![]()
تاريخ الاستلام: 12 سبتمبر 2025 | تاريخ التحكيم: 2 نوفمبر 2025 | تاريخ القبول: 1 ديسمبر 2025
مقالة بحثية
طوني أنطونيوس القهوجي
أستاذ الفلسفة ومدير معهد الآداب الشرقية، جامعة القدّيس يوسف، بيروت – لبنان
https://orcid.org/0009-0004-2703-6780
شادي أنطونيوس القهوجي
أستاذ اللغة العربية وآدابها، معهد الآداب الشرقية، جامعة القدّيس يوسف، بيروت – لبنان
https://orcid.org/0009-0004-4703-1530
يدرس البحث واقعَ التجسير والأبحاث البينيّة في معهد الآداب الشرقية بجامعة القدّيس يوسف في بيروت؛ انطلاقًا من إشكالية أساسٍ، تتركز على كيفية تحويل التجسير من آلية إجرائية لتنظيم العبور بين التخصّصات إلى رؤية إبستمولوجية تؤسِّس لبنية بينيّة راسخة، قادرة على إنتاج معرفة مركبة تتجاوز حدود التخصّص التقليدي. ويهدف البحث إلى تقييم مدى حضور البينيّة في البرامج والمقررات الأكاديمية، والكشف عن التحدّيات المؤسسية والبيداغوجية والإبستمولوجية التي تحُول دون مأسستها، كما يقترح آفاقًا تطويرية لتعزيز هذا المسار. وتبرز أهمية الدراسة في كونها تسلّط الضوء على نموذج جامعي عربي غني باللغات والمقاربات، يمكن أن يشكّل مختبرًا رائدًا لتجريب المقاربات البينيّة وتفعيلها. وقد اعتمد البحث منهجًا تحليليًا نقديًا مزدوجًا يقوم على فحص الوثائق الرسمية ومصفوفة البرامج، وتفكيك وحدات تعليمية ذات طابع بينيّ، وتحليل آليات الإشراف والتقييم، إلى جانب قراءة مؤسسية عميقة للبنية التنظيمية للمعهد. وقد خلص إلى نتائجَ، من أبرزها أن التجسير في صيغته الحالية يتيح مرونة في المسارات؛ لكنه لا يضمن تداخلًا منهجيًا فعليًا، وأن غياب الإشراف المشترك وآليات التقييم البينيّ يحول دون استثمار إمكانات البرامج، وأن الفجوة بين الانفتاح البرامجي والانغلاق الإداري تجعل من البينيّة مجرد شعار أكثر من كونها ممارسة مؤسسية. وتوصي الدراسة بإنشاء وحدة دائمة للتنسيق البينيّ، وتطوير مقررات إلزامية ذات طابع تركيبي، وإعادة تصميم آليات الإشراف والتقييم بما يرسّخ البينيّة؛ بوصفها مشروعًا مؤسسيًا شاملًا.
الكلمات المفتاحية: البينيّة، التجسير، المعرفة المركّبة، التحدّيات المؤسسية، التعليم العالي
للاقتباس: القهوجي، طوني أنطونيوس والقهوجي، شادي أنطونيوس. "واقع التجسير والأبحاث البينيّة في معهد الآداب الشرقية: التجربة والتحدّيات المؤسسية والمعرفية"، مجلة تجسير لدراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية البينيّة، المجلد الثامن، العدد 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0248
© 2026، القهوجي والقهوجي، الجهة المرخص لها: مجلة تجسير، دار نشر جامعة قطر. نُشرت هذه المقالة البحثية وفقًا لشروط Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0). تسمح هذه الرخصة بالاستخدام غير التجاري، وتنبغي نسبة العمل إلى صاحبه، مع بيان؛ أي تعديلات عليه. كما تتيح حرية نسخ، وتوزيع، ونقل العمل بأي شكل من الأشكال، أو بأي وسيلة، ومزجه وتحويله والبناء عليه، طالما يُنسب العمل الأصلي إلى المؤلف. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0
Tajseer
Interdisciplinary Studies
in
Humanities and Social Science
Submitted: 12 September 2025 | Reviewed: 2 November 2025 | Accepted: 1 December 2025
Research Article
The Reality of Bridging and Interdisciplinary Research at the Institute of Oriental Letters: Experience and Institutional and Epistemological Challenges
Toni Antonios Kahwaji
Professor of Philosophy, Director of the Institute of Oriental Letters, Saint Joseph University of Beirut – Lebanon
https://orcid.org/0009-0004-2703-6780
Chadi Antonios Kahwaji
Professor of Arabic Language and Literature, Institute of Oriental Letters, Saint Joseph University of Beirut – Lebanon
https://orcid.org/0009-0004-4703-1530
Abstract
This study explores the practice of bridging and interdisciplinary research at the Institute of Oriental Studies, Saint Joseph University in Beirut, focusing on a central question: how can bridging evolve from a procedural tool for navigating between disciplines into an epistemological framework that establishes a robust interdisciplinary structure capable of generating complex knowledge beyond the boundaries of traditional specializations? The study examines the extent to which interdisciplinarity is embedded in academic programs and curricula, identifies the institutional, pedagogical, and epistemological challenges that hinder its full implementation, and proposes strategies to strengthen this trajectory. Its significance lies in highlighting an Arab academic model rich in languages and methodological perspectives, which can serve as a pioneering laboratory for testing and implementing interdisciplinary approaches. Employing a dual analytical and critical methodology, the research combines the review of official documents and program matrices, the analysis of courses with an interdisciplinary character, the assessment of supervision and evaluation mechanisms, and an in-depth institutional reading of the institute’s organizational structure. The findings indicate that, while bridging currently provides flexibility in academic pathways, it does not ensure genuine methodological integration; the absence of joint supervision and interdisciplinary evaluation mechanisms limits the programs’ potential; and the gap between programmatic openness and administrative rigidity often reduces interdisciplinarity to a rhetorical ideal rather than an institutionalized practice. The study recommends establishing a permanent interdisciplinary coordination unit, introducing mandatory courses with an integrative focus, and redesigning supervision and evaluation processes to firmly embed interdisciplinarity as a comprehensive institutional initiative.
Keywords: interdisciplinarity, bridging, complex knowledge, institutional challenges, higher education
Cite this article as: Kahwaji, T., A. & Kahwaji C., A. “Bridging Between Sharia Sciences and Natural Sciences: Scientific Interpretation as a Model (An Evaluative and Assessment Approach),” Tajseer Journal for Interdisciplinary Studies in Humanities and Social Science, Vol. 8 Issue 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0248
© 2026, Kahwaji & Kahwaji, licensee, Tajseer & QU Press. This article is published under the terms of the Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0), which permits non-commercial use of the material, appropriate credit, and indication if changes in the material were made. You can copy and redistribute the material in any medium or format as well as remix, transform, and build upon the material, provided the original work is properly cited. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0
شهدت العقود الأخيرة تحولًا نوعيًا في مقاربة المعرفة الجامعية، نتيجة تزايد الوعي بحدود التخصّصات الدقيقة في مقاربة الظواهر المركبة والمعقدة التي تطبع عالم اليوم. في هذا السياق، برزت مقولة "البينيّة" (Interdisciplinarité)؛ بوصفها أفقًا نقديًا وتربويًا بديلًا، يُعيد التفكير في علاقة المعارف بعضها ببعض، وفي الطريقة التي تُبنى بها البرامج التعليمية والبحثية في الجامعات. لم يعد التعليم العالي قادرًا على الاكتفاء بالبنى التقليدية التي تشكلت في القرن التاسع عشر للتكوين الأكاديمي، حين كانت التخصّصات الأكاديمية مغلقة على ذاتها، ومحددة المعالم بدقة، ومفصولة عن بعضها بفواصل منهجية صارمة. لقد أفرزت تحولات العولمة المعرفية، والانفجار التكنولوجي، وتعقّد المشهد الثقافي والاجتماعي، تحدّيات غير مسبوقة أمام الجامعات، فرضت عليها إعادة النظر في منطق تصميم برامجها، وفي طرائق إدارة المسارات التعليمية، وفي فلسفة التكوين نفسها. كما لم تعد التخصّصات الأكاديمية المغلقة قادرة على استيعاب التداخل المتزايد بين الحقول المعرفية؛ مما دفع بالمؤسسات الجامعية إلى التفكير في نماذج جديدة تتجاوز التعدد التخصّص (Multidisciplinarity) والعابرة للتخصّصات (Transdisciplinarity)، نحو مقاربة بينيّة تجسيرية منهجية تُمكّن من فهم الظواهر عبر تفاعل عميق ومثمر بين الحقول.
في هذا الإطار، يكتسب موضوع البينيّة والتجسير في التخصّصات الجامعية أهمية خاصة، بوصفه مسارًا إبستمولوجيًا وتكوينيًا جديدًا، وبِعَدّه رهانًا مؤسسيًا وتربويًا وبحثيًا؛ إذ تبرز الحاجة إلى آليات تسمح للطالب بعبور الحدود التقليدية بين التخصّصات، وتسهّل الانتقال الأفقي بين الحقول المعرفية، والانتقال العمودي من مرحلة دراسية إلى أخرى دون فقدان الزمن الأكاديمي، أو إعادة دراسة مقررات سبق اكتسابها. وهذا ما يُعرف في الأدبيات التربوية والجامعية بمفهوم التجسير (Bridging).
وتزداد هذه الأهمية في السياق العربي؛ حيث ما تزال أغلب المؤسسات التعليمية تعتمد نماذج تقليدية في التكوين، ويغيب عنها غالبًا التفكير في التجسير والبينيّة بوصفهما منهجًا مؤسسيًا، لا اجتهادًا فرديًا، أو خيارًا ظرفيًا؛ إذ يلاحَظ أن المؤسسات التعليمية حول العالم تميل إلى المبالغة في "الادعاء بأنها تقدم مناهج بينيّة"[1]؛ بينما يُظهر محتوى المقررات أن الممارسات الفعلية أقل بكثير مما تصرّح به "كاتالوجاتها". وينطبق الأمر، بدرجات متفاوتة، على معظم المؤسسات التي تعتمد التجسير من دون تحويله إلى بنية بينيّة راسخة.
غير أن التجسير، مهما بلغ من النضج التنظيمي، يبقى في صورته التقليدية أداة إجرائية أكثر منه منظورًا معرفيًا؛ فهو ينظم المرور بين المسارات؛ لكنه لا يضمن بالضرورة التفاعل العميق بين المناهج، ولا يعيد تشكيل بنية المعرفة نفسها. ومن هنا يبرز مفهوم البينيّة (Interdisciplinarity) كأفق تطويري أعمق للتجسير؛ إذ لا تكتفي البينيّة بربط المسارات الأكاديمية؛ بل تسعى إلى دمج الحقول في مشروع معرفي واحد، يُعاد فيه تعريف المفاهيم والأدوات عبر الاحتكاك والنقد المتبادل، ليُنتج الطالب معرفة جديدة لا يمكن اختزالها في مجموع أجزائها التخصّصية.
من هنا، ينطلق هذا البحث من فرضية أساس مفادها؛ أن التجسير شرطُ تأسيسٍ لنجاح أي مشروع بينيّ، وأن البينيّة شرطُ تطويرٍ لتحويل التجسير من أداة إدارية إلى رؤية أكاديمية شاملة. ويطبق البحث هذا المنظور على حالة معهد الآداب الشرقية في جامعة القدّيس يوسف في بيروت، بما يمثله من فضاء أكاديمي غني من حيث تنوع التخصّصات (اللغة العربية وآدابها، والفلسفة والحضارة العربية، والفلسفة العربية والإسلامية، والعلوم الإسلامية/الإسلاميات) وتعدد لغات التدريس وتداخل المقاربات.
ويطرح البحث السؤال المعقد (Complexe): كيف نبني معرفة قادرة على التجسير والعبور دون أن تفقد عمقها، أو تتنازل عن دقتها وخصوصيتها؟ ويسعى للإجابة عن الأسئلة المحورية الآتية: كيف يمكن لبنية التجسير، وبخاصة نموذج «الماجور/الماينور»، أن تفتح الطريق نحو البينيّة؟ وما الذي ينقص البنية المؤسسية في معهد الآداب الشرقية تحويل إمكانات التجسير فيه إلى ممارسة بينيّة راسخة؟ كيف يمكن معالجة الفجوة بين الانفتاح البرامجي والانغلاق الإداري، وبين التنوع المعرفي وغياب التركيب المنهجي؟
يدرس هذا البحث واقع الأبحاث البينيّة في المعهد من خلال تحليل البنية المعتمدة في البرامج، ومصفوفة المسارات، وآليات الإشراف، وطبيعة المشاريع البحثية التي ينتجها الطلاب في مرحلتَي الإجازة والماجستير؛ غير أن مقاربة البينيّة في هذا السياق لا تنفصل عن بنية التجسير، التي باتت الإطار التنظيمي الرئيس في الجامعات العربية؛ إذ تسمح بعبور الطلاب بين المسارات؛ لكنها لا تضمن بذاتها إنتاج معرفة مركبة.
لذلك يعتمد البحث مقاربة مزدوجة، تجميع بين تحليل التجسير بوصفه "البنية الإجرائية" التي تنظم الحركة الأكاديمية، وبين تحليل البينيّة بوصفها "الرؤية الإبستمولوجية" التي تعيد بناء المعرفة انطلاقًا من مشكلات تتجاوز حدود التخصّص الواحد. ويهدف هذا المزيج إلى فهم ما إذا كان التجسير في معهد الآداب الشرقية قادرًا، في ظل معوقات مؤسسية وبنائية، على التحول إلى هيكل بينيّ راسخ، أم أنه ما يزال مستوًى تنظيميًا يُتيح العبور من دون دمج حقيقي للمعرفة.
