أزمة الأسرة في الغرب: قراءة حضارية
حسن بن حسن
باحث مشارك، كلية الشريعة، جامعة قطر
https://orcid.org/0000-0002-3543-9684
تاريخ الاستلام: 01/12/2024 تاريخ التحكيم: 20/12/2024 تاريخ القبول:21/09/2025
أهداف البحث: تأسست الأسرة الحديثة في الغرب على مبدأ النزعة الفردية ومنزلة الفرد، وقد مرّ هذا المبدأ برحلة دلالية واختبار تاريخين طويلين وبتوتّرات وتقلبات أفضت إلى مآلات ونتائج تاريخية ملموسة. يأتي هذا البحث محاولةً لمساءلة هذا المسار؛ انطلاقًا من منعطفاته الدلالية الرئيسة، ومسعًى لبناء مقاربة حضارية تنيره على نحو مختلف، وتهيّئ لإعادة بناء الأسرة كمجال اجتماعي، وحقل عملي له خصوصيته وحدوده المعرفية والقيمية خارج ثنائية محو الفرد، أو اعتباره مبدءًا أوحدَ لتأسيسها.
منهج البحث: يستخدم هذا البحث منهجًا تحليليًا نقديًا حضاريًا، ينطلق من مآلات واقعة للتطورات والتقلبات التي شهدتها الأسرة الحديثة في الغرب؛ منذ بدايات الثورة الصناعية إلى الآن، ويحاول إعادة البناء النقدي للمسار التاريخي الذي أفضى إليها.
النتائج: ينتهي هذا البحث إلى أن أزمة الأسرة في الغرب أزمة مركبة ترتبط بالاختيارات الأساسية للحداثة في الحقل الاجتماعي، وبالقصور التأسيسي للنزعة الفردية، وبالضغوط الثقافية والاجتماعية على محاولات إيجاد توازن بين الفرد والمؤسسة الأسرية.
أصالة البحث: حاول هذا البحث أن يمنح الحاجة للمقاربة الحضارية لمشكلات الأسرة الغربية المعاصرة محتوًى معرفيًا موضوعيًا، وأن يحوّلها إلى منهج محدد المعالم، قابل للتطبيق.
الكلمات المفتاحية: الأسرة، الفرد، الغرب، الحداثة، أزمة الأسرة، النزعة الفردية، المقاربة الحضارية
للاقتباس: بن حسن، حسن. «أزمة الأسرة في الغرب: قراءة حضارية»، مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة قطر، المجلد 44، العدد 1 (2026)
https://doi.org/10.29117/jcsis.2026.0437
©2026، بن حسن، مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، دار نشر جامعة قطر. نشرت هذه المقالة البحثية وفقًا لشروط Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0). تسمح هذه الرخصة بالاستخدام غير التجاري، وتنبغي نسبة العمل إلى صاحبه، مع بيان أي تعديلات عليه. كما تتيح حرية نسخ، وتوزيع، ونقل العمل بأي شكل من الأشكال، أو بأية وسيلة، ومزجه وتحويله والبناء عليه، طالما يُنسب العمل الأصلي إلى المؤلف. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0
Hassen Ben Hassen
Research Associate, College of Sharia and Islamic Studies, Qatar University, Qatar
https://orcid.org/0000-0002-3543-9684
Received: 01/12/2024 Peer-reviewed: 20/12/2024 Accepted: 21/09/2025
Objectives: The modern family in the West is built upon the principle of individualism, which places the individual in a position of importance. This idea has traversed a long historical and semantic journey, marked by tensions and fluctuations that have culminated in tangible historical outcomes. This study aims to critically analyze this trajectory by tracing its main semantic junctures, and to construct a civilizational framework that reinterprets it from a novel vantage point, in an attempt to pave the way for the reframing of the family as a social institution and practical domain with its distinct epistemological and ethical aspects, thus transcending the binary opposition between effacing the individual and positing individualism as the singular foundational principle.
Methodology: The study utilizes a critical civilizational approach that is based on the changes experienced by the modern Western family since the Industrial Revolution. It seeks to reconstruct the historical path that has led to its current condition by situating the family within the broader social choices of modernity.
Results: The study indicates that the crisis within the Western family is complex and closely linked to modernity’s foundational choices, the constraints of individualism, and the challenges that disrupt balance between the individual and the family institution.
Originality: The study calls for a civilizational perspective on Western family issues, providing it with objective epistemic content and an applicable methodological framework.
Keywords: Family; Individual; The West; Modernity; Family crisis; Individualism; Civilizational approach
Cite this article as: Ben Hassen, H. "Family Crisis in the West: A Civilizational Perspective," Journal of College of Sharia and Islamic Studies, Qatar University, Vol. 44, Issue 1 (2026).
https://doi.org/10.29117/jcsis.2026.0437
© 2026, Ben Hassen, H. Published in Journal of College of Sharia and Islamic Studies. Published by QU Press. This article is published under the terms of the Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0), which permits non-commercial use of the material, appropriate credit, and indication if changes in the material were made. You can copy and redistribute the material in any medium or format as well as remix, transform, and build upon the material, provided the original work is properly cited. The full terms of this licence may be seen at: https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0.
تأسست الأسرة الحديثة على النزعة الفردية؛ إلا أن هذا المبدأ عند ميلاده – كما سنرى لاحقًا – هو غيره اليوم، فدلالة النزعة الفردية عند ميلادها الحديث في مجال الأسرة كانت دلالة تحرّر وخروج؛ خروج من تأسيس الآصرة الأسرية على اعتبارات الأنساب، وعلى توريث المكانة الاجتماعية، وعلى إخضاع الفرد لإكراهات المؤسسة؛ إلى تأسيسها على الحب، والانجذاب العاطفي، والاختيار الفردي.
وأما اليوم؛ فدلالة النزعة الفردية في مجال الأسرة دلالة أزمة، كما سيفصل هذا البحث؛ إذ إنها تعني الفصل بين الحياة الجنسية وبين الحياة الزوجية، والفصل بين الجنسين وبين دلالة الأسرة، كما تعني المساءلة الجذرية لمفاهيم الذكورة والأنوثة، والجنوح إلى محاولة تحويل الجنس البيولوجي إلى اختيار فردي يلقن للناشئة منذ نعومة أظافرهم.
بين هاتين الدلالتين المتباعدتين تاريخ طويل من التقلبات والتوترات الدلالية لهذا المبدأ، يمكن تقسيمه الإجمالي إلى مرحلتين كبريين؛ مرحلة أسرة الحداثة الأولى، وتمتد من بدايات الثورة الصناعية إلى أواسط ستينيات القرن العشرين، ومرحلة الحداثة الثانية، وتمتد من نهاية المرحلة الأولى إلى اليوم.
تتمحور إشكالية البحث حول السؤال الآتي: كيف انتسجت خيوط هذه الأزمة؟ كيف أصبح إخضاع إحدى أرسخ المؤسسات في تاريخ الإنسانية للتجريب والتفكيك السريعين ممكنًا؟
تتوسل الدراسة بالمقاربة الحضارية؛ باعتبارها المجال الأوسع للرؤية، ولتملك مفاتيح الفهم والإصلاح، ولأن الشروط الموضوعية لواقع الأسرة في الغرب قد تهيأت لهذه المقاربة لسببين:
أولهما؛ أننا إزاء مسار تاريخي مكتمل من التأسيس إلى المآل، يناسب هذا الاختيار في اكتمال حلقاته هذا المسار، بما لا يعني انغلاقه.
ثانيهما؛ أن الأسرة أصبحت رهانًا من رهانات العولمة الغربية بأدوات التطويع السياسي والقانوني، وهو ما يفرض علينا المحاورة العميقة لما يعرض نفسه على أنه كوني، وتَبَيِّن مدى صحة ادعاءاته.
إن التأليف في مجال الأسرة في الثقافة العربية والإسلامية كثير ومتعدد الأغراض والمشارب، وأما المقاربات الحضارية الحريصة على انتهاج مسالك المعرفة الموضوعية لأحوال الأسرة الغربية فقليلة؛ إن لم تكن نادرة حسب اطلاعنا.
وقفنا في المجال على ثلاث دراسات، سنشير بإيجاز إلى مضامينها وأوجه تكامل هذا البحث معها وتمايزه عنها، وهي:
1. الحياة الأسرية في الغرب: المشاكل الحقيقية والحلول العملية([1])، لصالح سلطان:
يرى مؤلف الكتاب أن الأسرة المسلمة في الغرب تواجه أزمة هوية أسرية وتحديات قيمية وقانونية غير مسبوقة وأن كتابه يهدف إلى تقديم صورة واقعية عن الحياة الزوجية في الغرب للمسلم وغير المسلم بهدف تطوير فقه الواقع، وإلى مواجهة الصورة الإعلامية والدعائية للزواج في الغرب بالصورة الواقعية المدعومة بالدراسات البحثية والإحصائيات، وإلى تشجيع العلماء وأهل الخير على مزيد الاهتمام بمشاكل الأسرة في المسلمة في الغرب، وإلى إرشادها – أي الأسرة المسلمة – العملي نحو النجاح والارتقاء إلى مستوى النموذج إرشادا مبنيا على المعرفة العلمية.
