cid:image007.png@01DA94D4.752A8770Publizieren – Why Open Access? 

 

 

تاريخ الاستلام: 27 نوفمبر2025 | تاريخ التحكيم: 05 يناير 2026 | تاريخ القبول: 27 يناير 2026

مقالة بحثية

كسر الحواجز بين التخصّصات: نحو منهجية تكاملية في البحث العلمي - دراسة حالتَيْ جامعة القاضي عياض وجامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات الحديثة

عبد الصمد فاضل

دكتوراه في العلاقات الدولية، جامعة القاضي عياض - المغرب

Fadel.abdessamad@gmail.com

 https://orcid.org/0000-0001-6276-1540

ملخص

تهدف الدراسة إلى استكشاف واقع البينيّة في المنشورات العلمية لأساتذة قسم القانون العام، والعلوم السياسية، وقسم الاقتصاد والتدبير، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة القاضي عياض، وجامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية. وتبرز أهمية الدراسة في كونها تمثّل فرصةً لتشخيص واقع البينيّة داخل الجامعات المغربية، وتحديد مكامن القوة والضعف، وكذلك العراقيل، أو المحفزات التي تواجه البحث البينيّ؛ إذ إن الغرض من الدراسة لا يكمن في وصف حالة البينيّة وحضورها فقط؛ بل ينسحب على تأكيد أهميتها، وانخراط الجامعات العالمية فيها، باعتبار أن الهدف الرئيس للجامعة هو إنتاج المعرفة؛ لا الحرص على الفصل بين حقولها المعرفية. لذلك تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف مدى وعي هيئة التدريس في الجامعتين بالبحث البينيّ، ومدى انخراطها في مشاريع بينيّة، من خلال اتباع منهج مختلط يجمع بين الكمي والنوعي، للإلمام بجوانب الدراسة؛ انطلاقًا من عيّنة قصدية من البحوث المنشورة للأساتذة المنتمين إلى الجامعتين، وتحليلها وتشخيصها، ورصد نسب حضور البينيّة فيها وتسجيلها، إضافةً إلى اعتماد منهج مقارن بغرض مقارنة النتائج بين الأساتذة المنتمين إلى الجامعتين. وتوصلت الدراسة إلى حضور البينيّة بمستويات مختلفة في جل المادة العلمية بعد جمعها وحصرها، مع وجود فارق ضئيل بين الجامعتين؛ إذ تحضر البينيّة بشكل أكبر في بحوث أساتذة جامعة محمد السادس؛ مقارنة ببحوث أساتذة جامعة القاضي عياض، وربما يعزى ذلك إلى طبيعة الأخيرة المبنية، أساسًا، على سياسة الإبداع والابتكار، وتجاوز حاجز التخصّص؛ مما أسفر عن نتائج ملموسة في تشجيع البحث البينيّ.

الكلمات المفتاحية: مستوى البينيّة، المنهج التكاملي، التّجسير، حدود التخصّص، الجامعة

للاقتباس: فاضل، عبد الصمد. "كسر الحواجز بين التخصّصات: نحو منهجية تكاملية في البحث العلمي (دراسة حالتي جامعة القاضي عياض وجامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات الحديثة)"، مجلة تجسير لدراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية البينيّة، المجلد الثامن، العدد 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0249

© 2026، فاضل، الجهة المرخص لها: مجلة تجسير، دار نشر جامعة قطر. نُشرت هذه المقالة البحثية وفقًا لشروط Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0). تسمح هذه الرخصة بالاستخدام غير التجاري، وتنبغي نسبة العمل إلى صاحبه، مع بيان؛ أي تعديلات عليه. كما تتيح حرية نسخ، وتوزيع، ونقل العمل بأي شكل من الأشكال، أو بأي وسيلة، ومزجه وتحويله والبناء عليه، طالما يُنسب العمل الأصلي إلى المؤلف. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0


 Publizieren – Why Open Access?Tajseer
Interdisciplinary Studies in
Humanities and Social Science

 

Submitted: 27 November 2025 | Reviewed: 5 January 2026 | Accepted: 27 January 2026

Research Article

Breaking Down Disciplinary Barriers: Toward Integrative Research Methodology (Case Studies of Cadi Ayyad University and the Modern Mohammed VI Polytechnic University)

Abdessamad Fadel

PhD in International Relations, Cadi Ayyad University - Morocco

Fadel.abdessamad@gmail.com

https://orcid.org/0000-0001-6276-1540

 

Abstract

This study aims to explore the state of interdisciplinarity in the scholarly publications of faculty members in the Department of Public Law and Political Science and the Department of Economics and Management at Cadi Ayyad University (Faculty of Legal, Economic and Social Sciences), as well as at Mohammed VI Polytechnic University. The significance of this research lies in its contribution to diagnosing the reality of interdisciplinarity within Moroccan universities, identifying strengths and weaknesses, and mapping the obstacles and enablers that shape interdisciplinary research. The purpose is not merely to describe the extent and manifestations of interdisciplinarity, but also to underscore its growing importance and the global trend toward its adoption, since the mission of the university is to generate knowledge rather than constrain it within rigid disciplinary boundaries. Accordingly, the study investigates faculty awareness of interdisciplinary research and their engagement in interdisciplinary projects through a mixed – methods approach that combines quantitative and qualitative techniques to capture all dimensions of the phenomenon. This involved selecting a purposive sample of faculty publications, compiling and analyzing these works, and recording the degrees of interdisciplinarity they exhibit. In addition, a comparative approach was adopted to juxtapose findings between the two contrasting universities. The study finds that interdisciplinarity is indeed present – albeit at varying levels – across most of the collected corpus, with only a modest difference between the two institutions. Interdisciplinarity is more pronounced in the publications of Mohammed VI Polytechnic University faculty than in those of Cadi Ayyad University, a result attributable to the former’s modern orientation, which is fundamentally grounded in policies of creativity, innovation, and the crossing of disciplinary boundaries, yielding tangible outcomes in promoting interdisciplinary research.

Keywords: Degree of Interdisciplinarity; Integrative Methodology; Bridging; Disciplinary Boundaries; University

Cite this article as: Fadel, A. “Breaking Down Disciplinary Barriers: Toward Integrative Research Methodology (Case Studies of Cadi Ayyad University and the Modern Mohammed VI Polytechnic University),” Tajseer Journal for Interdisciplinary Studies in Humanities and Social Science, Vol. 8, Issue 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0249

© 2026, Fadel, licensee, Tajseer & QU Press. This article is published under the terms of the Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0), which permits non-commercial use of the material, appropriate credit, and indication if changes in the material were made. You can copy and redistribute the material in any medium or format as well as remix, transform, and build upon the material, provided the original work is properly cited. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0


مقدمة

في ظل التعقيدات المتزايدة للإشكالات البحثية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، التي يصعب حلها من جانب تخصّص واحد، تبرز الحاجة إلى تبنّي منهج تكاملي عابر للتخصّصات؛ رغم أن بعضها يرفض ذلك، كما هو الحال مع "كال هولستي" (Kal Holsti) الذي حذر من التجزئة المتزايدة لتخصّص العلاقات الدولية[1] وإقحام مجموعة من التخصّصات الأخرى، ويرى أن ذلك قد يفقد التخصّص قيمته؛ لأن لكل مجال دراسة حدوده الخاصة، وهي حدود مرنة؛ لكنها ليست قابلة للإزالة بالكامل؛ إلا أن التشبث بالتخصّص، أو الذهاب نحو تفريعه يطرح إشكالات متعدّدة مرتبطة بتعقيد الظاهرة موضع الدراسة؛ إذ إن كل تخصّص يدرسها من زاويته الضيقة المحصورة بحدوده؛ في حين أن التجسير بين التخصّصات والحقول المعرفية يوفر مساحة أوسع وتفسيرًا أعمق للظاهرة المدروسة، ويمكّن من الإلمام الشامل بمختلف الجوانب.

وبالتالي، فالتكامل المعرفي بين التخصّصات ممكن؛ بل ويفرض نفسه بقوة في ظل التحولات الكثيرة في الحقول المعرفية؛ لأنه يركز على كيفية دمج المفاهيم والمناهج من تخصّصات مختلفة؛ لخلق معرفة جديدة. ويواجه ترسيخ الأبحاث البينيّة في الجامعات العربية تحديات، لا تقتصر على محدودية المنشورات العلمية فحسب؛ بل تشمل طبيعة الملتقيات والندوات والمؤتمرات العلمية؛ إذ لا تزال هذه الفضاءات الأكاديمية خاضعة لمنطق التخصّص الصارم، بما يكرّس الانغلاق المعرفي بين الحقول العلمية. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما تظل الملتقيات التي ينظمها قسم القانون العام محصورة في اهتمام منتسبيه، دون أن تستقطب باحثين من أقسام القانون الخاص، أو الاقتصاد والتدبير، بحجة ابتعاد موضوعاتها عن مجال تخصّصهم. ويعد هذا السلوك الأكاديمي عائقًا بنيويًا حقيقيًا أمام أي مشروع يسعى إلى إرساء البحث البينيّ وتعزيز التكامل المعرفي داخل الجامعة.

قبل الدخول في صلب موضوع هذه الدراسة، يجدر أولًا توضيح مفهوم التخصّص الأكاديمي وحدوده؛ إذ غالبًا ما تكون التخصّصات مجزأة وخاضعة للتغيير باستمرار، وقد تتداخل أحيانًا عبر دمج عناصر متعدّدة؛ مما يزيد تعقيدَ صياغة تعريف موحد. وهناك رؤية تقليدية ترى أن العلماء ليسوا مجرد طلاب لموضوع معيّن؛ بل يشيرون ضمنيًا إلى تصور التخصّصات منظمة حول مجالات متميزة من الواقع، ومن بين هذه التخصّصات علم الرياضيات؛ الذي يُنظر إليه كنموذج مثالي؛ إذ تمكّن الرياضيون من إنشاء موضوعهم الخاص، وساعد التخصّص على إدراك موضوعات أخرى؛ غير أن الإشكال يكمن في صرامة الحدود بين الموضوعات وعدم قدرة بعض التخصّصات على تفسير ظواهر معيّنة دون وجود روابط واضحة مع تخصّصات أخرى قادرة على ذلك.

يمكن تعريف التخصّص أنه: مجال علمي له موضوع محدد للبحث وجسم معرفي متراكم من الخبرة المتخصّصة، وله نظريات ومفاهيم وافتراضات ومصطلحات ولغة تقنية خاصة، فهو نتاج الطريقة التي ينظّم بها العلماء معرفتهم لفهمٍ أفضلَ للظواهر في نفس التخصّص، مع أن حدود ومجالات الاهتمام تتغير وتتطور مع مرور الوقت[2]. ويرجع "مينكن" و"كييسترا" (Menken & Keestra) تراجع الصورة التقليدية للتخصّص تدريجيًا إلى أربعة أسباب[3]: أولًا، الشائع أن العلماء والفلاسفة كانوا يكتبون غالبًا في أكثر من مجال. ثانيًا، رفض المكانة النموذجية التي منحت للرياضيات في ظل تنامي مناهج التجريب العلمي والملاحظة. ثالثًا، زيادة التخصّصات الفرعية داخل التخصّص الأصلي أدت إلى تلاشي فرضية أن التخصّص العلمي منظّم حول موضوع محدد. رابعًا، دفعت التطورات المستمرة التخصّصات نحو تكثيف التعاون وظهور ما بات يصطلح عليه بالتخصّصات البينيّة. وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن هذا المنحى التكاملي له جذور مبكرة في التراث الفكري الإسلامي، كما يظهر في كتابات ابن خلدون وأبي حامد الغزالي وابن أبي الربيع وابن الأزرق وغيرهم؛ حيث يبدو نزوع واضح إلى الجمع بين مجالات متعدّدة كالسياسة والدين والشريعة والمنطق وغيرها، بما يعكس تصورًا غير تجزيئي للمعرفة.