1. تحديد المفاهيم وتوسيع دلالاتها
1.1 التجسير
يظهر مفهوم "التجسير" بوصفه اتجاهًا عمليا لفهم الأبعاد المتعدّدة التي تعمل بها الدراسات البينيّة. وتُعرض الدراسات البينيّة بمثابة عملية ردم للفجوات بين التخصّصات الأكاديمية من جهة، وبين القطاعات وأشكال المعرفة المختلفة من جهة أخرى؛ بحيث تمتد إلى المجتمعات المهنية والعامة لتشكيل أطر مشتركة لحل المشكلات[2]. وتؤكد هذه الرؤية الموسعة ضرورة العمل الحدودي، أي التفاوض حول المعاني والممارسات والمعايير بين ثقافات معرفية مختلفة بما يمكّن من التعاون. ويعمل هذا "العمل الحدودي" كنسيج رابط يسهل الفهم والتعاون بين مجتمعات ذات معايير وقيم متميزة.
تبرز أهمية التجسير بين أنظمة المعرفة من خلال دمج الخبرة العلمية بالمعارف المحلية، أو التقليدية، مع الإشارة إلى الأدوار الحاسمة التي يؤديها الوسطاء والمترجمون والعاملون عند التقاطعات المعرفية. ويتوازى هذا مع التجسير بين البحث والسياسات، لا سيما في مجالات مثل الإدارة البيئية والاستدامة؛ حيث ينبغي للبحث الأكاديمي أن يوجه عملية صنع القرار[3]. ولا بد من التجسير بين النظرية والممارسة باعتماد أساليب تشاركية تربط الأطر المفاهيمية بالتدخلات التطبيقية لضمان الفعالية والملاءمة. وفي سياق علوم الاستدامة والمناخ، يشكّل التجسير بين المستويات المحلية والعالمية ركيزة لضمان أن تكون الحلول متجذرة في الواقع المحلي وقابلة للتطبيق على نطاق واسع[4].
تعود الجذور التاريخية للتجسير إلى محاولات القرن العشرين لرأب الصدع بين العلوم والإنسانيات، كما أشار إليه إدركار موران (Edgar Morin) في حديثه عن مشكلة "الثقافتَين"، موضحًا آثار تقطيع المعرفة إلى جزر متباعدة. ففي كتابه (La Tête bien faite) يؤكد موران أن "التخصّص المفرط يمنع من رؤية الكل" ويؤدي إلى "ضياع المعنى"[5]. فعلى الرغم من ضرورة الهوس التحليلي، يصبح هذا النهج عقيمًا عندما يحول دون تكوين نظرة شمولية. ويربط "مفهوم التكامل المعرفي بمفهوم وحدة المعرفة، كون وحدة المعرفة تشكل الأساس المنطقي لتكاملها"[6]. ومن هنا، تبرز البينيّة كضرورة أساس لتجنب تفكك المعرفة بلا نهاية.
ولا يقتصر هذا التجسير على المجال الأكاديمي؛ إذ تعرض كلاين أمثلة على التجسير بين المعرفة الأكاديمية واحتياجات المجتمع من خلال تطبيقات الدراسات البينيّة في السياسة الاجتماعية والتعليم والتخطيط البيئي؛ حيث تخدم البحوث حل المشكلات الواقعية[7]. لكن هذا الحوار لا يعني ذوبان التخصّصات في كيان واحد؛ بل إبقاءها في "توتر خلاق" يسمح لكل حقل بالاحتفاظ بخصوصيته ضمن علاقة إغناء متبادل.
من خلال هذه القراءات، يتضح أن التجسير ممارسة متعدّدة الأبعاد: فهو معرفي عبر نسج أنظمة معرفية متباينة، واجتماعي عبر ربط المجتمعات على اختلاف خلفياتها المعرفية والثقافية والمهنية، ومنهجي من خلال دمج التقاليد البحثية المختلفة، ومؤسسي عبر إدماج الدراسات البينيّة في البنى التنظيمية. ويُظهر التلاقي بين ما ورد في فرديمان وآخرين[8] وكلاين[9] أن التجسير ليس مجرد استعارة هامشية؛ بل سمة تعريفية للفكر والممارسة البينيّة، وأداة أساس للتعامل مع تعقيدات المشكلات المعاصرة.
يوضح المؤلفان لورسن وأورورك (Laursen & O’Rourke) أن كلاين ترى في النشاط البينيّ نشاطًا تكامليًا (integrative) يهدف إلى فهم مركب يليق بتعقيد الظواهر قيد الدراسة. ففي كتابها الصادر عام 1990، تستخدم كلاين مجموعة من الاستعارات لوصف التكامل البينيّ، مثل "البناء الجسري" (Bridge-building) و"إعادة الهيكلة" (Restructuring) إضافة إلى "الانصهار" (Fusion) و"التحول" (Transmutation) و"التعايش" (Symbiosis)[10]. بينما يرفض فرنسوا جوليان (François Julien) فكرة "الهوية الثقافية الثابتة" ويطرح بديلًا يقوم على "خصوبة" الفوارق"[11]. وكما أن الثقافات تتغذى من اختلافها، تتجدد العلوم حين تدخل في حوار متبادل. لكن هذا الحوار لا يعني ذوبان التخصّصات في كيان واحد؛ بل إبقاءها في "توتر خلاق" يسمح لكل حقل بالاحتفاظ بخصوصيته ضمن علاقة إغناء متبادل.
من هنا، يشكّل التجسير، في بنيته المؤسسية، خطوةً أساسًا لإعادة تصميم المسارات التعليمية؛ إذ يتيح الممرات التي تسمح للطالب بالانتقال الأفقي بين التخصّصات، أو العمودي بين المراحل الأكاديمية دون خسارة للزمن، أو ازدواجية في المقررات؛ غير أن هذا الدور، على أهميته، يبقى في جوهره إجرائيًا – تربويًا، يركز على الجوانب التنظيمية مثل:
- التنسيق المنهاجي: لضمان مواءمة وحدات التعليم ونتائج التعلم بحيث تكون قابلة للتحويل والاعتراف بين البرامج.
- الاعتراف بالأرصدة: لتمكين الطالب من نقل رصيده الأكاديمي (ECTS) بين المؤسسات، أو التخصّصات دون إعادة الدراسة.
- الحوكمة المشتركة: لا ينجح التجسير إلا بوجود حوكمة واضحة تشمل تقاسم الرسوم بنسبة متفق عليها، وإجراءات تسجيل موحدة، وقنوات شفافة لنقل النتائج؛ مما يحوله من مبادرة ظرفية إلى بنية مؤسسية مستدامة.
ومع ذلك، لا يضمن التجسير بالضرورة تفاعلًا منهجيًا ومعرفيًا عميقًا بين الحقول المختلفة، فطالب الذي ينجز ماينورًا في مجال مواز قد يكتسب معرفة إضافية؛ لكنه يظل، في معظم الحالات، أسير أدوات ومفاهيم تخصّصه الأصلي، دون إعادة صوغ هذه المعرفة في ضوء التخصّص الآخر. وهنا يكمن الحد البنيوي للتجسير: فهو يتيح ممرات لكنه لا يبني جسورًا منهجية. بهذا المعنى، يصبح التجسير أداة لإدارة التنوع المعرفي، تسمح بمرونة في المسار الأكاديمي وتدعم تنمية المهارات القابلة للنقل بين مجالات متعدّدة.
1.2 البينيّة
من هذا الحد بالذات تنفتح الحاجة إلى مفهوم البينيّة، الذي لا يكتفي بربط المسارات؛ بل يسعى إلى دمج المناهج وتوليد معرفة جديدة من الاحتكاك النقدي بين الحقول. فالبينيّة ليست تجميعًا للمعارف المتجاورة، إنها مشروع إبستيمولوجي يهدف إلى خلق تفاعل ديناميكي بين التخصّصات؛ بحيث تُختبر مفاهيم كل حقل وأدواته في سياقات جديدة ويُعاد تعريفها نتيجة لهذا الاحتكاك. وقد عبرت الباحثة جولي طومسون كلاين ( Julie Thompson Klein) عن هذا المفهوم بدقة حين عرفته بأنه تفاعل معرفي منهجي بين حقلين، أو أكثر، يؤدي إلى تركيب مفاهيم وأدوات جديدة تنشأ من الاحتكاك لا من الجمع؛ إذ أن "البينيّة هي وسيلة لحل المشكلات والإجابة عن الأسئلة التي لا يمكن معالجتها بشكل مرضٍ بالاعتماد على منهج واحد، أو مقاربة منفردة. وسواء اقتصر السياق على أداة قصيرة المدى أم على إعادة تصور بعيدة المدى للإبستمولوجيا، يمثل هذا المفهوم محاولة مهمة لتأسيس أرضية مشتركة "[12]. بمعنى آخر، لا تنتج البينيّة من مجرد إضافة تخصّص إلى آخر؛ بل من عملية تداخل نقدي تُسائل مناهج كل حقل معرفي وتُعيد صوغ مفاهيمه عبر تفاعله مع غيره. ويثمر هذا التداخل عن رؤى جديدة وطرائق مبتكرة تمكن من معالجة قضايا مركبة لم تعد التخصّصات التقليدية قادرة على الإحاطة بها كل على حدة؛ فـ"الدراسات البينيّة هي الحل الأمثل لمعالجة مثل هذه القضايا العالقة لأنها تزيح فكرة اللاتخصّص وتتجاوز التفكير المغلق ليحدث تكامل المعارف وتمازجها"[13].
ولتمييز البينيّة من باقي المفاهيم الأخرى القريبة منها ينبغي مراعاة الآتي:
- التعددية التخصّصية (Multidisciplinarity): تقوم على تجاور المعارف في مشروع واحد مع بقاء حدود كل حقل ثابتة واحتفاظ كل تخصّص بحدوده المنهجية والمفهومية.
- التجاوزية(Transdisciplinarity): تدعو إلى تجاوز هذه الحدود ذاتها من أجل بلوغ أفق معرفي أعلى وأكثر شمولية، يفترض أن يتخطى التخصّصات التقليدية لصالح رؤية كونية موحدة للمعرفة.
- البينيّة (Interdisciplinarity): تسعى إلى التداخل من دون الإلغاء، وإلى الحوار من دون الانصهار، مع الحفاظ على هوية كل حقل في إطار علاقة نقدية خلاقة.
من هذا المنطلق، تصبح البينيّة أكثر من خيار منهجي، لتتحول إلى شرط ضروري لمقاربة تعقيدات الواقع المعاصر. وهذا ما يؤكده موران في حديثه عن التعقيد المعرفي[14]؛ إذ يرى في البينيّة ضرورة فكرية لفهم عالم تتشابك فيه الظواهر وتتداخل فيه الأنظمة، فلا يمكن فهم الواقع إلا من خلال مقاربة تتجاوز الفصل بين التخصّصات من دون أن تدمرها. فالبينيّة تمثل عملية إعادة تنظيم للمفاهيم، تربط بين ما هو مشتت وتدمج الأجزاء في كل معقد، يظل فيه الكل أكبر من مجموع أجزائه[15]. ويشدد على أن هذا النمط من التفكير يعترف بتعدد مستويات الواقع وتداخلها، جامعًا بين الحقول المختلفة عبر ما يسميه "حلقة الربط" (boucle de reliance)، بما يجعل التجسير وسيلة لتجاوز الانغلاق التخصّصي وإنتاج معرفة أكثر تكاملًا. فعلى سبيل المثال، يستحيل فهم الدين اليوم من دون استحضار مقولات الفلسفة، كما يصعب تدريس اللغة بعمق دون الاستناد إلى الأنثروبولوجيا، في حين لم يعُد التاريخ حقلًا مكتفيًا بذاته من دون التحليل السيميائي والتفكيك السردي.
ولا يتأتى فهم الذات (والعالم) إلا عبر تعدد الوسائط والأفق، أي عبر "تعدد آفاق" نصِية وثقافية تشكّل اليوم البينيّة؛ إذ "إننا لا نفهم ذواتنا إلا عبر الالتفاف الطويل عبر العلامات الدالة على إنسانيتنا، تلك المودَعة في الثقافة"[16]. يربط بول ريكور (Paul Ricœur) هنا فهم الذات بـ"الالتفاف الطويل" عبر علامات وثقافات ونصوص متعدّدة؛ وهذا يتوافق مع العِلم البينيّ بوصفه طابعًا تركيبيًا ونقديًا يقوم على تعدد الأفق ودمج زوايا نظر متعدّدة لتوليد فهم أعمق. ولذا، فإن البينيّة، بما تحمله من طابع تركيبي ونقدي، تمثل تعدد الأفق الذي يسمح بدمج زوايا نظر متعدّدة لتوليد فهم أعمق، لا سيما في مؤسسات تُعنى بالعلوم الإنسانية والفكر التأويلي، كما هي الحال في معهد الآداب الشرقية. فـ"التكامل المعرفي غدا ضرورة حضارية ونهضوية تفرضها طبيعة الوعي والفكر الإنساني على مر التاريخ"[17].
تُجمع الأدبيات الحديثة في التعليم الجامعي على أن إدماج البينيّة في المنهاج يهدف إلى تمكين الطالب من تركيب المعارف المنوعة وتطبيقها في مواجهة قضايا مركبة[18]؛ أي إن البينيّة، في منظور تصميم المناهج، ليست مجرد إضافة وحدات جديدة؛ بل إعادة بناء المنهاج بحيث تصبح القدرة على التركيب المعرفي جزءًا من المخرجات المقصودة للتعلم. بهذا المعنى، يمكن قراءة مشروع معهد الآداب الشرقية في ضوء هذا التحول؛ فالتجسير القائم اليوم، وإن كان يتيح للطالب عبورًا بين المسارات، لا يضمن بالضرورة تكوين هذه الكفاءة التركيبية، ما يجعل سؤال البنية البينيّة سؤالًا في صلب إبستمولوجيا التعليم، لا في هامشها.