يقدم الكتاب في عشرين صفحة إحصائيات عن واقع الأسرة في أمريكا وبريطانيا بين سنوات 1970م و2003 تمسح محاور متعددة ويخلص منها إلى أن طغيان النزعتين المادية والفردية وراء التفكك الذي تعيشه، فالأسرة الغربية أصبحت محركا للاستهلاك الاقتصادي لا لبناء القيم، والسعادة الزوجية تختزل في تمليك الأشياء لا تحقيق المعنى الوجودي، والمادية تملؤ الجيب وتفرغ القلب، وأما النزعة الفردية فتفكك الروابط بين الأجيال وتؤدي إلى تراجع روح التضحية والعطاء داخل الزواج وتضعف الإحساس بالمسؤولية تجاه الأبناء. كما يقدم الدكتور صلاح دليلا إرشاديا عمليا للأسرة المسلمة مبنيا على نصيحة جامعة يقدمها للمسلم في الغرب: لا يمكن أن تبني زواجًا ناجحًا وأنت تعيش بعقلية بلدك الأصلي فقط، ولا بعقلية الغرب فقط؛ بل بعقلية المؤمن الواعي الذي يعرف كيف يوازن بين دينه وواقعه.
واختلافنا مع هذه الدراسة يتجسد في ثلاث نقاط:
الأولى، أن هذه الورقة لا تتناول واقع الأسرة المسلمة في الغرب؛ ولكنها تكتفي بالأسرة الغربية.
الثانية، أن تعليل أزمة الأسرة الغربية بالنزعة المادية يحتاج إلى تنسيب إحدى الخلاصات التي ينتهي إليها هذا البحث هي أن أزمة الأسرة في الغرب – وهي في ذلك فرع من أزمة الحداثة – تعود في قسم هام منها إلى احباط تطلعات قيمية والى أزمة المثالية العاطفية التي سادت في الأربعين سنة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.
الثالثة، أن النزعة الفردية في مجال الأسرة كانت في بداياتها مبدأ تحرر، وانتهت عبر تاريخ طويل من التقلبات الدلالية إلى مبدئ لتفكيك مؤسسة الأسرة.
2. المواثيق الدولية وأثرها في هدم الأسرة بداية من تأسيس الأمم المتحدة عام 1945م وحتى مطلع 2019م([2])، لكاميليا حلمي محمد:
هي دراسة تتناول إشكالية كلية وهي عولمة النموذج الأسري الغربي عن طريق وسائل الضغط والتطويع القانونية والسياسية، وأكتفي إزاءه بملاحظتين:
الأولى: اختلاف موضوع الكتاب مع موضوع هذا البحث وتكاملهما: اختلاف من جهة الإشكالية وتكامل من جهة الحافز، فعولمة الحالة التي انتهت إليها الأسرة في الغرب حفزها للبحث في أدوات وآليات هذه العولمة، وحفز دراستنا إلى بيان الخصوصية الثقافية والاجتماعية لأوضاع الأسرة الغربية.
الثانية: أن الدراسة المذكورة منخرطة منهجيا وأسلوبيا في معركة التحصين الثقافي في حين أن هذا البحث تحركه الرغبة في امتلاك مفاتيح الفهم.
3. الأسرة في الغرب أسباب تغير مفهومها ووظيفتها: دراسة تحليلية/نقدية ([3])، لخديجة كرار الشيخ الطيب بدر:
تفتتح الدراسة بفصل عميق ومجدد عن مفهوم الأسرة في الإسلام، وتربط بين فلسفة الزوجية وبين المنزلة الوجودية للإنسان والمقاصد العليا للوجود الإنساني أي العبادة والاستخلاف. واشتراك الرجل والمرأة في شرفية المنزلة والتكوين وائتمانهما معا على المقاصد العليا للوجود الإنساني.
يعقب ذلك ثلاثة فصول عن نشأة الحضارة الغربية وتطورها، وعن مصادر تغيير مفهوم الأسرة في الغرب واتجاهاته، وعن دور الحركات الأنثوية في تفكك الأسرة في الغرب وتغيير مفهومها. يميز هذا الكتاب بين الحركات النسوية المطالبة بالحقوق السياسية والاجتماعية للمرأة وبين الحركات الأنثوية الراديكالية المستهدفة لمؤسسة الأسرة ولمفهوم الزوجية، ويقدم عرضًا وافيًا لتاريخ الفكر النسوي بشقيه الآنفين.
ملاحظتنا عن هذه الدراسة تكمن في غلبة السرد التاريخي لأفكار الحركات النسوية فيها، وضمور التحليل السوسيولوجي لتحولات الأسرة الغربية الحديثة ولتقلبات مبدئها الفلسفي المؤسس؛ أي النزعة الفردية، وهو ما يحد من قيمتها التفسيرية للمآل الذي آلت إليه الأسرة في الغرب.
تعالج قراءتنا لأزمة الأسرة في الغرب موضوعها من خلال ثلاثة مباحث، هي:
المبحث الأول: الحاجة إلى القراءة الحضارية ودلالة الأزمة الأسرية ومؤشراتها
المبحث الثاني: مسار ولادة الفردانية في الأسرة والبحث عن التناغم بين الفرد والمؤسسة (أسرة الحداثة الأولى)
المبحث الثالث: صدام الفرد والمؤسسة (أسرة الحداثة الثانية)
القراءة الحضارية تتخذ ابتداءً شكل نقد منصف؛ يعيد بناء منطقة الوسط في ثقافة للأسرة تتّسم بالإفراط في بُعْدي الفردية والتفريط في بُعْد الزوجية واستتباعاته القيمية والمعنوية. والقراءة الحضارية ربط للجزء بالكلّ، أي في سياقنا ربط لأزمة الأسرة في الغرب بأزمة القيم والمبادئ المؤسسة للحداثة، فأزمة الأسرة فرع من أزمة حضارية أشمل.
سنقوم بهذا الربط من خلال تتبع انعكاس الأزمة التي تعيشها بعض المبادئ الأساسية للحداثة على الأسرة، كنفي مفهوم الطبيعة الإنسانية، وكالتعلق بحلم الثورة في التغيير الاجتماعي.
ومن معاني القراءة الحضارية استخلاص الحصائل والنتائج الكبرى لمبادئ تعرضت للاختبار على مدى أزيد من قرنين من الزمان، من هذه المبادئ النزعة الفردية كركن معنوي وقيمي تأسست عليه الأسرة الحديثة في الغرب، لقد تعرض هذا المبدأ إلى اختبار تاريخي طويل وتحولات دلالية أفضت إلى مآلات واقعة لا إلى مآلات محتملة، والقراءة الحضارية استخراج لحصائل هذا الاختبار.
ومن معاني القراءة الحضارية بيان أثر حالة الانتماء لتراث وثقافة على التفكير، وتحديده (أي الانتماء الثقافي والحضاري) لمجال الرؤية ولأفق الحراك العقلي للمثقف. ما نسعى إليه في هذا البحث هو بيان الخصوصية الثقافية والاجتماعية لتحولات وتطورات الأسرة في الغرب وامتناع تحويلها إلى مسار كوني شامل.
يعمل الغرب على تنميط القيم ومحاولة جعلها واحدة لدى كل البشر في المأكل والملبس والعلاقات الأسرية وبين الجنسين وفي كل ما يتصل بحياة الإنسان الفردية والجماعية ([4]).
وأخيرًا، فإن القراءة الحضارية في تمامها جمع وتركيب لمختلف عناصر النقد والقراءة الآنفة في صورة كلية واحدة ترسم لنا المشهد رسمًا حضاريًا مختلفًا يحرر ممكنات معرفية وعملية جديدة على غير مألوف الإنسان الغربي في القراءة والفهم.
تطرح عديد من الأسئلة بهذا الصدد، فحواها: هل الأسرة في الغرب في أزمة فعلا أم هي اختلاق أيديولوجي؟ ماذا لو حاججنا بعض المثقفين الغربيين الذين لا يرون ما نراه من الأزمة؟ ماذا لو قالوا لنا هذه اختياراتنا، ونحن راضون بها؟
الأمر هنا يتعلق بدلالة الأزمة وبالإنارة النقدية التي نسلطها عليها حتى تظهر بما هي كذلك، كما أن الأمر يتعلق بمعطيات الواقع ومدى قابليتها للتأويل كأعراض للأزمة.
إن الأزمة الحضارية عادة أزمة نضوب للينابيع التأسيسية، ويترجم ذلك عمليًا في إخفاق غالب للانتظارات التي صنعتها وفي تكاثر المشاكل واحتجاب الحلول، أو الأزمة هي إخلاف المبادئ التأسيسية لوعودها الرئيسة وصناعتها لمشاكل تفوق قدرتها على حلها.
إن الأسرة في الغرب في أزمة؛ لأن المؤشرات الملموسة الكمية والكيفية على هذه الأزمة ثقيلة وحاسمة في ميزان التاريخ والحضارة، ونحن نعرف أن اعتبار ثقل المعطى وتقديره المناسب هو الخطوة الأولى الحاسمة في المعرفة العلمية في الحقل الاجتماعي، وأعراض المرض الثقافي العميق في الأسرة في الغرب تملك خاصية المعطي الثقيل الذي لا يمكن تأويله على وجه آخر غير الأزمة.
منذ أواسط ستينيات القرن العشرين؛ بدأت نسبة المواليد في الغرب تتغير في اتجاه سلبي ينذر بفقدان القدرة على التجدد الديمغرافي، في البداية ظن الديمغرافيون أنها موجة عابرة ستعود الأمور بعدها إلى الوضع الطبيعي، غير أن هذه المؤشرات ظلت إلى يوم الناس هذا دون الحد الأدنى الضروري للتجدد الديمغرافي (هذا الحد هو1.2 طفل للمرأة القادرة على الإنجاب).
وكأمثلة لذلك؛ في عام 2021 كانت نسبة الخصوبة في فرنسا 48.1 ولادة بالنسبة للمرأة الواحدة، وأما في تشيكوسلوفاكيا فكانت 83.1، وفي رومانيا 81.1، وفي إيطاليا 25.1. وفي الفترة بين 2001 و2021 كان النزول الأكثر حدة في مؤشر الخصوبة في بلدان الاتحاد الأوروبي الآتية: في مالطا نزل هذا المؤشر من 48.1عام 2001 إلى 13.1عام 2021، وفي لكسمبورغ نزل من 48.1إلى 38.1، وفي فنلندا نزل من 73.1إلى 46.1)[5](.