إن التخصّص البينيّ هو نمط بحث يقوم فيه الباحث، أو مجموعة من الباحثين بدمج المعلومات والبيانات ووجهات النظر والمفاهيم والنظريات من تخصّصات مختلفة من أجل تعزيز الفهم الأساس، أو حل مشكلات معيّنة تتجاوز حلولها نطاق تخصّص واحد.[4] بمعنى آخر، هو عملية للإجابة عن سؤال، أو معالجة موضوع معقد لا يمكن التعامل معها بشكل كافٍ من خلال تخصّص واحد، مستندًا إلى دمج المنظورات المختلفة لبناء فهم أكثر شمولًا[5]. بالمقابل، وعلى الرغم من جدية هذا التوجه العلمي والأكاديمي وأهميته في تحقيق التكامل بين التخصّصات، فإن مساره معقد ومركب للغاية؛ إذ أن معظم الجامعات لا تزال متمسكة بالتخصّص الواحد، وقد يواجه الباحث البينيّ عقباتٍ هائلة داخل الحقل المعرفي نفسه، بسبب اتساع الفجوات بين من يتمسكون بالمناهج التقليدية للمعرفة ومن يطالبون بتجاوزها.

على خلاف تنبيه "هولستي" من تجزئة تخصّص العلاقات الدولية، يؤكد البعض الطبيعة البينيّة لهذا الحقل المعرفي[6]؛ إذ يشمل السياسة والقانون الدولي والاقتصاد وعلم الاجتماع والعلوم الطبيعة، ويُعتبر تخصّصا بينيّا يربط بين مختلف الرؤى لتقديم تفسير شامل، وهو ما يمثل ثورة جديدة في العلاقات الدولية؛ حيث تجاوز الباحثون صعوبة التحيز داخل الموضوع والفجوات بين التخصّصات المختلفة، ما يشير إلى أن البحوث البينيّة ستظل واعدة ومجالًا خصبًا للابتكار العلمي[7].

يظهر توجه الباحثين نحو البحوث البينيّة بدرجات متفاوتة، ففي السياق الغربي، قطعت الكتابات العلمية خطوات متقدمة، وأصبح البحث البينيّ مدخلًا أساسًا لكسر حواجز التخصّص الصارم، كما تجسد ذلك في كثافة المؤلفات والبحوث والدوريات العلمية والمؤتمرات المتخصّصة، التي تعنى بشكل خاص بتأصيل البحث البينيّ وترسيخ أهميته العلمية لمستقبل المعرفة العلمية. في المقابل، لا تزال البحوث البينيّة في الصين في مراحلها الأولى[8]؛ إذ تواجه تحديات بنيوية ومعرفية كبيرة تحتاج إلى مزيد من الاستكشاف والتعمق. أما في السياق العربي، فيلاحظ تزايد نسبي في الاهتمام بالبحوث البينيّة، عبر تنظيم المؤتمرات والندوات وإنجاز بعض البحوث العلمية؛ غير أن هذا الاهتمام لا يزال في حاجة إلى مزيد من التأطير المؤسسي والمنهجي حتى يتحول إلى ممارسة بحثية راسخة.

استنادًا إلى ما سبق، أصبح من المسلّم به على الصعيد الأكاديمي العالمي أن الباحثين يدركون أهمية البينيّة وضرورة كسر الحواجز بين التخصّصات كمدخل أساس لفهم الظواهر المعقدة، التي لم تعد تقبل التناول الأحادي، أو المنغلق داخل تخصّص واحد، وهذا الوعي المتنامي هو ما يترجم في توسع البرامج البحثية المشتركة، والمؤتمرات الدولية الكبرى، فضلًا عن ظهور اتجاهات جديدة في النشر العلمي تشجع على الأبحاث التكاملية، التي تستجيب للتحديات المختلفة وتعزز الابداع والابتكار. وعلى هذا الأساس، تروم هذه الدراسة استكشاف واقع البحث البينيّ داخل الجامعات المغربية، من خلال دراسة حالتين: كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة القاضي عياض، وجامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية، للوقوف على مدى حضور المقاربة البينيّة في الإنتاج الأكاديمي للأساتذة، ورصد انعكاس الوعي المتزايد بأهمية التكامل المعرفي داخل منشوراتهم العلمية.

أولا: الإطار العام للدراسة

1.     أهمية الدراسة

تنبع أهمية الدراسة من كونها تتيح فرصة لتشخيص مستوى حضور المقاربة البينيّة في الإنتاج العلمي للجامعة المغربية، والكشف عن مدى انعكاس التحولات الفكرية والمعرفية العالمية في البيئة الجامعية الوطنية؛ فالدراسة لا تقتصر على وصف واقع البحث البينيّ فقط؛ بل تسعى كذلك إلى إبراز دينامية الاهتمام به ومدى تجليه في الممارسة الفعلية للأساتذة الباحثين عبر ما ينجزونه من أبحاث ودراسات منشورة. وتعد هذه الدراسة من المحاولات الأولى التي تتناول الموضوع بشكل تطبيقي داخل كلية الحقوق في جامعة القاضي عياض، وجامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية، باعتبارهما نموذجين لاستكشاف ملامح حضور البينيّة.

وتتجلى أيضًا أهمية الدراسة في كونها تسعى إلى تجاوز مجرد استكشاف البينيّة نحو بناء منظور أكاديمي أعمق، من خلال توفير معطيات دقيقة تكشف التوجهات العامة والخاصة لدى الأساتذة الباحثين، بما يمكّن من وضع قاعدة بيانات مرجعية تساعد على تشجيع البحوث البينيّة، وتوجيه السياسات الجامعية نحو دعمها وتسليط الضوء عليها، إضافة إلى تحديد الحواجز التي تعيق الباحثين في التوجه نحو البينيّة.

2.     إشكالية الدراسة

إن الأهمية البالغة التي تكتسيها البينيّة تجعل تفعيلها مرهونًا بإيجاد إجابات ناجعة لأسئلة معقدة؛ حيث لا وجود للتفاضل بين التخصّصات في حقل الدراسات البينيّة[9]؛ لأن الغاية هي التكامل بينها وإيجاد حقل مشترك، وإسقاط الحاجز الذي يقف أمام الآراء والأفكار الأخرى بحجة بعدها عن التخصّص. غير أن هذا التوجه الطموح ليس باليسير بلوغه، بسب العراقيل المتشابكة والمعقدة التي يواجهها الباحثون؛ فبينما ينظر إلى البينيّة كمقاربة علمية فعالة وضرورية في دراسة وفهم كثير من الظواهر المعقدة، قد تكون في نفس الوقت سببًا في نفور بعض الباحثين ورفضهم فكرة البحث البينيّ، لما قد يترتب عنها في بعض الحالات من تأثيرات سلبية على مسارهم المهني والأكاديمي.

وتظل نسبة الدراسات البينيّة محدودة مقارنة بالاهتمام الكبير الموجه نحوها؛ فهذا الصنف من الدراسات، الذي يفترض أنه يشكّل منهجًا بحثيًا بديلًا، لا يزال يواجه تحديات وإكراهات عديدة تحول دون انفتاح التخصّصات العلمية على بعضها البعض، وتؤكد أدبيات البحث البينيّ أن محدودية انتشاره لا تتعلق بضعف الحاجة إليه؛ بل بالعوائق المعرفية والمؤسسية المتراكبة، ذلك أن البحث البينيّ، بخلاف البحث التعدّدي (Multidisciplinary) الذي يجمع بين التخصّصات دون دمجها، يذهب أبعد من ذلك نحو بناء تكاملٍ مفاهيمي ومنهجي ينتج معرفة جديدة[10].

ويظل البحث البينيّ محفوفًا بصعوبات مرتبطة باختلاف الأطر الإبستمولوجية، ووحدات التحليل، والمفاهيم التخصّصية؛ مما يجعل بناء إطار نظري ومنهجي مشترك عملية صعبة ومعقدة. ورغم ذلك، تتزايد أهمية البينيّة في ظل طبيعة القضايا العامة التي باتت متجاوزة لحدود التخصّص، وتتطلب نمطًا جديدًا لإنتاج المعرفة، يسميه البعض بـالنمط الثاني (Mode 2)[11]، بينما يرى آخرون أن الجامعة انتقلت إلى مرحلة الجيل الثالث (3GU)[12]، وأضحت تشهد تحولًا جذريًا نحو حرية أكبر بفعل التطور التكنولوجي والعلمي المتسارع. الأمر الذي يستوجب مواكبته من طرف الجامعات. فعلى سبيل المثال، لم تعد تقنيات الذكاء الصناعي مقتصرة على التخصّصات التقنية والعلمية؛ بل باتت تمتد أيضًا إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية والقانون، بما يؤكد أن جامعات الجيل الثالث تتجه نحو البينيّة أكثر من اتجاهها نحو الحفاظ الصارم على التخصّص.

وضمن هذا السياق، تحاول الدراسة استكشاف قدرة الجامعتين المدروستين، الأولى ذات الاستقطاب المفتوح والثانية ذات الاستقطاب المحدود، على تطوير منهجية تكاملية قائمة على تصميم برامج أكاديمية مشتركة بين مختلف التخصّصات، والعمل على إعادة هيكلة معايير تقييم البحوث من أجل نشر ثقافة البينيّة، وذلك من خلال الإجابة على السؤال: ما مدى حضور البينيّة في المنشورات العلمية لأساتذة الجامعتين؟

3.     الأسئلة الفرعية

للإجابة عن هذا السؤال الرئيس، تم تقسيمه إلى أسئلة فرعية تساعد على الإحاطة بمختلف زوايا الدراسة، وهي:

-        ما مستوى حضور البينيّة في بحوث ومنشورات الأساتذة؟

-        ما مدى وعي الأساتذة في الجامعتين بالبحث البينيّ؟

-        هل هناك فرق بين الجامعة العمومية والجامعة الخصوصية فيما يتعلق بالبينيّة وقبولها؟

-        هل توجد عراقيل تمنع الأساتذة من التوجه نحو الدراسات البينيّة؟

-        ما أبرز الصعوبات التي تؤثر في تطبيق البينيّة داخل الجامعات؟

4.     أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى تشخيص واقع البينيّة في الإنتاج العلمي لأساتذة الجامعتين، علمًا بأن الجامعتين إحداهما تنتمي إلى القطاع العام، وهي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة القاضي عياض (UCA)، بينما تنتمي الجامعة الثانية إلى القطاع الخاص، وهي جامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية (UM6P). كما تهدف إلى الوقوف على درجة حضور البينيّة في المنشورات الأكاديمية ورصد دينامية تطورها، ويمكن تحديد أهدافها في الآتي:

-        قياس ورصد البينيّة في منشورات الأساتذة، مع إبراز الفروق بين الأقسام المختارة وداخلها، وإجراء مقارنة بين الجامعتين، بهدف تحديد الأقسام، أو التخصّصات الأكثر مرونة في تبنّي المقاربة البينيّة، وتلك التي تضع حواجز صلبة، إضافة إلى فهم تأثير طبيعة قطاع الجامعة في حضور البينيّة.

-        تحليل مفهوم البينيّة ودوافع للانخراط في مشاريع بينيّة، والكشف عن المعوقات التي تحول دون تعميق حضورها، من خلال اعتماد بعد كمي وكيفي يساعد على فهم الحوافز، أو العراقيل المؤثرة فيها.

-        دمج نتائج التحليلين الكمي والكيفي في نموذج تفسيري يوضح مسار البينيّة داخل الجامعتين، وتقديم توصيات عملية تساهم في بلورة سياسة جامعية داعمة.

ومن خلال هذه الأهداف، تقدم الدراسة قيمة علمية وعملية مزدوجة؛ إذ تساهم في سد الفجوة البحثية القائمة، وفي الوقت ذاته يمكن أن تشكّل مرجعًا عمليًا يساعد صانع القرار الأكاديمي على توجيه البحث العلمي نحو مزيد من التكامل والانفتاح.