1.3 التخصّص الأساس/التخصّص الفرعي: أداة مثالية للتجسير
يُعدّ هذا النموذج، الذي ينص على تخصّص أساس (Major) تدعمه حزمة تخصّصات فرعية (Minor) من ثلاثين رصيدًا، مثالًا بارزًا على كيفية تفعيل التجسير داخل المؤسسات. فهو:
- يعزز التكامل المعرفي بين الحقول.
- يتيح العبور الأفقي بين التخصّصات.
- يمهد للانتقال العمودي إلى برامج الماجستير (Master’s) غير مصطفة تمامًا مع برامج الإجازة (Bachelor’s).
- يضيف إلى ملف الطالب قيمة تشغيلية.
في سياق معهد الآداب الشرقية، يمكن لهذا النموذج أن يربط، مثلًا، بين طالب فلسفة وحضارة عربية يختار فرعيًا في العلوم الدينية، أو العكس، بما يفتح آفاقًا بحثية ومهنية جديدة.
1.4 التجسير داخل المؤسسة وبين الكليات
أ. داخل المؤسسة: يتيح التخصّص الفرعي (Minor) بناء سلالم كفاءات متدرجة بين المسارات، مثل دمج مقررات في فلسفة اللغة والتأويل لطلبة تخصّصات قريبة.
ب. بين الكليات: يقدم التعاون بين معهد الآداب الشرقية وكلية العلوم الدينية مثال دالًا؛ حيث تتبادل حزم تخصّصات فرعية كاملة؛ مما يعزز العبور بين مجالات الفلسفة والحضارة وعلوم الدين.
انطلاقًا من هذا الإطار، يمكن النظر إلى التجسير بوصفه بنية تأسيسية تمهد للبينيّة؛ إذ يخلق لغة مفاهيمية مشتركة، ويعوّد الطالب على الانتقال بين أنماط مختلفة من التفكير، ويفتح مجالات لتطبيق المناهج المقارنة؛ غير أن هذا الانتقال يتطلب تحولًا في فلسفة التعليم ذاتها: فبدلًا من الاكتفاء بتمكين الطالب من اجتياز المسارات، يجب دفعه إلى التساؤل عن العلاقات الممكنة بين هذه المسارات، وعن كيفية تحويل الاختلافات المنهجية إلى فرص لإنتاج معرفة مركبة.
هنا تبرز حالة معهد الآداب الشرقية في جامعة القدّيس يوسف في بيروت بحسبانها نموذجًا غنيًا بالإمكانات؛ إذ يجمع بين تخصّصات متنوعة (اللغة العربية وآدابها، والفلسفة والحضارة العربية، والفلسفة العربية والإسلامية، والدراسات الإسلامية)، ويتبنى لغات تدريس متعدّدة، ويمتلك تقاليد بحثية راسخة في التأويل والنقد الفلسفي والتحليل النصي. ومع ذلك، لا يزال الانتقال من التجسير إلى البينيّة في المعهد محكومًا بعوائق بنيوية، أبرزها غياب الإشراف المشترك بين التخصّصات، وانعدام الوحدات الإلزامية المخصصة للبينيّة، وضعف التنسيق الإداري الذي يسمح بتحويل المبادرات الفردية إلى سياسة مؤسسية.
إن الانتقال من التجسير إلى البينيّة، بهذا المعنى، ليس مجرد توسعة في النطاق الأكاديمي؛ بل هو قفزة إبستيمولوجية تعيد تعريف طبيعة المعرفة الجامعية، وتحولها من نشاط تجميعي إلى عملية تركيب نقدي، تتطلب أفقًا مؤسسيًا منفتحًا، وأدوات تقييم تراعي القدرة على الربط بين الحقول، وإشرافًا أكاديميًا يوزع الأدوار بين أكثر من تخصّص. وبذلك، يصبح التجسير الأرضية الصلبة التي تُبنى عليها هندسة البينيّة، لا بصفته هدفًا نهائيًا، إنما بِعَدهِ خطوة تأسيسية نحو مشروع أكاديمي أوسع وأعمق.
2. الأدوات المنهجية المعتمدة في الدراسة
تسلك هذه الدراسة مقاربة تحليلية – نقدية تستند إلى أدوات منهجية محددة، تسمح بفهم البينيّة بوصفها ظاهرة مؤسسية تتجاوز المحتوى المعرفي لتشمل أيضًا البنية التنظيمية، والخيارات التربوية، وآليات التقييم والإشراف.
تعتمد المقاربة ثلاث أدوات رئيسة:
أ. تحليل الوثائق الرسمية[19]: تشمل هذه المرحلة دراسة معمقة للملف الكامل الخاص بمقررات معهد الآداب الشرقية للعام الجامعي 2024-2025، مع مراجعة دقيقة للملفات التربوية الخاصة بكل من مراحل الإجازة والماجسستير والدكتوراه. يُتيح هذا التحليل استكشاف حضور البينيّة من خلال عناوين المقررات، وأهدافها المعلنة، وهيكلة محتواها، بالإضافة إلى أدوات التقييم المعتمدة.
ب. تفكيك وحدات التعليم ذات الطابع البينيّ: ذلك من خلال اختيار مجموعة من المقررات التي تتسم بطابع بينيّ واضح، والعمل على تحليل منطقها الداخلي. يشمل هذا التفكيك فحص الأهداف البيداغوجية للمقرر، واللغة المستخدمة في تقديمه (في حال كانت اللغة حاملة منظورًا معرفيًا معينًا)، والمنهجية المعتمدة (هل تنطلق من تخصّص واحد، أو من تداخل مقصود)، بالإضافة إلى نظام التقييم المعتمد، ومدى تشجعه التفكير النقدي والتأليف المعرفي.
ح. قراءة هيكلية – مؤسسية للمسارات الجامعية: تُعنى هذه الأداة بفحص البنية العميقة للبرامج، انطلاقًا من منطق التكوين العام، مرورًا بآليات الإشراف، وصولًا إلى تقييم البحث الأكاديمي وموقع مشروع نهاية السنة في كل مرحلة. فمدى حضور البينيّة لا يُقاس فقط بعدد المقررات، أو بجاذبية عناوينها؛ بل بعمق تجذرها في منطق المؤسسة، وفي كيفية إنتاج المعرفة وتداولها وتقييمها.
ليست الغاية من اعتماد هذه الأدوات وصفية فحسب؛ بل تحليلية نقدية، ترمي إلى تقديم تقييم موضوعي ومدروس لمدى اندراج البينيّة في العمق المؤسسي لمعهد الآداب الشرقية، وتمييزها بوصفها خطابًا تربويًا من كونها ممارسة فعلية متأصلة في صلب التكوين. كما تهدف هذه المقاربة إلى طرح توصيات وحلول عملية قابلة للتطبيق، من أجل تعزيز هذا التوجه البنيوي وترسيخه في آليات عمل المعهد ومناهجه التربوية والبحثية.
يشكّل معهد الآداب الشرقية في جامعة القدّيس يوسف في بيروت فضاءً أكاديميًا غنيًا من حيث تنوع برامجه ومجالاته البحثية، وهو تنوع يُفترض أن يجعل منه بيئة مثالية لتطبيق البينيّة وتفعيل التجسير؛ إذ يجمع المعهد بين مسارات متقاربة من حيث الاهتمام المعرفي؛ لكنها مختلفة في المقاربات والمنهجيات.
غير أن هذا الغنى، على أهميته، لا يكفي وحده لضمان بنية بينيّة فاعلة؛ فالانتقال من التنوع إلى التداخل يحتاج إلى شروط مؤسسية ومعرفية واضحة. وفي ضوء مراجعة الوثائق الرسمية للمعهد (2024–2025) وتحليل برامجه الدراسية، يمكن رصد عدد من المظاهر التي تعكس وجود إمكانات بينيّة، إلى جانب عدد من الثغرات التي تعيق تفعيلها.
1. بنية تعددية تنطوي على إمكانات تداخلية
عند النظر في مجموعة المقررات الصادرة عن معهد الآداب الشرقية للعام الأكاديمي 2024–2025، يُلاحظ منذ الوهلة الأولى تنوع لافت في تركيبة البرامج الدراسية الثلاثة. هذا التنوع لا يقتصر على مستوى المحتوى، أو المصطلحات التعليمية؛ بل يمتد ليطال البنية التكوينية ذاتها، التي تُظهر قابلية واضحة للتداخل بين مختلف الحقول المعرفية، بخاصةٍ فيما يتعلق بالمقاربات النصية والمنهجية والتأويلية.
ويتجلى هذا البعد التداخلي بوضوح في بعض المقررات الموحدة على مستوى الإجازة والماجستير، مثل:
- الكتابة العلمية: على الرغم من طابعه المهاري، يفرض هذا المقرر على الطالب التعامل مع مصادر وحقول معرفية مختلفة، وصوغ إنتاج علمي وفق معايير موحدة تصلح في الأدب كما في الفكر والفلسفة؛ مما يعزز مهارات النقل والترجمة المفهومية بين المجالات.
- مناهج البحث في العلوم الإنسانية: يزود هذا مقرر الطالب بأسس معرفية وأدوات تحليلية صالحة للتطبيق في حقول متعدّدة، مثل النقد الأدبي والتحليل الفلسفي والدراسة التاريخية، ما يجعله نقطة التقاء بين مختلف الاختصاصات.
2. النصوص العربية، الأدبية والفلسفية والإسلامية:
يسعى هذا المقرر إلى فهم وتحليل النصوص العربية من زوايا متعدّدة؛ حيث يتناول الأعمال الأدبية والفلسفية والإسلامية، ويسليط الضوء على التفاعل والتشابك بين هذه الأبعاد الثلاثة. يتيح هذا المقرر للطلاب تطوير رؤية متكاملة حول النصوص العربية وفهم التفاعل بين الأدب والفلسفة والإسلام. كما يمنحهم الفرصة لتكوين رؤى فريدة وعميقة حول التراث العربي وتأثيره في مجالات متعدّدة من الحياة الثقافية والفكرية.
دراسة حالة 1: مقرر "تاريخ المدن الإسلامية" بوصفه مخبرًا بينيّا للتعليم والبحث
يبين هذا المقرر، في صيغته المطورة، كيف يمكن لوحدة تعليمية تقليدية أن تتحول إلى مخبرٍ بينيّ يجمع بين البحث والتدريس في آن واحد. فبدلًا من أن يقتصر دور الأستاذ على تقديم مادة جاهزة حول نشوء المدن الإسلامية وتطورها، يعتمد المقرر تدريجيًا على فريق تدريس متعدّد التخصّصات يضم أستاذًا في الأدب العربي، وآخر في الفلسفة، أو الفكر الإسلامي، وثالثًا في التاريخ الحضاري عند الحاجة. يتيح هذا التنوع أن تُبنى الجلسة الواحدة حول "سؤال مشترك" تتقاطع عنده القراءات الأدبية والفقهية والفلسفية والعمرانية، كأن يُطرح مثلًا سؤال: "صورة بغداد بين المخيلة الشعرية والبنية السياسية والعمران"، فتتوزع المهام بين تحليل نصوص شعرية، وقراءة نصوص فقهية وتشريعية، واستحضار نماذج من تاريخ العمران وتنظيم السلطة في المدينة.
لا يقف البعد البينيّ عند مستوى التدريس؛ بل يمتد إلى المشاريع البحثية الصغيرة التي يُنجزها الطلبة في نهاية الفصل. ففي أحد هذه المشاريع، تناول طالب صورة بغداد عبر ثلاث طبقات متداخلة: قصائد أبي نواس والمتنبي، والنصوص الفقهية المتعلقة بالخمرة والترف والفضاء العمومي، وتحليل ابن خلدون لمفهوم العمران. أتاح هذا التداخل للطالب أن يُظهر كيف يتحول النص الأدبي إلى وثيقة حضارية تُفصح عن التوتر الدائم بين الخطاب التشريعي والممارسة الاجتماعية، وكيف يتجسد هذا التوتر في بنية المدينة وتخييلها. إن مثل هذا المسار البحثي، وإن ظل في مستوى "مشروع فصلٍ دراسي"، يقدم نموذجًا مصغرًا عما يمكن أن تكون عليه الأبحاث البينيّة في معهد الآداب الشرقية: مشروع واحد تُستدعى فيه أدوات النقد الأدبي، وعُدة الفلسفة السياسية والكلامية، ومفاهيم الأنثروبولوجيا الحضرية، من أجل مقاربة ظاهرة مركبة لا تختزلها قراءة تخصّصية واحدة.
يقدم مقرر "تاريخ المدن الإسلامية" نموذجًا حيًا للأبحاث البينيّة التي تتقاطع عندها الفلسفة والأدب والدراسات الإسلامية والتاريخ الحضاري. فمقاربة المدينة الإسلامية من خلال هذه الحقول المتداخلة تمكن من فهمها بوصفها فضاءً مركبًا يجمع بين العمران المادي والتنظيم المؤسساتي من جهة، وبين الرؤية الدينية والفكرية والجمالية من جهة أخرى. فهي فضاء حضاري جامع يعكس تصورات الجماعة عن الجمال والعدل والمقدس، ويتيح قراءتها نصًا حيًا يكشف، عبر تنوع مصادره، ثراء التجربة الإسلامية وتعقيدها.
