cid:image007.png@01DA94D4.752A8770Publizieren – Why Open Access? 

 

 

تاريخ الاستلام: 26 أغسطس 2025 | تاريخ التحكيم: 31 أكتوبر 2025 | تاريخ القبول: 30 نوفمبر 2025

مقالة بحثية

التجزّؤ المعرفي وإعادة إنتاج الهيمنة الأكاديمية: العوائق الرمزية والمؤسسية أمام البحث البيني في الجامعة التونسية

شهاب اليحياوي

 أستاذ علم الاجتماع، المعهد العالي للعلوم الإنسانية، جامعة تونس المنار، تونس

Yahyouichiheb08@gmail.com

https://orcid.org/0009-0009-1725-7711

فاتن مبارك

أستاذ علم الاجتماع، المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات، زغوان، تونس

Faten.mbarek@yahoo.fr

https://orcid.org/0009-0008-3234-658X

ملخص

تواجه بعض الجامعات العربية، وفي مقدمتها الجامعات التونسية، تحديًا مركبًا يتمثّل في ضعف حضور الأبحاث البينية نتيجة تفاعل عوامل معرفية وأخرى مؤسسية؛ حيث تعيد البنية الأكاديمية إنتاجَ التخصص الضيّق عبر آليّات رمزية مرتبطة بالتصوّرات الثقافية حول شرعية المعرفة، وأخرى مادية متصلة بالهياكل الإدارية الجامدة، ونظم التمويل، ومعايير التوظيف والترقية. ويؤدي هذا الوضع إلى ترسيخ هيمنة التخصصات المتعارف عليها، وتعميق الفجوة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، ما يحدّ من قدرة الجامعة على معالجة القضايا المركّبة المعاصرة، ويقلّل إمكانات التكامل البيني في إنتاج المعرفة. وتُظهر الثقافة الأكاديمية السائدة أنماطًا من الإقصاء الرمزي والمادي؛ تحافظ من خلالها النخب الجامعية على سلطتها، محوِّلةً التخصصات إلى "إقطاعيات معرفية" تتنافس على الموارد بدل التعاون؛ مما يخلق نظامَ حوافز معوِّقًا، يهمّش الباحثين المنفتحين على المقاربات البينية. ويزداد التعقيد مع سيطرة النخب المحافظة على معايير الشرعية العلمية؛ إذ تُتصور الأبحاث البينية كتهديد للهويات التخصصية. ومن هنا يتحدد السؤال المركزي: كيف تحوِّل البنى المعرفية والمؤسسية التخصص الأكاديمي من أداة لتنظيم المعرفة إلى سجن إبستيمولوجي يعوق المقاربة البينية؟ وللإجابة، يعتمد البحث مقاربةً نوعيةً في علم اجتماع الفهم، من خلال مقابلات نصف موجّهة مع (12 أكاديميًا) من جامعات تونسية، إلى جانب تحليل وثائق وملاحظة مشاركة؛ لمحاولة فهم تمثّلات الفاعلين واستراتيجياتهم، وكيفية إعادة إنتاج النظام الأكاديمي القائم. ومن المتوقع أن تسفر النتائج عن تحديد آليات الإقصاء الرمزي والمادي التي تمارسها "الإقطاعيات المعرفية" وكيفية تحويل الحدود الانضباطية إلى حدود هرمية تكرّس تجزئة المعرفة؛ ما يخلق إطارًا تحليليًا، يسهم في فتح حوار حول إصلاح النظام الأكاديمي، يكون أكثر انفتاحًا على التكامل المعرفي.

الكلمات المفتاحية: المقاربة البينية، الإقطاعيات المعرفية، الهويات التخصصية، التجزّؤ المعرفي، الاستبعاد الرمزي

للاقتباس: اليحياوي، شهاب ومبارك، فاتن. "التجزّؤ المعرفي وإعادة إنتاج الهيمنة الأكاديمية: العوائق الرمزية والمؤسسية أمام البحث البيني في الجامعة التونسية"، مجلة تجسير لدراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية البينية، المجلد الثامن، العدد 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0247

© 2026، اليحياوي ومبارك، الجهة المرخص لها: مجلة تجسير، دار نشر جامعة قطر. نُشرت هذه المقالة البحثية وفقًا لشروط Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0). تسمح هذه الرخصة بالاستخدام غير التجاري، وتنبغي نسبة العمل إلى صاحبه، مع بيان؛ أي تعديلات عليه. كما تتيح حرية نسخ، وتوزيع، ونقل العمل بأي شكل من الأشكال، أو بأي وسيلة، ومزجه وتحويله والبناء عليه، طالما يُنسب العمل الأصلي إلى المؤلف. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0

Publizieren – Why Open Access?Tajseer
Interdisciplinary Studies in
Humanities and Social Science

Submitted: 26 August 2025 | Reviewed: 31 October 2025 | Accepted: 30 November 2025

 

Research Article

Knowledge Fragmentation and the Reproduction of Academic Hegemony: Institutional and Symbolic Barriers to Interdisciplinary Research in Tunisian universities

Chehab Yahyaoui

Professor of Sociology, Higher Institute of Human Sciences, University of Tunis El Manar – Tunisia

yahyaouichiheb08@gmail.com

https://orcid.org/0009-0009-1725-7711

Faten Mubarak

 Professor of Sociology, Higher Institute of Applied Studies in Humanities, Zaghouan – Tunisia

Faten.mbarek@yahoo.fr

https://orcid.org/0009-0008-3234-658X

Abstract 

Some Arab universities, particularly Tunisian universities, face a complex challenge due to the limited presence of interdisciplinary research, which results from the interaction of epistemic and institutional factors. Academic structures tend to reproduce narrow specialization through symbolic mechanisms linked to cultural perceptions of knowledge legitimacy, as well as material mechanisms related to rigid administrative frameworks, funding systems, and criteria for recruitment and promotion. This reinforces the dominance of established disciplines and deepens the divide between the humanities and the natural sciences, limiting universities’ capacity to address complex problems and reducing the potential for interdisciplinary integration. The prevailing academic culture also reflects patterns of symbolic and material exclusion, through which university elites maintain their authority, transforming disciplines into “knowledge fiefdoms” that compete for resources rather than collaborate. This dynamic creates distorted incentives that marginalize scholars open to interdisciplinary approaches. The situation is further complicated by conservative elites who control the criteria of scientific legitimacy, causing interdisciplinary research to be perceived as a threat to disciplinary identities. Against this backdrop, the study raises a central question: How do epistemic and institutional structures transform academic specialization from a tool for organizing knowledge into an epistemological constraint that hinders interdisciplinary engagement? To address this question, the research adopts a qualitative approach grounded in interpretive sociology, employing semi-structured interviews with twelve academics from Tunisian universities, complemented by institutional document analysis and participant observation. The study aims to identify the symbolic and material mechanisms through which disciplinary “knowledge fiefdoms” are maintained and to examine how disciplinary boundaries become hierarchical structures that perpetuate knowledge fragmentation, thereby providing an analytical framework to foster dialogue on reforming academic institutions for greater openness to interdisciplinary knowledge integration. knowledge integration.

Keywords: interdisciplinary approach; knowledge fiefdoms; disciplinary identities; knowledge fragmentation; symbolic exclusion

Cite this article as: Yahyaoui, C. & Mubarak, F. “Knowledge Fragmentation and the Reproduction of Academic Hegemony: Institutional and Symbolic Barriers to Interdisciplinary Research in Tunisian universities,” Tajseer Journal for Interdisciplinary Studies in Humanities and Social Science, Vol. 8, Issue 1 (2026). https://doi.org/10.29117/tis. 2026.0247

© 2025, Yahyaoui & Mubarak, licensee, Tajseer & QU Press. This article is published under the terms of the Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0), which permits non-commercial use of the material, appropriate credit, and indication if changes in the material were made. You can copy and redistribute the material in any medium or format as well as remix, transform, and build upon the material, provided the original work is properly cited. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0


مقدمة

تواجه الجامعات العربية إشكاليةً مركبةً في تعزيز حضور الأبحاث البينية. وهو واقع لا يمكن التعالي عليه، ولا ينكره المجتمع العلمي في كثير من البلاد العربية، كما يأتي على لسان الباحثين في لقاءاتهم العلمية. وثمة توافق على تداخل العوامل المعرفية مع العوامل المؤسسية في سياق بنية أكاديمية تُعيد إنتاج التخصص الدقيق عبر آليتين متكاملتين؛ آلية أولى مادية، تتجسد في هياكل إدارية جامدة، وآليات توزيع الموارد والتمويل ومعايير التوظيف والترقيات وعدم كفاية البنية التحتية التكنولوجية. وآلية ثانية رمزية تنكشف في البُنى الفكرية والثقافية التي تُشكل تصوّرات المجتمع الأكاديمي عن شرعية المعرفة وقيمتها. يؤدي تفاعل هاتين الآليتين إلى ترسيخ هيمنة "التقسيمات الانضباطية" – كما يصفها بيار بورديو (Pierre Bourdieu) في تحليله لحقول المعرفة – التي تكرس الانفصام بين العلوم الإنسانية والطبيعية، وبين العلوم الإنسانية ذاتها، مشكلةً حدودًا رمزية تُعيق التبادل بين المقاربات المتباينة. وهذا التجزّؤ المعرفي، وفقًا لكارل مانهايم (Karl Mannheim)، ليس ظاهرة محايدة؛ بل يخفي تراتبية ثقافية تُعلي من شأن التخصصات التقليدية (كالهندسة والطب) التي تمتلك "رأس مال رمزيًا"[1] متراكمًا يفوق التخصصات الناشئة، أو المتجددة؛ مما يعزز "سيطرة الحقول المهيمنة" التي تحافظ على الوضع القائم عبر آليات الإقصاء الرمزي والمادي؛ مما يعيق، أو يقلل فرص خلق حوار بيني حقيقي، أو إنتاج معرفة متعدّد ة التخصصات[2].

تظهر الجامعات العربية في غالبيتها، كنُظم اجتماعية تخلق وتجدد معاييرها الداخلية[3]، هياكل تنظيمية مجزّأة لا تناسب نهج الترابط بين المعارف بقدر ما تصنع عزلة ما بين مختلف أقسام المؤسسة الجامعية، وتبعًا لذلك بين هياكلها البحثية؛ حيث تغيب آليات التنسيق بين الأقسام وبين الكليات نفسها. وتعزز معايير الترقية والتمويل القائمة هيمنة ثقافة تخصصية فردية[4]، كما يوضح بورديو في تحليله لـ"إعادة إنتاج النظام الأكاديمي". فهذا الوضع يولد "نظام حوافز" غير ملائم لانفتاح المؤسسة على ثقافة جديدة؛ حيث يهمَش الباحثون الذين يتبنون مقاربات بينية (Interdisciplinaire) بسبب غياب الاعتراف المؤسسي بإنتاجهم، وهو ما يتوافق مع تحليل لويك فاكوان (Loïc Wacquant) لـ"الاستبعاد الرمزي" ضمن الحقول العلمية. وهي إشكالية ظاهرة تتجاوز مجرد الإقصاء الفردي لتشكل نظامًا هيكليًا يحافظ على هيمنة النخب الأكاديمية من خلال إعادة الإنتاجالمستمر لمعايير الشرعية العلمية التي شرعنت سلطتهم على الحقل العلمي، أو الأكاديمي. وهكذا تصبح الحقول المعرفية، وفقًا لفاكوان[5]، فضاءات غير محايدة، بما أنها تعيد إنتاج الهيمنة عبر نقل النخب الأكاديمية مقارباتها وقيمها البحثية والعلمية؛ مما يعزز الإقصاء الرمزي للمقاربات البديلة؛ حيث تستغل بعض النخب الأكاديمية، بوصفها حارسة للأُسس التخصصية، معايير التقييم والتمويل والترقيات لتحويل الأقسام إلى شبه "إقطاعيات معرفية" تتنافس على الموارد بدل خلق مجالات جديدة للتبادل المعرفي والسجال الإبستيمي والمنهجي لـتأسيس بينية جديدة.


تتعمق، تبعًا لذلك، الإشكالية مع سيطرة النخب الأكاديمية المحافظة – التي تمتلك "سلطة تحديد الشرعية العلمية"[6] – على صناعة القرار؛ مما قد يحوّل المبادرات البينية إلى مشاريع "مهددة للهويات التخصصية"، أو يروّج لها على هذا النحو، كما يظهر في أعمال سيلفيا فيدريتشي (Silvia Federici)، مثلًا، حول صراع الهويات في الأكاديميا. وهذه الديناميات تطرح إشكاليات على جودة البحث، وعلى تشكيل حاضنات بحثية مرنة قادرة على معالجة القضايا العابرة للتخصصات، كالتغير المناخي، أو الأخلاقيات الطبية، والخلفية السوسيولوجية للمرض وانتقال وتوارث الخصائص السلوكية كالجريمة والميل إلى الانتحار والعنف، وهي قضايا تتطلب – حسب إدغار موران (Edgar Morin)[7] – "تفكيرًا مركبًا يكسر صلابة الحدود الانضباطية السائدة، ويتوسل المقاربة البينية، وهنا لا يتعلق الأمر بنقص الكفاءة البحثية؛ بل ببنيات مادية رمزية تمأسس التقسيمات التقليدية عبر شبكة معقدة من الممارسات المنمّطة. فمن جهة، تُنتج هذه البنيات هيمنة معرفية لتخصصات منغلقة تستقي شرعيتها من خطاب يربط بين "العمق العلمي" والولاء لحدود التخصص. وتضيق، من جهة ثانية، محاولات الانزياح نحو الفضاءات البينية باعتبارها تهديدًا للنقاء المعرفي والمنهجي. فهذا الخطاب الأكاديمي المهيمن لا يُمكن فهمه باعتباره معزولًا عن السياقات المؤسسية التي تحتضنه؛ بل هو نتاج لمنظومة مادية ورمزية متشابكة تعزز حضوره وتعيد إنتاجه داخل الجامعة.