هذا التناقص في معدلات الخصوبة مسّ العديد من بلدان العالم في القارات الأخرى المتأثرة بالنموذج الغربي ومنها كوريا الجنوبية، ففي بحث أجرته الجمعية الكورية للسكان على الفئة العمرية في سن الثلاثين تبين أن 30% من النساء و18% من الرجال ليست لهم نية الزواج مطلقا، وأما نسبة الولادات فتناقصت إلى الثلث تقريبا عما كانت عليه عام 1980([6]).
هذه المؤشرات يعتبرها المحللون الاستراتيجيون من الاتجاهات الثقيلة المعتمدة في استشراف مستقبل الشعوب والأمم.
سنأخذ مثالا عن مؤشرات الانحراف وفقدان البيئة الأسرية وهو فرنسا، مثال لا يختلف كثيرا عن بقية الدول الغربية. إن استهلاك المخدرات سواءً الممنوع منها قانونا، أو المجاز بأقدار معينة مسؤول عن وفاة 130,000 إنسان سنويا (355 في اليوم). وأما الكلفة المادية، الصحية والاجتماعية فهي باهظة أيضًا، فحجم الخسائر المادية سنويًا يصل إلى 249 مليار يورو، وهذا المبلغ يتضمن كلفة الأرواح المفقودة وكلفة خسائر الإنتاج ونزول مستوى العيش. وأما الإنفاق المباشر على أضرار المخدرات ومعالجة الإدمان فيبلغ إلى 22. 1 مليار يورو ([7]).
أما التقرير الأوروبي حول استهلاك المخدرات عام 2023 فيقول إن مشكل المخدرات في أوروبا يمس الجميع ولا أحد بمنجاة من آثاره، وأنه في المجتمعات الأوروبية يمكن لأيّ مادة ذات تأثير نفسي وهمي أن تستخدم كمخدر. ويقول التقرير إن المشاكل الناجمة عن استهلاك المخدرات منتشرة في كل مكان وتطرح تحديات سياسية كبيرة ككيفية التعامل مع مشردي الشوارع وكعلاج الاضطرابات النفسية وانحراف وجرائم الأحداث، كما يلاحظ التقرير ازدياد جرائم العنف والفساد المالي المرتبطة بسوق المخدرات ([8]).
"سيلفي" امرأة مسنة في إحدى دور المسنين تقول: "أبنائي لم يعودوا يزورونني، في البداية كانوا يأتون، نفطر معا، أو نحتفل بعيد الميلاد... أما اليوم فهم لا يأتون، حاولت التواصل معهم وأرسلت رسائلَ؛ ولكن بدون رد. في أحد الأيام عرفت أن ابني يسكن على بعد عشر دقائق مني فقط، آلمني ذلك، لم أكن أظن أنه سيأتي يوم تنقطع فيه صلتي بأبنائي، لم أعد احتمل، فكرت في الأسوأ (أي الانتحار)")[9](.
مؤشر العزلة الاجتماعية يعتمد على علاقة الفرد بأربعة دوائر: العائلة، الأصدقاء، الجيران والشبكات الاجتماعية) ([10](، العزلة الاجتماعية هي الوضع الذي يجد فيه الشخص نفسه بسبب ضمور العلاقات الاجتماعية كمًّا وكيفًا في حالة من المعاناة والخطر. العزلة تختلف عن الوحدة، فالوحدة إحساس (قد يكون الإنسان مع الآخرين؛ ولكنه يشعر بالوحدة، ليس له من يسند ظهره، كما إن الإنسان قد يختار الوحدة أحيانا للهدوء والتأمل) وأما العزلة فحالة موضوعية قابلة للقياس بمؤشرات كمية منضبطة)[11](.
يعيش1 من كل 10 فرنسيين نوعا من العزلة الاجتماعية (جميع الأعمار)، وهو ما يعادل 5.5 مليون شخص. 900 ألف شخص تزيد أعمارهم عن 60 عامًا معزولون عن أهلهم وأصدقائهم أي ما يعادل مدينة سكان مرسيليا. 300 ألف شخص تزيد أعمارهم عن 60 عاما في حالة "موت اجتماعي" (معزولون عن جميع العلاقات الاجتماعية)؛ أي ما يعادل سكان مدينة نانت. يمكن للعزلة الاجتماعية أن تطال الجميع؛ ولكنها تزداد مع تقدم العمر. في نفس السياق أيضًا يقول 6.9% من السكان الفرنسيين إنه ليس لديهم من يطلبون منه المساعدة عند الحاجة، وتبلغ هذه النسبة 8.2% بين أولئك الذين تزيد أعمارهم عن 75 عامًا. يقول 12.4% من الفرنسيين أيضًا إنه ليس لديهم من يتحدثون معه عن مشاكلهم الشخصية، وترتفع هذه النسبة إلى 20.6% في الذين تزيد أعمارهم عن 75 عامًا ([12](.
تؤدي العزلة إلى ارتفاع ضغط الدم وإضعاف المناعة ضد الالتهابات مما يؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض عديدة، كما تزيد العزلة الاجتماعية أيضًا مخاطر القلق والاكتئاب، والانتقاص من الذات، واضطرابات النوم والتعب المزمن، وانخفاض القدرات المعرفية، والانتحار... نلاحظ أيضًا لدى الذين يعانون من العزلة عزوفا عن طلب المساعدة وعن استخدام الخدمات العامة)[13](.
أوروبا كلها تعاني من هذا المرض الاجتماعي المخيف الناجم عن التفكك الأسري، ففي تقرير للمركز المشترك للأبحاث التابع للاتحاد الأوروبي CCR (بتاريخ: 18/6/2019) حول العزلة كمرض اجتماعي في جنوب وشرق أوروبا وبلجيكا نجد المعطيات الاحصائية الآتية: 18% أي حوالي 75 مليون من الراشدين في أوروبا يعيشون حالة العزلة الاجتماعية، المؤشر المعتمد في ذلك هو الالتقاء بأحد الأصدقاء، أو الأقارب، أو زملاء العمل مرة في الشهر، أو أقل.
هذه النسبة تصل إلى 35% في ليتوانيا وأستونيا وبولونيا، وإلى 40% في المجر واليونان، في حين تنزل هذه النسبة في هولندا والدنمارك والسويد إلى 8%)[14](.
أما في الولايات المتحدة الأمريكية فالمؤشرات تنذر بالخطر هي الأخرى، ففي كل يوم يبلغ حوالي 10,000 شخص سن الخامسة والستين. في عام 2030، سيكون جميع جيل طفرة المواليد (مواليد ما بين 1946 و1964) في سن الـ 65 عامًا، أو يزيد أي بنسبة واحد من كل خمسة أمريكيين. تشير التقديرات أيضًا إلى أن عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا، أو أكثر سيتضاعف على مدى العقود القليلة القادمة وسيتجاوز هذا الرقم 88 مليونًا بحلول عام 2050. يشعر ثلث الذين تبلغ أعمارهم 45 عامًا، أو أكثر بالوحدة، وتشير التقديرات إلى أن ربع الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا معزولون اجتماعيًا.
تتدهور الصحة العقلية بالعزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة، وتثبت المؤشرات أن مستويات القلق والاكتئاب اليوم في ذروتها. يعاني أكثر من 40 مليون شخص يبلغون من العمر 18 عامًا، أو أكثر من اضطرابات القلق كل عام، ويتم تشخيص أكثر من 16 مليون شخص يعانون من اضطراب اكتئابي رئيس كل سنة في أمريكا)[15](.
عام 2019 بلغت حالات الاغتصاب في فرنسا 22,900 حالة بزيادة تقدر 39.6% عن عام 2017، ورغم أن هذا الرقم مهول إلا أنه لا يعبر عن الواقع إلا جزئيًا؛ لأن حالات كثيرة لا تبلغ المصالح المختصة، وأما التقديرات الأقرب للواقع فتقول إن المعدل السنوي للنساء ضحايا الاغتصاب بين 2011 و2017 يصل إلى 65,000 حالة. وحسب تقرير لمنظمة العفو الدولية نشر عام 2007 فإن عدد النساء اللائي تعرضن للاغتصاب عام 1999 في فرنسا يقدر بين 50,000 و90,000 حالة ([16]).
وأما ضحايا الضرب والعنف الزوجي في فرنسا فيتجاوز مليوني امرأة في السنة، في حين يصل عدد القتلى من النساء نتيجة العنف الجنسي إلى 472 قتيلة في السنة أي أكثر من امرأة في اليوم. وأما في عموم أوروبا فإن امرأة تقتل من طرف زوجها، أو قرينها كل أسبوع، كما أن من 20% إلى 50% من النساء يتعرضن إلى التعنيف في الحياة الزوجية، العنف الرجالي ضد النساء هو السبب الأول لموتهن ويسبق مرض السرطان في ذلك)[17](.
يستخلص مؤلفا كتاب (تاريخ التمييز ضد النساء) مما سبق ما يلي: "أن الحل الوحيد الجذري لمعالجة انتقاص المرأة وتعنيفها هو إخماد الفروق الجنسية وتربية الناشئة على تعدد الهويات الجنسية")[18](. وانسداد أبواب الحلول حتى لا يبقى منها إلا هذا مظهر حاد للأزمة هو الآخر!