وقد عمل الأساتذة الموكَل إليهم تطوير مناهج المعهد على نقل تعليم هذا المقرر من طابعه التقليدي إلى صيغة أكثر انفتاحًا. ففي صورته الأولى، كان المقرر يقوم على مقاربة تاريخية وصفية، تقتصر على عرض المراحل الكبرى لنشوء المدن الإسلامية وتطورها، مركزًا على معطيات السياسة والعمران، دون التوغل في الدلالات الرمزية، أو القراءات المتعدّدة للتجربة الحضرية. هذا الطابع التقليدي، وإن كان مفيدًا في تزويد الطالب بمعرفة أساس، ظل أسير التسلسل الزمني والوصف الخارجي. أما في صيغته المطوّرة، فقد تحول المقرر إلى فضاء مفتوح للأبحاث البينيّة، يُشجع على عبور الحدود التخصّصية، ويضع الطالب في تماس مع النصوص الأدبية والفلسفية والفقهية والجغرافية، بما يتيح إعادة بناء صورة المدينة الإسلامية ضمن أفق معرفي متعدّد.
تقدم النصوص الأدبية، على سبيل المثال، صورة بالغة الدلالة عن هذا التداخل. فقد مثلت بغداد في قصائد أبي نواس والمتنبي كمركز للترف والمعرفة واللذة، وهي صورة تنسجم مع مكانتها التاريخية عاصمةً للخلافة العباسية ومجمعًا للعلماء والشعراء. وفي المقابل، استقرت دمشق في الذاكرة الشعرية بوصفها رمزًا للجمال الطبيعي والصفاء الروحي؛ حيث تلتقي العمارة الفريدة بالحدائق، فتغدو المدينة مثالًا على تزاوج الجمال العمراني والطبيعي. هذه الصور التي بثها الشعراء تُحيل إلى بعد رمزي يوازي الحقائق التاريخية؛ إذ تعبر عن الوجدان الجمعي بقدر ما تنقل ملامح المكان.
ويعمق أدب الرحلة هذا الأفق، كما في وصف ابن بطوطة للقدس؛ حيث يتداخل توصيف المعالم العمرانية مع الإشارة إلى مكانتها المقدسة ودلالاتها الفقهية. فالرحلة تتحول إلى نص معرفي يجمع بين الجغرافي والروحي، وبين التجربة الفردية والذاكرة الجماعية، لتقدّم المدينة بوصفها موضع اختبار إنساني شامل.
كما تبرز التجربة الصوفية صورة أخرى للمدينة؛ إذ تجسدت روحيتها في التكايا والزوايا التي شكلت فضاءات عمرانية خاصة، وتجلت في القصائد والمناجيات، وفي الفلسفة الصوفية التي أعادت تعريف المدينة كموضع لتجربة الروح في سعيها نحو المطلق. هذه المستويات المتوازية تكشف أن الصوفية ظاهرة حضرية متكاملة تحمل طابعًا بينيّا واضحًا.
ويكشف موضوع الخمرة عن تعقيد العلاقة بين النصوص الفقهية والممارسات الاجتماعية والتصوير الأدبي. فقد وردت محرمة في النصوص الشرعية، غير أنها حضرت بقوة في الشعر العباسي؛ حيث تحولت إلى رمز للترف والانعتاق. وإلى جانب ذلك، قدم بعض الفلاسفة، كابن سينا والغزالي، مقاربات حول مفهوم اللذة والعقل، ما يسمح بقراءة فلسفية للظاهرة تتخطى النقاش الفقهي المباشر وتضيء التفاعل الجدلي بين التشريع والثقافة في المدينة الإسلامية.
أما مفهوم الجمال، فقد احتل موقعًا مركزيًا في الفكر الفلسفي الإسلامي منذ الكندي وابن رشد؛ حيث عُد سبيلًا إلى إدراك الحقيقة، وتجسد في العمارة التي أنجزت تحفًا مثل المسجد الأموي في دمشق وجامع قرطبة بالأندلس. هذا الجمال، الذي تمازجت فيه التأثيرات البيزنطية والرومانية مع الرؤية الإسلامية، انعكس أيضًا في النصوص الأدبية التي أعادت صوغه بلغة رمزية وبلاغية، فجعلت من العمارة موضوعًا للشعر والتأمل.
وفي ضوء هذه الأمثلة، يتضح أن البعد الفلسفي يشكّل خيطًا ناظمًا لهذا النهج؛ إذ تُقرأ المدينة في ضوء تصورات الفارابي عن المدينة الفاضلة، وفي إطار تنظيرات ابن خلدون عن العمران البشري، وفي سياق التجربة الصوفية التي ربطت الجمال بالمطلق. وبذلك تتبدى المدينة فضاءً تتقاطع فيه العدالة والجمال والمقدس، ويتحول العمران والأدب والفقه والفلسفة إلى مسارات متوازية تُنتج صورة حضارية موحدة.
إن هذه النقلة التي قام بها أساتذة المعهد، بجعل المقرر مساحة للتجريب البينيّ، لا تقتصر على توسيع أفق المعرفة؛ بل تتيح للطلاب اختبار هذا النهج بأنفسهم. فالموضوعات تقدم في صورة مشاريع بحثية؛ بحيث يدرس الطالب مثلًا صورة بغداد في الشعر، أو القدس في أدب الرحلة، أو التكايا الصوفية في عمران المدينة، ليستخلص من خلال ذلك طرائق متعدّدة للفهم. وهكذا ينتقل النهج البينيّ من إطار البنية النظرية إلى حيز التطبيق العملي، فيعيشه الطالب ممارسة حية تعيد تشكيل وعيه بالمدينة الإسلامية بوصفها ظاهرة حضارية متكاملة.
يتيح هذا المثال القول إن التجسير هنا لا يبقى آلية لتنظيم عبور الطالب بين مسارات لغوية وفلسفية وتاريخية؛ بل يتحول إلى رؤية إبستمولوجية تعيد تنظيم المعرفة ذاتها حول "مشكلة" لا يمكن الإحاطة بها إلا من خلال تفاعل منهجي حي بين الحقول، وهو ما تسعى هذه الدراسة إلى بلورة شروطه المؤسسية والمعرفية داخل المعهد.
تشكّل هذه الوحدات مساحة خصبة للتفاعل بين آفاق منهجية متعدّدة، يشارك فيها أساتذة من تخصّصات مختلفة؛ مما يسمح بخلق مناخ حواري بين القراءات النصية والسيميولوجية والهيرمينوطيقية والتاريخية والفقهية. وبهذا المعنى، تؤدي هذه الوحدات إلى تعزيز التنوع المعرفي، كما تؤسس لما يمكن تسميته "الجسور المعرفية"، التي تمكن الطالب من الانتقال من منطق الحقل الواحد إلى التفكير في أسئلة مركبة، مثل العلاقة بين اللغة والسلطة، أو بين البلاغة والمنطق اللاهوتي، أو في كيفية بناء المعنى داخل النصوص الدينية، أو الأدبية، أو الفلسفية، أو حتى في إمكانية إعادة قراءة الفكر العربي المعاصر بعيدًا من الثنائية الاختزالية بين التراث والحداثة.
3. ملف نهاية السنة": تمرين بنائي ذو طابع بينيّ
يمثل "ملف نهاية السنة" (dossier de fin d’année)، المطلوب في نهاية كل سنة أكاديمية، إحدى المحطات المحورية في مسار التكوين، فهو يُعدّ تمرينًا على البحث الأكاديمي بدرجة أولى، ويضع الطالب أمام مسؤولية تركيب المعارف التي اكتسبها خلال السنة الدراسية، ضمن مشروع متكامل يعكس قدرته على الربط بين المفاهيم وتطبيق المناهج.
يأتي ملف نهاية السنة مصممًا ليحتوي على سبعة أقسام مترابطة، كل منها يسهم في عملية التجسير:
- عرض موجز للطالب: يتيح للطالب صوغ هويته الأكاديمية وربط خبراته السابقة بمساره الحالي؛ مما يوفر نقطة بداية واضحة لعملية المتابعة.
- الببليوغرافيا المعلقة: تخلق هذه الفقرة جسرًا بين المقررات المختلفة عبر القراءة المتقاطعة، وتتيح للطالب تطوير مهارة الربط بين مصادر متنوعة في خدمة موضوعات محددة.
- الأعمال الكتابية: تمكن الطالب من رؤية تطور إنتاجه على مدار السنة؛ مما يعزز الوعي النقدي بمسار التعلم.
- ملخصات الحلقات الدراسية وورش العمل: تدمج التجربة الصفية بالبحثية، وتحفز القدرة على استخلاص الأفكار الكبرى من النقاشات التفاعلية.
- الأنشطة الموازية: تفتح المجال للربط بين الحياة الأكاديمية والأنشطة الثقافية والاجتماعية؛ مما يوسع أفق التعلم.
- الطروحات الفكرية: تشكل مساحة للتعمق في موضوعات مختارة، بما يسمح بالتقاطعات بين تخصّصات المعهد.
- الخلاصة المستقبلية: تترجم خبرة العام إلى خطة عمل مستقبلية، في عملية إسقاط مباشر للتعلم على المسار المهني والفكري.
هذه البنية المنهجية تجعل من الملف أداة لتكامل المعارف والمهارات، وليس مجرد تجميع وثائق.
3.1 دور المرافقة الفكرية في تحويل الملف إلى أداة تجسير
المرافق الفكري[20] هو الوسيط الذي يحول العمل على ملف نهاية السنة إلى تجربة تكوينية متكاملة. من خلال لقاءات دورية، يقدم المرافق:
- إرشادًا شخصيًا يساعد الطالب على قراءة تجربته وربط المعارف النظرية باهتماماته وقضاياه الشخصية.
- توجيهًا منهجيًا في اختيار القراءات وإعداد الأبحاث، ما يعزز الترابط بين المواد.
- تغذية راجعة نقدية خلال تحضير الملف؛ مما يحفز التطوير المستمر ويمنع الانغلاق على أسلوب واحد في التعلم.
- تهيئة للمناقشة النهائية عبر محاكاة أسئلة وتحدّيات فكرية.
تجعل هذه المرافقة الملف مسارًا للتعلم الموجه؛ حيث يتم التجسير بين التكوين الأكاديمي والخبرة الذاتية.
3.2 تقييم الملف
تُظهر عملية تقييم الملف مؤشرات دقيقة تخدم عملية التجسير:
- إعادة القراءة النقدية وتلخيص المكتسبات، يربطان الإنجاز الحالي بخبرة سابقة ويهيئان للتطور المستقبلي.
- تحديد نقاط القوة والضعف والتفكير التأملي، يخلق وعيًا بالمسار التعليمي ويحفزان على تحسينه.
- صوغ تساؤلات ذات دلال، تربط المقررات بقضايا واقعية وشخصية.
- وضوح الحجة وسلامة التعبير، يعكسان قدرة الطالب على الانتقال من تلقي المعرفة إلى إنتاجها وصوغها.
يضمن هذا التقييم المتعدّد الأبعاد ألا يكون التجسير عفويًا؛ بحيث يغدو مبنيا على مؤشرات موضوعية.
3.3 أثر الملف في تحقيق التجسير المؤسسي والشخصي
من خلال تفعيل ملف نهاية السنة:
- على المستوى المؤسسي: يتحقق الربط بين أهداف المعهد التعليمية (تنمية الفكر النقدي وبناء الشخصية الأكاديمية) وبين مخرجات التعلم الملموسة، بما يتيح أداة تقييم شاملة للمناهج.
- على المستوى الشخصي: يكتسب الطالب وعيًا بمساره وتطوراته، ويجدد دافعيته للبحث، ويتدرب على دمج المعارف المتنوعة في رؤية متكاملة.
يشكّل ملف نهاية السنة في معهد الآداب الشرقية، كما يتضح، إجراءً إداريًا ومطلبًا تقييميًا من جهة، ومن جهة أخرى أداة تجسير متكاملة بين المعارف النظرية والتجربة الذاتية، بين الجهد الفردي والدعم المؤسسي، وبين الحاضر الأكاديمي والمستقبل المهني، بفضل المرافقة الفكرية والتقييم متعدّد الأبعاد، يتحول هذا الملف إلى مختبر فكري يدرب الطالب على التفكير النقدي، وعلى الربط بين الحقول المعرفية، وتطوير مهارات التعبير والتحليل؛ مما يجعل منه عنصرًا محوريًا في بناء شخصية أكاديمية متكاملة قادرة على الإسهام الفعال في المجتمع.
يتطلب إعداد ملف نهاية السنة ثلاث مراحل أساس:
- مراجعة شاملة للمقاربات والمنهجيات المدروسة.
- اختيار موضوع بحثي يُظهر تداخلًا معرفيًا بين تخصّصه الأساس وتخصّصات أخرى.
- صوغ إشكالية تجمع بين مستويات متعدّدة من التحليل (لغوي، ديني، فلسفي، فكري إلخ).
تُجسد هذه الآلية التكوينية شكلًا من أشكال "البينيّة العملية"؛ حيث يصير الطالب فاعلًا في إنتاج معرفة تركيبية جديدة تنبثق من التفاعل بين المقررات، لا من استيعابها المعزول. فمن خلال هذا الملف، يكتسب قدرة على التفكير في قضايا كبرى مثل الهوية والعقل والخطاب والدين، بوصفها إشكاليات متعدّدة الأوجه تستدعي زوايا نظر مختلفة.
ومع ذلك، فإن هذا التمرين يظل في كثير من الأحيان محصورًا بإرادة الطالب الفردية، في ظل غياب آلية مؤسسية تشرف على المشروع ضمن منطق تداخلي حقيقي؛ إذ لا يُرافق هذا الملف عادةً إشراف ثنائي، أو مشترك بين أساتذة من تخصّصات متعدّدة، ولا توجد آلية تقييم تراعي الطابع البينيّ في التحليل، أو في صوغ الفرضية. من هنا، تبدو الحاجة ملحة لتطوير هذا الملف وتحويله إلى مشروع تكويني مهَيكل يشرف عليه فريق متعدّد التخصّصات، ويُدرج ضمن البنية الرسمية للبرامج، بوصفه ركيزة لتجسيد البينيّة منهجيًا ومؤسسيًا.