من هذا المنطلق، تطرح هذه الدراسة إشكالية مركزية تتعلق بكيفية اشتغال البُنى المعرفية – المؤسسية والرمزية في تحويل التخصص الأكاديمي من أدوات لتنظيم المعرفة وتطويرها إلى "سجن إبستمولوجي" – على حد تعبير كارل مانهايم[8] – يُقيد إمكانات الأخذ بالمقاربة البينية ويُعيق التلاقح المعرفي بين الحقول العلمية.

تتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة بحثية فرعية تهدف إلى تفكيك آليات هذا الاشتغال وحدوده:

-      كيف تشكِل البارادايمات المهيمنة عوائق أمام تطوير أطر نظرية بينية في السياق الجامعي التونسي؟

-      كيف تسهم الثقافة الأكاديمية السائدة – من خلال تراتبية التخصصات ومركزة السلطة العلمية – في تهميش الممارسات البحثية البينية؟

-      ما مدى تأثير العوامل الهيكلية، كنقص الحوافز وعدم كفاية البنى التحتية، في تعطيل ديناميات إنتاج المعرفة البينية في الجامعات التونسية؟

-      ما الآليات التي يراها الأكاديميون أنفسهم ضامنة للانتقال نحو نماذج معرفية أكثر انفتاحًا وتكاملًا؟


 يتأسس هذا البحث على ثلاثة رهانات معرفية نسعى إلى اختبارها ضمن سياق الجامعة التونسية، من خلال استقراء تمثّلات وتجارب الباحثين والأكاديميين. يتمثّل الرهان الأول في أن هيمنة البُنى التخصصية التقليدية تسهم في تجزئة المعرفة باعتبار ميلها إلى الاستقلالية[9]؛ عبر مقاومة النخب الأكاديمية لأي تجديد منهجي، أو معرفي بدافع الحفاظ على امتيازاتها المادية والرمزية؛ أما الرهان الثاني، فيتمثّل في أن ضعف الحوافز المؤسسية (مثل آليات التمويل ومعايير الترقية الأكاديمية)، يُفضي إلى عزوف الباحثين عن الانخراط في الأبحاث البينية ويعمّق الانغلاق المعرفي. في حين يتمثّل الرهان الثالث في أن الثقافة الأكاديمية السائدة داخل الجامعة التونسية ما تزال تُؤسس لتمثّل سلبي تجاه المقاربات البينية، باعتبارها تهديدًا "للنقاء المعرفي" للتخصصات الكلاسيكية.

   يتجاوز هذا البحث الطابع التجريدي للنقاشات النظرية لينخرط في تحليل معمّق للتجارب الأكاديمية التي يخوضها الفاعلون الجامعيون (باحثون وأساتذة)، وذلك من خلال تبنّي مقاربة نوعية تنتمي إلى علم اجتماع الفهم. وتقوم هذه المقاربة على توظيف ثلاث أدوات استقصائية تُتيح فهم الآليات المعقدة التي تُعيد من خلالها البُنى الرمزية والمؤسسية إنتاج التجزئة التخصصية، وتُقاوم تشكل المقاربات البينية. وتتمثّل أداة البحث الأساس في إجراء مقابلات نصف موجهة مع (12) أكاديميًا، حرصنا على اختيارهم من تخصصات متنوّعة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ومن جامعات مختلفة مثل جامعات؛ تونس، والمنار، وصفاقس، وسوسة، بهدف الكشف عن تمثّلاتها للمقاربات البينية واستراتيجياتها الفردية والجماعية تجاهها. ويعزز هذا المعطى بتحليل نقدي لوثائق مؤسسية (برامج دراسية، وتقارير تقييم، وتشريعات جامعية)، قصد تفكيك الآليات التي تعيد إنتاج التقسيمات المعرفية داخل الفضاء الجامعي. كما تكمّل هذه الأدوات تقنية الملاحظة بالمشاركة، من موقع كوننا أعضاء في الحقل الأكاديمي ذاته، وهو ما يتيح زاوية تحليل داخلية تمكّن من معاينة دقيقة للديناميات المؤسسية من قلب التجربة المعاشة ذاتها.

أولاً: الأطر النظرية والشبكة المفاهيمية للبحث

يقتضي تحليل إشكالية الدراسات البينية وآفاقها في الجامعة التونسية التعامل معها كظاهرة اجتماعية مركبة تتقاطع فيها البُنى الرمزية بالممارسات المؤسسية داخل فضاء أكاديمي يتشكل تاريخيًا واجتماعيًا ضمن سياق أوسع يطبع الجامعات العربية. ويتطلب ذلك تأطيرًا نظريًا متعدّد المستويات، يستند إلى نظرية النظم عند نيكلاس لوهمان (Niklas Luhmann) لفك شيفرة البُنى المؤسسية المنغلقة وميكانيزمات إعادة إنتاج ذاتها، وسوسيولوجيا المعرفة عند كارل مانهايم لكشف الطابع اللامحايد للمعرفة وإبراز التراتبيات الثقافية والاجتماعية التي تمنح الامتياز الرمزي للتخصصات "العلمية الصلبة" على حساب العلوم الإنسانية والاجتماعية. كما يُستكمل هذا الإطار التحليلي بـنظرية الحقول عند بورديو، وتوسعاتها لدى فاكوان؛ لتحليل ديناميات الصراع الرمزي على الشرعية العلمية داخل الحقل الأكاديمي، وقراءة علاقات القوة بين الحقول المهيمنة وتلك المهمّشة في إنتاج وتوزيع المعرفة.

1.     النظم المغلقة ودينامياتها الداخلية: نيكلاس لوهمان

تعد نظرية لوهمان في النظم الاجتماعية (Social Systems) أحد الركائز الأساس في علم الاجتماع المعاصر؛ حيث تقدم إطارًا تحليليًا معقدًا لفهم تنظيم المجتمعات الحديثة وتفاعل مؤسساتها عبر تركيزها على العمليات المجردة والديناميات غير المرئية؛ بما يجعلها أنسب لدراسة الظواهر التي تفشل النظريات التقليدية في تفسيرها، مثل استمرار المؤسسات الجامعية؛ رغم فشلها الظاهري وتجددها ذاتيًا كنظم مغلقة.

تعتمد نظرية النظم الاجتماعية على فكرة أساسٍ ترفض فهم المجتمع كمجموعة من العلاقات الاجتماعية المفتوحة مباشرة على بيئتها. فالمجتمع هو شبكة من النظم تتميز باعتمادها على عمليات تواصل داخلية تمارس انتقائية ذاتية تحدِد ما يدمَج في النظام وما يُستبعد. من أجل ذلك، يعتبر لوهمان المجتمع "كنظام تواصلي مغلق يهتم فقط بمعالجة المعلومات الداخلة عبر آلياته الخاصة"[10]؛ أي أنه يُنتج ويُجدِد عناصره وعملياته الداخلية بنفسه وبشكل مستقل. وهو يقدم النظام كبيئة داخلية من الأنظمة ذاتية الإحالة التي تشكل هي الأخرى بيئات داخلية[11]. ويأخذ كل نظام فرعي في الحسبان النظام الذي يجد نفسه فيه، ويعيد إنتاج الاختلاف بين هذا النظام الأوسع وبيئته؛ لكنه يعيد إنتاجه دائمًا من منظوره الخاص، وفقًا لاختلافه الخاص بالنسبة إلى البيئة المباشرة (النظام الذي يضمه، والأنظمة الموجودة في محيطه).

ينطلق لوهمان من أن النظم الاجتماعية – كالجامعات، أو القانون، أو الاقتصاد – ليست مجرد أبنية هيكلية؛ بل أنظمة حية تُنتج عناصر وجودها الداخلي (القواعد والأدوار والاتصالات) عبر تفاعلاتها الذاتية، وفق مبدأ "التكوين الذاتي" (Autopoiesis). فالنظام الجامعي، مثلًا، لا يكتفي بالاستجابة للضغوط الخارجية (كالمطالب الاقتصادية، أو السياسية، أو المجتمعية)؛ بل يُترجمها عبر منظومة داخله إلى معايير أكاديمية وهيكلة إدارية ينتجها، أو يعيد إنتاجها بشكل مستقل، محافظًا على انغلاقه التشغيلي (Operational Closure)؛ إلا أن هذا الانغلاق لا يعني العزلة؛ بل يشير إلى قدرة النظام على معالجة التعقيدات الخارجية عبر شيفرات انتقائية خاصة به (كالمعايير الأكاديمية)، في حين يظل مقترنًا بالبيئة[12] عبر الاقتران البنيوي (Structural Coupling)[13]؛ أي التفاعل الانتقائي الذي يحوّل التأثيرات الخارجية إلى لغة النظام الداخلية دون المساس باستقلاليته.

يُبنى النموذج اللوهماني على ثنائية: فالنظام مغلق تشغيليًا (يحدد شروط عمله بنفسه)؛ لكنه مفتوح بنيويًا (يتفاعل مع أنظمة أخرى عبر تبادل محدود). وتتجسد هذه الثنائية في مفهوم التمايز الوظيفي (Functional Differentiation)[14]؛ حيث ينقسم المجتمع إلى أنظمة فرعية (اقتصاد، وسياسة… إلخ) لكل منها وظيفة خاصة ومنطق داخلي لا يُختزل إلى غيره. فالنظام الأكاديمي، مثلًا، يُعرّف نفسه عبر شيفرة "المعرفة/الجهل"؛ بينما يُعرّف النظام الاقتصادي نفسه عبر "الربح/الخسارة". هذا التمايز يُنتج دينامية استمرارية الأنظمة: فحتى عندما تبدو المؤسسة الجامعية "فاشلة" في تحقيق أهدافها المعلنة (كإنتاج معرفة نقدية)؛ فإنها تستمر عبر إعادة إنتاج شيفراتها الداخلية (النشر الأكاديمي والترقيات والمناهج) التي تُعزز وجودها كنسق مستقل.

يمكن هنا اعتبار الجامعة مثالًا حيًا لهذا المبدأ؛ إذ تتمحور آلياتها البحثية والتعليمية حول مجموعة من القواعد والمناهج التي تحدد ما يُقبل كمعرفة علمية ومقبولية مجتمعية. ويظهر مبدأ الانغلاق التشغيلي من خلال آليات تضبط معايير البحث والتدريس داخليًا، كتقييم التميز العلمي، أو المنهجية الرصينة؛ حتى عندما تبدو المؤسسة وكأنها تستجيب لمتطلبات خارجية مثل؛ سوق العمل، أو التمويل الحكومي؛ إذ يؤكد أن: "كل نظام اجتماعي يحافظ على حدوده التشغيلية من خلال القدرة على استبعاد ما لا يتوافق مع معاييره الداخلية"[15]. فتحويل طلب المجتمع على مهارات الذكاء الاصطناعي إلى برامج أكاديمية، على سبيل المثال، لا يتم إلا عبر مراجعة الأقران وموافقة الهياكل البيروقراطية الداخلية (المجالس العلمية، ومجالس الأقسام، ولجان تأهيل الإجازات أو الماجستير)[16]؛ مما يؤكد سيطرة المعايير الأكاديمية على العملية باعتبار أنها تترجم إلى لغة النظام الداخلية دائمًا. هذا التكوين الذاتي يتجلى أيضًا في إعادة إنتاج النظام لذاته عبر تدريب الطلاب على تبنّي مناهج تُكرس القيم الأكاديمية (كالتسلسل الهرمي للرتب العلمية، أو أولوية البحث النظري على التطبيقي)  وتُعيد إنتاج المعرفة عبر الأجيال[17]، هذه المعرفة التي تكون بالضرورة موضوع إجماع، إن لم يكن أغلبيةً، فهو يتوافق وتوجهات الرأسمال المعرفي المهيمن على سلطة القرار ضمن الجامعة، أو عبر اختيار أعضاء هيئة التدريس بناءً على معايير؛ كعدد الأبحاث المنشورة، أو الالتزام بإشكالية بحثية محددة، أو التخصص في حقل معرفي محدد؛ مما يعزز استمرارية المنظومة الأكاديمية عبر الأجيال ويكرس الهيمنة الرمزية للنخب الأكاديمية في موقع القرار[18]؛ حيث تواجه الجامعة تيارات تدفع نحو "دمقرطة المعرفة"، أو تعديل المناهج لتلبية عنصر التنوع الاجتماعي، أو فرض مقاربات جديدة (خاصة البينية)؛ فإنها تعيد امتصاص هذه التحديات عبر التمايز الوظيفي، كما أسلفنا، عبر فصل النظام التعليمي عن النظام الثقافي العام والتمسك بمعايير "الموضوعية العلمية" و"الحياد" كأدوات لترشيد المطالب وتفكيكها إلى مكوناتٍ قابلةٍ لإدارتها ضمن حدود النظام. هذا الانغلاق التشغيلي لا يعكس رفضًا مطلقًا للجديد؛ بل هو آلية لاستيعابه دون السماح بتفكيك البنى المعرفية القائمة[19]. فمثلًا، قد تُدرج هذه المقاربات الجديدة تحت تخصصاتٍ قائمة (كإضافتها إلى علم الاجتماع، أو العلوم السياسية) ، أو تُهيكل كبرامج هامشية تفتقر إلى الاستقلالية المؤسسية؛ مما يفقدها قدرتها على تحدي المنطق التخصصي السائد بما يفسر استمرارية هيمنته. فالجامعات وإن كانت تتفاعل مع بيئاتها الخارجية؛ فإن هذا التفاعل يتم عبر قنوات مضبوطة ومعايير داخلية تحافظ على استقلاليتها. فعند قبول المنح الحكومية، تُوزع الموارد وفق أولويات بحثية داخلية[20]، كما تتعامل مع لوائح الجودة الخارجية عبر آليات تقييم ذاتية كالاعتماد الأكاديمي الداخلي؛ مما يحوّل المطالب الحكومية إلى إجراءات بيروقراطية[21] تتناسب ومنطق النظام الداخلي. وهكذا، تعمل الجامعات كأنظمة اجتماعية مغلقة على تبسيط التعقيد البيئي المحيط بها، كتحويل متطلبات سوق العمل إلى مناهج دراسية دون التضحية بالمعايير الأكاديمية؛ مما يؤكد قدرة النظم على التكيّف مع الحوافز الخارجية مع الحفاظ على هويتها الوظيفية الخاصة.