ثانيًا: الإطار النظري للدراسة

1.     مفاهيم الدراسة

تدور الدراسة حول مفهوم مركزي هو البينيّة (Interdisciplinary)، بحيث يتم شرحه وفهم سياقه التاريخي، وكذلك تمييزه عن المصطلحات المشابهة، فالبينيّة، كما ترها "روبرتا فرانك" (Roberta Frank)، ترضي الجميع[13]، وتلمح إلى شيء دافئ ومتطور وتشاوري، بمعنى أنها توفر بديلًا ديناميكيًا وتعاونيًا للطبيعة التقليدية للتخصّصات المنغلقة على ذاتها. غير أن الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن حقًا تفكيك، أو تجاوز التقسيمات التخصّصية بسهولة؟

1.1    التخصّصية (Disciplinarity)

لقد نظّم "أرسطو" الموضوعات المختلفة في تسلسل هرمي، وفقًا لكونها نظرية، أو عملية، أو إنتاجية، بحيث تحتل الموضوعات النظرية كالرياضيات والفيزياء قمة الهرم، تليها الموضوعات العملية كالسياسة والأخلاق، ثم تأتي الموضوعات الإنتاجية، كالفنون والشعر والهندسة، في أسفل هذا التسلسل. غير أن هذا الترتيب الذي وضعه "أرسطو" صاحبه نقاش حاد حول مسألة تأكيد تفوق مجالات، أو موضوعات معيّنة على غيرها.

ورأى "كانط" بدوره أن كل علم هو نظام قائم بذاته[14]، لذا ينبغي التعامل معه بوصفه بناء منفصلًا ومستقلًا؛ فالعقل يعمل كقيمة نهائية تتجاوز التقسيمات التخصّصية، وموطنه الطبيعي هو في كلية الفلسفة؛ لأن الفلسفة – كما يراها –ليست ذات محتوى محدد، وهي غير مقيدة. وقد أسهم ظهور الحركات الفكرية على إحداث تغييرات ثورية في مختلف مجالات الفكر وتنظيم المعرفة، مع بروز التخصّصات وترسيخها على نحو يمكن إرجاعه إلى نمو الجامعات؛ لكن تلك التخصّصات كانت محدودة، عكس ما عليه الحال اليوم؛ إذ أصبحت تتجزأ إلى تقسيمات فرعية متعدّدة. فقد كانت الفلسفة على سبيل المثال تدمج وتتجاوز أشكال المعرفة الأكثر تخصّصا، فتشمل علم النفس وعلم الاجتماع والرياضيات وغيرها من التخصّصات التي أصبحت اليوم مستقلة لذاتها، لذلك وصفها "ريني ديكارت" (René Descartes) بأنها "أشبه بشجرة جذورها الميتافيزيقا، وجذعها الفيزياء، وفروعها جميع العلوم الأخرى"[15]، ولا تزال هذه الفلسفة قائمة في الغرب؛ حيث يشار إلى الباحث بعد إكماله أطروحة في أي موضوع بلقب دكتور في الفلسفة (PhD)[16].

يرى "فورمان" (Forman) أن مصير التخصّصات أصبح مصدر قلق ملح في الأوساط الأكاديمية[17]، فهي بمثابة مؤسسات معنية بإنتاج المعرفة والتحقق من صحتها ونقلها، وقد كان هذا التطور مميزا للحداثة "القصيرة" التي ابتدأت في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر؛ غير أنها غالبًا ما تختلط بنمط آخر من المؤسسات سابق للحداثة سماه "المهنة"[18]، وهي التي تقدم خدمة عملية للمجتمع اعتمادا على امتلاك معرفة خاصة، كالطب والهندسة. في حين أن المهن تسعى أساسًا إلى تطبيق المعرفة، فإن التخصّصية تتجه نحو إنتاج المعرفة لذاتها وتطويرها والتحقق منها ونقلها عبر الأجيال، رغم أن المهن غالبًا ما تستند إلى معارف نابعة من تخصّصات أكاديمية.

وإجمالًا، يمكن فهم التخصّصية، رغم كونه مفهوما معقدًا، من خلال مجموعة من المضامين، من بينها: أولًا، إدارة المعرفة عبر تقسيمها إلى مجالات منفصلة ومحددة. ثانيًا، تطوير توجه بحثي متكامل عوض الاقتصار على الطابع التجميعي للمعرفة. ثالثًا؛ أيلاء قيمة عليا لكل ما هو جديد ومبتكر في إنتاج المعرفة. رابعًا، إرساء طبقة مهنية حاصلة على شهادات معتمدة تربط المجال الأكاديمي بالمجال العملي. غير أن هذا الواقع لا يقلل من شدّة الأزمة التي تعيشها الجامعة اليوم؛ إذ إن الطالب، أو الباحث بات يلج الجامعة وهو على قدر من الاطلاع وعلى اتصال بمصادر متعدّدة للمعلومات، حتى لو كانت مضللة؛ مما يجعل دافعه الأساس في كثير من الأحيان هو الحصول على الشهادة لولوج سوق العمل، أكثر من السعي إلى اكتساب المعرفة لذاتها. ويشير هذا الوضع إلى تراجع مكانة الجامعة بوصفها فضاء لإنتاج المعرفة وتطويرها.

وفي هذا السياق، يرى فرودمان أن الأكاديمية التخصّصية تعيش أزمة مركبة[19]، فإلى جانب إعادة تدريس المقررات نفسها لعقود طويلة، وفرت التكنولوجيا الرقمية منصات تعليم مفتوح تنافس الحضور الجامعي التقليدي. كما بات ينظر إلى الجامعة، بعد نهاية الحرب الباردة وصعود الليبرالية الجديدة، باعتبارها منفعة اقتصادية شخصية أكثر من كونها منفعة عامة ذات أبعاد اجتماعية وسياسية وثقافية. يضاف إلى ذلك فقدان الجامعات احتكارها لإنتاج المعرفة، في ظل إنفاق الشركات الكبرى على البحث العلمي بمستويات تفوق ما تخصّصه المؤسسات العمومية، فضلًا عن التحديات المرتبطة بثورة البيانات الضخمة (Big Data).

وتتجلى أزمة التخصّصية في فقدان السيطرة على المعرفة، دون أن يعني ذلك تجاوزها، أو انتفاء ضرورتها؛ إذ ستظل تؤدي وظيفة أساسًا في تنظيم المعرفة وإدارتها؛ غير أن التعويل على كافيتها وحدها في سياق تحولات العصر الراهن، يفتح المجال أمام البينيّة بوصفها أفقًا معرفيًا بديلًا وأكثر قدرة على الاستجابة لتعقيدات الواقع.

1.2   البينيّة (Interdisciplinarity)

تمثّل البينيّة وسيلة لكسر الحواجز بين التخصّصات ودمج أدوات ومقاربات من مجالات مختلفة، وهي جهد واع لتفكيك العزلة التي تفرضها التخصّصية. ويسهم هذا التوجه في تصحيح أوجه القصور المتلازمة للدراسات أحادية المنظور؛ إذ إن الاقتصار على عدسة تخصّصية واحدة يفضي إلى رؤية ضيقة ومحدودة، وهو نهج يتجاوز في نظر "ريميش" و"كومار" (Remesh & Kumar) الآثار السلبية للتخصّص المفرط الذي يقود المتعلم إلى معرفة "كل شيء عن لا شيء"[20]. فالنهج البينيّ يسح بتداخل الرؤى المختلفة وبناء روابط فكرية تفضي إلى إنتاج معرفة جديدة، كما يسهم في بناء جسور للتواصل بين العلوم الطبيعية والسلوكية والاجتماعية، وهو ما يجعل من البينيّة فلسفة قائمة بذاتها. غير أن المشاريع البينيّة قد تفشل أحيانًا في الممارسة العملية، حين يؤدي الجمود التخصّصي لدى أعضاء الفريق إلى إجهاض الطبيعة الحقيقية للعمل البينيّ[21].

يذهب فرودمان إلى تعريف البينيّة من منظور سياسي وخطابي[22]؛ أي من حيث طبيعة الجمهور المتوجه إليه، واضعًا الاعتبارات الإبستمولوجية في موضع ثانوي. كما يشكك في الوعود التي تقترن بالبينيّة؛ إذ لا يوجد ما يؤكد بالضرورة أن البحوث البينيّة تؤدي أداء أفضل من البحوث التخصّصية في معالجة المشكلات المجتمعية، أو أنها تمنح الطلبة إعدادًا أفضل لسوق العمل، وهو يجعله يرى أن الدعوات إلى تبنّي البينيّة قد تكون مجرد سحابة عابرة أكثر من كونها تغيرًا حقيقيًا. ويعزو ذلك إلى أن الأفراد يقاومون إجراء التحولات المطلوبة لإنجاح مشاريع البينيّة، كما أن المؤسسات لا تُبدي استعدادًا كافيًا لتخصيص موارد معتبرة لها[23]. فالبحث البينيّ لا يحدث تلقائيًا حتى عندما يتوافر التمويل[24]؛ لأن الأمر لا يقتصر على مجرد تجميع عدة تخصّصات داخل مشروع واحد؛ بل يتطلب جهدًا إضافيًا لتحقيق وعود التكامل وبناء فريق متماسك يجمع خبرات من تخصّصات مختلفة.

وفي السياق نفسه، أبرز مركز أبحاث المناخ والقدرة على الصمود (CR2) أن أحد العوائق التي يواجهها الباحثون في العمل البينيّ يتمثّل في التصور القائل بأن الانخراط في إنتاج المعرفة المشتركة ينتقص من القيمة المعرفية للتخصّص[25]. غير أن العمل البينيّ لا يهدف إلى ذلك مطلقًا؛ بل يسعى إلى تحقيق تكامل عميق وتأمل نقدي واستخلاص أفضل ما لدى كل تخصّص، وجعله متاحًا ضمن عملية بحث وتعلم تتمحور حول هدف، أو منتج مشترك لا يمكن الوصول إليه إلا بهذا النهج. لذلك يظل استعداد الباحث وتفرغه للتعاون مع الآخرين من تخصّصات ومجالات وساحات معرفية مختلفة عنصرًا محوريًا لا غنى غنه لإنجاح مشاريع البينيّة. وتعرّف الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم البحث البينيّ بأنه نمط من أنماط البحث تقوم به فرق بحثية، ويعتمد على دمج المعلومات والبيانات والتقنيات والأدوات والمنظورات والمفاهيم والنظريات المستمدة من تخصّصين، أو أكثر، أو من حقول معرفية متخصّصة، بهدف تطوير الفهم الأساس، أو حل المشكلات التي تتجاوز إمكانية معالجتها نطاق تخصّص واحد، أو مجال بحثي منفرد[26].

وتجدر الإشارة إلى أن النقاش العلمي حول البينيّة أفرز مجموعة من المصطلحات ذات الصلة، كالتخصّص البينيّ (Interdisciplinary)، والتعددية التخصّصية، أو متعدّدة التخصّصات (Multidisciplinary)، وعابر التخصّصية (Transdisciplinary). ورغم اجتماع هذه المصطلحات في عنصر تجاوز حدود التخصّص، فإنها تختلف من حيث درجة السعي إلى دمج، أو تركيب الرؤى التخصّصية. فالبحث متعدّد التخصّصات يركز على تناول موضوع الدراسة من زوايا مختلفة باستخدام رؤى تخصّصية متعدّدة، دون دمج المنظورات النظرية، أو نتائج التخصّصات المختلفة. أما البحث العابر للتخصّصات فيتحقق عندما يتعاون الباحثون داخل الوسط الأكاديمي مع فاعلين من خارج هذا الوسط، فتدمج المعرفتان معًا من أجل بلورة رؤى مشتركة لتحديد مشكل الظاهرة المدروسة وسبل معالجتها. في حين يختلف البحث البينيّ عن الحالتين معًا؛ لأنه يخلق هويته النظرية والمنهجية الخاصة، وتكون نتائجه أكثر تماسكًا واندماجًا[27]. وبالتالي، وكما خلص محمد همام في كتابه تداخل المعارف ونهاية التخصّص في الفكر الإسلامي العربي: دراسة في العلاقات بين العلوم، فإن قيمة التخصّص العلمي، لا تتحقق إلا في إطار الملك المشترك والعلاقات المتداخلة مع التخصّصات الأخرى[28].