4. حلقات البحث: إمكانات كامنة غير مفعلة
تتضمن البرامج أيضًا حلقات بحث إلزامية، تخصّص عادة لتدريب الطالب على تقنيات القراءة المتقدمة، وصوغ الفرضيات، والتحضير لمشروع الرسالة، أو الأطروحة. وعلى المستوى البنيوي، تمتلك هذه الحلقات خصائص تجعلها مؤهلة لأن تتحول إلى مختبرات حقيقية للتفاعل البينيّ، لا سيما أنها تتيح التفاعل المنتظم بين الطلبة، وتُدار من قِبل فرق تعليمية.
إلا أن هذا الأفق يبقى غير مُفعل بالكامل، نظرًا إلى غياب إطار تنظيمي واضح يشجع على الإشراف التشاركي، أو المتعدّد التخصّصات. فغالبًا ما يشرف على الحلقة أستاذ واحد ينتمي إلى المسار نفسه الذي يتبعه الطالب، من دون وجود سياسة لتعيين مشرفين من خارج التخصّص، أو آلية تعاون رسمية بين الأقسام المختلفة؛ مما يجعل إمكانات التحول إلى فضاءات بينيّة مرهونة باجتهادات فردية، وليست نتيجة رؤية مؤسسية واضحة. بينما تبقى مأسسة هذا التفاعل شرط أساس لتحويل هذه الحلقات من مجرد فضاء تطبيقي إلى ورشة حوار معرفي بين الحقول.
5. مصطلحات المناهج: تعبيرات ضمنية عن تقاطع الحقول
تُظهر عناوين بعض المقررات قابلية كامنة للتداخل المعرفي، حتى وإن بدت تخصّصية للوهلة الأولى. فعلى سبيل المثال:
- البلاغة القديمة والحديثة: يمكن أن تشكل مدخلًا لفهم الخطاب الديني، أو السياسي.
- النقد الفقهي: يتقاطع مع نظرية التأويل الفلسفي واللاهوتي.
- قراءة في الفكر السياسي الإسلامي: تفتح المجال أمام مقاربات لغوية وسوسيولوجية.
- فلسفة الأخلاق: تلتقي مع أفق الأنثروبولوجيا الثقافية واللاهوت العملي.
- علم الكلام المعاصر: يستدعي أدوات تحليل من فلسفة اللغة والسيميولوجيا.
يمكن أن تتحول هذه المفردات، إن أعيدت صياغتها وتوضيح أهدافها بطريقة تعكس طبيعتها المركبة، إلى وحدات تعليمية مفتوحة تُدرس من خلال تعاون بين أساتذة من حقول معرفية متعدّدة (وهذا ما يحصل على مستوى الدبلومات الجامعية التي يمنحها المعهد). مثل هذا التعديل يغير في طبيعة التعليم وفي آلية التفكير ذاته، لأنه يُنمي لدى الطالب قدرة على العبور بين المفاهيم، والتقاط العلاقات غير الظاهرة بينها، وصياغة إشكاليات جديدة لا تنتمي إلى حقل بعينه.
تتيح البنية الأكاديمية لمعهد الآداب الشرقية، كما تعكسها مصفوفة المقررات، بيئة خصبة للتجسير ولإدماج البينيّة، ليس كمحتوى معرفي فقط؛ بل كمنهجية تربوية وبحثية؛ غير أن هذا الإمكان، بالرغم من توافر شروطه الأولية، لا يزال في الغالب غير مفعل مؤسسيًا. ومن هنا تبرز مجموعة من التوصيات العملية:
- إعادة تصميم "ملف نهاية السنة" ليصبح مشروعًا تركيبيًا ذا إشراف بينيّ مشترك.
- إدخال آلية رسمية للإشراف المتعدّد التخصّصات في حلقات البحث.
- إعادة تسمية المقررات وتوضيح أهدافها بما يعكس إمكاناتها التداخلية.
- تفعيل وحدات تعليمية مشتركة بين المسارات الثلاثة، تُصمم منذ البداية بروح بينيّة واضحة، وتُدرس بتعاون مؤسسي بين الأقسام.
بهذه الخطوات، يمكن للمعهد أن يتحول من بيئة تسمح بالبينيّة إلى مؤسسة تُنتجها وتُجسدها فعليًا في صلب بنيتها الأكاديمية.
على الرغم من امتلاك معهد الآداب الشرقية مقومات متينة تمهد لتطوير بنية بينيّة، فإن الانتقال الفعلي من التجسير إلى البينيّة يواجه جملة من التحدّيات المتشابكة.
يلاحظ، من خلال تحليل مصفوفة المقررات في معهد الآداب الشرقية، وجود قدر معتبر من الانفتاح المنهجي والمعرفي، يتجلى في مواد تعليمية تسمح بالتقاطع بين تخصّصات مختلفة، مثل اللغة والفلسفة والدراسات الإسلامية؛ غير أن هذا الانفتاح، على المستوى البيداغوجي، لا ينعكس في البنية الإدارية للمعهد، التي لا تزال قائمة على منطق الفصل التخصّصي الصارم؛ إذ تعمل كل شعبة بوصفها وحدة مغلقة من حيث التنظيم والإشراف والهيئة التعليمية والمناهج.
يفرز هذا الفصل البنيوي مجموعة من الإشكاليات العملية، أبرزها:
- غياب الإشراف الأكاديمي المشترك، سواء على ملفات نهاية السنة، أو على حلقات البحث؛ مما يحرم الطالب من الاستفادة من تعدد المقاربات ومن زوايا النظر المختلفة.
- عدم وجود وحدة بيداغوجية مشتركة تتولى مهمة التنسيق بين المسارات المختلفة، أو تعمل على تطوير رؤية شاملة للبينيّة في المؤسسة.
- ضعف تحويل المقاربات البينيّة إلى معايير مؤسسية تُعتمد في التقويم، أو إلى مشاريع بحثية تشاركية تنخرط فيها أكثر من شعبة.
- القيود الإدارية واللوجستية؛ وتشمل هذه القيود صعوبة احتساب الأرصدة المحولة من مسار إلى آخر، وتعارض جداول المحاضرات، وغياب منصات إدارية رقمية تسهل متابعة المسارات المشتركة. تؤدي هذه العقبات إلى تقليص فرص التجسير، وبالتالي تُضعف قاعدة البينيّة. فيما يتطلب تجاوز التعقيد المؤسسي "هندسة إدارية" تتكيف مع هندسة المعرفة ذاتها.
يعتمد التجسير الفعال على قدرة الأقسام المختلفة على التنسيق في تصميم البرامج والجداول وتوزيع الأرصدة؛ غير أن الواقع الحالي في المعهد يُظهر أن هذا التنسيق يتم غالبًا بشكل غير منهجي؛ مما يحد من انسيابية العبور بين التخصّصات. ترى جولي كلاين (Julie Klein)، في قراءتها التاريخية لتطور البينيّة، أن هذه الأخيرة لا تنشأ من قرار إداري بفتح البرامج على بعضها؛ بل من "حاجة مشكلات البحث نفسها إلى تجاوز حدود التخصّص"[21]؛ وهو ما ينسجم مع حالة معهد الآداب الشرقية؛ حيث تأتي المبادرات البينيّة من ضغط موضوعات البحث أكثر مما تأتي من تصميم مؤسسي مسبق. وهذا ما يدفعنا إلى الاستنتاج أن غياب آليات التنسيق المؤسسي يُعدّ أحد أبرز معوقات تحويل التجسير إلى ممارسة بينيّة متكاملة[22].
في ظل غياب هيكل تنظيمي يُعنى بتفعيل هذه الرؤية، تبقى البينيّة في المعهد مجرد مبادرات فردية معزولة، تنبع من اجتهاد بعض الأساتذة، أو الطلاب؛ لكنها لا تشكل سياسة مؤسسية معترف بها. ويفضي هذا الوضع إلى تناقض بنيوي صارخ: فبينما تُبدي البرامج انفتاحًا نظريًا على التداخل المعرفي، تبقى الممارسات اليومية محكومة بمنطق التخصّص الانعزالي.
ما يختبره معهد الآداب الشرقية، كما العدد الكبير من الكليات والأقسام الجامعية، ليس حالة شاذة؛ بل مثالًا عما تسميه الأدبيات الحديثة "الهيمنة التخصّصانية" في الجامعة المعاصرة. تُظهر دراسة يرينا آشبي وماريسا إكستر (I. Ashby and M. Exter) أن نموذج التعليم القائم على التخصّصات المنفصلة لا يرتبط فقط باعتبارات معرفية؛ بل يقوم على "نظام قوة" (System of Power) تتحكم فيه بنية المؤسسة، وسوق العمل، وآليات تمويل البحث، وأنظمة مكافأة الأساتذة[23]. وهذا يفسر لما تبدو كل محاولة لبناء مشروع بينيّ في المعهد كأنها تصطدم بحدود غير مرئية؛ فالمشكلة ليست فقط في غياب النوايا الحسنة؛ بل في النظام القائم الذي يعيد باستمرار إنتاج الفصل بين الحقول.
على الرغم من أن بعض الوحدات التعليمية، مثل "منهجيات البحث"، و"الكتابة العلمية"، و"الكتابة الإملائية"، تهدف إلى إرساء قاعدة مشتركة للطلبة في مختلف المسارات لا تزال آليات الإشراف والتقييم المرتبطة بها تدور في فلك التخصّص. فالإشراف على هذه المقررات يتم عادة من قِبل أساتذة من الشعبة نفسها، دون انفتاح منهجي على تخصّصات أخرى، كما أن التقويم يُركز غالبًا على معايير تقليدية، مثل دقة التحليل وانضباط المفاهيم، دون الالتفات إلى قدرة الطالب على إجراء تركيبات بينيّة، أو توظيف مناهج متداخلة.
هناك مقاومة، أحيانًا غير معلنة، من قبل بعض التيارات الأكاديمية التي ترى في الانفتاح البينيّ تهديدًا لهوية التخصّص، أو تخشى تمييع معاييره العلمية. ويعكس ذلك ما يمكن تسميته "الانغلاق المنهجي" يُقيد إمكانات الفهم المتعدّد الأفق. بعد عرضه الصراع بين "التفسير" و"الفهم" في العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، يرى بول ريكور أن مهمة الفلسفة تكمن في تأسيس تعدد المناهج. ويشرح أن هذا التعدد المنهجي يعني الاعتراف بانقطاع إبستمولوجي بين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان، مؤسس على اختلاف نمط وجود الطبيعة عن نمط وجود الروح، أو الفعل الإنساني. يرفض ريكور بوضوح الأحادية المنهجية ويدعو إلى تعددية المنهجية بوصفها شرطًا لفهم أعمق للواقع الإنساني[24]؛ أي إلى تعدد مناهج القراءة والفهم والتفسير في العلوم. وهذا الرفض للأحادية المنهجية هو بالضبط الوجه الإيجابي لما نسميه "الانغلاق المنهجي"، أي التمسك بمقياس واحد للعلمية والخوف من أي اختلاط، أو عبور للأفق.
أما "ملف نهاية السنة"، فبالرغم من كونه يشكّل استثناءً من حيث الدعوة الصريحة إلى التركيب بين المعارف، فإنه يظل، نتيجة غياب إشراف بينيّ فعلي وعدم إدراجه ضمن شبكة تقييم تراعي طبيعته المركبة، تمرينًا شكليًا أكثر من كونه تجربة تكوينية متكاملة؛ فلا يُنظر إليه عادة بوصفه تمرينًا بينيّا في حد ذاته؛ بل يُعامل كعمل فردي معزول، يقيّم ضمن معايير لا تختلف عن تلك المعتمدة في الامتحانات التقليدية.
ما تُظهره الخبرة في معهد الآداب الشرقية يتقاطع مع ما تذكره دراسة آشبي (Ashby) وإكستر (Exter)؛ فالتدريس البينيّ لا يقوم على تجميع محتويات من حقول مختلفة؛ بل على بناء تجارب تعلم يكون فيها "التوليف وصنع المعنى في صميم التعلم البينيّ"[25]. وهذا يتطلب تخطيطًا مشتركًا بين الأساتذة وتعاونًا فعليًا في تصميم الأنشطة والتقييم، لا مجرد تقاسم ميكانيكي لساعات التدريس[26]. وطالما بقيَ التدريس البينيّ في أي مؤسسة تعليم عالٍ قائمًا على مبادرات فردية من بعض الأساتذة، من دون أن يواكب ذلك تطوير بيداغوجي منظم، فإنه يظل معرضًا للعودة إلى منطق التخصّصات بمجرد تغير الأشخاص.
في هذا السياق، تفقد البينيّة بعدَها التكويني الحقيقي، وتتحول إلى عنصر تجميلي في البرامج، لا إلى بنية عميقة تُعيد تشكيل الذهنيات والمقاربات². ليس المطلوب هنا تنويع المواد فقط؛ بل إعادة التفكير في المنطق التكويني نفسه؛ بحيث تُصبح البينيّة معيارًا في الإشراف والتقويم والتخطيط الأكاديمي، لا مجرد مضمون يُضاف على الهامش.
يواجه الطالب في معهد الآداب الشرقية معضلة إبستيمولوجية صامتة: فإما أن يلتزم بتخصّصه الأساس ويتعمق فيه وفق المسارات التقليدية، أو أن يغامر في مشروع بحثي بينيّ لا يحظى غالبًا بالدعم المؤسسي، أو الفهم الكامل من اللجان المشرفة. هذه المفارقة تضعه في موقف هش؛ حيث يُطالَب بالابتكار دون أن يجد البنية اللازمة لذلك.