تُقدّم نظرية لوهمان للنظم الاجتماعية المغلقة أداة تحليلية لإعادة قراءة استمرارية المؤسسات، رغم تناقضاتها الظاهرة، عبر كشف الآليات الخفية لإعادة الإنتاج الذاتي التي تعتمدها[22]؛ لكنها، في الوقت ذاته، تطرح تساؤلات نقدية حول إمكانية التحرر من هيمنة النظم: فإذا كانت الأنظمة تُعيد إنتاج ذاتها عبر شيفراتها المغلقة، فهل يُمكن للفاعلين الاجتماعيين (كالباحثين، أو الإصلاحيين) اختراق هذه الدوائر المغلقة؟ أم أن النظم – بحسب لوهمان – تُحوِّل حتى محاولات التغيير إلى وقود لتعزيز انغلاقها؟ هذا الجدل يظل أرضية خصبة لقراءة تعقيدات التحول في المجتمعات العربية؛ حيث قد تصطدم محاولات الإصلاح الأكاديمي بصلابة النظم القائمة، وقدرتها الفائقة على استيعاب التحديات، وإفراغها من مضمونها التجديدي.

2.     سوسيولوجيا المعرفة وتفكيك التراتبيات الرمزية للمعرفة (كارل مانهايم)

تُعد سوسيولوجيا المعرفة كما بلورها كارل مانهايم محاولة لتجاوز الرؤية الوضعية التقليدية التي سادت في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، التي كانت تنظر إلى المعرفة العلمية باعتبارها منتجًا عقلانيًا محايدًا ومستقلًا عن شروطه الاجتماعية والتاريخية؛ أي (المعرفة النقية). قدم مانهايم منظورًا جدليًا لإعادة فهم علاقة المعرفة بالواقع الاجتماعي الذي ينتجها، مؤكدًا أن كل معرفة، بما في ذلك المعرفة العلمية، مشروطة دائمًا بسياقيها الاجتماعي والثقافي، وتتأثر بموقع الفاعلين داخل البُنى الطبقية والثقافية والمؤسسية. كما أوضح أن الحياد المعرفي ليس سوى تمثّل أيديولوجي يخدم فئات مهيمنة.

يقوض هذا الموقف الادعاءات "العلموية" التي تُقصي السياقات الاجتماعية من تحليل المعرفة، ويفتح المجال لمساءلة المعارف السائدة من حيث تموضعاتها ووظائفها الرمزية. بمعنى آخر؛ فإن أشكال التفكير المختلفة ليست متجانسة، أو "موضوعية" بالمعنى المطلق؛ بل تعبر عن مصالح اجتماعية محددة. ويتجلى هذا في التمييز الذي أرساه مانهايم بين "التحليل الوضعي للمعرفة"، الذي يهتم بصحة الأفكار، و"التحليل السوسيولوجي للمعرفة" الذي يركز على الشروط الاجتماعية لظهور تلك الأفكار؛ إذ تتغير المعرفة تبعًا لموقع الفاعل في البنية الاجتماعية. فالمعرفة التي ينتجها المثقف الليبرالي، أو تلك التي ينتجها العامل، أو البرجوازي، لا تصنف هنا بين صحيحة وخاطئة؛ بل اختلاف زاوية الرؤية يعكس اختلاف التموضع الاجتماعي[23]. بما يحيل إلى مفهومه للنسبية الدينامية[24]، كمحاولة للتوسط بين الذاتية المفرطة والموضوعية المطلقة، مع الاعتراف بالطابع الاجتماعي للمعرفة دون إنكار إمكان فهمها، أو نقدها. ومن ثم، يدعونا إلى مساءلة المعارف السائدة من حيث صحتها، وتموضعاتها الاجتماعية، ووظائفها الرمزية، وآليات شرعنتها.

من هذا المنطلق، تُفهم التخصصات العلمية ضمن هذا المنظور بوصفها مؤسسات معرفية لها تاريخ وسياقات نشأة، وليست أنظمة طبيعية لتنظيم المعرفة؛ إذ لا تتيح التخصصات المعرفية تقسيمًا وظيفيًا بين المجالات الطبيعية والإنسانية والاجتماعية فحسب؛ بل تُؤسس لتراتبية رمزية تمنح قيمة أكبر لبعض الحقول دون أخرى، وتفضل منهجيًا العلوم الطبيعية (كالفيزياء، والبيولوجيا، والهندسة) على العلوم الإنسانية والاجتماعية، التي غالبًا ما تُوصم بعدم دقة نتائجها، أو بضعف الصرامة المنهجية. هذه التراتبية المعرفية، أو في القيمة العلمية للمعارف لا تنبع من "تفوق موضوعي" للعلوم الطبيعية؛ بل من تمثّلات اجتماعية تعكس هيمنة النموذج التقني-الرأسمالي، الذي يقيم علاقة وثيقة بين "العلم الحقيقي" و"القدرة على السيطرة التقنية على العالم". وفي هذا السياق، اعتُمدت العلوم الطبيعية كأداة للهيمنة على الطبيعة والتقدم الاقتصادي؛ بينما هُمّشت العلوم الإنسانية باعتبارها "ذاتية" و"غير دقيقة" و"غير منتجة".

يُتيح لنا منظور مانهايم تحليل هذه التراتبية بوصفها انعكاسًا لهرمية اجتماعية (هيمنة النخب التقنية والاقتصادية)، وتحويل القيمة العلمية إلى "قيمة تبادلية" مرتبطة بالإنتاجية المادية. فالمعرفة ليست حقلًا محايدًا؛ بل تُبنى داخل أفضية مؤسساتية (كالمؤسسات الأكاديمية) خاضعة لتوازنات قوى وتراتبيات اجتماعية تعيد إنتاج تصور مهيمن عن "العلم" يثمّن حقولًا علمية، ويحوّل أخرى إلى هامش الاعتراف المؤسسي. عند مانهايم ترتبط المعرفة بـ"التموضع الأيديولوجي"؛ أي أن كل نظام معرفي يعكس موقعًا اجتماعيًا معينًا، ويتضمن دائمًا نوعًا من التحيز لصالح فئة، أو نظام قيمي معين. وعليه؛ فإن هيمنة تخصصات معرفية، أو تقاليد علمية، أو معايير تقييم ليست فقط معرفية؛ بل أيضًا أيديولوجية[25]؛ إذ تُنتج تصورًا معينًا للواقع يُقصي أبعادًا معينة، أو يُقلل من شأن مقاربات أخرى. فتصبح التخصصات العلمية أدوات لإنتاج وإعادة إنتاج الهيمنة الثقافية، وفرض تمثّلات معينة عن العالم، وعما يجب أن يُعتبر "معرفة موضوعية".

من خلال هذا الإطار، يصبح التحليل السوسيولوجي للمعرفة أداة لفهم كيفية إنتاج الحقيقة الاجتماعية داخل حقول معينة، وكيفية شرعنة بعض الأنساق المعرفية وإقصاء أخرى. فهو منظور تحليلي لا ينفي القيمة العلمية؛ بل يضعها موضع مساءلة: من ينتجها؟ في أي سياق؟ ولمصلحة من؟ وما الذي يُهمش، أو يُسقط؟ ويصبح طرح مانهايم ذا راهنية، خاصة في سياقات أكاديمية تعاني من هيمنة معرفية كولونيالية، أو نيوليبرالية؛ حيث يُعاد إنتاج "الموضوعية" بوصفها خضوعًا لمعايير سوقية، أو تكنوقراطية. وقد أثرت أفكاره لاحقًا على مدرسة فرانكفورت، وعلى مفكرين مثل بيار بورديو في تطوير مفهومي "الحقل المعرفي" و"رأس المال الرمزي"، وعلى توماس كون (Thomas Kuhn) في نظرية "نموذج العلم"، وميشال فوكو (Michel Foucault) في تحليله للعلاقات بين المعرفة والسلطة، وفاكوان في مفهومي "الاستبعاد الرمزي" و"العنف البارد".

3.     نظرية الحقول والرأسمال الرمزي (بورديو) ومفهوم الاستبعاد الرمزي (فاكوان)

يُعد بيار بورديو امتدادًا مباشرًا لنقد مانهايم؛ حيث عمّق التحليل عبر مفهومي الحقل ورأس المال الرمزي. مقدمًا إطارًا نظريًا ونقديًا لـ"إعادة إنتاج النظام الأكاديمي" موضحًا كيف تعمل للمؤسسات الأكاديمية كمحركات لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية والثقافية. ويعتمد بورديو في هذا التصوّر على مفاهيم مثل الهابيتوس (Habitus) ، ورأس المال بأنواعه، والحقل (Champ)؛ مما يمنح نظريته طابعًا نسقيًا يمكّن البحث السوسيولوجي من قراءة الواقع الأكاديمي والمعرفي كامتداد لبنية السلطة الرمزية. فالحقل الأكاديمي، وفقًا له، ليس ساحة محايدة لتبادل الأفكار؛ بل فضاءً تنافسيًا تتشكل ضمنه مواقف الفاعلين وتتباين بحسب تراكم أنواع مختلفة من الرساميل؛ حيث تصبح المكانة العلمية والاعتراف أشكالًا رمزية لإضفاء الشرعية على النفوذ، وتُرسخ التسلسلات الهرمية القائمة تحت مظلة معايير الموضوعية والجدارة [26]. فالحقل الأكاديمي، حسب فاكوان، شأنه شأن الحقل السياسي، أو الاقتصادي، تحدد السوق التنافسية  قيمته "المعرفية" وفقًا لرأس المال الرمزي المتراكم. ويتكون الحقل من أساتذة، وباحثين، ولجان علمية، ومجلات، ومؤسسات تقييم. وهو مجال ينتج ويعيد إنتاج قواعد شرعيته الخاصة، ويحدد ما يعتبر "علمًا" و"معرفة ذات قيمة" و"تخصصًا مشروعًا".

يرى بورديو أن الفضاء الاجتماعي يتكون من مجموعة من الحقول المستقلة نسبيًا، لكل منها قواعده الخاصة وصراعاته الداخلية. ويُعرَف الحقل بأنه "فضاء تنافسي تُحدَد مواقف الفاعلين فيه وفقًا لامتلاكهم أنواعًا مختلفة من الرأسمال"[27]. فالمجال دائمًا مساحة للصراع والتنافس بين مهيمنين ومهيمَن عليهم، قدامى ووافدين جدد، على السيطرة. ويميل من يمتلكون أكبر قدر من رأس المال الخاص بالمجال إلى تبنّي مواقف محافظة، ويحشد الأقل حظًا استراتيجيات تقويض وتغيير. فعلى سبيل المثال، في الحقل الأكاديمي، يتنافس الباحثون على الموارد الرمزية، مثل المنشورات والشهادات والانتماء لمؤسسات مرموقة، التي تُعتبر شكلًا من أشكال الرأسمال الرمزي الناتج عن التحول الاجتماعي إلى أشكال أخرى من الرأسمال الثقافي والاقتصادي والاجتماعي، عبر عملية إخفاء شروطه المادية، وإضفاء طابع "طبيعي"، أو "شرعي" عليه مثل الاعتراف الأكاديمي، والشرعية المعرفية، والهيبة العلمية التي تمنح شرعيةً للنفوذ[28]. مكّن هذا الرأسمال الفاعلين من تثبيت هيمنتهم، أو نفوذهم داخل الحقل، لا عبر القوة المادية فقط؛ بل عبر آليات ناعمة وغير مباشرة، من خلال السيطرة على المعاني والتوجهات ومعايير التقييم. وهنا يحضر مفهوم الاستبعاد الرمزي لفاكوان، الذي سَنَكْشِفه في حرمان الفاعلين من "الاعتراف" بقيمتهم العلمية عند مخالفتهم، أو معارضتهم، أو عدم امتلاكهم للرأسمال الرمزي المهيمن ضمن حقلهم؛ مما يُقصيهم فعليًا من التأثير في إنتاج المعرفة وتقييمها. ويرتبط الرأسمال الرمزي بشكل وثيق بأنواع الرساميل الأخرى (الاقتصادي، والثقافي، والاجتماعي)؛ لكنه يتميز بكونه "شكلًا معترفًا به مؤسسيًا واجتماعيًا يحوّل الهيمنة إلى شرعية[29]. ففي حقل الإنتاج الثقافي، مثل الأدب، لا تعتمد قيمة العمل الفني على جودته الجوهرية؛ بل على قدرة الفنان على مراكمة الرأسمال الرمزي عبر الاعتراف النقدي والاعتراف المؤسسي، والذي يُحدّد بدوره بواسطة البنية العلائقية للحقل[30]. هنا تظهر أهمية "الهابتوس" كمجموعة من الاستعدادات التي تسمح للفاعلين بالتوجّه ضمن قواعد الحقل دون وعي مباشر[31]. وتتجلى قوة الرأسمال الرمزي في كونه أداة للعنف الرمزي؛ حيث تفرض التصورات المهيمنة كبديهيات عبر آليات الإقناع الخفي بحسب بورديو، أو آليات الاستبعاد الرمزي حسب فاكوان[32]. وتنجلي هذه الآليات، كما يتكرر بين الفاعلين الأكاديميين (كما سيتضح ذلك في تحليل نتائج البحث) من خلال معايير الامتياز التي تخدم احتكار وسائل إنتاج المعرفة، بما يُنتج خطابًا علميًا مغلقًا على ذاته يعيد إنتاج نفسه ويستبعد "المغايرين، أو المجدّدين" بآليات غير مرئية، مثل تهميش أبحاثهم، أو رفضها، أو عبر إضفاء الشرعية على الإقصاء اعتمادًا على معايير يفترض أنها موضوعية،  وتحظى بتوافق أكاديمي، مثل "نقص الكفاءة"، أو "عدم الجدية العلمية"، أو غياب "الانضباط". كما يتم ذلك عبر التحكم في لجان التقييم والمجلات العلمية ومجالس البحث؛ أي عبر فرض نسق معياري معين للشرعية العلمية دون أن يُدرَك بالضرورة كعنف من قبل الخاضعين له.