وأما في الولايات المتحدة الأمريكية فإن القانون الجنائي لا يميز بين الجرائم المرتبطة بالتمييز الجنسي وبين بقية الجرائم، ومع ذلك وحسب تقديرات الـ FBI فإن 4,970 امرأة قتلن عام 2021، ثلثهن من قبل أصدقائهن، أو أزواجهن، وهذا الرقم دون الواقع بكثير؛ لأن البلديات غير ملزمة بالتصريح بما يحصل فيها للسلطات المركزية الأمنية. وحسب تقديرات أخرى تعتمد مصادر متعددة فإن نصف الضحايا يقتلن على يد أصدقائهن، أو أزواجهن([19]).
تتحدد أسرة الحداثة الأولى بميلادها الاجتماعي المضطرب والثقافي القلق وبحثها التلقائي عن منطقة الوسط وعن توازن عسير هش بين الفرد والمؤسسة، منطقة الوسط القلقة هذه ستتعرض إلى ضغوط متعددة شديدة تفجرها شظايا ابتداء من أواسط ستينيات القرن العشرين.
النزعة الفردية هي أن ينحت الإنسان ذاته وأن يكون ما يريد لا ما تريده له التحديدات والإكراهات الاجتماعية، هي أن يبني وعيه بذاته وقدراته وممكناته وصورته عن نفسه. هذه النزعة تتجلى في مجال الأسرة في تأسيس الآصرة الأسرية على الحب لا على اعتبارات الأنساب وتوريث المكانة الاجتماعية وفي العلاقة القائمة على الانجذاب العاطفي. في الحب لا يتحدد الإنسان كتكرار لأسلافه ولا كنسخة اجتماعية نمطية وإنما كذات فردية لها تفضيلاتها واختياراتها.
هذا المبدأ يبدو جميلا وجذابًا؛ لأنه في عمومه مطلب إنساني غير أنه عند اختباره أثبت أنه مبدأ متقلب دلاليا ولا يصلح أساسًا وحيدًا للأسرة، فالأسرة مؤسسة جاذبة تقوم على التساكن والتآلف والود والتراحم، والنزعة الفردية لا تستقر على حال، وهي إلى ذلك ذات خاصية تنافسية ولا اجتماعية في كثير من الأحيان، ولا تدخل دخولا نافعا في تأسيس الأسرة إلا باعتبارها بعدا من أبعاد أخرى متكاملة يصطبغ فيها بصبغة الكل وتتحدد فاعليته تحديدا بنيويًا.
كانت الأسرة التقليدية واضحة الحدود والشكل والمهام، كانت مؤتمنة على الإنجاب وتواصل النوع الإنساني والتوريث البيولوجي ونقل التراث المادي والثقافي بين الأجيال. أفرادها لا يمكن أن يتصرفوا حسب أهوائهم ورغباتهم، وسلوكياتهم مبرمجة من المجتمع، الأسرة إذًا مؤسسة مشفرة اجتماعيا)[20](.
لم يكن للأبناء حرية نحت اختياراتهم الشخصية في أي مجال من مجالات الحياة، كانت المنزلة الاجتماعية للإنسان تتحدد داخل رابطة النسب وما تورثه هذه الرابطة معنويًا وماديًا، في مثل هذا المجتمع كان الولد يولد في عباءة أبيه ولا يستطيع الخروج منها مدى الحياة)[21](.
حين تشاهد صورة لزوجين منذ قرون خلت، فإنك في الحقيقة لا ترى فردين مستقلين تحابا باختيارهما، وإنما ترى ابنة فلان متزوجة بابن فلان، ما تراه هو سلسلتي نسب متصاهرتين، الزواج في المجتمع التقليدي كان مسلكا لتوريث المال والجاه والمنزلة الاجتماعية، كان شأنا اجتماعيا ولم يكن شأنا فرديا، حين أتزوج في مجتمع تقليدي أكون ممثلا لأسرة، أو عشيرة، أو طبقة اجتماعية وتكون زوجتي كذلك)[22](.
وأما من الناحية الديمغرافية؛ فان الأسرة التقليدية تتحدد بنسب عالية ومتساوية تقريبا للوفيات والولادات، كان ربع الأطفال يموتون قبل عيد ميلادهم الأول ونصف المواليد يموتون قبل بلوغ عشرين سنة. كان يمكن لوباء من الأوبئة الخطيرة أن يقضي في سنة واحدة على نصف السكان في بلد ما، وكان معدل الأعمار منخفضا (أربعين سنة تقريبا) مما يجعل الأجيال تتعاقب ولا تتعاصر؛ لأن أغلب الآباء يموتون قبل، أو حين وصول أبنائهم إلى سن الرشد)[23](.
ماذا تعني هذه المعطيات الديمغرافية بالنسبة لموضوعنا؟ ما تعنيه هو أن هذه الظروف الصعبة وهذا الصراع من أجل البقاء والحياة لا يترك للأفراد هامشا حقيقيا للاختيارات والقرارات الفردية، كان على الأسرة أن تتشكل وأن تنتظم كمؤسسة مستقرة إلى أبعد الحدود، فإن فشلت في ذلك أصبح الفناء يهدد الجماعة، وهذا يعني أنه من الناحية الموضوعية وباعتبار التحديات الوجودية التي كانت تواجهها الأسرة ما كان يمكن لاستقلالية الفرد وحريته أن تظهر في حقل التصورات الاجتماعية)[24](.
في نظام الزواج التقليدي؛ كانت الواجبات والحقوق والأدوار مرسومة بدقة متناهية، لم يكن هناك مجال للأحلام الجامحة ولا للمشاريع غير الواقعية. كان المستقبل يحذو حذو الماضي، أو لنقل أن المستقبل لم يكن شيئا آخر غير تكرار ما أثبت فاعليته وجدواه في الماضي، لم يكن الطريق أمام الشباب غامضًا؛ بل إن مستقبلهم لم يكن شيئا آخر غير ماضي الجيل الذي سبقهم، كان نظام الحياة التقليدي يرزح تحت التهديد الدائم للموت وواجب إخضاع الأحاسيس والمشاعر للرقابة الصارمة وتحت غياب ما نسميه اليوم بالحياة الخاصة، كانت ظروف الحياة بالغة القسوة من وجهة نظرنا نحن اليوم)[25](.
إذا كان تأسيس الأسرة الحديثة على النزعة الفردية وتحويلها إلى مؤسسة في خدمة الفرد يعني في إحدى دلالاته تأسيسها على الحب فإن تاريخ الحب – كما يقول دو سينغلي (François de Singly) – في الغرب ظل موسوما لقرون طويلة بخاصية رئيسة: لقد نشأ الحب عاطفة وتصورا أدبيا وشعريا ضد الزواج، وظلت تلك خاصيته لقرون طويلة ولم يتحد الحب والزواج من الناحية الفعلية الا لبضعة عقود من الزمن)[26](.
ظل الحب في المخيال الغربي وفي الواقع أيضًا نقيض الزواج، فالزواج صفقة بين العائلات تقوم على تبادل وتوريث المنافع وتصاهر الأنساب، وأما الحب فعاطفة حرة متجردة من المنافع الاجتماعية ومن تأثير علاقات النسب، لذلك اقترن الحب في التاريخ الغربي بالخيانة الزوجية، وهو ما يعبر عنه بعبارة مختصرة "الإنجاب والبيت والأسرة للزوجة، والحب للصديقة والعشيقة"، يقول لوسيان لوفيفر (Lucien Febvre) في كتابه "الحب المقدس والحب الدنيوي" (Amour sacré, amour profane): "إن الجميع كان متفقًا على ذلك؛ أي على ان الحب للعشيقة"([27] (.
غير أن قوة عاطفة الحب جعلها عبر القرون تخترق مؤسسة الزواج نفسها، كان ينبغي انتظار القرن الثامن عشر حتى ينفذ الحب إلى مؤسسة الزواج؛ ولكن في المسرح والأدب لا في الواقع.
وأما الزواج فلن يتأسس من الناحية الفعلية على الحب إلا حين تغيرت أسباب الصعود الاجتماعي والشروط المادية للعلاقات الاقتصادية في المجتمع؛ أي حين عوض نظام الأجور الحديث القائم على المؤهلات الدراسية نظام توارث المنزلة الاجتماعية القائم على علاقات الأنساب الذي كان قبله.
يمكن أن نقول بأن اتحاد الزواج والحب في تاريخ الغرب الحديث والمعاصر لم يعمر من الناحية الفعلية إلا نصف قرن أي من 1910 إلى 1960، وهي الفترة التي اتسمت بتحول الحب في العلاقات الزوجية إلى "ديانة جديدة"، والتي اتسمت أيضًا من الناحية القانونية بتقييد الطلاق والتضييق عليه، غير أن الخيبات الكبيرة للمثالية العاطفية قد جعلت الزواج والحب يفترقان مرة أخرى ابتداء من عام 1960؛ حيث أصبحت الأولوية للبحث عن المغامرات العاطفية على استقرار الحياة الزوجية ([28]).
وأما من الناحية الاجتماعية؛ فان انفكاك الأسرة الحديثة من الأغلال التي كانت على الحرية الفردية ولد في ظروف اجتماعية مضطربة في القرن التاسع عشر، القرن التاسع عشر كان قرن البورجوازية المدينية التي كانت الحاضن الأول للتغيرات الطارئة على الأسرة، كما كان أيضًا قرن نزوح أعداد هائلة من الشباب وصغار السن المعدمين، الأميين، المفتقدين لأي تأهيل مهني والمقطوعين عن شبكات أواصرهم العائلية نحو المدن الصناعية الكبرى، هؤلاء سيشكلون طبقة عاملة خطيرة، سيغرقون سوق العمل بيد عاملة رخيصة جدًّا وهو ما سيؤدي إلى تدهور مزر للأجور، في مثل هذه الظروف سيكون الإيجار والعيش بأجرة واحدة مستحيلًا، ستدفع الظروف القاسية إلى أنواع مختلفة من التساكن في أكواخ وأقبية)[29](وستتخذ المسغبة الاجتماعية المزرية وجوها متعددة، سيكثر أطفال الشوارع وعصابات الأطفال، وستندفع أعداد كبيرة من النساء إلى البغاء، تقلبات سوق الشغل وانعدام الأمان الوظيفي وظروف العمل المزرية والأجور الزهيدة وأمية العمال وجهلهم بالإجراءات الإدارية للزواج، كل ذلك كان يحول دون الارتباط بعلاقات زوجية مستقرة، وثمرة ذلك غلبة العلاقات الجنسية الفوضوية وكثرة الأطفال غير الشرعيين، في مدينة باريس مثلا (كل المدينة لا الأوساط العمالية فحسب) ومن مجموع الولادات التي كانت في حدود 30,000 تقريبا عام 1840 كان قرابة الثلث أي 32% غير شرعيين. في مثل هذه الظروف كان تكوين أسرة شرعية عزيز المنال، كان قسم هام من العلاقات بين الجنسين يتراوح بين البغاء والمعاشرة الحرة (علاقة أدوم غير مؤطرة بالقانون) ([30]).