 

المشكلة/الحل,تخصص/حقل ب

,تخصص/حقل ج

,تخصص/حقل ث

,تخصص/حقل د

,تخصص/حقل أ
مجال معرفي جديد,المشكلة/الحل
تخصص/حقل أ

,تخصص/حقل ب
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


متعدد التخصصات Multidisciplinarityالبينية Interdisciplinarity                                                                                                                            

 

 

المشكلة/الحل,تخصصات أخرى,علوم السياسة,التدبير,حقل جديد
عابر التخصصات Transdisciplinarity
 

 

 

 

 

 

 


الشكل (1): رسم توضيحي للفرق بين البينيّة والمصطلحات الأخرى المشابهة.

2.     الدراسات السابقة

إن تنامي الاهتمام بالبحث البينيّ جعله من أبرز الاتجاهات المعاصرة في الحقل الأكاديمي؛ إذ يُنظر إليه بوصفه مدخلًا رئيسًا لتجاوز منطق التخصّص الواحد وكسر الحواجز التخصّصات. وقد انعكس هذا الاهتمام في تزايد الدراسات التي ترصد وتحاول استكشاف حضور البينيّة في الإنتاج العلمي داخل الجامعات، ولا سيما في منشورات الأساتذة والباحثين، لما يمثله ذلك من مؤشر دال على أنماط التعاون واتجاهات البحث الجامعية. ومن هنا تبرز أهمية مراجعة الدراسات السابقة، باعتبارها آلية منهجية تساعد على رصد التراكم المعرفي في موضوع الدراسة وتحديد مواطن القوة والقصور فيه.

ركزت موجة واسعة من الأدبيات على قياس البينيّة في منشورات الباحثين عبر مؤشرات التنوع والتباعد المعرفي، وفي هذا السياق أصدر مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية كتابًا جماعيًا حاول الإحاطة الشاملة بموضوع الدراسات البينيّة في بحوث أساتذة جامعة قطر: الواقع والتحديات والآفاق. وقد سعت دراسة بدران ونعيم الحق ولو إلى استكشاف حضور البينيّة في منشورات أساتذة كلية الشريعة بجامعة قطر[29]، وخلصت إلى وجود اتجاهين رئيسين للبحث البينيّ في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية؛ إذ تمثّل البحوث التخصّصية، بما في فيها البينيّة الداخلية، ما نسبته 74% من مجموع البحوث؛ في حين تمثّل البحوث البينيّة الخارجية نسبة 24%، وأرجعت الدراسة هذا التفاوت إلى مجموعة من الصعوبات ذات الطابع المؤسسي والمعرفي والذاتي.

وتناولت دراسة الخال وباكير واقع البينيّة في منشورات أساتذة جامعة قطر أيضًا؛ غير أنها ركزت على قسم الشؤون الدولية ومركز دراسات الخليج[30]، بهدف استكشاف واقع البينيّة وإجراء مقارنة بين الوحدات الأكاديمية المختارة. واعتبرت الدراسة أن غالبية المقالات والدراسات البينيّة مكتوبة باللغة الإنجليزية، بما يجعل معيار اللغة عنصرًا بارزًا في تفسير نتائجها؛ إذ وجدت 31 دراسة بينيّة مكتوبة ومنشورة بالإنجليزية، مقابل ثلاث دراسات بينيّة فقط كتبت ونشرت بالعربية. وأرجعت الدراسة هذا المعطى إلى جملة من الأسباب، من بينها سياسة الجامعة التي تشجع على النشر باللغة الإنجليزية، فضلًا عن كون الباحثين الذين يكتبون بهذه اللغة أكثر مرونة وانفتاحًا نحو العمل البينيّ مقارنة بزملائهم الذين يكتبون بالعربية.

كما يشير الشطي في دراسة استكشافية له حول حضور البينيّة في منشورات أساتذة قسم العلوم الاجتماعية بجامعة قطر[31]، وهو قسم يضم ثلاثة تخصّصات هي: علم الاجتماع وعلم النفس والخدمة الاجتماعية؛ إلا أن حضور البينيّة يظل في حدود المتوسط، رغم التقاطع القائم بين هذه التخصّصات؛ حيث يظهر حضورها بشكل أكثر وضوحًا في في توظيف الدراسات السابقة والمفاهيم.

إلى جانب ذلك، يذهب آل داود، في دراسته حول واقع الدراسات البينيّة ومعوقات تفعيلها في كلية التربية بجامعة الملك سعود من وجهة نظر طلبة الدراسات العليا[32]، إلى وجود ضعف في ثقافة الدراسات البينيّة لدى أعضاء التدريس؛ إذ لا تزال في مرحلة التعريف والتأصيل النظري له، إضافة إلى ضعف التعاون بين الباحثين. وقد أرجعت الدراسة هذا الوضع إلى مجموعة من الأسباب، أبرزها مقاومة التغيير، والاعتقاد السائد بأن البينيّة تؤثر سلبًا على مستوى المعرفة بمادة التخصّص، فضلًا عن ضعف الاتصال والترابط بين مراكز البحث العلمي ووحداته داخل الجامعة.

ويتضح من خلال هذه الدراسات أن البينيّة لا تزال في مراحلها الأولى داخل الجامعات العربية، وأن حضورها في منشورات الأساتذة مازال محتشمًا نسبيًا؛ غير أن ما يميز هذه الدراسات كونها دراسات تطبيقية قائمة على معطيات وبيانات ملموسة، أفضت إلى نتائج علمية تُسهم في بناء قاعدة معرفية متينة لرسم سياسة جامعية قادرة على مواكبة التحولات المعرفية العالمية. وانطلاقًا من ذلك، استفادت دراستنا من هذه الجهود السابقة لتبنّي مقاربة أكثر شمولًا وعمقًا في معالجة موضوعها، عبر استثمار خلاصاتها على نحو يمنح البحث طابعًا متميزًا ينسجم مع متطلبات الواقع الأكاديمي الراهن.

ثالثًا: الإطار المنهجي

تسعى الدراسة، من خلال هذا الإطار، إلى إضفاء قدر من الانسجام والصرامة العلمية على خطواتها، ورسم الخطوط العريضة للمسار الذي تم سلكه في جمع المعطيات وتحليلها، مع بيان مبررات اختيار المنهج وأدواته، بما ينسجم مع موضوع الدراسة وأهدافها.

1.     منهج الدراسة

إن طبيعة دراستنا، التي تهدف إلى استكشاف ورصد حضور البينيّة في منشورات أساتذة ينتمون إلى جامعتين مختلفتين، بما يسمح بتقدير إمكانية كسر الحواجز بين التخصّصات، تفرض اعتماد منهج مختلط يجمع بين أدوات البحث الكمي والنوعي. ويتم ذلك من خلال وصف الظاهرة المدروسة وتحليل أبعادها، مع تدعيم النتائج بمعطيات رقمية دقيقة تُبرز حجم التداخلات والتقاطعات بين التخصّصات العلمية المختلفة. كما تم توظيف المنهج المقارن لإجراء مقارنة بين الجامعتين، وبين أقسام علمية مختلفة داخل الجامعة الواحدة، بهدف إبراز الفوارق في مستوى حضور البينيّة ورصد العوامل المؤثرة فيها. ويُسهم الجمع بين هذين المنهجين في تعزيز موضوعية الدراسة وإضفاء طابع شامل عليها، يجمع بين التفسير الكيفي والدقة الكمية، بما يخدم أهدافها ويقوي استنتاجاتها.

2.     حدود الدراسة

يتحدد مجال هذه الدراسة في شعبة القانون العام والعلوم السياسية، وشعبة الاقتصاد والتدبير بالنسبة لكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة القاضي عياض، وفي قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية وقسم الاقتصاد بكلية الحكامة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية في جامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية. ورغم اختلاف التسميات بين الجامعتين، فإن طبيعة التخصّصات المشمولة تكاد تكون مماثلة.

·      الحدود الزمنية: تعالج الدراسة حضور البينيّة في منشورات أساتذة الجامعتين خلال فترة تمتد لخمس سنوات، من سنة 2020 إلى غاية سنة 2025، بما يسمح برصد الاتجاهات الحديثة ومتابعة التطورات الأكاديمية.

·      الحدود البشرية: تقوم الدراسة على عيّنة قوامها 32 أستاذًا وأستاذة، بواقع 16 من كل جامعة، بصرف النظر عن الرتب الأكاديمية، مع الاقتصار على منشوراتهم المتمثلة في المقالات العلمية المحكمة، دون إدراج الكتب، أو الأوراق المقدمة في الندوات والمؤتمرات غير المنشورة.

·      الحدود المكانية: جرى التركيز على جامعتين تمثلان نمطين مختلفين من التعليم العالي في المغرب؛ جامعة القاضي عياض بوصفها جامعة عمومية، وجامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية بوصفها جامعة ذات طابع خصوصي.

3.     عيّنة الدراسة

بناءً على العيّنة المختارة، المكونة من 32 أستاذًا وأستاذة من هيئة التدريس بكلتا الجامعتين، جرى التركيز على إنتاجهم العلمي المنشور في المجلات العلمية المحكمة. ومن خلال عملية الحصر والتجميع، تمكنت الدراسة من التوصل إلى رصيد مهم من المنشورات بلغ ما مجموعه 327 مقالًا علميًا، شكلت قاعدة المعطيات الأساس المعتمدة في هذه الدراسة، وتتوزع كالآتي:

الجدول (1): توزيع الأوراق العلمية حسب الأقسام والجامعات

الجامعة

الشعبة/القسم

عدد البحوث

القاضي عياض-

القانون العام والعلوم السياسية

80

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية

الاقتصاد والتدبير

88

محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية-

العلوم السياسية والعلاقات الدولية

75

كلية الحكامة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية

الاقتصاد والتدبير

84

المجموع

 

327

4.     أدوات جمع البيانات

أخذ هذا الجزء من الدراسة جهدًا كبيرًا، بسبب تباين الجامعتين واختلاف أنماط التعامل والتواصل من جامعة إلى أخرى؛ إذ وفرت جامعة القاضي عياض مختلف الظروف المواتية والإمكانات اللازمة لتسهيل جمع البيانات، سواء على مستوى رئاسة الجامعة، أو على مستوى كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية؛ حيث أبدى الأساتذة والموظفون تجاوبًا مع موضوع الدراسة وتطلعًا إلى نتائجها، ما يسّر سبل الوصول إلى المنشورات العلمية المطلوبة. في المقابل، واجهتنا صعوبات كبيرة في الوصول إلى منشورات الأساتذة في جامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية، فرغم تطور مرافقها وحداثها واعتبارها من أفضل الجامعات في المغرب، وما توفره من إمكانات لفائدة الموظفين والأساتذة والطلبة، فإن الجانب الإداري المتعلق بتسهيل الوصول إلى المعلومات المطلوبة ظل عائقًا أمام عملية جميع البيانات.

بناءً على هذه العوامل مجتمعة، تمت الاستعانة بالمنصات الآتية في جمع عيّنة المنشورات:

·      منصة (Ucarech)، وهي منصة خاصة بجامعة القاضي عياض، يقوم الأساتذة من خلالها بإيداع إنتاجهم العلمي ومنشوراتهم.

·      منصة (Research gate)، وتعد من أهم المنصات البحثية التي تيسر الوصول إلى عدد وافر من الدراسات والأعمال العلمية المنشورة لأساتذة الجامعتين.

·      منصة (Academia)، وقد، ساعدت بدورها في الوصول إلى مجموعة من الدراسات والأعمال العلمية بيسر.