ويُحوّل هذا العنف البارد، بتعبير فاكوان[33]، الإقصاء إلى مسؤولية فردية، ويُخفي آليات الهيمنة البنيوية. فالجامعة، من هذا المنظور، تفهم بوصفها مؤسسة "تقليدية بالأساس"، تطوّر آليات دفاعية في مواجهة التغيير. ففي حقل اللغة، مثلًا، تُحدَد اللهجات المشروعة (كالفصحى) بواسطة النخب؛ مما يعكس هيمنتها الرمزية[34]. وهكذا، يصبح الصراع داخل الحقول، ليس فقط حول الموارد المادية؛ بل أيضًا حول إعادة ضبط المعايير التي تمنح الشرعية؛ مما يخلق دينامية مستمرة بين التحديث والاحتفاظ بالسلطة التي تحكم الفضاء الجامعي، شأنه شأن أي حقل اجتماعي آخر. ويُعد هذا التكيّف أحد تمظهرات العنف الرمزي؛ حيث يُضطر الفاعلون إلى التخلي عن مساراتهم النقدية، أو الإبداعية مقابل الامتثال لشروط اللعبة المفروضة. فالاستبعاد الرمزي، لدى فاكوان، لا يُقصي الأفراد من الموارد فحسب؛ بل يُقصيهم أيضًا من المعاني والاعتراف، ويدفعهم إلى الانسحاب، أو الاحتجاج، أو الانفجار الاجتماعي.

ثانيًا: تحليل نتائج البحث

1.      واقع الدراسات البينية ضمن الجامعة التونسية (تدريسًا وبحثًا)

1.1    المقاربة البينية ضمن الجامعة التونسية: فهمًا وتصوّرًا

من الضروري، أولًا، استيضاح مدى استيعاب الحقل الأكاديمي التونسي لمفهوم المقاربة البينية، وتبين ما إذا كان ثمة تصور موحد لهذا النهج المعرفي البديل عن الانغلاق التخصصي، والذي يسعى، كما تؤسس له العلوم الإنسانية والاجتماعية تاريخيًا، إلى توفير شروط إبستيمولوجية جديدة لإنتاج معرفة تكاملية وتشاركية. وينبغي كذلك استقصاء الكيفية التي يدرك بها الباحثون التونسيون، بكيفيات مختلفة، المقاربةَ العابرةَ للتخصصات التي يسمّيها غيبون (Gibbons) بـ"الطريقة الثانية"[35]، وهي المقاربة التي تنتقل بالبحث العلمي من معقولية "الانكفاء" إلى معقولية "التجسير"، ومن منطق ساكن إلى منطق دينامي[36].

يكشف التحليل السوسيولوجي للمجتمع الأكاديمي التونسي عن عدم تجانس النخبة الأكاديمية؛ حيث تتباين التصورات والمواقف؛ غير أن البحث يسمح، في هذا البعد، بالوقوف عند اتجاهين أساسين في فهم المقاربة البينية. يختزل الفهم الأول المقاربةَ البينيةَ في "التحليل متعدّد التخصصات"؛ أي في توظيف أدوات منهجية، أو مفاهيم منتقاة من حقول معرفية خارج الاختصاص الأصلي، بغيةَ كسر صلابة المقاربة التخصصية في بناء المعرفة العلمية؛ غير أن هذه الرؤية، وإن دفعت نحو الانفتاح المؤقت؛ فإنها تظل محصورة في إطار الممارسة البحثية الفردية؛ إذ لا تخرج فعليًا عن حدود الحقل المعرفي الأصلي (مثل علم الاجتماع، أو التاريخ، أو الفلسفة)؛ بل تكتفي باستعارة أدوات حقول معرفية أخرى دون تشريك باحثين متخصصين فيها في مراحل البحث المختلفة، سواء النظرية، أو الميدانية؛ أما الاتجاه الثاني، فيفهم المقاربة البينية باعتبارها "تجاوزًا إبستيمولوجيًا" جوهريًا، يتحقق من خلاله التكامل المعرفي الحقيقي عبر دمج مناهج نظرية وميدانية متباينة؛ غير أن هذا الفهم لا يُخرج الممارسة البحثية من الحقل العام الذي ينتمي إليه التخصص المعرفي؛ أي العلوم الإنسانية والاجتماعية. وفي هذا السياق، تُتمثّل المقاربة البينية، كإقحام لـ"الغيري" داخل نظام معرفي لا يُتعرف عليه بسهولة، وهو ما يفسر الحذر المؤسسي والانكفاء الغالب لمعظم الباحثين التونسيين على المناهج التقليدية، وعلى المجال المعرفي الذي ينضوي تحته تخصصهم.

يتضح، في ضوء تحليل محتوى المقابلات، أن مفهوم "المقاربة البينية" لدى الأساتذة الباحثين التونسيين يُبنى، في الغالب، على إدراك حدسي وممارسة انتقائية غير مؤسسية، تتأرجح بين تثمين نظري لحدود وممارسة عملية فردية متعثرة. فالمقاربة البينية تُعرف، في معظم الأحيان، بأنها: "انفتاح على تخصصات مختلفة لتجاوز الحدود المنهجية والإبستيمولوجية للاختصاص الواحد"[37]، دون أن ترقى إلى مستوى التداخل المنهجي العميق، أو التأسيس الإبستيمولوجي الواضح بين الحقول المعرفية المتباينة. والحال أن هذا الفهم يجانب حقيقة المقاربة العابرة للتخصصات، التي تحيلنا إلى مفهوم "الفكر المركب" عند إدغار موران[38]؛ حيث تستدعي المقاربة البينية مشاركة باحثين من حقول معرفية متعددة – إنسانية واجتماعية وطبيعية وبيولوجية وغيرها – في بناء مشكلة البحث وفي مختلف مراحله الميدانية والتحليلية، أو على الأقل أن يكون الباحث على دراية كافية لإثارة زوايا البحث التي لا تندرج ضمن مجال اختصاصه الضيق.

يكشف خطاب المبحوثين أيضًا عن وعي متفاوت لدى الباحثين التونسيين بأهمية المقاربة البينية؛ إذ يرى بعضهم أن "التحولات التي شملت المجتمع الراهن تفرض التخلي عن الانغلاق التخصصي"[39]، في فهم يعرّف المقاربة البينية بأنها: "تجمع بين أكثر من اختصاص"[40]؛ في المقابل، ينفي بعضهم وجود تجسير منهجي ومعرفي فعلي داخل العلوم الإنسانية والاجتماعية، معتبرين أن "أغلب الدراسات منغلقة وتبحث في مجال الاختصاص فقط[41]"؛ غير أن هذه التعريفات تظل سطحية؛ لأنها تختزل المفهوم في "الانفتاح على تخصصات مختلفة"، أو "جمع أكثر من اختصاص"، دون تحديد آليات التكامل المنهجي، أو طبيعة التداخل المعرفي (هل هو تعدديٌ، أم تكامليٌ، أم تركيبيٌ؟)، ودون ضبط معايير نجاح المقاربة. وهو ما يعمق واقع التجزّؤ المعرفي في الجامعة التونسية، نتيجة غلبة التوجّه التخصصي في بناء المعرفة، بحثًا وتدريسًا، ويبرر في الآن ذاته التساؤل حول العوائق المؤسسية والرمزية التي تعيق هذا التحول.

يُظهر التحليل، بوجه عام، أن المقاربة البينية لدى الباحثين التونسيين تُطرح كتوجّه نظري مرغوب فيه؛ لكنها تمارس بدرجات متفاوتة من التردد. ويعود ذلك، في نظرهم، إلى غياب البنية المؤسسية الحاضنة، واستمرار احتكام أغلب النخب الجامعية التونسية إلى منطق الانغلاق التخصصي؛ فضلًا عن ارتباط الاعتراف العلمي والمهني (المعبّر عنه من خلال المعايير النظامية والمعايير المتعارف عليها) بالقوالب القائمة للبحث والتدريس، بحسب ما أفاده الباحثون أنفسهم. ويمكن فهم هذا التردد في تبني المقاربات البينية في إطار "سوسيولوجيا المعرفة" عند مانهايم؛ حيث تُنتج المعارف في ارتباط بمواقع الفاعلين داخل البنية الاجتماعية والمؤسسية. فاختيارات الأساتذة في مجالي البحوث والتدريس ليست معزولة عن وضعياتهم المهنية وسياقاتهم الأكاديمية؛ بل تخضع لمنظومات الاعتراف التي تحدد ما يُعتبر "علمًا"، أو معرفة علمية مشروعة. ومن هذا المنطلق؛ فإن تهميش المقاربة البينية لا يعزى إلى قصور معرفي لدى الباحثين والمدرسين في الجامعة التونسية، بقدر ما هو انعكاس لبنية سلطوية معرفية تكرس الحدود بين التخصصات، وتعيد إنتاج صلابتها عبر المناهج ومضامين المقررات التدريسية والسياسات الجامعية.

1.2    من النقطة التواصلية إلى صلابة الحقل: ديناميات التعددية المعرفية في الجامعة التونسية

يُظهر التحليل السوسيولوجي للممارسات البيداغوجية والتوجهات البحثية لدى الأساتذة تفاوتًا ملحوظًا في استعدادهم لتوظيف موارد معرفية خارج حدود تخصصاتهم الأصلية. غير أن السمة الغالبة التي تصل بينهم، وتوحد ممارساتهم التدريسية والبحثية تتمثّل في انفتاح حذر على المقاربات البينية. فهذا الانفتاح، كما يعبّر عنه في خطابات المدرسين الباحثين، لا يغادر في الغالب "الحديقة المعرفية" التي يندرج فيها تخصص الباحث، أو المدرس؛ أي مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. ففي المقابلة الأولى[42]، مثلًا، يقتصر انفتاح المدرس الباحث على تشريك حقل فرعي من حقول التخصص الضيق في دراسة الظاهرة السوسيولوجية، كأنه يوظف أدوات من علم النفس الاجتماعي، أو علم النفس، أو القانون لتعميق فهم الظواهر السوسيو–سياسية المدروسة. ويأتي ذلك في تماهٍ مع الاتجاه العام الذي يطبع الممارسة البيداغوجية والبحثية في الجامعة التونسية؛ حيث تظل المناهج التخصصية المنتمية إلى الحقول المعرفية الأصلية هي الإطار المرجعي الغالب. ويذكّر هذا لنمط بما سماه لوهمان "النقطة التواصلية"، التي تتيح للنظام الأكاديمي المغلق اتصالات ثانوية مع حقول معرفية أخرى؛ دون أن يعني ذلك مغادرة النظام، أو الخروج عن منطقه الداخلي السائد[43]. في المقابل، يفضل بعض الأساتذة (كما في المقابلة السادسة مثلًا)[44] التعبير صراحة عن تقيّدهم بالمناهج الكلاسيكية غير البينية، بحثًا عن التوافق مع التوقعات المؤسسية للجامعة التونسية [45]أو توجسًا من ردود الفعل المؤسسية.

لا يزال الانخراط في مقاربات مجسِّرة بين التخصصات خيارًا فرديًا وهامشيًا؛ إذ يرتبط أساسًا بتجارب فردية ناجزة، أو جزئية، مثل الدمج بين علم الاجتماع والتصميم المعماري، أو الانفتاح على الفلسفة والأنثروبولوجيا. وغالبًا ما تمارس هذه التجارب في سياقات تعاونية عرضية، أو بدافع المبادرة الذاتية، كما تتأثر بدرجة الثقل الرمزي الذي يتمتع به الأستاذ داخل الحقل الأكاديمي؛ غير أن هذه الممارسة لا ترتقي إلى مستوى توجّه جماعي أو مؤسسي يمكن البناء عليه؛ إذ تظل المناهج المتخصصة – مثل "أنثروبولوجيا الثقافة" أو "التاريخ المعاصر الغربي"، أو "علم اجتماع العائلة"، أو "علم اجتماع التربية"، أو "علم اجتماع التنمية" – هي الإطار المرجعي الذي يحكم الحقل الأكاديمي التونسي ويعيد إنتاج هيمنة التخصصات على توزيع رأس المال الرمزي داخل المؤسسة.[46] ويمكن تفسير هذا الحرص الغالب، للأساتذة الباحثين والأقسام العلمية النظرية، على تثبيت رموز الحقل وقوانينه (المناهج والمقرّرات)؛ تفسيره بالرغبة في ضمان استقرار مواقعهم الرمزية ومراكزهم ضمن بنية القوة داخل الحقل الأكاديمي. ويتعلق الاختلاف الأهم، كما يفهم من خطابات المبحوثين، بمدى توسيع الهامش الاختياري لتجارب المقاربة البينية، فالأستاذ الباحث يحتاج، بحسب تعبيرهم، قدرًا معتبرًا من رأس المال الرمزي والمعنوي (المتأتي من تجربة بحثية وبيداغوجية واسعة)، يسمح له بتجاوز القيود المؤسساتية التي يعيها جيدًا، خصوصًا في غياب آليات جماعية، أو مؤسسية تدعم إنشاء مساحات تعليمية وبحثية عابرة للتخصصات. لذلك تشجع الثقافة الأكاديمية التخصصية السائدة جماعيًا وفرديًا، رغم بعض الميول النظرية المعبر عنها، على الانضباط داخل الحدود المعرفية القائمة باعتبارها معيارًا للشرعية العلمية والاعتراف المؤسسي الصادر عن الجماعة العلمية، سواء عبر لجان الانتداب، أو لجان الارتقاء، أو اللجان العلمية في المجلات المحكّمة. ويستشف من ذلك وجود فجوة معرفية بين الإيمان النظري (كرد فعل على تعقيد الواقع الاجتماعي) والتطبيق العملي، وهي فجوة لاحظناها في خطابات المبحوثين؛ كما في البرامج التدريسية في العلوم الاجتماعية، لا سيما في ظل غياب البرامج التعليمية البينية. ويؤكد ذلك أن أقل من نصف الذين عبروا عن إيمانهم بأهمية وضرورة بناء المعرفة وفق مقاربة مجسّرة بين العلوم المختلفة قد أنجزوا فعليًا بحوثًا في هذا السياق، سواء بمفهومها الضيق الذي لا يغادر الحقل الجامع للتخصص (العلوم الإنسانية والاجتماعية)، أو بمفهومها الأوسع الذي يعني إنجاز بحوث جماعية ينخرط فيه باحثون ومؤسسات من تخصصات علمية متعددة؛ إنسانية، واجتماعية، وطبيعية، وبيولوجية... إلخ.