ستتحسن ظروف العمال نتيجة النضالات النقابية، وتطور النظام الرأسمالي نحو مزيدٍ من الأنسنة، وسيتحول المعدمون إلى فقراء، ستعوض الأحياء العمالية المبنية أحياء الأكواخ والصفيح، سيدخل أبناء العمال المدارس الإجبارية وستتحول كثير من المعاشرات الحرة إلى زيجات قانونية، ستصبح الأسرة بالنسبة لهؤلاء ممكنة وسيكون ثمرة كل ذلك ميلاد نمطين من الأسر من هذه الوضعية الهشة: الأسرة المنغلقة غير المندمجة في التحولات الناجمة عن الثورة الصناعية، والأسرة المفتوحة على فرص الترقي الاجتماعي التي يوفرها المجتمع الجديد، هكذا ولدت الأسرة الحديثة.
في مرحلة أسرة الحداثة الأولى يصنف لويس روسل Louis J. Roussel)) نماذج الأسر التي أعقبت النموذج التقليدي والتي تتسم بالبحث عن منطقة وسط أي عن صيغ للتناغم بين الفرد والمؤسسة إلى أربعة)[31](:
ظهرت في القرن التاسع عشر واستمرت حتى السبعينات. تتسم بالبحث عن السعادة من خلال الحب واحترام المؤسسة الأسرية ومركزية الطفل. في هذا النموذج؛ لا يوجد تعارض بين الأخلاق الفردية وقوانين الأسرة؛ حيث تُعتبر الأسرة فضاءً لتحقيق سعادة الفرد،؛ ولكن هذا النموذج لا يتماشى مع العلاقات الحرة، أو الإنجاب خارج الزواج، وأصبح نادرًا بين الشباب بعد السبعينات.
تقوم على العقلانية والمنفعة المتبادلة، ويرفض هذا النموذج الانصهار العاطفي؛ لأنه يُفقد الاستقلالية، ويرفض التقاليد الأسرية لأنها تسلب الحرية، وتستمر العلاقة طالما استمرت المنافع، وتنتهي عندما تكثر المشاكل.
تقوم العلاقة الزوجية في هذا النموذج على الحب الذي يتحول إلى مشروع واقعي مستقر، ويُتوقع من الشريكين الصبر على بعضهما، ومعالجة الأزمات بتفاؤل وأمل في مستقبل أفضل، وتقوم هذه الأسرة على الثقة والتضامن، وتحرص على تجديد العلاقة باستمرار، قد تنجب هذه الأسرة عدة أطفال؛ دون تحديد مسبق لعددهم.
ستتكثف في هذه المرحلة الأفكار القصوى للنزعات المتطرفة في قضايا المرأة والأسرة و"التحرر الجنسي" وستتجمع روافدها في مصب واحد: نهاية المسار المتردد للبحث عن التناغم بين الفرد والمؤسسة والميل العظيم لصالح الفرد وإعادة تعريف الأسرة نفسها انطلاقًا من ذلك، ستصبح الأسرة التي عرفها التاريخ الإنساني كله كنموذج لا منافس له أي الأسرة القائمة على الزوجية بين الذكر والأنثى مجرد مثال من بين أمثلة أخرى.
كيف وقع هذا الانزلاق في مدة زمنية لا يعتد بها بالنسبة للتاريخ العام للإنسانية؟
هذا ما نتناوله في الجوانب النقدية الآتية:
يكاد يجمع الباحثون على أن الأسرة لم تكن تمثل مشكلا سوسيولوجيا في الغرب إلى حدود بداية الستينيات من القرن العشرين، كما يرى لويس روسل، كان هناك نموذج واحد للأسرة مقبول في كل أوروبا ولا يثير أية أسئلة، وكانت المؤشرات الديمغرافية في مستوى يسمح بتجدد الأجيال، كانت الأسرة تبدو مستقرة ولم تكن تثير اهتمام الإعلام ولا علماء الاجتماع كثيرا.
وفجأة؛ أي ما بين 1965 و1970 تغيرت المؤشرات الديمغرافية بشكل ملحوظ، وأصبحت الأسرة في قلب اهتمامات علماء الاجتماع ووسائل الإعلام وتضاعفت التحقيقات والحوارات والتقارير حولها، لقد تغير كل شيء فجأة في عقدين من الزمان، لم يعد نموذج الأسرة المتعارف عليه في الخمسينات من القرن العشرين مهيمنا، ولم تعد القيم والمعايير المألوفة في هذا الباب متبعة، ما كان ممنوعا أصبح مباحا ومسموحا به والمؤشرات على اهتزاز هذه المؤسسة أصبحت قوية، لنقل في جملة مختصرة: أن الأسرة أصبحت مضطربة بعد أن كانت مستقرة ومشكوكا في مستقبلها بعد أن كانت راسخة. حتى ما كان بدهيًا أي الزواج أصبح محل مساءلة جذرية، وأصبحنا أمام مؤشرات إحصائية قلقة تنذر بالخطر وبفقدان المجتمع لقدرة التجدد الديمغرافي)[32](.
مثلت تلك المرحلة منعرجًا حادًّا في واقع الأسرة في الغرب لا تزال تداعياته وآثاره إلى اليوم، وقد تكثفت دلالات تلك المرحلة في ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968 وما أعقبها من انتفاضات للطلاب في أمريكا وفي عديد الدول الغربية، لم تكن الدوافع الظاهرة لكل تلك الانتفاضات واحدة، ومع ذلك فإن ذلك الجيل أي الجيل الذي كان في سن الدراسة الجامعية حينها قد ترك أثرًا حاسمًا على بنية ووضعية الأسرة في الغرب كله منذ ذلك الحين إلى اليوم، لذلك فإن تسليط الإضاءة النقدية على تلك المرحلة وعلى انتفاضات الطلاب فيها يمكن أن يساعدنا كثيرا على فهم ما حصل من تداعيات وانزلاقات مخيفة بعدها.
إن الخاصية الاجتماعية الكبرى لتلك المرحلة تتمثل بلوغ الرفاه الاقتصادي الذي عرفه الغرب أوجه، فتلك المرحلة تنتمي إلى ما يسمى بالثلاثين سنة الخصبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية (Les trentes glorieuses) وفي هذه المرحلة كانت البطالة شبه منعدمة، كما أن الولادات التي شهدت انخفاضًا كبيرًا بين الحربين العالمية الأولى والثانية قد شهدت طفرة، أو قفزة كبيرة لذلك سمي ذلك الجيل بـ"Baby boom"؛ أي جيل قفزة الولادات، والغريب أن تظهر البوادر الأولى لاستهداف مؤسسة الأسرة استهدافا جذريا في تلك الفترة)[33]).
وأما من الناحية السياسية؛ فقد تميزت تلك الفترة بتصفية بقايا الاستعمار وبالأصداء العالمية لحرب فيتنام ولثورة التحرير الجزائرية، كما تميزت بطي صفحة الثورة الاجتماعية العمالية في الغرب الرأسمالي، لم يعد لهذه الثورة معنى في مجتمعات يعيش فيها العامل في رفاهية كبيرة قياسا لنظيره في الدول الاشتراكية؛ وأما من الناحية الثقافية فتتميز تلك المرحلة بظهور وازدهار ما يسمى بتيار الاختلاف في الفلسفة والذي من رموزه المفكرون: (ميشيل فوكو وجيل دولوز وجاك دريدا وجون فرنسوا ليوتارد... إلخ)، وهو تيار جذري في نقده للثقافة الغربية وللاجتماع الموروث من القرنين الثامن والتاسع عشر، سيساهم هذا التيار مساهمة هامة في التأطير الثقافي لهذه المرحلة وفي ظهور حركات اجتماعية جديدة وتغيير صورة الصراع والنضال الاجتماعيين، في عام 1972 وفي حوارٍ نُشِر في مجلّة "لارك"، قدّم كل من جيل دولوز (Gilles Deleuze) وميشيل فوكو (Michel Foucault) صورة للنضالات الجديدة التي تتطوّر في ما بعد ماي 1968. إنها نضالات جزئية وموضعية تتناول قضايا ملموسة تؤثر في الاختيارات القيمية الاجتماعية، وتستهدف جميع أشكال السلطة المتغلغلة في المجتمع. فهي نضالات «متعدّدةُ البؤر»، وتستمدّ ديناميّتها من الصراع مع شبكة الممارسات السلطوية المبثوثة في النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمع.
وبحسب فوكو؛ فإنَّ النساء، والسجناء، وجنود الخدمة الإلزامية، والمرضى في المستشفيات، والمثليّين؛ هي الفئات التي ستخوض الصراعات الاجتماعية الجديدة ([34]).