وتنعكس هذه المعضلة في عدة مظاهر:
- صراع بين الرغبة في التفكير الخلاق والمعايير الأكاديمية السائدة التي تميل إلى التجانس والانضباط داخل الحقول.
- تردد في اختيار مواضيع بحثية تتقاطع فيها حقول متعدّدة، كالعلاقة بين اللغة والدين، أو بين البلاغة والفكر الفقهي.
- صعوبة في العثور على لجنة إشراف تجمع بين كفاءات تخصّصية متنوعة، تكون مؤهلة لتأطير أطروحة بينيّة.
ويُضاف إلى ذلك فراغ إبستمولوجي واضح على مستوى التكوين نفسه؛ إذ لا توجد وحدات منهجية تُعرف الطالب بالبينيّة من منظور نظري ومنهجي، ولا تدريب على تقنيات المقارنة النقدية، ولا توضيح للفوارق الدقيقة بين أنواع التداخل المعرفي: هل هو تداخل مفهومي؟ منهجي؟ تأويلي؟ إن هذا الغياب يجعل من البينيّة مشروعًا ضبابيًا يفتقر إلى الأرضية المعرفية التي تسمح له بالنمو والتطور.
في كتابه (Science de la science et réflexivité)، يربط بورديو بين بنية الحقل العلمي، والتمركز الأرثوذكسي، والمواقع الحدية التي تعبر الحدود وتؤسس تخومًا جديدة بين الحقول. ويقول: "يمكن، بلا شك، التمييز بين عائلات من المسارات، ولا سيما بين فريق من جهة يضم المركزيين والأرثوذكسيين والتابعين، وفريق آخر من جهة مقابلة يضم الهامشيين والهراطقة والمجددين الذين يتموضعون غالبًا عند حدود تخصّصاتهم (ويعبرونها أحيانًا)، أو يبتكرون تخصّصات جديدة عند تخوم عدة حقول معرفية"[27]. بهذا يُظهر بورديو أن العلم محكوم أيضًا ببُنى اجتماعية ومؤسساتية تُعزز الانغلاق التخصّصي؛ إذ تعمل "الدوكسا العلمية" على إعادة إنتاج الهرميات القائمة، الأمر الذي يُعيق العبور بين الحقول. وهكذا، تصبح البينيّة فعل مقاومة ضد الجمود المؤسسي.
ومن التحدّيات الأكثر حساسية التي تواجه الأبحاث البينيّة في المعهد، هو غياب إطار مؤسسي يضمن الاعتراف المهني الفعلي بالشهادات التي تنتج عن مسارات مركبة. فالطالب الذي ينجز أطروحة في موضوع مثل "البلاغة القرآنية بين الخطاب والدلالة"، أو "النص الفقهي بوصفه جسدًا لغويا"، قد يجد نفسه في موقع غامض بين التخصّصات، لا ينتمي إلى حقل معرفي واضح وفق المعايير الإدارية للمؤسسات الأكاديمية وسوق العمل.
يمكن توضيح الرهانات المؤسسية والمعرفية للأبحاث البينيّة من خلال مثال رسالة ماجستير تناولت موضوع «البلاغة القرآنية بين الخطاب والدلالة» تحت إشرافٍ مشترك بين أستاذ في اللغة العربية وآدابها وأستاذ في الدراسات الإسلامية والفكر الكلامي. لم يقتصر هذا الإشراف المزدوج على توزيع شكلي للأدوار؛ بل تجسد في مسار بحثي فرض على الطالب أن يتحرك باستمرار بين مستويات متعدّدة من التحليل. فمن جهة أولى، اعتمد البحث أدوات البلاغة العربية لتحليل البنى الاستعارية والإيقاعية في مجموعة من الآيات التي شكلت محورًا للجدل الكلامي القديم والحديث. ومن جهة ثانية، استند إلى نظريات الخطاب المعاصرة ليحلل كيف أُعيد توظيف هذه الآيات ذاتها في سجالات سياسية وهوياتية راهنة.
هذا التداخل بين التحليل البلاغي الدقيق والقراءة التأويلية النقدية سمح بطرح أسئلة لا يمكن أن تظهر في إطار تخصّصي صرف، من قبيل: كيف تنتقل البنية البلاغية من فضاء التلقي التعبدي إلى فضاء الجدل العمومي؟ كيف تُسهم اختيارات التفسير في إنتاج أنماط معينة من الخطاب السياسي والديني؟ وكيف ينعكس ذلك على مفهوم الحقيقة الدينية وحدودها في الوعي المعاصر؟ لقد أظهر المشروع أن التعامل مع النص القرآني بوصفه "بنية لغوية" و"فعل خطاب" و"حدثًا تأويليًا"، في الوقت ذاته، يستلزم بالضرورة تضافر أدوات عدة: لسانية، وبلاغية، وهرمنيوطيقية، وأنثروبولوجية.
غير أن هذا النجاح المعرفي يواجه، كما سبقت الإشارة، عوائق مؤسسية حادة؛ إذ يصعب تصنيف هذا العمل، إداريًا، في خانة "اللغة العربية"، أو "الفلسفة"، أو "الإسلاميات" بالمعنى الضيق، ما ينعكس على آليات معادلة الشهادات، ومجالات التوظيف، وتحديد الهوية التخصّصية للخريج. إن هذه الدراسة الحالة تُبرز بوضوح المفارقة المركزية التي تشتغل عليها هذه الورقة: كلما اقترب البحث من تحقيق البينيّة بوصفها رؤية إبستمولوجية تنتج معرفة مركبة، ازداد احتكاكه بالحدود الصلبة للبنى الإدارية التقليدية. ومن هنا تنبع الحاجة إلى تصورٍ مؤسسي جديد يعترف بالمسارات البينيّة ويمنحها شرعية تنظيمية تعادل شرعيتها المعرفية.
وتنعكس هذه الإشكالية في الآتي:
- محدودية فرص التوظيف في مؤسسات تعتمد على التصنيف التخصّصي الصارم (هل هو أستاذ لغة؟ فلسفة؟ إسلاميات؟).
- افتقار نظام المعادلات والاعتراف الرسمي بالشهادات إلى تصور مرن يسمح بإدماج المسارات البينيّة.
- غياب بنية ثقافية، أو مؤسسية في سوق العمل قادرة على استيعاب هذا النوع من التفكير النقدي المركب.
يُبرز هذا الوضع الحاجة إلى تأسيس وحدة إرشاد مهني تُعنى بالشهادات البينيّة وتواكب مسارات الطلبة، وتُبلور لهم مخرجات عملية واضحة، مثل التحرير الأكاديمي، تحليل الخطاب، الحوار الثقافي، إنتاج المحتوى التربوي والمعرفي، إلخ. كما يستوجب الأمر بناء خطاب مؤسسي يعترف بالقيمة الفكرية والمجتمعية للتفكير البينيّ، ويعمل على إدماجه في شروط التوظيف والمعادلة الرسمية.
على الرغم من المؤشرات الإيجابية التي تُبرزها مصفوفة المقررات، تُظهر القراءة التحليلية العميقة أن البينيّة في معهد الآداب الشرقية لا تزال حالة إمكان غير مفعلة بشكل تام، وهي تعاني من فجوة ثلاثية:
- فجوة بنيوية بين طبيعة البرامج وبنية المؤسسة التي لا تُشجع التداخل المؤسسي.
- فجوة تربوية بين محتوى المقررات وآليات التقويم والإشراف التي لا تعترف بالبينيّة.
- فجوة مهنية بين التكوين الأكاديمي والمخرجات المطلوبة في سوق العمل.
وإذا لم يُعالج هذا الوضع ضمن مشروع مؤسسي متكامل، فإن الخطر يكمن في تحول البينيّة من أفق معرفي خلاق إلى شعار فارغ يُجمل البرامج من دون أن يُغير بنيتها. من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف البينيّة، لا بوصفها مجرد تجميع لوحدات معرفية متجاورة؛ بل إيمانًا بأنها رؤية إستراتيجية تشمل المناهج، والسياسات التربوية، وآليات الإشراف والتقويم، والتوجيه المهني، في آنٍ معًا.
من الملاحظ أن هذه التحدّيات ليست مستقلة عن بعضها البعض؛ بل هي متشابكة؛ فضعف التنسيق الإداري ينعكس مباشرة على تصميم المناهج، وغياب الإشراف المشترك يحد من فرص توليد ثقافة بينيّة حقيقية؛ بينما يؤدي الانغلاق المعرفي إلى تباطؤ الإصلاح المؤسسي. وبالتالي، ينبغي لأي إستراتيجية هادفة إلى تجاوز هذه العقبات أن تتبنى مقاربة مزدوجة:
- إصلاح بنيوي إداري يضمن انسيابية العمل البينيّ على مستوى الجداول، والأرصدة، والإشراف.
- تحول إبستيمولوجي يعيد صوغ فلسفة التعليم في المعهد، ويربط بين الحقول على أساس النقد المتبادل والتوليد المشترك للمفاهيم.
لتجاوز هذه التحديات، يمكن تبني خطوات عملية، مثل:
- إطلاق وحدات بحثية مشتركة بين الأقسام، تتناول قضايا تقع على تقاطع أكثر من تخصّص.
- إدراج مقررات إلزامية ذات طابع بينيّ في جميع المسارات.
- اعتماد الإشراف المزدوج بوصفه آلية إلزامية في مشاريع التخرج ذات الموضوعات البينيّة.
- تطوير ورش تدريبية للأساتذة والطلاب حول أدوات البينيّة وأساليبها.
علمًا أن تفعيل هذه الخطوات يتطلب إرادة مؤسسية واضحة، ورؤية إستراتيجية تعترف بأن البينيّة ليست مجرد خيار إضافي؛ بل هي شرط أساس لتطوير المعرفة في الجامعة المعاصرة.
يتمتع معهد الآداب الشرقية في جامعة القدّيس يوسف في بيروت بمقومات معرفية وتكوينية تجعل منه أحد أبرز الفضاءات المؤهلة لاستيعاب المشروع البينيّ وتجريبه وتطويره. فتنوع اختصاصاته، وتعدد لغاته الأكاديمية، وثراء مواده التكوينية، عوامل تشكل أساسًا خصبًا لتبني البينيّة بوصفها مقاربة معرفية، ومنهجية تربوية، ومسارًا بحثيًا، وهوية مؤسسية. ومع ذلك، فإن هذا الإمكان النظري، الذي يلمع في عناوين المقررات والمقاربات، لا يزال حبيس البنية التقليدية للمؤسسة، ما لم يواكَب بتأسيس فعلي من داخل المعهد يشمل البنى التنظيمية والتربوية والبحثية على السواء.
يتطلب تفعيل البينيّة، قبل أي شيء، تحولًا في الرؤية المؤسسية يتجاوز إدماج بعض الوحدات المتقاطعة، أو تشجيع اجتهادات فردية، نحو مراجعة شاملة للمنطق الذي يحكم العلاقة بين التعليم والمعرفة والبحث. فالبينيّة ليست "زينة منهجية" تُضاف إلى البرامج؛ بل هي أفق تأويلي يعيد طرح الأسئلة حول طبيعة التخصّص، وحدوده، وجدواه في مقاربة قضايا تتسم بالتعقيد والتشابك.
من هذا المنطلق، يقتضي التحول إلى البينيّة، بوصفها مشروعًا مؤسسيا فعليًا، إنشاء وحدة مؤسسية دائمة تُعنى حصريًا بتنسيق البينيّة وتفعيلها في برامج المعهد كافة. يمكن أن تُسمى هذه الوحدة «وحدة البينيّة والتنسيق المعرفي»، ويُناط بها عدد من الوظائف الجوهرية، منها:
- مراجعة شاملة للمقررات الحالية بهدف الكشف عن إمكانات الربط والتكامل بينها.
- تصميم وحدات تعليمية جديدة ذات طابع بينيّ، وبخاصةٍ في مرحلة الماجستير.
- مرافقة أعضاء الهيئة التعليمية في بناء مقررات تشاركية عابرة للتخصّصات.
- تطوير أدوات تقويم جديدة تأخذ في الحسبان المهارات التركيبية، والتفكير النقدي، والمقارنة المفهومية.
- تنظيم "ملف نهاية السنة" ليصبح لحظة تدريب مركزي على التركيب المعرفي، تحت إشراف مشترك.
- إطلاق ندوات ولقاءات علمية سنوية مخصصة لموضوعات بينيّة تعالج تقاطعات الفكر والنص والدين.
يتطلب هذا التحول أيضًا إعادة هيكلة البرامج التكوينية؛ بحيث يتم إدخال وحدات إلزامية تُشكل مدخلًا معرفيًا ومنهجيًا للطالب إلى مفهوم البينيّة وتطبيقاتها. ونقترح، في هذا السياق، إدراج مقرر في السنة الأولى من الماجستير تحت عنوان: "مقدمة في المقاربة البينيّة في العلوم الإنسانية"، أو "مختبر القراءة المركبة للنصوص". ولا ينبغي أن تكون هذه الوحدة مجرد حصة نظرية؛ بل فضاءً تطبيقيًا يتدرب فيه الطالب على عبور الحقول، وتحليل النصوص من زوايا متعدّدة، وتكوين جهاز مفهومي يتيح له التمييز الواعي بين التخصّصات تمهيدًا لوصلها.
ينبغي لمثل هذه الوحدة أن تدمَج في قلب المنهاج، لا على هوامشه، وأن تعتَمد كأحد معايير تقويم الأداء العام للطالب؛ فهي التي تُرسخ لديه القدرة على بناء إشكاليات مركبة، وصوغ فرضيات تأويلية متعدّدة الأبعاد، واستعمال مناهج متقاطعة في القراءة والتحليل.