مما يلاحظ أيضًا أن البحث البيني أقل شيوعًا من التدريس البيني في الجامعة التونسية. وقد يعود ذلك إلى أن التدريس يسمح بقدر أكبر من المرونة، في حين يظل البحث مقيدًا بمعايير التخصص والتقييم الأكاديمي، وبثقافة علمية ضاغطة تدعمها النخب الأكاديمية المسيطرة، وتسند إلى أرضية قانونية معاد إنتاجها مؤسسيًا عبر المناشير السنوية التي تؤكد شروط الانتداب والارتقاء ومعايير الانتقاء، أو التناظر. لذلك فإن بعض الأساتذة (وهم قلة) وإن أنجزوا بحوثًا يمكن وصفها بالبينية، مثل "المقاربة الاجتماعية للتصميم"، أو "المقاربة البؤرية والتفكيكية لتاريخ الطفولة في تونس"[47]؛ فإن هذه الأعمال لم تكن تجسيدًا كاملًا لمفهوم المقاربة البينية بقدر ما كانت تقع بين حقول معرفية بينها تقاطع بطبيعتها.

تسهم هذه الثقافة الأكاديمية السائدة في الجامعة التونسية، بشكل واضح، في تهميش الممارسات البحثية البينية، من خلال بنيتها التراتبية الصارمة بين التخصصات، وتمركز السلطة العلمية في رحاب مقاربات معرفية غير منفتحة على البحث البيني بمعناه الواسع. فمن خلال تحليل مضمون المقابلات يظهر أن الحقول الأكاديمية، مثل علم الاجتماع الكلاسيكي والتاريخ والأنثروبولوجيا والفلسفة وغيرها، تحتكم، في الغالب، إلى منطق التخصص الضيق بوصفه معيارًا للجدارة والاعتراف داخل الجماعة العلمية. ولا يُنتج هذا الواقع – كما يستفاد من خطابات المبحوثين أنفسهم – سوى ثقافة مؤسسية محافظة تُعيد إنتاج ذاتها عبر آليات انتقاء صارمة، تضمن الاستمرارية الرمزية لمواقع النفوذ داخل الحقل العلمي. في هذا السياق، تبدو المقاربات البينية، في فهم وممارسة المدرسين الباحثين؛ بل حتى ضمن قناعاتهم، وكأنها خروج عن النموذج الأكاديمي المقبول، أو كنوع من "التحرك غير المنضبط" الذي قد يربك قواعد التقييم والاعتراف. لذلك تتعامل معها الغالبية العظمى بوصفها تهديدًا رمزيًا لتوازن القوى القائم بين الحقول، ينبغي تجنبه. وهو ما يفسر التحفظ، أو "الانفتاح المحتشم" الذي عبر عنه معظم الأساتذة في المقابلات. وتبعًا لذلك يسعى الفاعلون داخل كل حقل إلى الحفاظ على رأس مالهم الرمزي والمعرفي من خلال الالتزام بقواعد الحقل التي تُقصي عمليًا معظم محاولات تجاوز حدوده نحو تداخل، يُعيد رسم الخرائط المعرفية. ومن هذا المنظور؛ فإن الباحث الذي يغامر بتبني مقاربة بينية دون دعم رمزي من داخل حقل مؤسسي فاعل، أو مؤثر قد يعرّض نفسه للتهميش المهني، أو ضعف الاعتراف الأكاديمي، وهي آليات دفاع وإقصاء رمزية يمارسها رأس المال المهيمن والمستفيد، كما ورد صراحة في المقابلتين الثالثة والخامسة. ويتعزز ذلك في سياق منظومة تقييم علمي تقوّم الإنجاز البحثي بمقياس الانتماء الصارم للتخصص؛ حيث قد تعيب لجان الانتداب، أو الارتقاء مثل هذه التوجهات الجديدة لبناء معرفة بينية تتطلب من الباحث معارف متنوعة من خارج الاختصاص، أو قدرة على التعامل مع معارف غير حقلية على الأقلّ.

ويبدو أن الثقافة البيروقراطية السائدة في المؤسسات الجامعية تتسم، في نظر المشاركين في البحث، بنوع من الإغلاق البنيوي الذي يعيد إنتاج أنماط العمل الأكاديمي داخل أقسام مغلقة، تنبثق عنها تخصصات ومقررات دراسية شديدة التخصص ومختبرات أحادية التوجه؛ بما يعكس هيمنة نمط معرفي يعيد إنتاج نفسه باستمرار. ويجعل ذلك، من أي محاولة لبناء جسور معرفية بين التخصصات، ضربًا من "المغامرة"، أو "الاستثناء" الذي لا يرتقي إلى مرتبة خطاب مؤسِّس لتصورات، أو رؤًى مجدِدة. وإذا أمعنا النظر في برامج التخصصات الإنسانية والاجتماعية بالجامعة التونسية نجد أن المحاور الأساس لا تتجاوز المواد التقليدية ذات الضوارب المعرفية العالية التعقيد، بما تحمله من مضامين متكررة وثقل ثقافي واعتباري كبير يستهلك من الطلبة غالبية جهودهم الذهنية والوقتية. في المقابل، تخصَص بعض الوحدات لما يسمى "المواد الأفقية" (كالاقتصاد الاجتماعي والتضامني، أو ريادة الأعمال، أو الإعلامية، أو اللغات الأجنبية الثلاث)؛ غير أنها غالبًا ما تُدرج بوصفها استكمالًا شكليًا لحيزٍ دراسي محدود، لا كتجارب منهجية قادرة على تفعيل رأس المال المعرفي الاجتماعي وتوسيع آفاق البحث والابتكار في التعامل مع الظواهر الاجتماعية المركبة.

2.      بين ضرورة البينية ومقاومتها الرمزية: تحليل عوائق المقاربة البينية في الجامعة التونسية

في سياق تتسم فيه الظواهر الاجتماعية بمزيد من التعقيد والتداخل والتشظي، تفرض المقاربة البينية نفسها كأداة إبستمولوجية مركزية لفهم الواقع المعاصر. فدراسة التحولات الاجتماعية، وبناء الهويات الجديدة، وتبدل علاقة الأفراد بالمعرفة، باتت تتطلب أدوات معرفية تتجاوز الحدود الصارمة للتخصصات الكلاسيكية. ومع ذلك؛ فإن هذه المقاربة، رغم ضرورتها المعرفية، لا تلقى التقدير المؤسسي الكافي داخل الجامعات التونسية؛ بل تواجه مقاومة بنيوية ورمزية "من الفاعلين داخل الحقل، والذين يظهرون رفضا رمزيا لمثل هذه المقاربات التي يمكن أن تمس من الهويات التخصصية. وهذه أهم مبررات رفض البعض لمثل هذه المقاربات"[48]. وبذلك لا تبدو الجامعة مجرد فضاء محايد لنقل المعارف؛ بل حقلًا اجتماعيًا تسوده صراعات على احتكار الشرعية العلمية، وتعاد داخله إنتاج علاقات الهيمنة من خلال ما يسميه بورديو "رأس المال الرمزي"[49].

تظهر المقاربة البينية، في هذا السياق، كتهديد لترتيب رمزي قائم؛ إذ تُزعزع الحدود الراسخة والامتيازات المرتبطة برأس المال الرمزي الذي راكمه الفاعلون الأكاديميون داخل تخصصاتهم. ويمكن، من منظور نظرية الأنظمة لدى نيكلاس لوهمان، فهم هذا الرفض ضمن منطق الانغلاق الوظيفي[50] للأنظمة الاجتماعية، "ومنها النظام العلمي والتخصصات الأكاديمية داخل الجامعة التونسية التي ترفض في أغلب الأحيان هذه السياحة العلمية بين الهويات العلمية مثلما يسمّيها البعض"[51]، من خلال توصيف هذا الانغلاق بالعتمة العلمية الراكدة، يرى لوهمان أن كل نظام اجتماعي – ومنه النظام الأكاديمي – يعمل وفق رموز تواصلية خاصة به[52] (مثل ثنائية: صواب/خطأ في النظام العلمي)، ويطور آليات تطورية ذاتية[53] تمكنه من إعادة إنتاج نفسه باستمرار من خلال عملياته الداخلية.

انطلاقًا من هذا المنظور، نبدو المقاربة البينية عنصرًا "غريبًا" عن النظام؛ لأنها تخلّ بالتمايز الوظيفي الذي يحافظ على هوية كل تخصص بوصفه "نظامًا فرعيًا" يتمتع بدرجة من الانغلاق النسبي. وبالتالي؛ فإن الصعوبة لا تكمن فقط في تبنّي المقاربة البينية كاختيار معرفي؛ بل في قدرتها على اختراق بنية أنظمة مؤسسية مغلقة "مثلما يظهر بشكل واضح خاصة في العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تتصارع فيما بينها داخل الجامعة التونسية حول صرامة تخصصها ومدى حفاظها قدر الإمكان على عدم الاختراق البنيوي"[54] فتُنتج ذاتها من خلال تكرار أنماطها، وتقاوم كل ما يُهدد استقلالها البنيوي والتواصلي. وهو ما يجعل البينية، رغم حداثتها وراهنية ضرورتها، في موقع مزدوج: أداة لفهم التعقيد؛ ولكن أيضًا موضوع مقاومة داخل الأنظمة العلمية نفسها عندما "تصبح البيروقراطية وسوء الحوكمة أيضًا من الأسباب التي تدعم هذا الانغلاق"[55].

2.1    آليات التقييم كمصدر للإقصاء البنيوي

في التصورات المثالية للمجال الأكاديمي، يُفترض أن تتم عملية التقييم العلمي على أساس الصرامة النظرية، والدقة المنهجية، والقدرة التفسيرية؛ غير أن بورديو يُبين أن التقييم لا يحدث في فراغ؛ بل ضمن حقل اجتماعي تُعيد فيه لجان التحكيم إنتاج البُنى الرمزية للهيمنة[56]. وغالبًا ما يعتمد التقييم على "شفرات" ضمنية، مثل نوعية اللغة، أو المرجعيات، أو شكل السؤال العلمي. وبما أن المقاربة البينية تتجاوز هذه الرموز، فهي تُفهم غالبًا، ولدى الأكاديميين التونسيين كذلك، كاختلال منهجي، أو ضعف في الصرامة، لا لأنها كذلك فعلًا؛ بل لأنها لا تتماشى مع دوكسا الحقل. في الجامعات التونسية؛ حيث تظل السلطة العلمية، في نظرهم وبحسب التجربة العملية، خاضعة لهرمية شديدة، تشتد مع هذه الممارسات. إذ تعمل لجان التقييم كـ "حراس رمزيين" يمنعون دخول المقاربات التي تربك النسق. ويصل التشدد، أحيانًا كثيرة، إلى حدود رفضهم لبعض الدراسات والبحوث التي ينجح الباحثون في نشرها بدعوى إنها "خارج التخصص العلمي"[57]، "حيث يتسبب اعتماد البحوث البينية أحيانًا في تقليل، أو إضعاف فرص التوظيف"[58]. وتتحول البينية، بذلك، إلى مشروع هامشي، لا لضعف علمي؛ بل لعدم انضباطه لمعايير التقييم الضيقة، ما يُفضي إلى إقصاء بنيوي مقنع بمعايير "علمية". ويُدرج بورديو هذا النوع من الإقصاء ضمن ما يسمّيه، كما أسلفنا، بالاستبعاد الرمزي (l'exclusion symbolique)؛ حيث لا يُقصى الفاعل، أو الخطاب مباشرة بالعنف، أو المنع؛ بل من خلال آليات ناعمة تجعل حضوره غير مرئي، أو غير قابل للقبول ضمن النظام السائد. فالباحث البيني لا يُرفض لأن إنتاجه غير علمي، "بل لأن لغته، وأفقه النظري، ومقاربته، لا تنتمي إلى الكود المشترك الذي يحدّد ما هو مشروع داخل الحقل وهذا ما يتعرّض له خاصة الباحثين الذين حاولوا العمل مع مجموعات بحثية ليست من نفس الحقل العلمي". وبهذا، "يصبح الإقصاء رمزيًا لإنه يُمارَس باسم العلم ولا يعترف بأنه استبعاد بقدر ما يقدم نفسه كدفاع عن قيم مشتركة يخدم الحفاظ على الحدود التخصصية القائمة، وبذلك تعد المسألة فكرية بحته وتحيز واسع نسبيا للاختصاص"[59].

هذا الإقصاء الرمزي لا يُمارَس فقط عبر ما يتم رفضه؛ بل عبر خطاب يجد في الحقل الأكاديمي والبحثية مقبولية؛ مما يؤدي إلى ممارسة الباحثين نوعًا من الرقابة الذاتية وغير الواعية داخل الحقول العلمية، وهذا ما سمّي "بالمقاومة الضمني" التي يعتمدها الباحث حتى يضمن قدر أكبر من القبول من طرف المتحكّمين في الحقل"[60]. هذا الشكل من الرقابة الحاضرة بين الباحثين وإن بتفاوت معبّر عنه بصريح العبارة، يُفضي إلى ما يُسمّى بـ"الإقصاء المسبق"؛ حيث لا تصل المقاربة البينية أصلًا إلى ميدان التقييم، لأنها أُقصيت منذ لحظة التخطيط والتصور والتأهيل. "نظن أن أي باحث في بداياته البحثية سيبحث بشكل، أو بآخر على آليات القبول داخل التخصص وسيرفض ذاتيًا الخوض في مقاربات قد تقلل من فرص القبول المعترف بها من الفاعلين داخل نفس الحقل"[61].

2.2    السلطة المعرفية وصراع الاحتكار التأويلي

في الحقول العلمية، لا يتعلق الأمر بإنتاج المعرفة فقط؛ بل يمتد أيضًا إلى احتكار معناها وتأويلها. فوفقًا لبورديو، تمثّل السيطرة على التفسير شكلًا من أشكال الهيمنة الرمزية؛ أي القدرة على تعريف الواقع وتحديد من له الحق في الحديث باسمه[62]؛ غير أن هذا الاحتكار لا يتشكل فقط من خلال علاقات الهيمنة داخل الحقل العلمي؛ بل يتكون من خلال ما سمّاه برغر ولوكمان "الواقعية المؤسسية" (Reality as Socially Constructed) [63].