كما تتميز هذه المرحلة أيضًا من الناحية الثقافية بصعود الفلسفة الوجودية لجون بول سارتر (Jean-Paul Sartre) وانتشارها عبر مجموعة من المثقفين كـ ألبير كامو (Albert Camus) وسيمون دي بوفوار (Simone de Beauvoir) التي سنعود اليها لاحقا.
يمكننا أن نفهم هذه العلاقة إذا ربطنا ما يحصل في مختلف المستويات الآنفة بالأسس التي قامت عليها الحداثة وبمآلاتها اللاحقة.
لقد قامت الحداثة على انتظارات قيمية كبرى كجدة الأزمنة الحديثة واقتلاع الشرور السياسية من أطراف جذورها، وإمكان إخضاع التاريخ للإرادة وبرمجته، وتسارع وتيرة التقدم (نهاية الفتن والحروب الأهلية، السلم الدائم، الاقتسام العادل لثمار التطور العلمي، انتشار النظام الديمقراطي الجمهوري في كل أنحاء العالم، والمواطنة العالمية) ([35]).
غير أن قسمًا هامًّا من هذه الانتظارات سيتعرض إلى فشل وإخفاق تاريخي كبير، فقد ولدت الأنظمة الشمولية (الفاشية والنازية والستالينية) في رحم الديمقراطيات، كما شهد النصف الأول من القرن العشرين حربين عالميتين خلفتا ما يقارب 70 مليون قتيل وأضعافهم من الجرحى والمعاقين. هذه الفواجع الكبرى محرقة حقيقية للقيم والتطلعات التي قام عليها الغرب الحديث، وقد أدت إلى انكسارات معنوية وصدمات وارتجاجات نفسية ستكون مرتعا لتيارات نقدية جذرية أقرب إلى العدمية كما ستكون مشتلا "لثورة ستخطئ المرمى".
ثورة طلاب 1968 كانت ثورةَ افتكاك الكلمة (la prise de parole) – كما يسميها المؤرخ ميشيل دي سرتو (Michel de Certeau) – ثورة ضد الوصاية (لا أحد يتكلم باسمي)، امتلاك الكلمة امتلاك للمصير وتغيير للثقافة، هل الأمر كذلك فعلا؟ ليس كذلك، غير أن المهم هنا هو إرادة تغيير الشفرة الثقافية للاجتماع ([36]).
ثورة 68 كانت أيضًا دفاعًا عن استقلالية الفرد في وجه الدولة والنسق ورفضا لتحويل الإنسان إلى مجرد ترس في آلة اقتصادية وسياسية عمياء، إنها في وعي الطلاب تفجير للعالم القديم ورفض لكل ما يلغي فردية الفرد، هذه الثورة على النسق والسلطة ستصبح انتهاكا لحدود اللغة والأخلاق والقانون. ثورة 68 لها علاقة باكتساح النزعة الفردية وبرفض كل القيود الأخلاقية على الحياة الشخصية للفرد، لا بالنزعة الإنسانية وفلسفة الذاتية كما يظن البعض ([37]). "لا شيء ممنوع"، أو "المنع ممنوع" كان أحدَ الشعارات الرئيسة لمايو 68، وهذا الشعار كان موجهًا خاصة للحياة الحميمية والشخصية ([38]).
في الربط بالكل التاريخي؛ أي في ربط اهتزاز الأسرة وتصدعها بأزمة الحداثة يمكن أيضًا أن نربط ما حصل في الستينيات والسبعينات بخاصية كبيرة من خصائص الأزمنة الحديثة: لقد جاءت هذه الأزمنة على صهوات ثورات، الثورة العلمية (المنهج التجريبي – اكتشاف اللغة الرياضية للطبيعة)، الثورة السياسية (اكتساح الجماهير لغمار السياسة – سقوط أنظمة الحكم المطلق وميلاد النظام السياسي الديمقراطي الجمهوري)، الثورة الصناعية (اختراع المحرك البخاري وميلاد الصناعات الحديثة)، الثورة إذًا كطريقة في التحول من حال إلى حال – لا يكون ما بعدها كما كان ما قبلها – ستظل حلمًا متجددًا للتغيير وخاصية عقلية ونفسية لأجيال الشباب في الغرب، غير أن الثورة التي حققت نجاحات كبيرة في المجالات العلمية والسياسية والصناعية لم تحقق نجاحات راجحة في المجالات الروحية والجمالية والاجتماعية، ولعل الأسرة هي المجال الأبين الذي تبدد فيه حلم الثورة الاجتماعية.
في الربط بالكل التاريخي، أو بالمسار العام للأزمنة الحديثة؛ يمكن أن نذكر أيضًا القرابة الثلاثية بين نفي عدد من فلاسفة الأنوار للطبيعة الإنسانية وبين الفرضية الفلسفية التي قامت عليها الأنظمة الشمولية وبين نفي تيارات فكرية فلسفية ونسوية في تلك المرحلة للفوارق الطبيعية بين الجنسين، واعتبار الذكورة والأنوثة منتوجا اجتماعيا وثقافيا لا غير.
في الكلمة الختامية التي وضعها الفيلسوف بول ريكور للترجمة الفرنسية لكتاب حنه أرندت (وضع الرجل المعاصر) التي صدرت عام 1983 يقول: "إن الأنظمة التوتاليتارية – حسب أرندت – تقوم على فرضية فلسفية مبطنة مفادها أن الإنسان عجينة طيعة يمكن أن نشكلها كما نشاء؛ لأن طبيعته غير مستقرة وقابلة للتبديل، إنه منتوج ثقافي واجتماعي طيع للتجريب وإعادة التشكيل، وهذه الفرضية هي التي أدت إلى أشنع وأبشع الأفعال السياسية في التاريخ؛ أي إلى الإبادات الجماعية وتهجير شعوب من أرضها وإلى محاولة إنتاج إنسان جديد لا علاقة له بالإنسان الذي عرفه التاريخ، وتاريخ جديد يقطع مع كل التاريخ الإنساني"([39]).
ويقول أيضًا: "إذا كانت الفرضية الأساسية للشمولية هي كل شيء ممكن؛ فان المواطنة الواعية والفعل السياسي العاقل ينبغي أن يقوما على فرضية مضادة لتكوين الطبيعة الإنسانية")[40](. ويضيف: "إذا كان التدمير المطلق la destruction totale يقوم على فرضية (كل شيء ممكن)، فإن مواجهته تستدعي البحث عن الحواجز التي يمكن إقامتها في وجه هذه الفرضية في الحالة الإنسانية")[41](، والمقصود بالحالة الإنسانية هنا هو التكوين الأساسي للإنسان. ومع أن أرندت لا تستعمل مصطلح "الطبيعة الإنسانية"، فإن ريكور لم ير مانعا من استخدامه في ترجمة قصدها؛ أي في بحثها عن موارد أساسية لمواجهة الفرضية الفلسفية المضمرة للشمولية.
إن حقيقة ما فعله جيل 68 – كما يقول مارسيل جوشيه (Marcel Gauchet) – هي ملاءمة القيم الاجتماعية في مجال الأسرة لاقتصاد السوق، فالانتقال من اقتصاد الندرة إلى اقتصاد الوفرة سيفتح الباب على مصراعيه لاكتساح مذهب المتعة ولفصل الحياة الجنسية عن الإنجاب والأسرة المتعارف عليها في التاريخ، ولفصل الزواج عن الفوارق الجنسية أي عن الزوجية بين الذكر والأنثى)[42](.
إن جيل 68 هو آخر جيل ينخرط في الدورة الحداثية لتفعيل الهوية الثورية للشباب، إنه يمثل الفصل الأخير من دورة الزمن الحداثي الثوري وهو الجيل الذي طوى بكيفية مزيفة وشبه نهائية صفحة الثورة الاجتماعية.
لا شك أن التيارات النسوية تتعدد في اتجاهاتها تعددا كبيرا يتخصص في كثير من الأحيان بحسب البيئة الثقافية والاجتماعية التي تشتغل فيها، غير أن المركز المشع من الناحية الفكرية والحجاجية على هذه الحركات يظل في الغرب غالبا.
لا توجد قضية التبس فيها الحق بالباطل واختلط فيها الصواب بالخطأ ووقع فيها الغلو والتقصير مثل قضية المرأة)[43](.
لقد ضغطت الحركات النسوية لما بعد الحرب العالمية الثانية ضغطا شديدا على منطقة الوسط في الأسرة وعلى مسار البحث عن توازن بين الفرد والمؤسسة وساهمت بقسط وافر في تفجيرها.
في هذه الدراسة لا يمكننا جرد هذه الحركات ولا استعراض هذه التيارات والموجات وتحقيبها الزمني، ما سنقوم به هو عرض البنية الحجاجية المشتركة بين جل الخطابات النسوية، أو الحجج التي كان لها تأثير بيّن في مسار هذه الحركات، وسنعمل خلال ذلك على الخروج بخلاصات نقدية مركزة.
هذه الحجج تشتغل كمنظومة لتأجيج صراع أبدي بين الرجل والمرأة، صراع وهمي في كثير من الأحيان يؤدي وظيفة الاسفنجة الكبيرة التي تمتص طاقة الثورة وإرادة التغيير والتجدد في المجتمعات الحديثة وتصرفها في مسالك زائفة.
إن هذا لا يعني انتقاص حق النساء في التكتل وفي الدفاع عن حقوقهن أفرادا وجماعات؛ ولكن ما يعنيه هو رفض تحول القضية النسوية إلى حجاب حقيقي للاحتياجات النقدية الثورية العميقة لعصرنا وللتطلعات القيمية الكبرى للبشرية واشتغالها كمنظومة تعويضية لما يحتاجه العالم اليوم من تغيير عميق لعلاقة الإنسان الأساسية بالوجود ولكيفية سكناه للأرض.