في السياق نفسه، يُفترض إعادة التفكير في "ملف نهاية السنة" الذي يُطلب من الطالب في ختام كل سنة دراسية؛ بحيث لا يُنظر إليه بوصفه تمرينًا فرديًا ختاميًا، إنما يُقارب من منطلق تشكيله مشروعًا تركيبيًا جماعيا – إشرافيا. يُقترح، بالتالي، أن يُشرف على هذا الملف أستاذان ينتميان إلى مجالين معرفيين مختلفَين، وأن يقيّم بحسب معيارين أساسين:
أ. مدى احترام الطالب مناهج تخصّصه الأكاديمي.
ب. قدرته على إقامة علاقات معرفية بنيوية مع تخصّص موازٍ.
بهذه الطريقة، يتخطى الملف حدود المنتج المعرفي ليغدو تجربة تكوينية متكاملة، تُمكن الطالب من اكتساب أدوات العبور، وتُعلمه التفكير في مشكلات لا تندرج تلقائيًا في حقل واحد. وإذا ما تم تنظيم هذا التمرين بجدية، يمكن أن يُصبح نموذجًا فريدًا في التعليم العالي العربي يُعيد تعريف البحث بوصفه عملية تركيب، لا مجرد تراكم.
إن قياس الكفاءة البينيّة لا يمكن أن يقتصر على إحصاء عدد الحقول التي يستدعيها الطالب في مشروعه؛ بل يجب أن يطال نوعية الدمج بينها؛ فالتفكير البينيّ هو "مهارة معرفية معقدة (مركبة) تتضمن مجموعة من المهارات الفرعية"[28]. لذا لا بد من اقتراح معايير تقيّم متانة التأسيس التخصّصي، والقدرة على تحقيق تقدم معرفي عبر الدمج، والوعي النقدي بحدود هذا الدمج. بناءً على ذلك، يبدو أن ملف نهاية السنة في المعهد يمكن أن يتحول إلى أداة مميزة لقياس هذه الكفاءة، شرط إعادة تصميم شبكات التقييم بحيث ترصد هذه الأبعاد الثلاثة، بدلًا من الاكتفاء بتقييم المحتوى داخل حقل واحد.
يتكامل هذا المسار مع تطوير الفضاءات البحثية في المعهد، ولا سيما من خلال تنظيم ورش عمل مشتركة بين المسارات المختلفة، بخاصةٍ في مرحلة الماجستير الثاني، حول قضايا معرفية تُحاكي التداخل المنهجي، مثل:
- التأويل الديني في ضوء الفكر الفلسفي المعاصر.
- البلاغة والنص القرآني بين الخطاب والتحليل النقدي.
- التصوف الإسلامي في أفق الفلسفة الوجودية.
- الفكر الأدبي والفقه السياسي في إطار التحولات المجتمعية.
يمكن أن تتخذ هذه الورش شكل حلقات تكوينية متقاطعة (Séminaires Croisés)، تُختتم بـمنتدى بحثي داخلي يُقدم فيه الطلاب مشاريعهم التركيبية أمام لجنة بينيّة. إن مثل هذه المنتديات تُعزز إنتاجية الطالب، وتنمي لديه كفاءة العرض والنقاش والنقد في إطار تداخلي فعلي.
يُستحسن، في سبيل تأمين بعد مؤسسي وديناميكي لهذا المشروع، إطلاق منشور دوري رقمي داخلي يُعنى حصرًا بنشر الأبحاث البينيّة الناتجة من ملفات نهاية السنة، أو الورش، أو الشراكات بين الأساتذة. يشكّل هذا النشر منصة حية للكتابة التداخلية، ويُسهم في بناء ثقافة جديدة داخل المعهد تُعبر عن حضور البينيّة، سواء على مستوى البرامج، أو في ممارسة التفكير ذاته. كما يُوفر هذا المنشور أرشيفًا نوعيًا يُفيد الطلاب والأساتذة.
تُمثل الشراكات المؤسسية ركيزةً أساسًا لدعم هذا التوجه؛ إذ يُمكن للمعهد أن يعقد اتفاقيات تعاون مع مؤسسات أكاديمية داخل الجامعة (مثل معهد العلوم الدينية، أو مركز لويس بوزيه)، أو خارجها، لا سيما مع جامعات ومراكز متقدمة في مجال البينيّة في الفضاء الفرنكوفوني. تفتح هذه الشراكات آفاق التبادل المعرفي والبيداغوجي، والأهم أنها تُسهم في ترسيخ البينيّة بوصفها خيارًا تربويا معترفًا به، وتُعزز مكانة المعهد؛ بحيث يمسي مختبرًا فكريًا رائدًا على المستويين المحلي والعربي.
حين تُفهم البينيّة على أنها عملية اختراق منهجي ومنظومي لبنى التفكير والتعليم، لا مجرد تجاور بين تخصّصات، فإنها تكف عن كونها ترفًا تربويًا، أو تهديدًا للهوية المعرفية، لتصبح أحد أهم مفاتيح إنتاج معرفة مركبة، ومرنة، ومفتوحة. وإذا تمكن معهد الآداب الشرقية من تأطير هذا المشروع وتحويله إلى خيار بنيوي مدروس، فإنه يخطو نحو تكريس نموذج متقدم داخل جامعة القدّيس يوسف في بيروت، وبالتالي، يطرح نفسه كمؤسسة رائدة على مستوى العالم العربي في إعادة التفكير في مفهوم التعليم العالي، وفلسفة التكوين، ووظيفة البحث.
إن القيود البنيوية التي تواجه مسار البينيّة في معهد الآداب الشرقية، وبخاصة ما يتعلق بالإشراف العلمي، وآليات التقييم، والهيكلة الإدارية، لا تُعد خصوصية محلية؛ بل هي جزء من نمط عام يطبع الجامعات العربية في أغلب بلدان المنطقة. فقد كشفت دراسات عدة أن غلبة البُنى اللائحية التقليدية، واعتماد تقسيمات تخصّصية صلبة في توصيف البرامج، وغياب آليات للإشراف المشترك، أو التقييم التكاملي، تُعيق جميعها إمكان تشكل بيئة بينيّة فعلية تتجاوز التنسيق الإجرائي إلى التعاون المنهجي. لا يزال أمر البينيّة في الجامعات العربية، بالرغم من كل الجهود المبذولة، أمرًا "متذبذبًا ومحتشمًا لم يرْقَ بعد إلى المستوى المطلوب، وهذا مطلب ضروري نظرًا إلى ما للدراسات البينيّة من نتائج فعالة في الأبحاث الواسعة المعقدة، وحلّها، وكذا تكامل المعارف"[29].
بناءً على ذلك، يصبح واضحًا أن الحلول المقترحة في هذا البحث، مثل تعزيز الإشراف المزدوج، واستحداث ورش بحثية مشتركة، وتبنّي آليات تقييم تركيبية، لا تُعدّ مجرد توصيات محلية تخص المعهد؛ بل تمثل نموذجًا قابلًا للنقل إلى جامعات عربية أخرى تعاني من البنية نفسها، شرط تكييفها مع خصوصية كل مؤسسة. فالمسار البينيّ لا ينجح بالاستيراد الميكانيكي للنماذج؛ بل بتطوير بنيات تنظيمية مرِنة تستجيب لثقافة المؤسسة، ورؤية برامجها، ونوعية حقولها المعرفية.
من هنا، يمكن القول إن معهد الآداب الشرقية، على الرغم من محدودية بيئته التنظيمية، يشكّل حالة كاشفة لبنية أوسع على مستوى المنطقة، ما يجعل نتائجه قابلة للمقارنة والتعميم، شريطة الحفاظ على حساسية السياق المحلي في كل تجربة تطبيقية.
تُظهر هذه الدراسة، في ضوء تحليل دقيق لبنية البرامج والمقررات في معهد الآداب الشرقية، أن البينيّة لم تعد ترفًا معرفيًا، أو منهجيًا؛ بل غدت ضرورة أكاديمية ومطلبًا تكوينيًا ملحًا في عالم تتكثف فيه التشابكات المعرفية، وتتعقد فيه الظواهر الثقافية والفكرية والدينية. فالبحث الجامعي لم يعُد قادرًا على الاستمرار في إطاره التخصّصي الضيق، ما لم يفتح على مقاربات متعدّدة تسمح بفهم أكثر تركيبًا للإنسان واللغة والنص والعقيدة والتاريخ.
تعزز دراسة هان (Han) هذا الاستنتاج؛ إذ تُظهر عبر نموذج إحصائي واسع أن التعرض الحقيقي للتجربة البينيّة يرتبط بزيادة في فرص العمل والدخل؛ حيث يشير الباحثون إلى أن "زيادة واحدة في الوحدة... ترتبط بارتفاعٍ قدره 4% في الدخل"[30]. ويشكّل معهد الآداب الشرقية في جامعة القدّيس يوسف في بيروت نموذجًا فريدًا لهذا التحدي؛ فهو يجمع بين تخصّصات تنتمي إلى الحقول الكبرى للعلوم الإنسانية، من اللغة العربية وآدابها إلى الفلسفة والفكر الإسلامي، مرورًا بالأنثروبولوجيا الدينية والدراسات اللاهوتية. كما أنه يتكئ على مرجعيات لغوية وثقافية متعدّدة (العربية، والفرنسية، والسريانية، والإنكليزية)؛ مما يتيح له بيئة ملائمة لاختبار البينيّة، ملاءمة تجمع المحتوى المعرفي والمنظور المؤسسي الشامل.
ومع ذلك، تكشف الدراسة عن وجود فجوة بنيوية حقيقية بين إمكانات البرامج وممارسات المؤسسة. فعلى الرغم من توفر وحدات تعليمية ذات طابع بينيّ صريح، مثل القراءة المركبة، أو منهجيات البحث، أو ملف نهاية السنة، فإن هذه المبادرات تبقى، في كثير من الأحيان، أسيرة التخصّصات المنعزلة؛ إذ لا تجد الإطار الإداري، أو التربوي الذي يمكّنها من التحول إلى مشروع تكويني حقيقي. فغياب وحدات تنسيق معرفي، وانعدام الإشراف المزدوج، وغياب شبكات تقييم تراعي المعايير البينيّة، كلها عناصر تُفرغ هذه المحاولات من قدرتها على التأثير في بنية التكوين.
ولم تقف الدراسة عند هذا التشخيص؛ بل سعت إلى رسم خارطة طريق واضحة لتحويل البينيّة من مجرد إمكانية كامنة إلى خيار مؤسسي قابل للتنفيذ، لأن نجاح البرامج البينيّة مشروط بوجود اتساق بنائي بين المخرجات المقصودة، وأنشطة التعلم، وأدوات التقييم (constructive alignment)؛ بحيث تصبح الكفاءة البينيّة هدفًا مصممًا، لا نتيجة ثانوية لمسارات التجسير[31].
وقد شمل هذا التحول المقترَح جملة من التوصيات العملية، من أبرزها:
- إنشاء وحدة دائمة للتنسيق البينيّ تُشرف على البرامج، وتواكب تطوير المقررات وتنظيم الإشراف والتقويم.
- إعادة تصميم ملف نهاية السنة ليصبح تمرينًا تركيبيًا تشاركيًا، يُشرف عليه أستاذان من تخصّصين مختلفَين، ويُقيّم على أساس قدرات الربط بين الحقول.
- إدراج مقررات إلزامية جديدة تعرّف الطالب بالبينيّة وتدربه على المقارنة المنهجية والعبور التأويلي.
- تأسيس فضاءات بحثية مشتركة، كالحلقات التكوينية والمنتديات الداخلية، تسمح للطلبة بخوض تجربة البحث البينيّ في بيئة تفاعلية نقدية.
- إطلاق منصة رقمية للنشر تُعنى بتوثيق الأبحاث البينيّة وإبرازها داخل الهوية المؤسسية للمعهد.
ولا يقتصر أثر هذه الإجراءات على تحسين نوعية التعليم؛ بل يمتد ليعيد تعريف وظيفة المعهد نفسه. فالبينيّة، حين تُفعل ضمن رؤية شاملة، تسهم في تجديد دور المؤسسة التربوية بوصفها فضاءً لصناعة الفكر النقدي، وصوغ أدوات فهم معقدة، وبناء جسور بين ما فُصل من معارف بفعل التخصّص والانغلاق المؤسسي.
إن البينيّة، بهذا المعنى، لا تمثل تحسينًا للمناهج، أو تنويعًا في المقاربات، ذلك أنها تُعبر عن نقلة نوعية في فهم المعرفة ذاتها، بوصفها نشاطًا تركيبيًا، يتطلب عبورًا دائمًا بين المفاهيم والمناهج واللغات والثقافات. وهي أيضًا وعد بتعليمٍ أعمق، وبحث أكثر حيوية، ورؤية أكاديمية أكثر قدرة على الانخراط في أسئلة العصر.
ومعهد الآداب الشرقية، بما يمتلكه من إرث أكاديمي طويل، وهيئة تعليمية ذات تكوينات متنوعة، وطلبة ذوي خلفيات فكرية ولغوية متعدّدة، يملك المقومات جميعها لقيادة هذا التحول، لا على مستوى الجامعة فحسب؛ بل على مستوى المشهد الجامعي اللبناني والعربي، بوصفه فضاءً تأويليًا جديدًا يُعيد رسم علاقة الإنسان بالنص، والمعرفة بالهوية، والبحث بالواقع، من خلال مشروع بينيّ جريء ونقدي ومُنظم.
الحاج علي، هوارية. "واقع اعتماد الدراسات البينيّة في الجامعات العربية". مجلة إشكالات في اللغة والأدب. مج13، ع1 (مارس 2024)، ص496-508.
رزيق، رابح. "التكامل المعرفي: دلالاته الإبستيمية ومبادئه الفلسفية". مجلة الآداب واللغات والعلوم الإنسانية. مج8، ع1 (مارس 2025)، ص80-112.
