجيًا لإعادة بناء الثقافة الإنسانية على أسس الاستدامة؛ بما يضمن ترسيخ مواطنة إيكولوجية فاعلة، وقادرة على مواجهة تحديات العصر.


 

المراجع

أولاً: العربية

الأمم المتحدة. "تقرير مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية: ريو دو جانيرو، 3-14 يونيو 1992". مج2. نيو يورك: المكتبة الإلكترونية للأمم المتحدة، 13 أغسطس، 1992.

حدف، ربيع. "مراجعة كتاب التربية البيئية بالمغرب وإشكالية بناء المواطن الإيكولوجي: من العقد الاجتماعي إلى العقد الطبيعي، لفوزي بوخريص وعبد الله هرهار". مجلة تجسير. مج6، ع4، (2024). ص229-237.

زيمرمان، مايكل. الفلسفة البيئية: من حقوق الحيوان إلى الإيكولوجيا الجذرية. ترجمة شفيق رومية. سلسلة عالم المعرفة، ج1، ع332. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2006.

زين الدين، الحبيب استاتي. "الحركات البيئية ورهان العدالة الإيكولوجية في المنطقة العربية: حالة لبنان وتونس والمغرب". مجلة تجسير. مج4، ع2 (2022)، 45-72.

شومان، إيمان جابر. "تغير الأنماط الاستهلاكية وعلاقتها بالمكانة الاجتماعية: دراسة تطبيقية على الأسرة السعودية". المجلة العلمية بكلية الآداب. ع28 (2015). ص 181-250.

فياض، حسام الدين. "نظرية نقد المجتمع الاستهلاكي عند جان بودريار". نحو علم اجتماع تنويري للدراسات والأبحاث الإنسانية والسوسيولوجية. مج2، ع14 (2025). ص1-18.

خاطر، محمد. "أنا استهلك؛ إذًا أنا موجود!". الجزيرة نت. (1 أبريل 2021).

ثانيًا: الأجنبية

Reference

Agundez-Rodriguez, Adolfo. “Éducation relative à la consommation: Une dimension de l’écocitoyenneté,” In: Lucie Sauvé, Isabel Orellana, Carine Villemagne et Barbara Bader (eds.), Éducation, environnement, écocitoyenneté: Repères contemporains, Québec: Presses de l’Université du Québec, 2017), pp. 193-210.

Albouy, Vincent. 250 réponses aux questions d’un citoyen, Paris: Éditions du Gerfaut, 2008.

Amin, Samir. Le développement inégal: essai sur les formations sociales du capitalisme périphérique. Paris: Les Éditions de Minuit, 1973.

Arenas, Alberto. “Ecojustice learning.” In: González-Gaudiano, Edgar et Michael Peters. Environmental Education: Identity, Politics and Citizenship. Vol. 2, Leiden: Brill, 2008. pp. 75-86.

Baudrillard, Jean. La société de consommation: ses mythes, ses structures. Paris: Denoël, 1970.

Bauman, Zygmunt. Consuming Life. Cambridge: Polity Press, 2007.

Brown, Paul & Cameron, Linda. “What can be done to reduce overconsumption?” Ecological Economics. Vol. 32, No. 1 (2000), pp. 27-41.

Clauzel, Amélie, et al. Comportement du consommateur: Fondamentaux, nouvelles tendances et perspectives. Paris: Vuibert, 2016.

Darpy, Denis et Guillard, Valérie. Comportements du consommateur: Tous les principes et outils à connaître. Paris: Dunod, 2020.

De Rosnay, Joël. L’écologie et la vulgarisation scientifique: De l’égocitoyen à l’écocitoyen, Québec: Les Éditions Fides, 1994.

Eckhardt, Giana M. and Susan, Dobscha. “The Consumer Experience of Responsibilization: The Case of Panera Cares,” Journal of Business Ethics. Vol. 159, No. 3, (2019). pp. 651-663.

Evans, David et Beacham, Jonathan. “Organising the subjects of responsible consumption: Analysing the locus of responsibility for transitions in the UK food sector (2007-2021),” Environmental Innovation and Societal Transitions. Vol. 57 No. 101022 (2025), pp. 1-12.