·      منصة (Google Schooler)، وقد تم الاعتماد عليها بشكل رئيس لما توفره من إمكانات واسعة في تتبع المنشورات الأكاديمية للأساتذة بمختلف التخصّصات، لا سيما من أجل الوصول إلى منشورات أستاذة جامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية.

·      منصة (Eressources)، وبفضل الانتساب إلى جامعة عمومية مغربية، أمكن النفاذ إلى الدوريات وقواعد البيانات العالمية مثل (Scopus) و(Web of Science) و(Springer) وغيرها، الأمر الذي يسر الحصول على أحدث الأبحاث العلمية المطلوبة.

وقد أسهم تنويع هذه الأدوات وطرق جمع البيانات في توفير مادة علمية غنية، مكنت من الإحاطة الشاملة بمختلف الأعمال الأكاديمية المنشورة للعيّنة المعتمدة.

5.     طريقة إنجاز الدراسة

قامت الدراسة، بعد جمع المادة العلمية المتعلقة بمنشورات الأساتذة، بتصنيفها حسب كل قسم وكل جامعة، من أجل ترتيبها وتنظيمها على نحو ييسر استخراج نتائج دقيقة تخص كل جامعة، ثم إجراء مقارنة بينهما واستخلاص الخلاصات العامة. وقد تم ذلك عبر مجموعة من المراحل المتتالية، على النحو الآتي:

·      حصر قائمة الأساتذة، وتثبيت اللائحة النهائية لأعضاء هيئة التدريس في الجامعتين (العمومية والخصوصية)، حسب الأقسام والتخصّصات المختارة.

·      استقاء المنشورات من خلال جمع الأعمال العلمية للعيّنة إما باعتماد البحث الذاتي عن المنشورات، أو بالاستعانة بالمنصات التي تم ذكرها سلفًا.

·      تفريغ البيانات باستخدام نموذج خاص لتوثيق منشورات كل أستاذ.

·       تحليل البيانات التي تم تفريغها وتصنيفها حسب كل تخصّص وكل جامعة.

الجدول (2): نموذج تجميع البيانات

القسم/الشعبة

 

المؤلف/مجموعة مؤلفين

 

التخصّص الرئيس للمؤلف

 

عنوان الدراسة

 

المجلة/الدورية

 

سنة النشر

 

المنهج المتبع

 

نسبة حضور البينيّة

 

نوع البينيّة: خارجية/داخلية

 

التخصّصات/المجالات

 

من خلال هذا الجدول، تم تيسير عملية التحليل وضبطها دون الرجوع المتكرر إلى المنشورات، مع ضمان استكشاف جميع المادة العلمية المتحصل عليها. وقد استند تحديد نسبة حضور البينيّة إلى أربعة أبعاد مركزية تُعد من أبرز مؤشرات البحث البينيّ، وهي:

1)     تنوّع الخلفيات التخصّصية للباحثين.

2)     انفتاح الدراسات السابقة على حقول معرفية متعدّدة، بما يعكس الأفق المعرفي الذي يتحرك فيه الباحث.

3)     طبيعة المفاهيم الموظفة وعلاقاتها المعرفية: هل هي مفاهيم أحادية المرجعية أم هجينة ومركبة؟

4)      تنوع المرجعيات النظرية وأصولها التخصّصية.

ويستند اختيار هذه الأبعاد إلى اعتبار مفاده أن البينيّة لا تختزل في مجرد تعدد الانتماءات التخصّصية للباحثين، ولا في استحضار حقول متنوعة بشكل شكلي؛ بل تتجلى أساسًا في طبيعة التفاعل المعرفي بين هذه الحقول داخل البناء التحليلي للبحث[33]. وانطلاقًا من درجة حضور هذه الأبعاد ومدى تفاعلها داخل البحث الواحد، تم تصنيف البحوث وفق سلم تدريجي من خمسة مستويات:

·      المستوى (0): غياب تام للبينيّة، يضم البحوث التي تنتمي إلى تخصّص واحد فقط؛ حيث تكون الحدود المعرفية صارمة ومغلقة، وتُفهم الظاهرة المدروسة من زاوية واحدة، دون ظهور أي من الأبعاد الأربعة المعتمدة.

·      المستوى (1): حضور ضعيف للبينيّة، ويُقصد بها البحوث التي يظهر فيها حضور شكلي وضعيف للبينيّة، من خلال الإشارة السطحية إلى تخصّصات أخرى، أو استعارة مصطلحات، أو مفاهيم دون توظيف منهجي حقيقي داخل البناء التحليلي. ويشمل هذا المستوى البحوث التي يظهر فيها بعد واحد فقط من الأبعاد السابقة.

·      المستوى (2): حضور متوسط للبينيّة، ويشمل هذا المستوى البحوث التي تتجاوز المقاربة الأحادية وتعتمد مقاربات متعدّدة داخل البحث نفسه، بحيث يتجلى فيها بعدان من الأبعاد الأربعة.

·      المستوى (3): حضور قوي للبينيّة، ويضم البحوث التي يظهر فيها ثلاثة أبعاد من الأبعاد الأربعة، مع وجود تفاعل وتكامل واضحين بين المفاهيم والمناهج، بما يسمح بإنتاج تفسير مركب للظاهرة المدروسة.

·      المستوى 4: حضور مكثف للبينيّة، ويخص هذا المستوى البحوث التي تجلت فيها الأبعاد الأربعة مجتمعة ضمن إطار تحليلي مندمج، تتجاوز فيه الحدود التقليدية بين التخصّصات.

رابعًا: نتائج الدراسة

سعت الدراسة إلى إبراز النتائج بشكل شامل، من خلال تقديم عرض مفصل لكل جامعة على حدة، وكذلك للأقسام، أو الشعب المختارة داخل الجامعة نفسها، بما يسمح بالمقارنة بين المؤسستين، والوقوف على أوجه التشابه والاختلاف، وعرض بعض النماذج النوعية، بالإضافة إلى تحديد العوائق، أو المحفزات المرتبطة بالدراسات البينيّة، قصد تعميق الفهم حول طبيعة حضورها وأثرها في إثراء الإنتاج العلمي. ولتحقيق ذلك، يتم أولًا عرض نتائج كل جامعة والأقسام، أو الشعب المختارة، ثم مقارنتها، مع إبراز العوائق والمحفزات التي تؤثر في توجه الأساتذة نحو البحث البينيّ.

1.     عرض نتائج الدراسة

تجدر الإشارة إلى أن طبيعة الأقسام، أو الشعب داخل الجامعة المغربية قد تختلف عن مثيلاتها في بعض الجامعات في الدول العربية؛ إذ يجمع القسم، أو الشعبة داخله مجموعة من التخصّصات الفرعية. حتى في إعلانات التوظيف، غالبًا ما يكون الاختيار على مستوى الشعبة بشكل عام، وقلما يكون وفق التخصّص الفرعي، بمعنى أن الأستاذ الذي يتم اختياره قد يضطر لتدريس مواد لا تدخل ضمن نطاق تخصّصه الفرعي؛ لكنها تظل ضمن التخصّص العام، أو الشعبة. وقد يبدو هذا الواقع محفزًا نحو البينيّة؛ لكنه ليس كذلك دومًا؛ إذ أن الأستاذ رغم تدريسه مواد مختلفة ضمن التخصّص العام، تتركز منشوراته في الغالب على تخصّصه الفرعي الدقيق، ويوضح الشكل (2) التخصّصات الفرعية لكل قسم.

 الشكل (2): التخصّصات الفرعية داخل الأقسام المختارة في الجامعتين.

من خلال الشكل يظهر أن القسم الواحد يضم مجموعة من التخصّصات الفرعية؛ إلا أن اختيار العيّنة لم يكن مبنيًا على التخصّصات الفرعية؛ بل على القسم بشكل عام. أما استكشاف حضور البينيّة في منشورات الأساتذة، فقد أخذ بعين الاعتبار البينيّة الداخلية داخل الأقسام نفسها؛ لأن التركيز على كل تخصّص فرعي على حدة سيعقد مهمة البحث، وقد يؤدي إلى نتائج مربكة، أو غير دقيقة.

1.1   نتائج قسم/شعبة القانون العام والعلوم السياسية – جامعة القاضي عياض

أظهرت نتائج تحليل المنشورات العلمية للأساتذة بقسم/شعبة القانون العام والعلوم السياسية، التي بلغ عددها 80 بحثًا، إلى تسجيل حضور متفاوت للبينيّة على النحو الآتي:

§      غياب البينيّة: تم تسجيل 25 بحثًا خلت تمامًا من البينيّة؛ أي أنها بحوث أحادية التخصّص تركز بشكل أساس على مجالها دون تجاوز حدوده. وأغلب هذه الدراسات ينتمي إلى تخصّص الدراسات الإدارية (بمعدل 16 بحثًا)، والباقي موزع بين تخصّصات أخرى، كالسياسات العمومية والقانون الدستوري والعلاقات الدولية. ويعود سبب هذا التركيز إلى طبيعة الحقل ذاته، الذي يتسم بالصلابة المعيارية للمعرفة والمنطقية القائمة على المشروعية واليقين، ما يجعل الانفتاح البينيّ يُنظر إليه أحيانًا كتهديد للقاعدة القانونية وتماسك المعرفة.

§      حضور ضعيف للبينيّة: لوحظ في 14 بحثًا؛ حيث اقتصرت البينيّة على استدعاء مفاهيم، أو مراجع من تخصّصات أخرى دون توظيفها بعمق في التحليل، وكلها تندرج ضمن البينيّة الداخلية.

§      حضور متوسط للبينيّة: ظهر في 17 بحثًا؛ إذ تم دمج مقاربات ومناهج مختلفة مع الاعتماد على مراجع ونظريات من تخصّصات متعدّدة، ما أضفى بعدًا تكامليًا على الدراسة.

§      حضور قوي للبينيّة: سجّل في 20 بحثًا؛ حيث اتسمت هذه البحوث بقدرتها على تحقيق اندماج فعلي بين أكثر من حقل معرفي، كالجمع بين العلاقات الدولية والاقتصاد، أو علم الاجتماع، أو التاريخ، أو الفلسفة، أو اللسانيات. وقد لوحظ أن دمج تخصّصين خارجيين من جامعتين مختلفتين (مثل القانون واللسانيات، أو الفلسفة، شكّل تحديًا كبيرًا بالنسبة لبعض الباحثين؛ في حين لم يشكّل الجمع بين العلاقات الدولية وعلم الاجتماع، أو التاريخ، أو الاقتصاد أي عائق.

§      حضور مكثف للبينيّة: تم رصد 4 دراسات تميزت بتعاون واضح بين باحثين من تخصّصات مختلفة، لا سيما العلاقات الدولية والاقتصاد والتدبير وعلم الاجتماع، لتحقيق تكامل معرفي في معالجة موضوعات تستوجب هذا الاندماج.

يتضح من هذه النتائج أن البينيّة تمثّل واقعًا متناميًا؛ إذ بالرغم من تشبث بعض الأساتذة بحدود تخصّصهم، يسعى آخرون إلى تجاوز هذه الحدود والاستفادة من أدوات ومناهج ونظريات تخصّصات أخرى لمعالجة الإشكاليات المطروحة، ويبين الشكل (3) نسب حضور البينيّة بمختلف مستوياتها في منشورات أساتذة قسم/شعبة القانون العام والعلوم السياسية.

الشكل (3): نسبة حضور البينيّة في منشورات أساتذة قسم/شعبة القانون العام والعلوم السياسية.

يبين الشكل أن نسبة حضور البينيّة، على اختلاف مستوياتها، تصل إلى 69% من مجموع الدراسات المنشورة. حتى في الحالات التي يظهر فيها الحضور ضعيفا، يعكس ذلك وعيًا نسبيًا بأهمية تكسير الحواجز بين التخصّصات. غير أن هذه النسبة تظل محصورة في حدود منشورات العيّنة المختارة ولا تعكس بالضرورة كامل الإنتاج العلمي للأساتذة بالجامعة.