يبدو أن المؤسسة الجامعية التونسية أنتجت نسقًا من المعاني تم تدريسه وتكريسه في الفصول الجامعية، فتحول إلى "واقع موضوعي" في نظر الفاعلين أنفسهم. وعبر آليات التكرار والشرعنة، تحولت أنماط التفسير الأحادية إلى بداهات يصعب زحزحتها. في هذا السياق؛ فإن المقاربة البينية لا تُقصى لأنها ناقصة؛ بل لأنها تكشف الطابع المؤسسي والاعتباطي للتفسير الأكاديمي المكرس بما يصعب على الباحث "زعزعة الواقعية الرمزية التي أنتجها الحقل"[64]، وبالتالي، تفكيك المنظومة الداخلية والانخراط في حوار مفتوح. وهذا ما يفسر أنها تقابَل بالممانعة ليس فقط من قبل الأطر المؤسسية؛ بل أيضًا من قبل الهابيتوس المهني للمشتغلين أنفسهم بالعلم. وبالتالي؛ فإن المقاربة البينية تهدد النظام الرمزي الذي يربط بين السلطة الأكاديمية واحتكار إنتاج المعنى في السياق الجامعي التونسي. فهذا الشكل من المقاومة المعرفية يحمل في طياته دعوة إلى تفكيك الهياكل المعرفية المترسخة، وإعادة توزيع رأس المال الرمزي داخل الحقل.

تكشف عوائق المقاربة البينية في الجامعة التونسية عن بنية معقدة من المقاومة الرمزية والمؤسسية. فالأمر لا يتعلق فقط بغياب تكوين ملائم، أو نقص في البنية التحتية البيداغوجية؛ بل بمنظومة رمزية راسخة تُعيد إنتاج نفسها عبر آليات متداخلة من الهيمنة والتطبيع والإقصاء. ومن خلال مفهوم الحقل الأكاديمي عند بورديو، نفهم أن التخصصات ليست مجرد أدوات تنظيم للمعرفة؛ بل ميادين صراع على رأس المال الرمزي من خلال "تكريس لما يسمّى بالصرامة التخصصية والتشبّث بالانغلاق داخل الحقل المعرفي الواحد"[65]. وكل محاولة لتفكيك الحدود التخصصية تقابل بإعادة ترسيخها عبر التقييم والشرعية والاعتراف.

إن المقاربة البينية تُزعزع ترتيبًا راسخًا من الامتيازات، ولهذا تقابل غالبًا بالإقصاء الرمزي، كما أشار بورديو وواكوان، الذي لا يُمارَس بالعنف المباشر؛ بل عبر اللامرئية والتهميش وتقييد أفق التفكير ذاته[66]. ومن هنا نعي أن هذه الهيمنة الرمزية لا تُمارَس فقط عبر المؤسسات؛ بل عبر بناء الواقع ذاته كواقع معرفي مؤسس[67]؛ حيث يُعاد إنتاج النظام المعرفي التخصصي بوصفه الطبيعي، والوحيد الممكن. فكل ما لا يدخل ضمن هذا البناء يُعتبر غريبًا وغير مشروع، أو لا يستحق الوجود.

وفي امتداد لهذا التحليل، يمكن تفكيك العلاقة بين المعرفة والسلطة، من خلال مفهومي "أجهزة السلطة–المعرفة" (pouvoir-savoir) و"أرشيف الخطاب"  (l’archive)عند فوكو[68]، الذي يبين أن المعرفة ليست مجرد انعكاس للواقع، أو نتاج عقلاني محايد؛ بل هي نتيجة لشبكات من السلطة تُحدد ما يمكن التفكير فيه، وما يُعتبر قابلًا للقول، وما يُستبعد، أو يُسكت عنه "وهذا ما يحدث في كثير الأحيان في لجان التقييم والانتداب"[69] التي تصبح لها سلطة فرض من خلالها الانضباط المؤسسي الذي يُحدد قواعد الخطاب وحدود المشروعية. من هذا المنظور؛ فإن المقاربة البينية، حين تُحاول كسر الحواجز بين التخصصات، لا تصطدم فقط بعقبات تنظيمية؛ بل تُزعزع توازنًا سلطويًا خفيًا، يضبط من يُسمح له بالكلام، وبأي أدوات، ولأي غرض. فتصبح الجامعة عمومًا، بهذا المعنى، لا تُنتج فقط العلم؛ بل تُنتج كذلك أنماطًا مقبولة من التفكير، وتُراقب حدود "المعقول" و"غير المعقول" داخل الحقول المعرفية. فكل نظام معرفي يتضمن داخله آليات للإقصاء مثل الحظر والتقسيم وإرادة الحقيقة، وهي آليات تُمارس بشكل غير مباشر؛ ولكن فعال في تقييد إمكانات التجديد المعرفي[70].

هكذا، تُصبح المقاربة البينية، في السياق الجامعي التونسي، تحديًا مزدوجًا: فهي تُهدد الحدود "الإدارية والبيروقراطية"[71]، كما تُزعزع الترتيب الخطابي والرمزي الذي يُعيد إنتاج نفسه داخل المنظومة الأكاديمية. إنها تقترح إعادة توزيع للسلطة المعرفية، وتعيد فتح سؤال "من يملك حق إنتاج المعنى؟"، ما يجعلها مشروعًا معرفيًا وسياسيًا في آن، يتحدّى لا فقط التقسيم التقني للمعرفة؛ بل الأسس الأنطولوجية والسلطوية التي يقوم عليها النظام الجامعي نفسه.

3.      الآفاق والتطورات المستقبلية لتعزيز حضور البينية في العلوم الاجتماعية والإنسانية في الجامعة التونسية

3.1    البينية في ظل التحوّل الرقمي والتكنولوجيا كحاضنة معرفية

يشكل التحول الرقمي في رأي الجامعيين التونسيين – أو على الأقل من حاورناهم من أفراد المجتمع الأكاديمي التونسي – أحد العوامل البنيوية العميقة التي يمكن أن تمثّل آلية جديدة لإعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والمؤسسة الجامعية والمجتمع. فمن منظور سوسيولوجي، يُمكن فهم الرقمنة بوصفها "تكنولوجيات رمزية"[72] تعيد تشكيل فضاء الفعل المعرفي، لا فقط على مستوى الوسائط؛ بل على مستوى أنماط التفكير وإنتاج المعنى"[73]. ففي إطار ما يسمّيه مانويل كاستلز "مجتمع الشبكة"، تُبنى القيم والروابط والإنتاج المعرفي من خلال منطق الترابط والتفاعلية، لا وفق الفصل والتخصص الصارم[74]. ومن هذا المنظور، يرى بعض الباحثين أن هذا التحوّل الرقمي قد يقوض الأسس الإبستيمولوجية التي قامت عليها لجامعة الكلاسيكية، وهي أسس نشأت تاريخيًا على الفصل المعرفي والتدرج الهرمي بين الحقول العلمية.

في هذا السياق، يتمثّلون التكنولوجيا الرقمية كحاضنة طبيعية للمقاربات البينية، لأنها ستُمكن من تجاوز القيود البنيوية والمؤسساتية التي عرقلت ممكنات الحوار بين التخصصات المعرفية والأقسام الأكاديمية؛ حيث ستتيح للباحثين بناء شبكات بحث تفاعلية، تُعيد توزيع السلطة المعرفية وتُضعف المركزية البنيوية لأقسام العلوم التقليدية؛ حيث تنكسر الحدود الصلبة بين مجالات الفعل والخطاب، ويتحوّل الباحث من خبير في مجال مغلق إلى فاعل داخل شبكة علاقات معرفية[75]. كما أن البيئات الرقمية تُعيد تأطير البيداغوجيا ضمن مقاربات قائمة على حلّ المشكلات؛ حيث يتحول المتعلم من متلقٍ سلبي إلى فاعل مشارك في إنتاج المعرفة التي تتحول لتجربة اجتماعية مشتركة؛ حيث يصبح التعلم فعلًا حيا ومتجذرًا في الواقع، لا مجرد تراكم للمضامين النظرية؛ لكن تعميق هذا التصور يتطلب العودة إلى ما يسميه باولو فريري "بيداغوجيا الحضور النقدي"؛ حيث لا يُنظر إلى المعرفة كسلطة جاهزة تُمنح من الأعلى؛ بل كعملية تحرر جماعي تُنتج من خلال الحوار[76]. وفي مثل حال الجامعة التونسية التي تعد ضمن الجامعات الكلاسيكية التي تعرف بالصرامة التخصصية بتعبير المشاركين في البحث من المدرسين والباحثين متنوعي التخصصات يعتبر البعض إنه "من المهم أن تفتح مجالا لأقسام وتخصصات علمية تستفيد من هذه البيئات الرقمية، خاصة في ميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية أن تكون ضمن التخصص الواحد والتكوين المتعدّد من حيث المعرفة والتكوين وطرق التعلم"[77].

وهكذا؛ فإن البيئات الرقمية، بما تتيحه من أدوات تفاعلية وتشاركية، تُمكن من تجاوز العلاقة العامودية بين الأستاذ والطالب، لصالح علاقة أفقية قائمة على التفاوض المعرفي، وهو ما يتقاطع مع تصور ميشال دي سيرتو للمعرفة بوصفها استعمالًا خلاق للموارد القائمة[78]؛ إذ "يصبح المحتوى مجالًا للتفاعل لا للتلقين"[79]. كما أن هذه البيداغوجيا القائمة على التفاعل والتشاركية تُعزز ما يُعرف بـالذكاء الجماعي (Intelligence Collective)، وهو المفهوم الذي طوره بيير ليفي لوصف القدرة المشتركة للمجتمعات على الإبداع وتوليد الحلول عبر التفاعل المفتوح[80]. ولا يقتصر هذا التحول على الجانب البيداغوجي فقط؛ بل يتضمن إعادة صياغة موقع المعرفة داخل الفضاء الجامعي؛ حيث لا تعود التخصصات وحدها هي التي تُنظم عملية التعلم؛ بل أصبحت الأسئلة المشتركة والمشكلات المعقدة – التي تتطلب تعدد المداخل – تمثّل "وسيلة مهمّة من أجل تجديد الحقول داخل الجامعة التونسية"[81]. في هذا الأفق، تُصبح البيئات الرقمية رافعة لإنتاج معرفة سياقية منفتحة وحية، تتجاوز الفصل بين النظرية والتطبيق، وبين المتعلم والموضوع، وبين الحقول المعرفية المغلقة[82].

3.2     الإصلاح البيداغوجي والبحثي وتوازن البينية مع التخصص ضمن مقاربة توفيقية

إن التفكير في مستقبل البينية داخل الجامعة التونسية لا يمكن أن يتم إلا ضمن مشروع شامل لإعادة هيكلة البيداغوجيا والبحث العلمي، واعادة تأهيل المقررات الدراسية. فوفقًا لما يطرحه برنار لاهير (Bernard Lahire)؛ فإن التعلم المعرفي الفعال لا يتحقق إلا حين يتمكن المتعلم من تنويع "مخططاته الإدراكية" والتنقل بين أنظمة رمزية متعدّد[83]. ومن هذا المنطلق؛ فإن "إدماج وحدات بيداغوجية بينية وتشجيع التأطير المشترك لا يعني تفكيك التخصصات، كما يتوجس من ذلك البعض ؛ بل يعني إعادة هندستها لتصبح منفتحة على أشكال التفكير الأخرى"[84]، وتستجيب لمتطلبات الواقع الاجتماعي المعقّد[85]؛ لكن هذا التوسع في البينية يجب ألا يتم على حساب التخصص؛ بل ضمن ما يمكن تسميته بـ"المقاربة التوفيقية"، التي تحفظ للتخصصات مشروعيتها العلمية وتاريخها الإبستيمولوجي، مع فتحها على أفق التفاعل. حيث يُعاد تعريف المجال الأكاديمي باستمرار من خلال احتكاكه مع أسئلة الواقع[86]. في هذا الإطار، "يمكن اقتراح مسارات مزدوجة ومشتركة تجمع بين تخصصات مختلفة، على غرار علم الاجتماع والإيكولوجيا، أو الأنثروبولوجيا والتكنولوجيا"[87]، مع الحفاظ على الأطر النظرية الأساس لكل مجال؛ غير أن هذا التداخل لا يمكن أن ينجح دون "تكوين الأساتذة على المقاربات المتعددة"[88]، وهو ما لا يُعد مجرد تحديث تقني للمناهج؛ بل تحول بنيوي يمس بنية السلطة المعرفية في الجامعة التونسية. ولذلك؛ فإن تكوين الأستاذ ليصبح قادرًا على التنقل بين الحقول، يعني تفكيك سلطة الخطاب الأحادي، وتحويل دور الأستاذ من ناقل للمعرفة إلى فاعل نقدي ومنسّق للحوار بين المعارف.

في هذا السياق، يمكن القول إن الأستاذ متعدّد الحقول لا يُعيد فقط تعريف وظيفته؛ بل يُغير موقعه داخل الحقل الأكاديمي. فهو لم يعد ينتمي إلى منطق "الاحتراف التخصصي" فحسب؛ بل إلى منطق "التركيب التأويلي"؛ حيث يُصبح الجسر الذي يربط بين المعارف، ويُعيد تشكيل التصورات حول ما يعدّ معرفة. كما يساهم هذا التحول في تجاوز ما يسميه توماس كون بـ"العوالم العلمية المغلقة" التي تعيق التراكم المعرفي[89]، ويفتح المجال لظهور "الأنماط الجديدة" من المعرفة القائمة على التفاعل والتداول بين الخطابات. من جهة أخرى، "فالبينية لا تعيد فقط تنظيم الحقول المعرفية؛ بل تُعيد وصلها بالمجال العمومي، وتدفع بالجامعة نحو أفق جديد من المشاركة الاجتماعية في إنتاج المعنى.