ملكاوي، فتحي حسن. "مفاهيم التكامل المعرفي". ضمن: التكامل المعرفي: أثره في التعليم الجامعي وضرورته الحضارية. تحرير رائد عكاشة. الولايات المتحدة الأمريكية: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2012، ص19-54.
Reference
Ashby, Iryna and Exter, Marisa. “Designing for Interdisciplinarity in Higher Education: Considerations for Instructional Designers.” TechTrends. Vol. 63, No. 2 (2019), pp. 202-208. https://doi.org/10.1007/s11528-018-0352-z
Bourdieu, Pierre. Science de la science et réflexivité: Cours du Collège de France 2000-2001. Paris: Raisons d’agir, 2001.
Elhadj Ali, Houaria. “The Reality of Interdisciplinarity Studies Adoption in Arab Universities.” Ichkalat journal. Vol. 13, No. 1 (March 2024), pp. 496-508.
Frodeman, R., Klein, J.T. and Pacheco, R.C.S. The Oxford handbook of interdisciplinarity. 2nd ed., Oxford: Oxford University Press, 2017.
Han, Siqi, et al., “Interdisciplinary College Curriculum and Its Labor Market Implications.” Proceedings of the National Academy of Sciences. Vol. 120, No. 43 (2023), pp. 1-7. https://doi.org/10.1073/pnas.2221915120
Jullien, François. Il n’y a pas d’identité culturelle. Paris: L’Herne, 2016.
Klein, Julie T. Interdisciplinarity: History, Theory, & Practice. Detroit: Wayne State University Press, 1990.
Laursen, Bethany & O’Rourke, Michael. “Thinking with Klein about integration.” Issues in Interdisciplinary Studies. Vol. 37, No. 2 (2019), pp. 33-61.
Malkawi, Fathi Hasan. “Mafāhīm al-Takāmul al-maʻrifī.” In: Rāʼid ʻUkāshah (ed.). l-Takāmul al-maʻrifī: atharuhu fī al-Taʻlīm al-Jāmiʻī wa-ḍarūratuhu al-ḥaḍārīyah. USA: The International Institute of Islamic Thought, 2012, pp. 19-54.
Morin, Edgar. Introduction à la pensée complexe. Paris: Seuil, 1990.
Morin, Edgar. La tête bien faite. Paris: Seuil, 1999.
Newell, William H. & William J. Green. “Defining and Teaching Interdisciplinary Studies.” Improving College and University Teaching. Vol. 30, No. 1 (1982), pp. 23-30. https://doi.org/10.1080/00193089.1982.10533747
rezig, rabah. “Cognitive integration: its epistemic implications and philosophical principles.” Journal of literature foreign languages and Human Sciences. Vol. 8, No. 1 (March 2025), pp. 80-112.
Ricœur, Paul, Du texte à l’action: Essais d’herméneutique II. Paris: Seuil, 1986.
Ricœur, Paul. “Expliquer et comprendre. Sur quelques connexions remarquables entre la théorie du texte, la théorie de l’action et la théorie de l’histoire.” Revue Philosophique de Louvain. 4ᵉ série, t. 75, No. 25 (1977), 126-147.
https://www.usj.edu.lb/catalogues/2025/ILO/02-ILO-Licenceenlangueetlitteraturearabes.pdf
https://www.usj.edu.lb/catalogues/2025/ILO/03-ILO-Licenceenphilosophieetcivilisationarabes.pdf
https://www.usj.edu.lb/catalogues/2025/ILO/04-ILO-Masterenislamologie.pdf
https://www.usj.edu.lb/catalogues/2025/ILO/05-ILO-Masterenlangueetlitteraturearabes.pdf
https://www.usj.edu.lb/catalogues/2025/ILO/06-ILO-Masterenphilosophiearabeetislamique.pdf
المرافق الدراسي (Tuteur)
مقدمة:
في اجتماع أساتذة معهد الآداب الشرقية، في 5 حزيران 2025، شدّدوا فيه على كون المعهد مكانًا لتكوين الطلاب، علمانيين وغير علمانيين، تكوينًا فكريًا شخصيًا وجادًا، يخلق منهم عناصر فعالة وبناءة في مجالات تخصّصهم وفي المجتمع.
ويلاحظ كل عام وصول دفعاتٍ من الطلاب تربت على الحفظ عن ظهر قلب وفقدت روح النقد الموضوعية والتفاعل الشخصي، هذا عدا عن أن عددًا غير قليلٍ منهم لا يمتلك أدوات العمل الفكري الأساس.
ومنذ تبني المعهد ملف نهاية السنة بوصفه مقررًا إلزاميًا في التكوين، طرح موضوع المرافق الدراسي من باب كونه ضرورة لمساعدة الطلاب على التقدم الشخصي في مجالات دراستهم بالمعهد وعلى تحقيق الأهداف المرجوة.
أهداف المرافقة الفكرية/الدراسية:
1- مساعدة الطلاب على الاستفادة الشخصية والواعية من البرنامج الدراسي.
2- تكوين الفكر المنهجي وتنمية الروح النقدية لدى الطالب.
3- مساعدة الطالب على اكتشاف طريقته الخاصة في تناول المواد الدراسية، وكذلك على تحديد الموضوعات والقضايا التي تخاطبه بشكل شخصي.
4- تنمية الترابط بين الطلاب بشكل عميق وجدي يسمح لهم بالعمل معًا.
5- توجيه الطالب في إعداد ملفه وإعداده لمناقشته في نهاية السنة الجامعية.
واجبات المرافق الدراسي/الفكري:
يقوم المرافق الدراسي/الفكري بمساعدة الطالب على الدخول بوجه شخصي في الدراسة، فهو بمثابة الوسيط بين التعليم العام الذي يعطى في المحاضرات والاستيعاب الشخصي من جانب الطالب، فينصحه باختيار القراءات المناسبة، ويقدم له طرائق عمل وبحث تتفق وقدرات الطالب وإمكاناته واهتماماته، ويؤكد على التوازن الواجب بين مختلف المواد الدراسية.
وتعتمد المرافقة الدراسية/الفكرية على مبدأ قراءة الحياة، فيقرأ الطالب خبرته الفكرية أمام المرافق ليعي بوجه أكبر استفادته الشخصية من الدروس، ويسمي مكتسباته وكذلك صعوباته ونقاط المقاومة. بقول آخر، يساعد المرافق الطالب على إدراك ما أنجزه وما يبقى عليه من عمله.
1- يرافق أحد الأساتذة مجموعة من خمسة طلاب كحد أقصى، يتعرف إليهم وإلى مستواهم، ويعرف منهم أهدافهم الشخصية من الالتحاق بالمعهد وبالاختصاص. ويعتمد الأستاذ المبدأ الأساس القائل بوجوب قبول الأشخاص في مستواهم وتساؤلاتهم ومساعدتهم على التقدم والنمو.
2- يساعد الأستاذ الطلاب على تكوين طريقة شخصية ناجحة وفعالة في أسلوب حضورهم المحاضرة وتدوين المذكرات، في قراءة الكتب والاستفادة منها، في إعداد الأبحاث والملخصات، ولا ننسى وسائل الاستذكار والدراسة بعيدًا من الحفظ عن ظهر قلب.
3- يساعد الأستاذ الطلاب على الربط بين المناهج، واكتشاف وجهات النظر المختلفة في تناول موضوع معين، والوصول إلى تكوين رؤية شخصية متكاملة للمناهج المتعدّدة.
4- يساعد الأستاذ الطالب في إعداد ملف نهاية السنة، ويوجهه، ويناقشه في الأفكار، ويقترح عليه قراءات لتعميق الطروحات الفكرية، ويكون حاضرًا معه عند مناقشة ملفه.
بعض المقترحات العملية:
1- يرافق الطالب مرافقٌ دراسي/فكري، ويلتقيه بوجه دوري (مرة في الشهر، أو أكثر إذا احتاج الأمر، وبالأخص في السنة الأولى)، تتناول المرافقة النقاط الآتية:
- حوار حول الدروس، تنظيم الوقت ومحصلة الدراسة، الدرجات التي حصل عليها الطالب في أبحاثه، اختيارات الأبحاث وتوزيعها، احترام المُهَل المحددة.
- يساعد المرافق الطالب على اكتساب طريقة بحثية ودراسية.
- يقدم النصائح فيما يخص القراءات المصاحبة للدروس.
- يتابع إعداد ملف نهاية العام، وهو عضو في لجنة الامتحان النهائي.
2- يمكن للأستاذ أن ينظم لقاءً يضم الطلاب الذين يتولى مرافقتهم؛ بهدف تشجيعهم على مشاركة قراءاتهم الشخصية وكذلك الملخصات والأبحاث، وعرضها على زملائهم وطلب رأيهم فيها. كذلك يمكنه أن يطلب من الطلاب عرض رؤيتهم النقدية الشخصية لمناهج المحاضرات وكيفية استفادتهم منها والربط بينها. والغاية من ذلك هو اكتشاف الطالب نقاط قوته وضعفه، واهتماماته وميوله الفكرية الشخصية.
من المفيد جدًا أن يعمل الطلاب معًا في مناقشة قضية ما، وطرح التساؤلات الشخصية، والاستفادة من كتاب قرأه أحد زملائهم، وإعداد الامتحانات والإجابة عن الأسئلة حول مادة معينة.
[1] Siqi Han et al., “Interdisciplinary College Curriculum and Its Labor Market Implications,” Proceedings of the National Academy of Sciences, Vol. 120, No. 43 (2023), p. 5.
[2] R. Frodeman, J.T. Klein and R.C.S. Pacheco, The Oxford handbook of interdisciplinarity, 2nd ed. (Oxford: Oxford University Press, 2017), pp. 40-41.
[3] Ibid., p. 126.
[4] Ibid., pp. 35-37.
[5] Edgar Morin, La tête bien faite (Paris: Seuil, 2013), p. 18.
[6] فتحي حسن ملكاوي، "مفاهيم التكامل المعرفي"، ضمن: التكامل المعرفي: أثره في التعليم الجامعي وضرورته الحضارية، تحرير رائد عكاشة (الولايات المتحدة الأميركية: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2012)، ص 23.
[7] Julie T. Klein, Interdisciplinarity: History, theory, & practice (Detroit: Wayne State University Press, 1990), pp. 112-113.
[8] Frodeman, Klein and Pacheco, The Oxford handbook of interdisciplinarity, Op. Cit., p. 26.
[9] Klein, Interdisciplinarity, Op. Cit., p. 196.
[10] Bethany Laursen and Michael O’Rourke, “Thinking with Klein about integration,” Issues in Interdisciplinary Studies, Vol. 37, No. 2 (2019), p. 36.
[11] François Julien, Il n’y a pas d’identité cultrelle (Paris: L’Herne, 2016), p. 6.
[12] Klein, Interdisciplinarity, Op. Cit., p. 196.
[13] هوارية الحاج علي، "واقع اعتماد الدراسات البينية في الجامعات العربية"، مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مج13، ع1 (مارس 2024)، ص497.
[14] Morin, La tête bien faite, Op. Cit., pp. 127-137.
[15] Edgar Morin, Introduction à la pensée complexe (Paris: Seuil, 1990), p. 113.
[16] Paul Ricœur, Du texte à l’action: Essais d’herméneutique II (Paris: Seuil, 1986), p. 116.
[17] رابح رزيق، "التكامل المعرفي: دلالاته الإبستيمية ومبادؤه الفلسفية"، مجلة الآداب واللغات والعلوم الإنسانية، مج8، ع1 (مارس 2025)، ص83.
[18] Iryna Ashby and Marisa Exter, “Designing for Interdisciplinarity in Higher Education: Considerations for Instructional Designers,” TechTrends, Vol. 63, No. 2 (2019), p. 202.
[19] انظر برامج المعهد على موقع جامعة القديس يوسف في بيروت:
https://www.usj.edu.lb/catalogues/2025/ILO/02-ILO-Licenceenlangueetlitteraturearabes.pdf
https://www.usj.edu.lb/catalogues/2025/ILO/03-ILO-Licenceenphilosophieetcivilisationarabes.pdf
https://www.usj.edu.lb/catalogues/2025/ILO/04-ILO-Masterenislamologie.pdf
https://www.usj.edu.lb/catalogues/2025/ILO/05-ILO-Masterenlangueetlitteraturearabes.pdf
https://www.usj.edu.lb/catalogues/2025/ILO/06-ILO-Masterenphilosophiearabeetislamique.pdf
[20] راجع ملحق 1.
[21] Klein, Interdisciplinarity, Op. Cit., p. 11.
[23] Ashby and Exter, “Designing for Interdisciplinarity in Higher Education,” Op. Cit., p. 203.
[24] Paul Ricœur, “Expliquer et comprendre. Sur quelques connexions remarquables entre la théorie du texte, la théorie de l’action et la théorie de l’histoire,” Revue Philosophique de Louvain, 4ᵉ série, t. 75, No. 25 (1977), p. 126.
[25] Ashby and Exter, “Designing for Interdisciplinarity in Higher Education,” Op. Cit., p. 205.
[27] Pierre Bourdieu, Science de la science et réflexivité: Cours du Collège de France 2000-2001 (Paris: Raisons d’agir, 2001), p. 87.
[28] Ashby and Exter, “Designing for Interdisciplinarity in Higher Education,” Op. Cit., pp. 206-207.
[29] الحاج علي، "واقع اعتماد الدراسات البينية في الجامعات العربية"، ص 504.
[30] Han et al., “Interdisciplinary College Curriculum and Its Labor Market Implications,” Op. Cit., p. 4.
[31] Ashby and Exter, “Designing for Interdisciplinarity in Higher Education,” Op. Cit., pp. 207-208.