Fayyāḍ, Ḥusām al-Dīn. “Naẓarīyat Naqd al-mujtamaʻ al-istihlākī ʻinda Jān bwdryār,” Naḥwa ʻilm ijtimāʻ tanwīrī lil-Dirāsāt wa-al-Abḥāth al-Insānīyah wālswsywlwjyh. Vol. 2, No. 14 (2025), pp. 1-18.

Hadf, Rabie. “Book Review: Environmental Education in Morocco and the Problem of Construction Ecological Citizen: From the Social Contract to The Natural Contract, by Faouzi Boukhriss and Abdellah Herhar” (in Arabic). Tajseer Journal, Vol. 6, No. 1 (2024), pp. 229-237.

Heilbrunn, Benoît. La consommation et ses sociologies. Paris: Armand Colin, 2005.

Heilbrunn, Benoît. Rapport du groupe d’experts sur la consommation durable et équitable. France: La Documentation française, December 8, 2023.

Khāṭir, Muḥammad. “Anā asthlk idhn Anā mwjwd!” Al Jazeera Net, 1 April 2021. Accessed 18 May 2025.

Kılıç, Gülenay Nagihan et İbrahim Kocabaş. “Sustainable Education and Degrowth: International Trends,” Discover Sustainability, Vol. 6, No. 491 (2025).

Kotler, Philip and Kevin Lane Keller. Marketing Management, 15th ed. Upper Saddle River, NJ: Pearson Education, 2016.

Mukwasa, Gipela. Compétences de base d’un éco-citoyen: Stratégies de mise en œuvre d’un curriculum intégrateur pour l’éducation environnementale à l’école primaire en RD Congo. Belgium: Academia-L’Harmattan, 2020.

Neil, McKendrick., Brewer, John and Plumb, Harold. The birth of a consumer society, The commercialization of eighteenth-century England. Bloomington: Indiana University Press, 1982.

Osborn, Fairfield. La planète au pillage. Paris: Actes Sud, 2008.

Sahakian, Marlyne, Stefan Wahlen, and Daniel Welch. “(Un)Sustainable Consumption: A Contested, Compelling and Critical Field.” Consumption and Society. Vol. 1, No. 2 (2022), pp. 244-254.

Sauvé, Lucie. “Currents in Environmental Education: Mapping a Complex and Evolving Pedagogical Field,” Canadian Journal of Environmental Education. Vol. 10 (2005), pp.11-37.

Shūmān, Īmān Jābir. “Relationship of Consumption Patterns Change to Social Status: A Field Study on Saudi Family” (in Arabic). Scientific Journal of the College of Arts. No. 28 (2015), pp. 181-250.

United Nations. Report of the United Nations Conference on Environment and Development: Rio de Janeiro, 3-14 June 1992 (in Arabic). Vol. 2. New York: United Nations Digital Library, 13 August 1992.

Zineddine, Elhabib Stati. “The Environmental Movements and the Ecological Justice Challenges in the Arab Region: The Case of Lebanon, Tunisia, and Morocco” (in Arabic). Tajseer Journal. Vol. 4, No. 2 (2022).

Zymrmān, Māykil. al-falsafah al-bīʼīyah: min Ḥuqūq al-ḥayawān ilá alʼykwlwjyā aljdhryh (in Arabic). trans. Shafīq Rūmīyah. Silsilat ʻĀlam al-Maʻrifah, Vol. 1, No. 332. Kuwait: al-Majlis al-Waṭanī lil-Thaqāfah wa-al-Funūn wa-al-Ādāb, 2006.



[1] Gülenay Nagihan Kılıç and İbrahim Kocabaş, “Sustainable Education and Degrowth: International Trends,” Discover Sustainability, Vol. 6, No. 491, (2025), pp.1-11.

[2] Benoît Heilbrunn, La consommation et ses sociologies (Paris: Armand Colin, 2005), p. 5.

[3] Marlyne Sahakian, Stefan Wahlen & Daniel Welch, “(Un) sustainable consumption: a contested, compelling and critical field,” Consumption and Society, Vol. 1, No. 2 (2022), pp. 244-254.

[4] Giana M. Eckhardt and Susan Dobscha, “The consumer experience of responsibilization: the case of Panera Cares,” Journal of Business Ethics, Springer, Vol. 159 No. 3 (2019), pp. 651-663.