3.3    من التخصص إلى المهارات المركّبة – نحو كفاءة متعدّدة السياقات

يبدو أن الجامعة التونسية تتجه تدريجيًا، وإن بخطى بطيئة، نحو الاعتراف بأهمية المقاربة البينية؛ حتى لا تجد نفسها "خارج السرب" و"خارج منطق تطوّر الكفاءات" كما عبّر أحد الأساتذة المشاركين في البحث[90]. ويظهر هذا الوعي المعبر عنه بوضوح أن "كل التخصصات دون استثناء باتت في حاجة ماسّة إلى التفكير النقدي، والخروج من هذا الانغلاق المؤسساتي الذي يخنق الباحث البيني وقد يخنق التخصص نفسه"[91] إذا ما استمر في إعادة إنتاج انغلاقه وتبريره.

ويتقاطع هذا التوجه، الذي نستشفّه بدرجات متفاوتة في إجابات المستجيبين، مع التحول البنيوي الذي يشهده التعليم العالي عالميًا، وخاصة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، والمتمثّل في الانتقال من نموذج التخصص الصارم إلى مطلب تكوين فاعلين يمتلكون مهارات مركبة متعددة الأبعاد. فالجامعة، كما يشير أحد الأساتذة بجامعة تونس، ما تزال تتهيكل "وفق تقسيمات معرفية صلبة تفترض الاكتفاء الذاتي لكل حقل، في حين أن الواقع الراهن يفرض، في وعي البعض، تفاعلًا معرفيًا وتنسيقًا بين المقاربات"؛ لأن الانغلاق داخل الحقل الواحد لم يعد يستجيب لتعقيد الواقع الاجتماعي المعاصر، "حيث تتداخل المشكلات البيئية والصحية والرقمية والهوياتية في أنساق متشابكة تتطلب بحوثا بينية" [92].

في هذا السياق التحليلي، تصبح المهارات المركبة، التي تشمل التفكير النقدي، والقدرة على التأويل، والتواصل بين الحقول، والتفاعل مع سياقات متعدّدة، عنصرًا أساسًا في رأس المال البشري. فمن منظور بيداغوجي، يوضح برنار لاهير أن الفرد القادر على "تنويع مخططاته الإدراكية"[93] هو الأكثر قدرة على التكيّف معرفيًا ومهنيًا؛ أي على الربط بين النظرية والممارسة ضمن سياقات اجتماعية متعدّدة. وعليه، لا تشكل المهارات المركبة بديلًا عن التخصص؛ بل امتدادًا له ضمن أفق معرفي تفاعلي. إنها إعادة تعريف للدور الجامعي، ليس فقط بوصفه منتجًا للمعرفة؛ بل أيضًا كفضاء لتشكيل فاعلين قادرين على تأويل الواقع والتصرّف فيه، داخل سوق عمل يتطلب مرونة معرفية وتفاعلية عالية وتنوعًا في الخبرات. وقد لخص أحد أساتذة هذا التحول بقوله: "إما أن نعيد صياغة بيداغوجيا الجامعة لتوليد كفاءات قادرة على التفكير والعمل عبر الحدود المعرفية، أو سنظل نُخرج كفاءات لا تجد مكانها في عالم سريع التحول"[94]؛ غير أن الأكاديمي ضمن الجامعة التونسية لا يرى في هذا الوعي تيارًا قويًا قادرًا على إحداث تغير بنيوي في غياب، أو ضعف وجود وعي مؤسّسي، أو توافق مؤسّي مع هذا الوعي الذي لا نستطيع نفي وجوده ضمن المجتمع الأكاديمي التونسي؛ ولكن لا يكشف البحث عن كثافة نوعية لهذا التوجّه تسمح بالتنبؤ بالتغيير المؤسسي في اتجاه الحضور المستقبلي القريب للمقاربة متداخلة التخصصات تدريسًا وبحثًا ضمن الجامعة التونسية.

خاتمة

يكشف التحليل السوسيولوجي للمجتمع الأكاديمي التونسي عن مسارين رئيسين في تمثّل المقاربة البينية. يتمثّل أولهما في النظر إليها كتحليل متعدّد التخصصات، وهو توجّه يبدو في ظاهره منفتحًا؛ غير أنه يظل محدود الأثر؛ لأنّه يبقى مرتبطًا بالمبادرات الفردية للباحثين، ولا يرتقي إلى مستوى الممارسة المؤسسية؛ أما المسار الثاني فيتعامل مع البينية باعتبارها تجاوزًا إبستيمولوجيا أعمق يهدف إلى تحقيق تكامل معرفي فعلي من خلال دمج مناهج نظرية وميدانية متنوعة؛ غير أن هذا المسار لا ينجح بدوره في كسر حدود الحقل المعرفي الذي تنتمي إليه العلوم الإنسانية والاجتماعية. فمن خلال دراسة محتوى المقابلات مع الأساتذة الباحثين، يتبين أن تصوراتهم للمقاربة البينية ترتكز غالبًا على إدراك حدسي وممارسة غير مؤسسية، تتراوح بين تقدير نظري محدود وتجارب عملية متعثرة. كما تكشف خطاباتهم عن مستويات متفاوتة من الوعي بأهمية البينية؛ فبينما يرى بعضهم أن تحولات المجتمعات المعاصرة تفرض تجاوز الانغلاق التخصصي، يظل آخرون متحفّظين إزاء فكرة التجسير المنهجي والمعرفي داخل العلوم الإنسانية والاجتماعية.

يتضح، تبعًا لذلك، أن المقاربة البينية تُطرح في الجامعة التونسية كتوجّه نظري مرغوب فيه؛ غير أنها تظل مترددة في الممارسة البيداغوجية والعلمية الفعلية، نتيجة غياب الأطر المؤسسية الداعمة، واستمرار منطق الانغلاق التخصصي؛ فضلًا عن ارتباط المكانة العلمية والمهنية بالمعايير التقليدية في التدريس والبحث. وعلى الرغم من أن ّبعض الباحثين يدافعون عن ضرورة الانفتاح المعرفي؛ فإن هذا الانفتاح يبقى محصورًا داخل الحقل المعرفي للعلوم الإنسانية والاجتماعية؛ حيث يظل خيار الانخراط في مقاربات بينية مجرد مبادرات فردية، أو جزئية لا ترتقي إلى مستوى مشروع جماعي، أو مؤسسي قادر على إحداث تغيير فعلي داخل المنظومة الجامعية.

ويلاحظ، أيضًا، أن التدريس البيني داخل الجامعات التونسية يبدو أكثر حضورًا من البحث البيني، ويمكن تفسير ذلك بقدر أكبر من المرونة في الممارسة التعليمية؛ مقارنةً بما يحيط بالبحث العلمي من قيود مؤسسية ومعايير تقييم أكاديمي صارمة مرتبطة بمنطق التخصص. كما تعكس هذه الوضعية ثقافة جامعية ترسخها النخب الأكاديمية المسيطرة، وتكرسها البنى القانونية والتنظيمية؛ حيث يعاد من خلالها إنتاج تراتبية التخصصات داخل المؤسسة الجامعية. وفي هذا السياق، تتمركز السلطة العلمية حول مناهج تقليدية في إنتاج المعرفة، وهو ما يحد من محاولات التجديد ويفسر الحذر، أو التردد إزاء المقاربات البينية. وعلى هذا الأساس، تواجه هذه المقاربة أشكالًا مختلفة من المقاومة، سواء أكانت رمزية أم بنيوية؛ إذ يُنظر إليها كتهديد للهويات التخصصية والامتيازات الرمزية المرتبطة بها. فهي لا تُفهم دائمًا كخيار معرفي بديل؛ بل قد تُؤوّل أحيانًا كاختلال منهجي، أو ضعف في الصرامة العلمية، لا لقصورها في حدّ ذاتها؛ بل لأنها لا تتوافق ومنطقَ الحقل الأكاديمي السائد. وتؤدي هذه المقاومة، سواء أكانت مباشرة، أم ضمنية، إلى نشوء نوع من الرقابة الذاتية يمارسها الباحثون والمدرسون حفاظًا على مواقعهم داخل النظام الأكاديمي، الأمر الذي يتحول بدوره إلى عائق إضافي أمام انتشار الممارسات البينية وتكريسها مؤسسيًا.

لقد أفرزت المؤسسة الجامعية التونسية نسقًا من المعاني والتمثّلات أُعيد تدريسه وتكريسه، جيلًا بعد جيل، إلى أن تحوّل إلى عقلية راسخة وإلى واقع يبدو بدهيًا في نظر الأكاديميين أنفسهم؛ مما صعّب تفكيكه، أو تجاوزه. فالمنظومة الداخلية تقوم على شرعنة التفسير الأحادي، وعلى إعادة إنتاج سلطة أكاديمية محتكرة للمعنى، وهو ما يفسّر الممانعة المستمرة تجاه المقاربات البينية؛ غير أن التحول الرقمي يُعد، في نظر العديد من الجامعيين، عاملًا بنيويًا عميقًا يعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والمؤسسة الأكاديمية. فالتكنولوجيا الرقمية بما تتيحه من شبكات بحث تفاعلية قادرة على تقويض الأسس الإبستيمولوجية للجامعة التقليدية التي بُنيت على الفصل بين الحقول والتدرج الهرمي. وفي هذا السياق، تبرز الرقمنة كحاضنة طبيعية للمقاربات البينية، تسمح بإعادة توزيع السلطة المعرفية وإضعاف مركزية التخصصات التقليدية. ولا يقتصر أثرها على الجانب البيداغوجي؛ بل يشمل إعادة صياغة موقع المعرفة داخل الفضاء الجامعي، بحيث تُبنى العملية التعليمية والبحثية على أسئلة مشتركة وقضايا معقدة تتطلب تداخل المداخل المعرفية.

وبناءً على ذلك؛ يصبح التفكير في مستقبل البينية داخل الجامعة التونسية مشروطًا بإطلاق مشروع شامل لإعادة هيكلة البحث العلمي والبيداغوجي معًا. فإدماج وحدات بيداغوجية بينية، وتشجيع التأطير المشترك لا يعنيان إلغاء التخصصات، أو إضعافها؛ بل إعادة هندستها بطريقة تجعلها أكثر انفتاحًا وقدرةً على التكيّف مع تعقيدات الواقع المعاصر. ومع ذلك، ينبغي أن يتم هذا التوسّع ضمن مقاربة توفيقية تحافظ على مشروعية التخصص، وتفتح المجال أمام أشكال جديدة من التفكير والتفاعل المعرفيين؛ بما يسمح بتجديد الحقول المعرفية في الجامعة التونسية.

 


 

المراجع

أولاً: العربية

بن لحسن، بدران وآخرون. الدراسات البينية في بحوث أساتذة جامعة قطر: الواقع والتحديات والآفاق. الدوحة: مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، 2025.

بورديو، بيار وباسرون، جان‑كلود. إعادة الإنتاج: في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم. ترجمة ماهر تريمش. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.

موران، إدغار. التفكير الشامل: الإنسان وكونه. ترجمة المنتصر الحملي. السعودية: صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 2022.

ثانيًا: الأجنبية

Reference

Benlahcen, Badran, et al. al-Dirāsāt al-baynīyah fī Buḥūth asātidhat Jāmiʻat Qaṭar al-wāqiʻ wa-al-taḥaddiyāt wa-al-āfāq (in Arabic). Doha: Ibn Khaldon Center for Humanities and Social Sciences, Qatar University, 2025.

Berger, Peter L. and Luckmann, Thomas. La construction sociale de la réalité. tras. Pierre Taminiaux. Paris: Armand Colin, 1986.

Boisvert, Danny. “Niklas Luhmann: la théorie des systèmes sociaux”, Aspects sociologiques, Vol. 13, No. 1, (2006), pp. 55-82.

Bourdieu, Pierre and Passeron, Jean‑Claude. iʻādat al-intāj: fī sabīl Naẓarīyat ʻāmmah lnsq al-Taʻlīm. tarjamat Māhir Tirīmish (in Arabic). trans. Maher Tarīmish. Beirut: Arab Organization for Translation, 2007.

Bourdieu, Pierre and Wacquant, Loïc. Réponses: Pour une anthropologie réflexive. Paris: Seuil, 1992.

Bourdieu, Pierre. Homo Academicus. California: Stanford University Press, 1988.

___. La Distinction: Critique Sociale du Jugement. Paris: Minuit, 1979.

___. Language and Symbolic Power. Cambridge: Harvard University Press, 1991.

___. Le sens pratique. Paris: Éditions de Minuit, 1980.

___. Méditations pascaliennes. Paris: Seuil, 1997.

___. The Field of Cultural Production. Columbia: Columbia University Press, 1993.

___. The Logic of Practice. California: Stanford University Press, 1990.

___. The Rules of Art: Genesis and Structure of the Literary Field. California: Stanford University Press, 1996.

Brunsson, Nils. Reform as Routine: Organizational Change and Standardization. Royaume-Uni: Oxford University Press, 2009.

Castells, Manuel. The Rise of the Network Society. Oxford: Blackwell, 1966.

De Certeau, Michel. L’invention du quotidien. Paris: Gallimard, 1980.

Dobbins, Michael. “Higher Education Governance and Policy: A Comparative Analysis of Luhmann’s Systems Theory.” European Journal of Education. Vol. 52, No. 3 (2017).

Ertler, Klaus-Dieter. “La théorie des systèmes luhmannienne: un nouveau paradigme en sciences sociales?” Philosophiques. Vol. 21, No. 1 (1994), pp. 3-17. https://doi.org/10.7202/027249ar

Foucault, Michel. L’ordre du discours. Paris: Gallimard, 1971.

Freire, Paulo. Pédagogie des opprimés. Paris: Maspero, 1974.

Hamilton, Peter. Knowledge and Social Structure: An Introduction to the Classical Argument in the Sociology of Knowledge. London: Routledge Library Editions,1991.

Kleini, Julie Th. “A Conceptual Vocabulary of Interdisciplinary Science.” In: Peter Weingart and Nico Stehr (eds.), Practising interdisciplinary, London: University of Toronto Press, 2000.

Kuhn, Thomas S. The Structure of Scientific Revolutions. Chicago: University of Chicago Press, 1962.

Lahire, Bernard. L’homme pluriel: Les ressorts de l’action. Paris: Nathan, 1998.

Lahire, Bernard. La culture des individus. Paris: La Découverte, 2004.

Lahire, Bernard. Les structures fondamentales des sociétés humaines. Paris: Découverte, 2023.