كما تشير ذات النتائج إلى أن عددًا من الأساتذة يمتلكون أرضية ملائمة لإبراز البينيّة بشكل أكبر في بحوثهم المستقبلية إذا ما وُفر لهم الدعم والتشجيع المؤسساتي. بالمقابل، يمثل غياب البينيّة الكلي 31% من الدراسات، وهو معدل مرتفع نسبيًا، ويرتبط بشكل رئيس بتخصّصات تعتبر "صلبة"؛ حيث يميل بعض الأساتذة إلى الحفاظ على حدود تخصّصهم، أو يترددون في الانفتاح على تخصّصات أخرى. وهو ما سيتم تفصيله لاحقًا ضمن جزء المعوقات.

1.2   نتائج قسم/شعبة الاقتصاد والتدبير – جامعة القاضي عياض

تظهر نتائج الدراسة أن قسم/شعبة الاقتصاد والتدبير يتميز ببعد بينيّ واضح؛ إذ غالبًا ما تستدعي معالجة موضوعاتها تجاوز حدود التخصّص الواحد واستدعاء معارف خارجية، سواء داخل التخصّص نفسه، أو خارجه، ذلك أن العديد من القضايا الاقتصادية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياسة والعلاقات الدولية والسياسات العمومية وعلم الاجتماع وغيرها من الحقول المعرفية. ومن خلال تتبع مسار الإنتاج العلمي لعيّنة الدراسة التي تم رصدها، تبين أن تطور حضور البينيّة يشكّل شبكة معرفية تزداد تفرعًا مع مرور الوقت؛ فقد بلغ عدد الدراسات والأعمال البحثية المنجزة التي تم جمعها 88 بحثًا، عكست مستويات متفاوتة من حضور البينيّة يمكن تلخيصها كما يلي:

§      غياب البينيّة: لم يتم تسجيل، أو رصد أي بحث، أو دراسة من العيّنة المختارة تفتقر إلى البينيّة بشكل كامل، مع الإشارة إلى أن بعض الأساتذة لديهم دراسات تخصّصية صرفة تغيب عنها البينيّة؛ غير أنها لا تدخل ضمن الحدود الزمنية المحددة لهذه الدراسة.

§      حضور ضعيف للبينيّة: اقتصرت مجموعة من الأوراق العلمية على إشارات محدودة لتخصّصات أخرى، دون أن يشكّل ذلك بعدًا مؤثرًا في صياغة الإشكالية، أو بناء النتائج؛ حيث تم توظيف بعض المفاهيم، أو المقاربات الخارجية دون تحقيق اندماج فعلي، ويبلغ عددها 27 بحثًا.

§      حضور متوسط للبينيّة: تم رصد عدد كبير من البحوث التي تتجاوز الحدود الأصلية للتخصّص، نحو استثمار أدوات تحليلية ومقاربات نظرية من تخصّصات قريبة، جلها يندرج ضمن البينيّة الداخلية، بحيث تتفاعل وتتكامل التخصّصات الداخلية فيما بينها بشكل تكاملي، وقد حُصر عددها في 35 بحثًا.

§      حضور قوي للبينيّة: تم استكشاف هذا المستوى في 19 بحثًا؛ حيث تم دمج متوازن للتخصّصات الداخلية مع استدعاء تخصّصات أخرى، وهو ما يظهر جليًا في صياغة الإشكالية، والأدوات المنهجية، والنتائج التي تبرز اسهامات الحقول المعرفية المختلفة.

§      حضور مكثف للبينة: يمثل هذا المستوى أعلى درجات البينيّة، وقد تم تسجيل 7 بحوث ضمنه، تقوم على شراكات بحثية متكاملة مع باحثين من تخصّصات مختلفة، سواء داخل الجامعة ذاتها، أو بالتعاون مع تخصّصات خارجية من جامعات أخرى.

من خلال نتائج قسم/شعبة الاقتصاد والتدبير، يظهر أن الحضور المكثف للبينيّة في منشورات الأساتذة يظل محدودًا، على نحو مماثل لما هو قائم في قسم القانون العام والعلوم السياسية. ويبين الشكل (4) النسب المختلفة لحضور البينيّة بالنسبة لقسم/شعبة الاقتصاد والتدبير.

الشكل (4): نسبة حضور البينيّة في منشورات أساتذة قسم/شعبة الاقتصاد والتدبير.

يتضح من الشكل (4) الطابع البينيّ لهذا القسم؛ حيث لم تسجل أية دراسة من الدراسات المختارة تفتقر كليًا إلى البعد البينيّ؛ بل تم رصد حضور متفاوت للبينيّة في جميع البحوث. وربما يدل هذا المعطى على أن أساتذة قسم الاقتصاد والتدبير يميلون، بوجه عام، إلى الانفتاح على التخصّصات الأخرى وتجاوز الحدود التقليدية، سواء داخل القسم نفسه، أو مع تخصّصات من أقسام أخرى داخل الجامعة، أو خارجها، في ظل غياب تخصّصات يمكن وصفها بالصلبة معرفيًا.

ويعكس هذا التوجه في جامعة القاضي عياض، من خلال الأقسام المختارة داخل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، استعدادًا لدى الأساتذة – سواء باجتهادات فردية، أو ضمن فرق بحثية متعدّدة التخصّصات – لتعزيز التكامل المعرفي عبر التعاون الداخلي داخل الأقسام/الشعب، أو فيما بينها، والانخراط في مشاريع بحثية بينيّة بما يتيح بناء قاعدة متينة لنهج معرفي بينيّ ومستدام، وهو ما تم استكشافه بوضوح من خلال الدراسات ذات الحضور البينيّ المكثف.

1.3   نتائج قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية – جامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية

أظهرت نتائج تفريغ بيانات الأوراق العلمية والدراسات بقسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، التي بلغ عددها 75 بحثًا، أن البينيّة حاضرة بمستويات مختلفة، يمكن إجمالها كالآتي:

§      غياب البينيّة: لم يتم تسجيل، أو رصد غياب البينيّة في أية دراسة من المادة المجموعة، وهذا المعطى تم استكشافه في جميع الأوراق محل التحليل.

§      حضور ضعيف للبينيّة: تجلى الحضور البينيّ بشكل محدود وضعيف، من خلال إشارات بسيطة لبعض المفاهيم البينيّة في ملخص الدراسة، أو مقدمتها، وقد لوحظ هذا المستوى في 11 دراسة.

§      حضور متوسط للبينيّة: سُجل هذا المستوى في 23 دراسة؛ حيث تم التعامل مع نظريات وأدوات منهجية متعدّدة تنتمي إلى تخصّصات متباينة؛ لكن بأسلوب جزئي غير متكامل، وغالبا ما تميل المقاربة فيه إلى ناحية التخصّص.

§      حضور قوي للبينيّة: برزت البينيّة بشكل واضح في 21 دراسة؛ إذ يمكن استكشافها من عنوان الدراسة وملخصها وعناصر مقدمتها، بما يعني أن هذه الدراسات تعلن منذ البداية طابعها البينيّ، وتدمج بشكل متوازن بين تخصّصات مختلفة.

§      حضور مكثف للبينيّة: رصد هذا المستوى في 20 دراسة، جلها يندرج ضمن مشاريع بحثية بينيّة ومشتركة مع أكثر من باحث، ويميز بعض هذه الدراسات باستدعاء تخصّصات مختلفة ومتباعدة تمامًا، من كليات العلوم والهندسة والطب والعلوم الاجتماعية. ومن خلال البحث المعمق في السير الذاتية للأساتذة اتضح أن بعضهم منخرط فعلبًا في مشاريع البحث البينيّ.

ويبين الشكل (5) بصورة أدق نسبة حضور البينيّة في منشورات أساتذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية.

 

الشكل (5): نسبة حضور البينيّة في منشورات أساتذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

يظهر الشكل (5) مدى انتشار البينيّة في أغلب الدراسات؛ حيث لا تكاد تخلو أي منها من مستوى معيّن من مستويات الحضور البينيّ، وهو ما يعزى إلى عدة اعتبارات، في مقدمتها أن سياسة الجامعة تشجع على المشاريع البحثية البينيّة بين التخصّصات المختلفة، إضافة إلى عوامل أخرى سيتم مناقشتها في الجزء المتعلق بتحليل النتائج.

1.4   نتائج قسم الاقتصاد والتدبير – جامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية

بعد تفريغ بيانات منشورات أساتذة قسم الاقتصاد والتدبير، البالغ عددها 84 دراسة، تم تسجيل حضور البينيّة بدرجات متفاوتة؛ غير أنها تتسم عمومًا بمستويات أعلى مقارنة بباقي الأقسام، ويمكن عرضها على النحو الآتي:

§      غياب البينيّة: لم يتم تسجيل غياب البينيّة في أي دراسة من الدراسات محل التحليل.

§      حضور ضعيف البينيّة: رصد ضعف هذا المستوى في 5 دراسات فقط، كانت مركزة بشكل أساس على موضوعات وقضايا ذات ارتباط محض بالتخصّص.

§      حضور متوسط البينيّة: من بين العدد الإجمالي للدراسات تم تسجيل 13 دراسة ذات حضور متوسط للبينيّة، أغلبها يندرج ضمن البينيّة الداخلية المرتبطة بالحقل المعرفي للاقتصاد.

§      حضور قوي البينيّة: ظهرت البينيّة بشكل قوي فيما مجموعه 41 دراسة؛ حيث كانت الاسهامات المعرفية لتخصّصات أخرى، من داخل القسم ومن خارجه، ملموسة وواضحة في مختلف مراحل البحث.

§      حضور مكثف البينيّة: تم رصد 25 دراسة تندرج ضمن إطار مشاريع بحثية بينيّة، وتُبرز حضورًا مكثفا للبينيّة؛ بل ويتم التصريح بذلك داخل الدراسة من خلال توصيفها كورقة، أو دراسة بينيّة.

من خلال هذه الأرقام والنتائج، يتبين أن هذا القسم سجل نسبًا مرتفعة من حضور البينيّة في بحوث الأساتذة مقارنة بباقي الأقسام السابقة، وهو ما يوضحه الشكل (6).

الشكل (6): نسبة حضور البينيّة في منشورات أساتذة العلوم الاقتصادية والتدبيرية.

يُظهر الشكل رقم (6) المكانة المحورية للبينيّة في معالجة الموضوعات المختلفة داخل هذا القسم؛ فرغم تباين مستويات حضورها؛ إلا أن القاسم المشترك بين جميع الدراسات يتمثّل في الوعي المتزايد بصعوبة التمسك بحدود التخصّص الضيقة، لا سيما مع عدم تسجيل أي دراسة تخصّصية محضة تغيب عنها البينيّة كليًا؛ إذ تحضر البينيّة في جميع الدراسات ولو بدرجات متفاوتة.