[5] David Evans et Jonathan Beacham, “Organising the subjects of responsible consumption: Analysing the locus of responsibility for transitions in the UK food sector (2007-2021),” Environmental Innovation and Societal Transitions, Vol. 57, No. 101022 (2025), pp.1-12.

[6] Neil McKendrick, John Brewer et Harold Plumb, The birth of a consumer society, The commercialization of eighteenth-century England (Bloomington: Indiana University Press, 1982), p. 345.

[7] Denis Darpy et Valérie Guillard, Comportements du consommateur: Tous les principes et outils à connaître (Paris: Dunod, 2020), pp. 6-8.

[8] Benoît Heilbrunn, Rapport du groupe d’experts sur la consommation durable et équitable (France: La Documentation française, December 8, 2023), p. 40.

[9] Darpy et Guillard, Comportements du consommateur, Op. Cit., p. 252.

[10] Jean Baudrillard, La société de consommation: Ses mythes, ses structures (Paris: Denoël, 1970), p. 19-21.

[11] Zygmunt Bauman, Consuming Life (Cambridge: Polity Press, 2007), p. 21.

[12] إيمان جابر شومان، "تغير الأنماط الاستهلاكية وعلاقتها بالمكانة الاجتماعية: دراسة تطبيقية على الأسرة السعودية"، المجلة العلمية بكلية الآداب، ع28، (2015)، ص181-250.

[13] حسام الدين فياض، "نظرية نقد المجتمع الاستهلاكي عند جان بودريار"، نحو علم اجتماع تنويري للدراسات والأبحاث الإنسانية والسوسيولوجية، مج2 ع14، (2025)، ص2-18.

[14]هنا يُستحضر مبدأ الكوجيتو (Cogito) الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (René Descartes) في عبارته الشهيرة: "أنا أفكر؛ إذًا أنا موجود" (Cogito, ergo sum). ويقصد به أن الفكر هو الدليل اليقيني الأول على الوجود، فحتى لو شك الإنسان في كل شيء، فإنه لا يستطيع أن يشك في كونه يفكر، ومن ثم فهو موجود بالضرورة. وفي سياق الاستهلاك عندما يُقال اليوم: "أنا أستهلك؛ إذًا أنا موجود"، فإن هذا تعبير نقدي ساخر يحيل إلى تحول الهوية الإنسانية من ذات مفكرة إلى ذات مستهلكة؛ أي أن القيمة الاجتماعية للفرد أصبحت لم تعد تقاس بما يفكر، أو يبدع فيه؛ بل بما يمتلكه ويستهلكه.

[15] ثقافة جوطابل (La Culture du jetable)، أو ثقافة الاستهلاك السريع، أو الاستعمال الواحد، تشير إلى نمط ثقافي واقتصادي يقوم على إنتاج واستهلاك سلع وخدمات قصيرة العمر، تُستعمل لفترة وجيزة ثم ترمى، أو تُستبدل بسرعة، بدل إصلاحها، أو إعادة استخدامها.

[16] Bauman, Consuming Life, Op. Cit., p. 28.

[17] Baudrillard, La société de consommation, Op. Cit., p. 37.

[18] Ibid., pp. 41-42.

[19] تُعد الإعلانات الإشهارية والترويجية بمثابة الوقود الذي يغذي علم التسويق (Marketing)، الذي يُعرف بوصفه مجموعة من الأنشطة والاستراتيجيات الهادفة إلى فهم حاجات ورغبات المستهلكين، والعمل على تصميم وترويج وتسويق السلع، أو الخدمات بما يحقق قيمة للزبون ويضمن في الوقت نفسه تحقيق أهداف المؤسسة. ويقوم هذا النشاط على عناصر أساس تشمل: دراسة السوق والمستهلك، وتحديد خصائص المنتج، ووضع السعر المناسب، واعتماد استراتيجيات الترويج، واختيار قنوات التوزيع الملائمة؛ غير أن دور التسويق لا يقتصر على مجرد عرض المنتجات؛ بل يتجاوز ذلك ليؤدي وظيفة محورية في صناعة الرغبة وتوجيه السلوك الاستهلاكي، من خلال توظيف آليات رمزية وإعلامية تسهم في إعادة إنتاج ثقافة الاستهلاك وترسيخها داخل الوعي الفردي والجماعي. أنظر:

 Philip Kotler and Kevin Lane Keller, Marketing Management, 15th ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson Education, 2016).