Lévy, Pierre. L’intelligence collective. Paris: La Découverte, 1997.

Luhmann, Niklas. Les Systèmes Sociaux. trans. André Kieserling. Paris: Éditions Cerf, 2006.

Luhmann, Niklas. Social Systems, trans. John Bcdnarz, Jr. and Dirk Baecker. California: Stanford University Press, 1995.

Mannheim, Karl. Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge. London: Routledge Classics in Sociology, 2002.

Moran, Edgar. al-tafkīr al-shāmil: al-insān wkwnh. (in Arabic). trans. al-Muntaṣir al-Ḥamalī. Saudi Arabia: ṣafḥah sabʻat lil-Nashr wa-al-Tawzīʻ, 2022.

Morin, Edgar. “Sur l’interdisciplinarité.” In: F. Kourilsky (ed.) Carrefour des Sciences: Actes du Colloque du Comité National de la Recherche Scientifique Interdisciplinarité. Paris: Éditions du CNRS, 1990.

Morin, Edgar. Introduction à la pensée complexe. Paris: éd Points Essais, 2014.

Rabault, Hugues. “Théorie des Systèmes: Vers une Théorie Fonctionnaliste du Droit,” Droit et société, Vol. 86, No. 1 (2014), pp. 209-226. https://doi.org/10.3917/drs.086.0209

Teubner, Gunther. Constitutional Fragments: Societal Constitutionalism and Globalization. Royaume-Uni: Oxford University Press, 2012.

Vanderstraeten, Raf. “The Social Differentiation of the Educational System.” Sociology. Vol. 38, No. 2 (2004). https://doi.org/10.1177/0038038504040863

Wacquant, Loïc. “Towards a Reflexive Sociology: A Workshop with Pierre Bourdieu.” Sociological Theory, Vol. 7, No. 1 (Spring, 1989), pp. 26-63. https://doi.org/10.2307/202061

Wacquant, Loïc. Punir les pauvres: Le nouveau gouvernement de l’insécurité sociale. Paris: Agone, 2015.



[1] Pierre Bourdieu, Language and Symbolic Power (Cambridge: Harvard University Press,1991).

[2] بدران بن لحسن وآخرون، الدراسات البينية في بحوث أساتذة جامعة قطر: الواقع والتحديات والآفاق (الدوحة: مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، 2025 (، ص23.

[3] Niklas Luhmann, Social Systems, trans. John Bcdnarz, Jr. and Dirk Baecker (California: Stanford University Press,1995).

[4] بن لحسن وآخرون، ص43-44.

[5] Loïc Wacquant, “Towards a Reflexive Sociology: A Workshop with Pierre Bourdieu,” Sociological Theory, Vol. 7, No. 1 (Spring, 1989), pp. 26-63.

[6] Pierre Bourdieu, Homo Academicus (California: Stanford University Press, 1988).

[7] إدغار موران، التفكير الشامل: الإنسان وكونه، ترجمة المنتصر الحملي (السعودية: صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 2022)، ص125-139.

[8] Karl Mannheim, Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge (London: Routledge Classics in Sociology, 2002).

[9] Edgar Morin, “Sur l’interdisciplinarité,” In: F. Kourilsky (ed.) Carrefour des Sciences: Actes du Colloque du Comité National de la Recherche Scientifique Interdisciplinarité (Paris: Éditions du CNRS, 1990), pp. 21-31.

[10] Luhmann, Social Systems, Op. Cit., p. 32.

[11] Danny Boisvert, “Niklas Luhmann: la théorie des systèmes sociaux”, Aspects sociologiques, Vol. 13, No. 1, (2006), p. 59.

[12] Ibid., p. 58.

[13] Luhmann, Social Systems, Op. Cit.

[14] Klaus-Dieter Ertler, “La théorie des systèmes luhmannienne: un nouveau paradigme en sciences sociales?” Philosophiques, Vol. 21, No. 1 (1994), pp. 3-17.

[15] Ibid., p. 9.

[16] Gunther Teubner, Constitutional Fragments: Societal Constitutionalism and Globalization (Royaume-Uni: Oxford University Press, 2012).

[17] Raf Vanderstraeten, “The Social Differentiation of the Educational System,” Sociology, Vol. 38, No. 2 (2004), pp. 255-272.

[18] Luhmann, Social Systems, Op. Cit., p.189.

[19] Ibid, p112.

[20] Michael Dobbins, “Higher Education Governance and Policy: A Comparative Analysis of Luhmann’s Systems Theory,” European Journal of Education, Vol. 52, No. 3 (2017), pp. 287-299.

[21] Nils Brunsson, Reform as Routine: Organizational Change and Standardization (Royaume-Uni: Oxford University Press, 2009).

[22] Hugues Rabault, “Théorie des Systèmes: Vers une Théorie Fonctionnaliste du Droit,” Droit et société, Vol. 86, No. 1 (2014), pp. 209-226.

[23] Peter Hamilton, Knowledge and Social Structure: An Introduction to the Classical Argument in the Sociology of Knowledge (London: Routledge Library Editions, 1991).

[24] Mannheim, Ideology and Utopia, Op. Cit., pp.70-80.

[25] Mannheim, Ideology and Utopia, Op. Cit., pp. 3-4.

[26] بيار بورديو وجان‑كلود باسرون، إعادة الإنتاج: في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم، ترجمة ماهر تريمش (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007).

[27] Pierre Bourdieu, The Field of Cultural Production (Columbia: Columbia University Press,1993), p. 30.

[28] Bourdieu, Homo Academicus Op. Cit., p. 85.

[29] Pierre Bourdieu, La Distinction: Critique sociale du jugement (Paris: Minuit, 1979), p. 170.

[30] Pierre Bourdieu, The Rules of Art: Genesis and Structure of the Literary Field (California: Stanford University Press, 1996), p. 120.

[31] Pierre Bourdieu, The Logic of Practice (California: Stanford University Press, 1990), p. 53

[32] Pierre Bourdieu, Loïc Wacquant, Réponses: Pour une anthropologie réflexive (Paris: Seuil, 1992).

[33] Loïc Wacquant, Punir les pauvres: Le nouveau gouvernement de l’insécurité sociale (Paris: Agone, 2015)

[34] Bourdieu, Language and Symbolic Power, Op. Cit., p. 163.

[35] Julie Th. Kleini, “A Conceptual Vocabulary of Interdisciplinary Science,” In: Peter Weingart and Nico Stehr (eds.), Practising interdisciplinary (London: University of Toronto Press, 2000).

[36] Bernard Lahire, Les Structures Fondamentales des Sociétés Humaines (Paris: Découverte, 2023), pp. 16-34.

[37] المقابلة 1: أستاذة وباحثة شابة في قسم علم الاجتماع بأحد الجامعات التونسية لها تجربة تدريس وبحث سبع سنوات وتهتم أساسًا بحقل علم الاجتماع السياسي

[38] Edgar Morin, Introduction à la pensée complexe (Paris: éd Points Essais, 2014).

[39] تكرر التعبير في أجوبة المقابلة 3 (أستاذ مساعد من قسم الأنثروبولوجيا، له أقدمية عشر سنوات تدريس فعلية وخبرة بحثية أطول، ويختص بدراسة التاريخ وعلوم الأديان) والمقابلة 6 (أستاذ مساعد أيضًا إلى قسم الأنثروبولوجيا، اختصاصه الدقيق علم الاجتماع، يهتم أساسًا بالدراسات الإفريقية والأنثروبولوجيا الثقافية والجماعات المتطرفة الإفريقية، وله خبرة تدريس وبحث تتجاوز عشر سنوات، وحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة أوروبية).

[40] المقابلة 5 تخص أستاذة مساعدة تنتمي إلى قسم الأنثروبولوجيا، اختصاصها الدقيق علم الاجتماع، وتهتم أساسًا بقضايا التنمية واليومي والفقر والتهميش، ولها خبرة تدريس تمتد لثماني سنوات بين العمل المتعاقد والمنتدب.

[41] المقابلة 4 أجريت مع أستاذة تاريخ في إحدى الجامعات التونسية، لديها خبرة تدريس وبحث تتجاوز 14 سنة، وتخصصها الدقيق التاريخ الغربي الحديث والمعاصر.

[42] انظر: المقابلة رقم (1).

[43] Luhmann, Social Systems, Op. Cit.

[44] المقابلة رقم 6 أجريت مع أستاذ مساعد في قسم الأنثروبولوجيا، اختصاصه الدقيق علم الاجتماع، ويهتم أساسًا بالدراسات الإفريقية والأنثروبولوجيا الثقافية والجماعات المتطرفة الإفريقية، وله خبرة تدريس وبحث تتجاوز عشر سنوات، وحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة أوروبية.

[45] Mannheim, Ideology and Utopia, Op. Cit.

[46] Bourdieu, Language and Symbolic Power, Op. Cit.

[47] هي عناوين بحوث، ذكرت أستاذة تاريخ بإحدى الجامعات التونسية أنهم أنجزوها بشكل فردي، في إطار فهمهم لمعنى المقاربة البينية، كما ورد في إجاباتهم ضمن المقابلة المنجزة معهم (المقابلة 4).

[48] مقابلة رقم (7) أجريت مع أستاذ مساعد بالمعهد العالي للدراسات التطبيقية بزغوان، مختص في تعلمية العلوم، ويدرس بقسم علوم التربية.

[49] Bourdieu, Homo Academicus Op. Cit., pp. 32-34

[50] Niklas Luhmann, Les Systèmes Sociaux, trans. André Kieserling (Paris: Éditions Cerf, 2006), pp. 16-18.

[51] مقابلة رقم (12) أجريت مع مساعدة متخصصة في القانون الخاص، تدرس في الكلية الآداب بسوسة.

[52] Ibid, pp. 446-449.

[53] Luhmann, La Science de la Société, pp. 46-49.

[54] المقابلة رقم 2، أجريت مع أستاذ مساعد في الأنثروبولوجيا، يدرس بقسم الأنثروبولوجيا بسوسة.

[55] المقابلة رقم (6).

[56] Pierre Bourdieu, Le sens pratique (Paris: Éditions de Minuit, 1980(, p. 142.

[57] المقابلة رقم (12).

[58] المقابلة رقم (7).

[59] المقابلة رقم (2).

[60] المقابلة رقم (7).

[61] تؤكد الأستاذة في المقابلة رقم (1) إن الباحث بشكل عام خلال مناظرات الانتداب سيبحث على القبول و "الرضاء المعرفي وخاصة المؤسساتي"، وبالتالي فسيكون الرفض في الدخول في مثل هذه المقاربات ذاتيًا بشكل قوي.

[62] Pierre Bourdieu, Méditations pascaliennes (Paris: Seuil, 1997), pp. 80-84.

[63] Peter L. Berger and Thomas Luckmann, La construction sociale de la réalité, trans. Pierre Taminiaux (Paris: Armand Colin, 1986), pp. 60-63.

[64] المقابلة رقم (10(.

[65] يرى الأستاذ في المقابلة رقم (7) من وجهة نظره كمتخصص في البيداغوجيا أن مسألة الصرامة العلمية في الجامعة التونسية قد تفضي أحيانًا إلى نوع من الصراع بين التخصصات حول من هو الأكثر صرامة، والأكثر نقاءً من حيث التخصص.

[66] Bourdieu and Wacquant, Réponses, Op. Cit., pp. 164-170.

[67] Berger and Luckmann, La construction sociale de la réalité, Op. Cit., pp. 84-91.

[68] Michel Foucault, L’ordre du discours (Paris: Gallimard, 1971), p. 10.

[69] المقابلة رقم (10).

[70] Foucault, L’ordre du discours, pp. 25-27.

[71] Ibid.

[72] Pierre Lévy, L’intelligence collective (Paris: La Découverte, 1997), p. 25.

[73] المقابلة رقم (1).

[74] Manuel Castels, The Rise of the Network Society, (Oxford: Blackwell, 1996), p. 469.

[75] المقابلة رقم (8).

[76] Paulo Freire, Pédagogie des opprimés (Paris: Maspero, 1974), p. 33.

[77] المقابلة رقم (7).

[78] Michel De Certeau, L’invention du quotidien (Paris: Gallimard, 1980), p. 59.

[79] المقابلة رقم (6).

[80] De Certeau, L’invention du quotidien, Op. Cit., p.29.

[81] هذا ما تم توضيحه خلال المقابلة رقم (6)؛ حيث يرى الأستاذ أن الفضاء الجامعي يجب أن يكون فضاءً لطرح الأسئلة والمشكلات المتعددة، خاصة أن جميع التخصصات داخل الجامعة التونسية تتاح لها فرصة الإصلاح الهيكلي والتخصصي كل ثلاث سنوات، وهو ما يمكن أن يقترح فيه إدماج تعلمات تدعم مثل هذه المقاربات وتتيح الفرصة للانفتاح بين الحقول المعرفية.

[82]ا المقابلة رقم (3).

[83] Bernard Lahire, La culture des individus (Paris: La Découverte, 2004), p. 23.

[84] المقابلة رقم (6).

[85] المقابلة رقم (1).

[86] المقابلة رقم (8).

[87] المقابلة رقم (2).

[88] المقابلة رقم (12).

[89] Thomas S. Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions (Chicago: University of Chicago Press, 1962), p. 164.

[90] عبّرت الأستاذة في المقابلة رقم (12) عن أن الحقل المعرفي في تطوّر متواصل، وأنه اليوم بحاجة إلى كفاءات ومهارات مرنة وقادرة على تطوير ذاتها دون أن تعطي قيمة مفرطة للاختصاص، مشيرة إلى أن هذه المقاربة قد تبدو صعبة في ظاهرها؛ لكنها تتطلّب جهود كل الفاعلين في الحقول العلمية.

[91] أعرب الأستاذ في المقابلة رقم (7) عن أن الباحث البيني يسهم في إدخال جملة من النقاشات النقدية التي قد تدفع الفاعلين داخل الاختصاص للتجديد؛ على عكس ما يروّج له البعض باعتبار هذا النوع من البحث عبثًا علميًا.

[92] المقابلة رقم (10).

[93] Bernard Lahire, L’homme pluriel: Les ressorts de l’action (Paris: Nathan, 1998), p. 42.

[94] المقابلة رقم (7).