خامسًا: مناقشة النتائج

انطلاقا من النتائج المعروضة، يتبين أن حضور البينيّة في البحوث المنشورة لأساتذة جامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية (جامعة خصوصية وذات استقطاب محدود) أعلى منه في البحوث المنشورة لأساتذة كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية في جامعة القاضي عياض (جامعة عمومية وذات استقطاب مفتوح). ويتضح هذا الفرق بشكلي جلي عند المقارنة بين قسمي القانون العام والعلوم السياسية في الجامعتين؛ إذ سُجل غياب البينيّة في منشورات أساتذة جامعة القاضي عياض بنسبة مرتفعة بلغت 31%؛ في حين لم يسجل غياب كلي للبينيّة في أي دراسة من الدراسات المنجزة لأساتذة جامعة محمد السادس، ويمكن تفسير هذا التفاوت في ضوء مجموعة من العوامل المتداخلة، على النحو الآتي:

أولا، تُعد طبيعة المؤسستين عامًلا مؤثرًا في ارتفاع حضور البينيّة في منشورات الأساتذة، فجامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية، بوصفها جامعة خصوصية موجهة أساسًا نحو الابتكار والتميز، لا تفرض قيودًا صارة على توجهات البحث العلمي فيما يخص التوظيف، أو الترقية، الأمر الذي يتيح للأستاذ هامشًا واسعًا من الحرية في اختيار موضوعاته ومقارباته البحثية، دون يكون لتجاوزه حدود تخصّصه الأصلي تأثيرات سلبية على مساره الأكاديمي. في المقابل، لا يزال منطق الوفاء للتخصّص التقليدي حاضرًا بقوة داخل جامعة القاضي عياض؛ حيث يُنظر إلى الانفتاح على بعض تخصّصات أخرى، في بعض الحالات، باعتباره عاملًا قد يؤثر سلبًا في مسار التأهيل، أو الترقية، كما تكشف عن ذلك البحوث المقبولة في الترقيات. رغم عدم وجود نصوص تنظيمية صريحة تحد، أو تشجع على المقاربة البينيّة؛ إلا أن الإشكال يرتبط أساسًا بطبيعة الثقافة المؤسسية وبالعرف الأكاديمي المتجذر، الذي يكرس استمرارية التخصّصات التقليدية، ويجعل الانخراط في مشاريع بحثية بينيّة مكثفة أمرًا محفوفًا بالحذر.

ثانيًا، تشكّل الفوارق اللوجستية والمادية عنصرًا حاسمًا في تيسير، أو تعقيد الانخراط في البحث البينيّ، وإن لم تكن شرطًا حاسمًا لقيامه. فحداثة جامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية مكنتها من توفير بينيّة تحتية متطورة وخدمات أكاديمية متقدمة، إضافة إلى محدودية عدد الطلبة، وهو ما ينعكس إيجابًا على جودة ونجاعة الإنتاج العلمي. غير أن هذا التفوق اللوجستي لا يعني بالضرورة عجز الجامعات العمومية عن تشجيع البحث البينيّ. إذ تتوفر جامعة القاضي عياض، رغم اختلاف إمكاناتها المادية وطبيعة استقطابها المفتوح، على موارد بشرية ومعرفية مهمة، يمكن، في حال اعتماد سياسات تحفيزية وتنظيمية ملائمة، أن تشكّل قاعدة داعمة لمشاريع بينيّة فعالة. وعليه، فإن التفاوت بين المؤسستين يعكس بالأساس اختلافًا في أنماط التدبير والحوكمة والسياقات المؤسسية، أكثر مما يعكس تفاوتًا جوهريًا في قابلية الانخراط في البينيّة.

ثالثًا، تمثّل اللغة الأجنبية عاملًا إضافيًا في تفسير بعض أوجه الاختلاف. فرغم حضور اللغة الفرنسية بشكل أساس في التدريس بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة القاضي عياض، بما فيها قسم الاقتصاد والتدبير، فإن ذلك لم يسهم في تقليص الفوارق بين الجامعتين، عكس جامعة محمد السادس التي تعتمد بدرجة كبيرة على اللغة الإنجليزية. وهو ما ينسجم مع نتائج دراسة باكير والخال[34] حول أهمية اللغة الإنجليزية بوصفها لغة مهيمنة في النشر العلمي والعالمي وشبكات التمويل الأكاديمي[35]. ومع ذلك، لا ينبغي إرجاع دعم البحث البينيّ إلى اللغة في حد ذاتها، بقدر ما يرتبط الأمر بالنموذج المعرفي والمؤسسي الذي يواكبها؛ إذ يوفر الفضاء الأنجلوساكسوني بيئة أكثر انفتاحًا على المقاربات البينيّة؛ في حين ظل التقليد الأكاديمي الفرنكفوني والعربي أكثر وفاءً – نسببًا – لمنطق التخصّص الصارم.

وتسهم هذه العوامل مجتمعة في تفسير ضعف حضور البينيّة في بعض بحوث أساتذة جامعة القاضي عياض مقارنة بجامعة محمد السادس؛ في حين تبدو مستويات الحضور في باقي التخصّصات متقاربة نسبيًا بين المؤسستين، خصوصًا في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، باعتبارها تخصّصات ذات حدود مرنة وطبيعة بينيّة في أصلها، وقادرة على استيعاب إسهامات من الاقتصاد وعلم الاجتماع والتاريخ والجغرافيا؛ بل وحتى من بعض العلوم الدقيقة. لذلك، فإن التركيز الحصري على منشورات أساتذة العلاقات الدولية في الجامعتين من شأنه أن يظهر نتائج أكثر توازنًا.

أما فيما يتعلق بقسم الاقتصاد والتدبير، فرغم تشابه الجامعتين في عدم تسجيل أي دراسة تغيب عنها البينيّة كليًا؛ إلا أن الفارق يظهر بوضوح على مستوى نسب الحضور القوي والمكثف للبينيّة. ويعزى ذلك، جزئيًا، إلى اختلاف السياسات التمويلية؛ إذ تقوم جامعة محمد السادس على نموذج يجعل التعددية التخصّصية والبحث البينيّ في صلب استراتيجيتها، ويحرص على تشجيع المشاريع المشتركة بين التخصّصات المختلفة. في المقابل، ورغم وعي جامعة القاضي عياض بأهمية البينيّة وسعيها إلى تشجيع استقطاب أساتذة من خارج الأقسام داخل مختبراتها العلمية، فإن غياب سياسة تمويلية واضحة يحدّ من إمكانية ترجمة هذا التوجه عمليًا، ويجعل الرهان معقودًا على المبادرات الفردية والتمويل الذاتي للأساتذة.

خاتمة

تجدر الإشارة إلى أن إنجاز دراسات تجميع بين المقاربتين الكمية والنوعية لتحليل واستكشاف مدى حضور البينيّة في منشورات أساتذة جامعة معيّنة يقتضي جهدًا بحثيًا كبيرًا، ويظل من الصعب الإحاطة بجميع جوانبه؛ ما لم تتوفر شروط مؤسسية وبحثية ملائمة تيسر جميع المعطيات ومعالجتها وتحليلها بشكل شامل.

1.     النتائج

تظهر نتائج هذه الدراسة أن الجامعة المغربية، بوجه عام، منخرطة في مواكبة التحولات المعرفية التي تشهدها الحقول المعرفية عالميًا، ولا سيما في سياق بروز نموذج جامعات الجيل الثالث، الذي يقوم على تشجيع الابتكار والانفتاح بين التخصّصات المختلفة. غير أن الفارق الأساس الذي كشفت عنه الدراسة يتمثّل في اختلاف طبيعة الدعم المؤسسي الموجه للبحث البينيّ في الجامعات؛ إذ توجد حالة تتوفر فيها سياسات واضحة للتشجيع والتمويل والمواكبة، وحالة أخرى يظل فيها حضور البينيّة نابعًا أساسًا من وعي الأساتذة بأهميتها؛ دون أن يصحبه دعم مؤسسي كاف، وذلك ما يبين أن الإشكال لا يرتبط بالأستاذ الباحث في حد ذاته؛ بل بالسياق المؤسسي الذي يشتغل داخله. فحجم حضور البينيّة في البحوث التي تم تحليلها، رغم اختلاف مستوياته، يعكس وجود استعداد معرفي وانفتاح منهجي لدى عدد مهم من الأساتذة؛ غير أن العراقيل المرتبطة بتجاوز بعض التخصّصات، أو اقتحام مجالات جديدة من الداخل تحد من إمكانية التفاعل والتكامل المعرفي مع حقول أخرى.

كما تبين الدراسة أن جامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية تتفوق، ضمن الأقسام والشعب التي شملها البحث، من حيث مستوى الخدمات المتاحة، ومساحة الحرية الأكاديمية الممنوحة للأساتذة لكسر حواجز التخصّص والانخراط في مشاريع بينيّة. ويعزى ذلك إلى حداثة المرافق، وتطور البنية التحتية، وتأهيل الطواقم الإدارية على نحو ييسر العمل البحثي ويعزز نجاعة الإنتاج العلمي البينيّ. ولم تُثر أية عراقيل ناتجة عن الطابع البينيّ في مراحل التوظيف، أو الترسيم، أو الترقية داخل هذه الجامعة. في المقابل، ورغم أن جامعة القاضي لا تضع قيودًا رسمية تحول دون إنجاز بحوث بينيّة، فإن حضور عامل الحذر لدى بعض الأساتذة يظل قائمًا. ويرجح أن يعود هذا الحذر إلى اعتبارات معرفية بقدر ما يرتبط بمعايير مؤسسية ورمزية، تدفع الأستاذ الباحث إلى تفضيل "السلامة المهنية" بدل "المغامرة البحثية"، في ظل غياب تأطير مؤسسي واضح البينيّة، وعدم توفر مختبرات بينيّة، أو حوافز تنظيمية وتشجيعية كافية.

وتخلص الدراسة كذلك إلى أن حضور البينيّة داخل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة القاضي عياض ما يزال دون مستوى التطلعات، رغم إدراك هيئة التدريس لأهميتها، الأمر الذي يجعل الرهان معقودًا على تبنّي سياسات عملية وملموسة مشاريع البحث البينيّ والارتقاء بها من مبادرات فردية معزولة إلى توجه مؤسسي منظم.

2.     التوصيات

توصي الدراسة بضرورة العمل على ترسيخ ثقافة البينيّة داخل الوسطين الجامعي والأكاديمي، من خلال تنظيم مؤتمراتٍ وطنيةٍ ودوليةٍ وندواتٍ علميةٍ تجمع أساتذةً وباحثينَ وطلبةً من التخصّصات المختلفة؛ لمناقشة التحولات المعرفية وأهمية البحث البينيّ في مقاربة القضايا والإشكاليات المعقّدة والعصيّة في التخصّص. وفي هذا السياق، ينبغي التأكيد على أن البينيّة لا تشكّل بديلًا عن التخصّص؛ بل مكمّلًا له. وتغدو ضرورةً عندما تفرض طبيعة الظواهر المدروسة تجاوز الحدود الصارمة بين الحقول المعرفية.

كما توصي الدراسة بضرورة تبنّي منهج تكاملي واضح المعالم، يقوم على تجسير التخصّصات المختلفة، مع الحفاظ على صلابة التكوين التخصّصي، بما يضمن توازنًا بين العمق المعرفي والانفتاح المنهجي.

وتبرز نتائج الدراسة أهمية البنية التحتية البحثية وتطور مرافق الجامعة؛ لخلق بيئةٍ علميةٍ محفِّزة على الإبداع والابتكار، فالنموذج التقليدي للجامعة القائم على الاكتفاء ببناء المدرّجات وقاعات التدريس والأقسام الإدارية لم يعد كافيًا؛ في حين تتطلب جامعات الجيل الثالث فضاءات جامعية متكاملة، توفّر خدمات رقمية متقدمة، ومكاتب مجهزة للأساتذة بأحدث التقنيات، واعتماد الرقمنة في مختلف الخدمات الجامعية. وعليه، فإن الاستثمار المستمر في تحديث مرافق الجامعة يشكّل ركيزةً أساسًا لتجويد البحث العلمي، بما في ذلك البحث البينيّ.

وأخيرًا، توصي الدراسة بضرورة انفتاح الجامعات على محيطيها الإقليمي والدولي، عبر عقد شراكات أكاديمية مع جامعات عربية وأجنبية، وتبادل الخبرات في مجال البحوث البينيّة، وإنجاز مشاريع بينيّة مشتركة بين التخصّصات المختلفة. مع مراعاة ما يستدعيه ذلك من تخصيص ميزانيات واضحة مناسبة لدعم هذا النوع من البحوث، ومنحها قيمةً تنافسيةً أعلى، وتشجيع إنجازها في فرق بحثية متعدّدة التخصّصات؛ بما يسهم في تعزيز التكامل المعرفي، وكسر منطق الانغلاق التخصّصي الذي قد ينعكس حتى على أنماط التفاعل الاجتماعي والمهني داخل الجامعة.