[20] Darpy et Guillard, Comportements du consommateur, Op. Cit., p. 28.

[21] Ibid., p. 110.

[22] Samir Amin, Le développement inégal: essai sur les formations sociales du capitalisme périphérique (Paris: Les Éditions de Minuit, 1973), pp. 55-67.

[23] Baudrillard, La société de consommation, Op. Cit., p. 23.

[24] Darpy et Guillard, Comportements du consommateur, Op. Cit., pp. 21- 23.

[25] Paul Brown & Linda Cameron, “What can be done to reduce overconsumption?“ Ecological Economics, Vol. 32, No 1 (2000), pp. 27-41.

[26] Alberto Arenas, "Ecojustice learning," In: Edgar González-Gaudiano et Michael A. Peters (eds.), Environmental Education: Identity, Politics and Citizenship, Vol. 2 (Leiden: Brill, 2008), p. 82.

[27] Fairfield Osborn, La Planète au pillage (Paris: Actes Sud), 2008.

 [28]الحبيب استاتي زين الدين، "الحركات البيئية ورهان العدالة الإيكولوجية في المنطقة العربية حالة لبنان وتونس والمغرب"، مجلة تجسير، مج4، ع2 (2022)، ص49.

[29] محمد خاطر، "أنا استهلك؛ إذًا أنا موجود!"، الجزيرة نت (1 أبريل 2021)، استرجع في: 18 مايو 2025. من خلال الرباط: https://n9.cl/9335bw

[30] Adolfo Agundez-Rodriguez, “Éducation relative à la consommation: Une dimension de l’écocitoyenneté,” In: Lucie Sauvé, Isabel Orellana, Carine Villemagne et Barbara Bader (eds.), Éducation, environnement, écocitoyenneté: Repères contemporains (Québec: Presses de l’Université du Québec, 2017), p. 198.

[31] Ibid., pp. 193-194.

[32] Amélie Clauzel et al., Comportement du consommateur, Fondamentaux, nouvelles tendances et perspectives (Paris: Vuibert, 2016), p.153.

[33] Ibid., pp. 60-62.

[34] Lucie Sauvé, “Currents in Environmental Education: Mapping a Complex and Evolving Pedagogical Field,” Canadian Journal of Environmental Education, Vol. 10 (2005), pp.11-37.

[35] الأمم المتحدة، "تقرير مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية: ريو دو جانيرو، 3-14 يونيو 1992"، مج2 (نيو يورك: المكتبة الإلكترونية للأمم المتحدة، 13 أغسطس، 1992)، ص32.

[36] Heilbrunn, La consommation et ses sociologies, Op. Cit., pp.16-17.

[37] Vincent Albouy, 250 réponses aux questions d'un citoyen (Paris: Éditions du Gerfaut, 2008(, p. 5.

[38] Gipela Mukwasa, Compétences de base d'un éco-citoyen: Stratégies de mise en oeuvre d'un curriculum intégrateur pour l'éducation environnementale à l'école primaire en RD Congo (Belgique: Academia-L'Harmattan, 2020), p. 19.

[39] مايكل زيمرمان، الفلسفة البيئية: من حقوق الحيوان إلى الإيكولوجيا الجذرية، ترجمة شفيق رومية، سلسلة عالم المعرفة، ج1، ع332 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2006)، ص163.

[40] Joël De Rosnay, L'écologie et la vulgarisation scientifique: De l'égocitoyen à l'écocitoyen (Québec: Les Éditions Fides, 1994), p. 14.

[41] Baudrillard, La société de consommation, Op. Cit., pp. 21-23.

[42] ربيع حدف، "مراجعة كتاب التربية البيئية بالمغرب وإشكالية بناء المواطن الإيكولوجي: من العقد الاجتماعي إلى العقد الطبيعي، لفوزي بوخريص وعبد الله هرهار"، مجلة تجسير، مج6، ع4، (2024)، ص229-237.