يمكننا أن نصنف الحجج التي استخدمتها الحركات النسوية إلى خمسة، هي: الحجة الوجودية، وحجة الاستقلالية، أو تشكل المرأة كذات مستقلة، وحجة اعتبار ما هو شخصي شأنًا سياسيًا وتحويل الأسرة إلى مسرح للصراع على السلطة، وحجة الاعتراف بالهويات الجنسية المتعددة، وأخيرًا حجة تشكل دراسات الجندر كحقل معرفي دراسي وبحثي جامعي معترف به. وسنتناولها في الفروع الآتية بشيء من التفصيل:
تبلورت هذه الحجة مع سيمون دو بوفوار (Simone de Beauvoir) وتقوم على ثلاثة أركان، تلخصها الجمل الآتية: الوجود يسبق الماهية، لا أولد أنثى؛ ولكن الثقافة تصيرني كذلك، التحليل الملموس لحرية المرأة ضمن وضعية اجتماعية محددة. معلوم أن سيمون دو بوفوار تنتمي إلى التيار الوجودي الذي أسسه جان بول سارتر وأنها داعية إلى الفلسفة والأخلاق الوجوديين.
تتلخص الفلسفة الوجودية في القول بأن حقيقة الإنسان لا تتحدد انطلاقًا من ماهية ثابتة وإنما تتحدد كمشروع متجدد للتجاوز والانتقال من حال إلى حال. الإنسان هو الكائن الذي يصنع حقيقته وماهيته حين يصير في حركة متجددة لا نهائية إلى غير ما هو عليه، إن الوجود الحاضر لا يكتسب أهميته إلا من تعاليه على محدداته الظرفية وتحريره لمكناته واتجاهه نحو المستقبل وهذا هو جوهر الحرية الإنسانية، الحرية مشروع وإمكان وبقدر ما تضمر ممكنات الإنسان بقدر ما تنقص حريته. وهذا يعني أن الإنسان ينحطّ، ويخرج من مدارات الحرية حين يصبح عاجزًا عن بناء ذاته وعن التميز كمشروع؛ أي حين تحدد له جهة خارجية وصية ومتسلطة الصورة التي عليه أن يحملها لنفسه.
تقول سيمون دو بوفوار: إن المرأة خلال تاريخها كله قد فرضت عليها هوية أنثوية صيغت على مقاس السلطة الذكورية ولم تخترها لنفسها، ومعنى هذا أنها حملت عبر التاريخ وعيا ذاتيا فصّل وقدّ لها من خارجها، وأنه آن أوان كسرها للأقفاص التي سجنت فيها وللقوالب التي صممت لوعيها بنفسها، هذا الكلام تلخصه العبارة الشهيرة الآنفة "لا أولد أنثى؛ ولكنني أصير كذلك"، وقد جندت دو بوفوار ما أمكنها من معارف عصرها ومن الأدب والتاريخ للتأكيد على أن الجنس البيولوجي لا يحدد طبيعة اجتماعية، أو ثقافية للمرأة ولا تقسيما للعمل وللوظائف بينها وبين الرجل)[44](.
يمكننا أيضًا ملاحظة أن دو بوفوار تؤكد باستمرار على أن تحليل وضعية المرأة لا يمكن أن يكون إلا ضمن وضعية اجتماعية ملموسة ولذلك اتجهت في كتاباتها ورواياتها نحو تحليل ونقد الأوضاع المعيشة الفعلية للمرأة الغربية.
والمقصود بذلك أن تخرج المرأة من حالة القصور العقلي إلى الرشد ومن الوصاية إلى الحرية، وأن تفكر لنفسها وتصوغ مشروع حياتها وتنحت صورتها عن نفسها لا أن يقوم لها بذلك طرف خارجي.
والمقصود بالاستقلالية أيضًا أن تتحدد منزلة المرأة ككائن مستقل لا كتابع للرجل، فالملاحظ في التاريخ الثقافي الغربي أن المرأة تتحدد باستمرار ككائن ناقص من الناحية الأساسية بالنسبة للرجل وفي أحسن أحوالها كمكمل له في حين أن منزلة الرجل لا تتحدد أبدا في علاقة بالمرأة.
معنى الاستقلالية من المعاني الكبرى المؤسسة للأزمنة الحديثة في الغرب والمبثوثة في كتب الفلاسفة والمصلحين على مدى قرون؛ إلا أن هذا المعنى لم يتشكل كمفهوم مستقل وكعنوان كلي لعصر ثقافي وسياسي إلا مع إيمانويل كانط (Emmanuel Kant) في نصه الشهير "ما الأنوار؟".
يرى كانط أن الأنوار هي خروج الإنسان من حالة القصور العقلي إلى حالة الرشد. تتحدد حالة القصور بعجز الإنسان عن استخدام عقله بدون وصاية جهة يسلم لها القياد)[45](.
يعلق ميشيل فوكو (Michel Foucault) على نص كانط بنص يحمل نفس العنوان، يقول فوكو: إنه مع نص كانط المعنون "ما هي الأنوار؟" دخل تاريخ الفكر الغربي سؤال متجدد لم يتوقف عن الحضور من يومها إلى الآن دون أن تقدم له إجابة شافية، ويقول فوكو إن كانط يصف هذا الخروج من القصور إلى الرشد العقليين بما هو في ذات الوقت مسار بصدد الحصول وواجب يتعين علينا الاضطلاع به، ولكي يتحول هذا الخروج إلى تجربة واقعية ملموسة عليه أن يعثر في كل وضعية اجتماعية معينة عن مظاهر الوصاية والقصور وطريق الخروج منها)[46](.
مفهوم الاستقلالية مركزي لدى الحركات النسوية وهو يحمل دلالة أساسية: تشكل المرأة كذات مستقلة عن الوصاية الذكورية، ودلالات فرعية كالحقوق السياسية الكاملة والاستقلالية الاقتصادية والمالية وحق التصرف في الجسد والندية في العلاقة الزوجية، ويصل في صيغه الأكثر تطرفا إلى الاستغناء عن الرجل وخلط الذكورة والأنوثة، أو ما يسمى بسيولة الهويات الجنسية وتخنيث العلاقات بين الجنسين.
حسب التيارات النسوية؛ عادة ما يقع سلب المرأة استقلاليتها عن طريق إغرائها بالانصهار العاطفي مع الرجل، وفي الحقيقة فإن هذا الانصهار ليس سوى التضحية التي تقدمها المرأة لمصلحة الرجل الذي يستأثر بامتياز التحقق والتطوير المهني والاجتماعي لشخصيته. وهذا يعني أن الاستقلالية تفترض أيضًا الحق في التطوير الذاتي وفي المشاركة في الأعمال الاجتماعية العليا كالإبداع والابتكار، وأنه لا مجال لتقسيم الاجتماع إلى وظائف عليا يتولاها الرجل وأخرى دنيا تتولاها المرأة، وأن العلاقة بالرجل ينبغي أن تكون ندية ومتكافئة وديمقراطية تقوم على التواصل والتفاوض والتوافق لا علاقة سلطوية خضوعية)[47](.
لا شك أن حق المرأة في اكتساب المنزلة الاجتماعية التي تليق بها وفي تحرير قدراتها وممكناتها العقلية والعملية مطلب عادل، غير أن ما نلاحظه هو أن هذه الحجة تستخدم استخداما أيديولوجيا محرفا لتأجيج الصراع الدائم بين الرجل والمرأة حتى في زمننا هذا الذي تفوقت فيه المرأة على الرجل في كثير من الأحيان في المؤهلات الدراسية والعملية.
تقوم هذه الحجة على نقل مفهوم السلطة والصراع على السلطة إلى داخل الأسرة وإلى العلاقات الحميمية والخاصة بين الرجل والمرأة، فما كان يبدو خلوًا من السياسة ومن علاقات السلطة أصبح بؤرةً من بؤرها ومجالًا من مجالات فاعليتها وتجليها وهو ما تلخصه العبارة الموجزة: الشأن الشخصي شأن سياسي، في ضوء هذه الحجة تحول ما كان يبدو بدهيًا وطبيعيًا في الأسرة إلى مسرح خفي ومقنع لموازين القوة والصراع على السلطة، فالمرأة – كما أسلفنا سابقًا – حُشرت في قالب اجتماعي أعده لها الرجل لتكون في خدمته وليستأثر هو بالوظائف والمقامات العليا في المجتمع. لا يمكن للمرأة أن تتحدد كذات مستقلة إلا إذا فهمت أن مشاكلها الشخصية مشاكل عامة ولا يوجد لها حل شخصي، الحل سياسي ويمر ضرورة عبر النضال الجماعي لتغيير العلاقات السلطوية المحتجبة فيما يعرض نفسه على أنه خاص وحميمي ([48]).
لا شك أن علاقات السلطة هيكل وظيفي للاجتماع بأسره (في السياسة والاقتصاد والإدارة والتعليم...)، غير أن هذه العلاقات تتخصص في طبيعتها ووظائفها في كل مجال بما يناسبه وليست واحدة، ولا يمكن ردها، أو اختزالها كلها إلى نموذج العلاقات السياسية الصراعية إلا بعنف وتشويه كبير.
إن حق المرأة في تحرير ممكناتها وفي القيام بالأدوار والوظائف التاريخية الأعلى والأهم لا يستلزم بأي وجه استنساخ العلاقات السياسية الصراعية على السلطة في مجال الأسرة.