 


 

المراجع

أولاً: العربية

آل داود، بدر بن عبد العزيز سعد. "واقع الدراسات البينيّة ومعوقات تفعيلها في كلية التربية بجامعة الملك سعود من وجهة نظر طلبة الدراسات العليا بالكلية". مجلة العلوم التربوية والنفسية. مج7، ع13 (2023)، ص22-43.

بن لحسن، بدران وآخرون. الدراسات البينيّة في بحوث أساتذة جامعة قطر الواقع والتحديات والآفاق. الدوحة: مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، 2025.

خميس، نادية. "الدراسات البينيّة: نحو استراتيجية بديلة في البحث العلمي". مجلة الآداب والعلوم الإنسانية. مج14، ع2 (2021)، ص241-260.

همام، محمد همام. تداخل المعارف ونهاية التخصّص في الفكر الإسلامي العربي: دراسة في العلاقات بين العلوم. لبنان: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2017.

 

ثانيًا: الأجنبية

References

Adam, Jones. “Interview with Kal Holsti”. Review of International Studies. Vol. 28, No. 3 (2002), pp. 619-633.

Al Daoud, Badr Abdulaziz Saad. “The reality of inter-studies and the obstacles to activating them in the College of Education at King Saud University from the point of view of postgraduate students at the college” (in Arabic). Journal of Educational and Psychological Sciences. Vol. 7, No. 13 (2023), pp. 22-43. https://doi.org/10.26389/AJSRP.D041222

Allen F. Repko & Rick Szosta. Interdisciplinary Research: Process and Theory. 3rd ed. Los Angeles & London: Sage, 2017.

Anderson, Sheldon., Peterson, Mark A. & Toops, Stanley W. International Studies: An Interdisciplinary Approach to Global Issues. 4th ed. New York & London: Routledge, 2018.

Benlahcen, Badran et al. al-Dirāsāt al-baynīyah fī Buḥūth asātidhat Jāmiʻat Qaṭar al-wāqiʻ wa-al-taḥaddiyāt wa-al-āfāq (in Arabic). Doha: Ibn Khaldon Center for Humanities and Social Sciences, Qatar University, 2025.

Besselaar, Peter and Heimeriks, Gaston. “Disciplinary, Multidisciplinary, Interdisciplinary: Concepts and Indicators.” 8th International Conference on Scientometrics and Informetrics, Sydney, Australia, July 16-20, 2001, pp. 705-716. https://pdfcoffee.com/disciplinary-multidisciplinary-interdisciplinary-concepts-and-indicators-pdf-free.html

Descartes, Rene. Philosophical Works. Vol. 1, trans. Elizabeth Haldane and G.R.T. Ross. New York: Dover, 1955.

Forman, Paul. “On the Historical Forms of Knowledge Production and Curation: Modernity Entailed Disciplinarity, Postmodernity Entails Antidisciplinarity.” OSIRIS. Vol. 27, No. 1 (2012), pp. 56-97.

Frank, Roberta. “Interdisciplinary: The First Half Century”, In: E.G. Stanley & T.F. Hoad (eds). Words: For Robert Burchfield’s Sixty-Fifth Birthday. Cambridge: D.S. Brewer, 1988.

Frodeman, Robert. Sustainable Knowledge: A Theory of Interdisciplinarity. New York: Palgrave Macmillan, 2014.

Gaff, Jerry & Ratcliff, James (eds.). Handbook of the Undergraduate Curriculum. San Francisco: Jossey-Bass, 1996.

Gibbons, Michael and Others. The New Production of Knowledge: The Dynamics of Science and Research in Contemporary Societies. Los Angeles: Sage, 1994.

Hammam, Muhammad Hammam. Tadākhul al-Maʻārif wa-nihāyat al-takhaṣṣuṣ fī al-Fikr al-Islāmī al-ʻArabī: dirāsah fī al-ʻAlāqāt bayna al-ʻUlūm (in Arabic). Lebanon: Nama Center for Research and Studies, 2017.

Kant, Immanuel. Critique of Teleological Judgment. trans. James Creed Meredith. Oxford: Clarendon Press, 1982.

Khamis Nadia, Nadia. “Interdisciplinary Studies: Towards an Alternative Strategy in Scientific” (in Arabic). Review of Letters and Human Sciences. Vol. 14, No. 2 (2021), pp. 241-260.

Klein, Julie Thompson. Interdisciplinarity: History, Theory, and Practice. Detroit: Wayne State University Press, 1990.

Liu, Zhiyun. “Interdisciplinary Research on International Relations Theory and International Law in China over the Past 10 Years”. Law China. Vol. 6, No. 3 (2011), pp. 496-523.

Lyall, Catherine. Bruce, Ann, Tait, Joyce & Meagher, Laura. Interdisciplinary Research Journeys: Practical Strategies for Capturing Creativity. London: Bloomsbury Academic, 2011.

Menken, Steph and Keestra, Machiel. An Introduction to Interdisciplinary Research: Theory and Practice. Amsterdam: Amsterdam University Press, 2016.

Morales, Barbara and Munoz, Catalina. “Handbook of Interdisciplinarity.” Center for Climate and Resilience Research (CR2). (June 2021). pp. 1-23.

Moran, Joe. Interdisciplinary. London and New York: Routledge, 2002.

National Academy of Science. Facilitating Interdisciplinary Research. Washington, DC: The National Academies Press, 2005.

Remesh, Babu. Kumar, Ratheesh. Practicing Interdisciplinarity: Convergences and Contestations. London & New York: Routledge, 2024.

Stirling, Andy. “A General Framework for Analyzing Diversity in Science, Technology and Society.” Journal of the Royal Society Interface. Vol. 4, No. 15(2007), pp. 707-719. https://doi.org/10.1098/rsif.2007.0213

Wierzbicka, Anna. English in Imprisoned. New York: Oxford University Press, 2014.

Wissema, J. G. Towards the Third Generation University: Managing University in Transition. Cheltenham-Northampton: Edward Elgar, 2009.

 



[1] Adam Jones, “Interview with Kal Holsti,” Review of International Studies, Vol. 28, No. 3 (2002), pp. 619-633.

[2] Steph Menken and Machiel Keestra, An Introduction to Interdisciplinary Research: Theory and Practice (Amsterdam: Amsterdam University Press, 2016), p. 27.

[3] Ibid., p. 26.

[4] Allen F. Repko and Rick Szostak, Interdisciplinary Research: Process and Theory, 3rd ed. (Los Angeles & London: Sage, 2017), p. 50.

[5] Julie T. Klein and William H. Newell, “Advancing Interdisciplinary Studies,” In: Jerry Gaff and James Ratcliff (eds.), Handbook of the Undergraduate Curriculum (San Francisco: Jossey-Bass, 1996), pp. 393-415.

[6] Sheldon Anderson, Mark A. Peterson & Stanley W. Toops, International Studies: An Interdisciplinary Approach to Global Issues, 4th ed. (New York &London: Routledge, 2018), pp. 11-14.

[7] Zhiyun Liu, “Interdisciplinary Research on International Relations Theory and International Law in China over the Past 10 Years”, Law China, Vol. 6, No. 3 (2011), pp. 496-523.

[8] Ibid., p. 522.

[9] خميس نادية، "الدراسات البينية: نحو استراتيجية بديلة في البحث العلمي"، مجلة الآداب والعلوم الإنسانية، مج14، ع2 (2021)، ص257.

[10] Julie Thompson Klein, Interdisciplinarity: History, Theory, and Practice (Detroit: Wayne State University Press, 1990), p. 14.

[11] Michael Gibbons and Others, The New Production of Knowledge: The Dynamics of Science and Research in Contemporary Societies (Los Angeles: Sage, 1994), p. 9.

[12] J. G. Wissema, Towards the Third Generation University: Managing University in Transition (Cheltenham-Northampton: Edward Elgar, 2009).

[13] Roberta Frank, “Interdisciplinary: The First Half Century”, In: E.G. Stanley and T.F. Hoad (eds.), Words: For Robert Burchfield’s Sixty-Fifth Birthday (Cambridge: D.S. Brewer, 1988), p. 100.

[14] Immanuel Kant, Critique of Teleological Judgment, trans. James Creed Meredith (Oxford: Clarendon Press, 1982), p. 31.

[15] Rene Descartes, Philosophical Works, Vol. 1, trans, Elizabeth Haldane and G.R.T. Ross (New York: Dover, 1955), p. 211.

[16] Joe Moran, Interdisciplinary (London and New York: Routledge, 2002), p. 8.

[17] Paul Forman, “On the Historical Forms of Knowledge Production and Curation: Modernity Entailed Disciplinarity, Postmodernity Entails Antidisciplinarity,” OSIRIS, Vol. 27, No. 1 (2012), p. 56.

[18] Ibid., p. 60.

[19] Robert Frodeman, Sustainable Knowledge: A Theory of Interdisciplinarity (New York: Palgrave Macmillan, 2014), pp. 27-28.

[20] Babu Remesh, Ratheesh Kumar, Practicing Interdisciplinarity: Convergences and Contestations (London & New York: Routledge, 2024), p. 12.

[21] Andy Stirling, “A General Framework for Analyzing Diversity in Science, Technology and Society,” Journal of the Royal Society, Vol. 4, No. 15 (2007), pp. 707-719.

[22] Frodeman, Sustainable Knowledge, p. 35.

[23] Ibid., p. 39.

[24] Catherine Lyall, Ann Bruce, Joyce Tait & Laura Meagher, Interdisciplinary Research Journeys: Practical Strategies for Capturing Creativity (London: Bloomsbury Academic, 2011), p. 1.

[25] Barbara Morales & Catalina Munoz, “Handbook of Interdisciplinarity,” Center for Climate and Resilience Research (CR2) (June 2021), p. 9.

[26] National Academy of Science, Facilitating Interdisciplinary Research (Washington, DC: The National Academies Press, 2005).

[27] Peter Besselaar and Gaston Heimeriks, “Disciplinary, Multidisciplinary, Interdisciplinary, Concepts and Indicators,” Paper for the 8th Conference on Scientometrics and Informetrics, Sydney, Australia (July 16-20, 2001), pp. 705-716.

[28] محمد همام، تداخل المعارف ونهاية التخصص في الفكر الإسلامي العربي: دراسة في العلاقات بين العلوم (لبنان: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2017)، ص7.

[29] بدران بن لحسن وحسين نعيم الحق وعبد الأحد لو، "الدراسات البينية في كلية الشريعة بجامعة قطر: الواقع والتحديات والآفاق"، ضمن بدران بن لحسن وآخرون، الدراسات البينية في بحوث أساتذة جامعة قطر الواقع والتحديات والآفاق (الدوحة: مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، 2025)، ص61-125.

[30] علي باكير وعبد العزيز الخال، "واقع البينية في المنشورات العلمية لأساتذة جامعة قطر: استكشاف حالة قسم الشؤون الدولية ومركز دراسات الخليج"، ضمن بدران بن لحسن وآخرون، الدراسات البينية في بحوث أساتذة جامعة قطر الواقع والتحديات والآفاق، ص127-174.

[31] الشاذلي بية الشطي، "دراسة استكشافية عن البينية في بحوث أساتذة جامعة قطر: أساتذة قسم العلوم الاجتماعية نموذجا"، ضمن بدران بن لحسن وآخرون، الدراسات البينية في بحوث أساتذة جامعة قطر الواقع والتحديات والآفاق، ص177-226.

[32] بدر بن عبد العزيز سعد آل داود، "واقع الدراسات البينية ومعوقات تفعيلها في كلية التربية بجامعة الملك سعود من وجهة نظر طلبة الدراسات العليا بالكلية"، مجلة العلوم التربوية والنفسية، مج7، ع13 (2023)، ص22-43.

[33] Lyall, Bruce, Tait & Meagher, Interdisciplinary Research Journeys, p. 27-28.

[34] باكير والخال، "واقع البينية في المنشورات العلمية لأساتذة جامعة قطر "، ص158-159.

[35] Anna Wierzbicka, English in Imprisoned (New York: Oxford University Press, 2014), p. 185.