مفهوم الاعتراف كمحتوى أخلاقي ووجهة قيمية للصراعات السياسية والاجتماعية مفهوم هيجلي كما هو معروف تبلور في جدلية العبد والسيد لدى هيجل، وطوره بعده الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث (Axel Honneth) من الجيل الثالث من مدرسة فرنكفورت ليتحول معه إلى نظرية اجتماعية متعددة الأبعاد. هذا المفهوم من الركائز الكبرى للفكر السياسي الحديث والمعاصر فالمجتمع تشقه باستمرار صراعات سياسية على السلطة واجتماعية على الثروة وثقافية على الاعتراف بالاختلاف وتعدد الهويات، وبدون وجهة الاعتراف تتحول هذه الصراعات إلى صراعات عبثية عنيفة ومدمرة مفتقدة لأي محتوى أخلاقي.
تستثمر جوديث بتلر (Judith Butler) مفهوم الاعتراف في مجال الجندر وتعدد ما تسميه بالهويات الجنسية وتنطلق في ذلك من فكرة رئيسة مفادها أن حجب الاعتراف على أصحاب الهويات الجنسية المختلفة (المثليين، المتحولين جنسيا) يجعل حياتهم عسيرة ومهينة وغير قابلة للعيش.
تصوغ بتلر تصورها لمعركة الاعتراف في مفردات حربية، فهي ينبغي أن تنتهي بهزيمة التصورات الثقافية الموروثة للفوارق الجنسية، وينبغي على الحركات النسوية أن تعبئ وتنسق جهودها ونضالاتها من أجل كسب معركة الاعتراف هذه)[49](.
لقد خرجت بتلر من مدارات نسويات اليسار الأمريكي الجديد اللائي تتركز مطالبهن على المساواة في الحقوق والأعباء المادية بين الرجل والمرأة وأحدثت تحويلا من معركة الحقوق الاقتصادية والمادية إلى المعركة الثقافية للاعتراف بتعدد الهويات الجنسية ودحر التصورات الجندرية الذكورية المتجذرة في النسيج الثقافي والاجتماعي، عدد من النسويات اليساريات يعتبرن هذا التحويل خدمة مبطنة للاستغلال الرأسمالي للمرأة وتمييعا للمطالب النسوية الاجتماعية وصرفا للأنظار عن المعركة الحقيقية، ومن الناقدين لبتلر النسوية اليسارية المعروفة نانسي فريزر (Nancy Fraser)، تعترض فريزر على تحويل ميدان الصراع والمعركة؛ أي على تحويل النضال النسوي من معركة حقوق اجتماعية ومادية إلى معركة هوياتية مزعومة.
تقول فريزر: إن فحصها للمخيال التحرري النسوي جعلها تكتشف ارتباطات خطيرة بين الحركات النسوية وبين النظام الرأسمالي والضرورات الوظيفية لاشتغال اقتصاد السوق ([50]).
ومما يلاحظ شراسة الحركات النسوية في معركة الاعتراف وحرصها على التكتل واكتساب مزيد من القوة عبر التحالف مع مختلف مطالب الاعتراف التي تشق المجتمعات الحديثة (التنوع العرقي والتعدد الثقافي والمصالح الطبقية) والمطالبة بالاعتراف ضمن حزمة أكبر متماسكة؛ بل إن من رموز النسوية الغربية من كتبت في تفكيك العلمانية الفرنسية والدفاع عن حقوق المحجبات كتابا متميزًا ([51]).
لا شك أن استخدام هذا المفهوم في السياق الآنف يؤدي وظيفة كبرى في تزييف الوعي التحرري النسوي وفي خدمة النظام التجاري الرأسمالي القائم على الربح المتوحش وعلى التسليع الشامل للوجود، فعوض أن تتوجه معركة التحرر إلى المطالب الملموسة والحيوية الملحّة للعدد الأكبر لسكان الأرض تتوجه نحو مطلب هوياتي أقليّ يهدم أساسيات العلاقة الإنسانية. إنه – كما أسلفنا سابقا – بمثابة الإسفنجة التي تمتص الطاقة الاحتجاجية والثورية في العالم وتصرفها في دروب موصدة.
وقد تبلورت هذه الحجة خاصة لدى النسوية الأمريكية جوان سكوت (Joan Scott) خلال الثمانينات من القرن الماضي وكان الهدف منها تحويل الجندر إلى منظومة من المفاهيم المترابطة، أو إلى جهاز مفهومي يصلح كأداة تحليل شامل للتاريخ ويمكن أن يجد مكانه في الجامعات والمؤسسات البحثية، كانت النظرة الغالبة للفكر النسوي من قبل الأوساط الأكاديمية حينها تصنفه في خانة الفكر الأيديولوجي المتحيز سلفا والذي يقوم على تطويع الحقيقة.
تقول سكوت إن مفهوم الجندر (التكييف الثقافي والاجتماعي للفوارق الجنسية البيولوجية وللعلاقة بين الجنسين) أداة تحليل شاملة شأنه في ذلك شأن مفاهيم الطبقة والعرق التي اكتسبت صلابة مفهومية ومنزلة معرفية في الدراسات الاجتماعية والتاريخية، وأنه يمكن إعادة كتابة التاريخ برمته انطلاقًا من اضطهاد المرأة ومن التوزيع الجنسي للأدوار الاجتماعية ولعلاقات النفوذ والسلطة. وتقول أيضًا إن أغلب المؤرخين غير النسويين يعترفون بأن للنساء تاريخًا،؛ ولكنهم يعتبرون هذا التاريخ مجالا بحثيًا خاصًا بقضايا الجنس والأسرة ومنفصلا عن التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، كما تلاحظ سكوت أن المؤرخين النسويين رجالا ونساء يعتمدون في دراساتهم الوصف (وصف مظاهر التمييز الجنسي في العلاقات الاجتماعية) أكثر من التأليف النظري والتنسيق المفهومي، وهو ما يجعل هذه الدراسات هامشية في الأوساط التعليمية، ولسدّ كل هذه الثغرات تطوِّر سكوت جهازًا مفهوميًا لدراسات الجندر يتخطى العتبة الوصفية، ويقتحم مجالات التاريخ العام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ومنذ ذلك الحين إلى اليوم استطاعت دراسات الجندر أن تقتحم أبواب الجامعات المغلقة، وأن تكسب معركة الاعتراف الأكاديمي، وأن تتحول إلى مسارات دراسية وبحثية في عدد كبير من جامعات العالم ([52]).
خلص البحث إلى النتائج التالية:
- أن التحليل الحضاري بقَسَماته وملامحه يمكن أن يتبلور أكثر، وأن ينهض كمنهج في الدراسات الأسرية، وأن يقدِّم إضاءاتٍ جديدةً ذات قيمة كشفية حقيقية.
- أن الضغوط الثقافية على الأسرة الغربية الحديثة أدت إلى تفجير منطقة الوسط القلقة، وإلى هدم حدودها المعرفية والقيمية وإخضاعها لأدوات التحليل السياسي، وتبعًا لذلك إلى الحيلولة دون تمايزها كحقل عملي وعلمي يقوم على علاقة الزوجية ويتحدد كمجال للعطاء غير المشروط، له منطقه الذاتي وقوانين صلاحه وفساده الخاصة، وهذا يؤشر نحو مهمة علمية مصيرية للدراسات الأسرية تتمثل في بيان خصوصية هذا المجال الثقافية والعملية التي يمكن أن تمنحه القدر الضروري من الاستقلال المعرفي، والحصانة ضد تطويعه لأدوات ومناهج حقول اجتماعية أخرى (كالحقل السياسي).
- أن مرحلة أواسط الستينيات في الغرب إلى أواخر السبعينات قد شهدت تحت تأثير الموجة الفلسفية لتلك الحقبة إعادة إنتاج لمضمون الحركات الاجتماعية ولمعنى الثورة الاجتماعية وهو ما سلك الوعي التحرري النسوي في طريق الصراع الأبدي بين الرجل والمرأة وأنشأ وعيًا التزاميًا يخدم النسق الأنساق السياسية والاقتصادية التي توهم الثورة عليها.
- أن الخطاب النسوي أسهم في ذلك بقسط وافر، وأن نقد هذا الخطاب ينبغي أن يستوعب بواعثه، وأن يرسم حدوده وشروط صلاحيته، وأن يمنحه أفقًا تحرريًا أقوم، والنقد هنا تصحيح للبوصلة، ونظر بالألوان؛ لا رفضًا بالجملة.
- أن النزعة المادية فاعل محدود في هذه الأزمة، وأن خيبات المثالية العاطفية وإحباط قسم من التطلعات القيمية للحداثة هما الفاعل الأقوى أثرًا في هذه الأزمة.
- أن دراسات الجندر تحمل دلالتين غير متكافئتين، ويمكن أن تُتناول بالطرق العلمية الأدوار المغيبة للمرأة في التاريخ، أو أشكال الانتقاص والحيف التي تعرضت لها، ويمكن أن تتحول إلى أيديولوجيا للصراع الدائم بين الرجل والمرأة، تُطَوِّع العلم وتزيِّف الوعي. ومن المطلوب الانفتاح على المعنى الأول لدراسات الجندر، وتطوير خطاب نقدي عميق للمعنى الثاني مطلوب أيضًا.
- أن إصلاح أوضاع الأسرة يكون بإعادة بناء الفلسفة والثقافة اللتين تقوم عليها؛ أي بإعادة بناء ركنها المعنوي؛ وأما التشريع والقانون فتابعان لإصلاح الأسس، وليس متقدمًا عليهما.
أولًا: العربية
بدر، خديجة كرار الشيخ الطيب. الأسرة في الغرب: أسباب تغيير مفاهيمها ووظيفتها – دراسة تحليلية نقدية. دمشق: دار الفكر، 2009.
لويز، سيرين. "ترشيد أدوار المرأة في فكر الإمام يوسف القرضاوي". مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة قطر، مج43، ع1 (2025). https://doi.org/10.35682/2305-5545.1551779
محمد، كاميليا حلمي. المواثيق الدولية وأثرها في هدم الأسرة بداية من تأسيس منظمة الأمم المتحدة عام 1945م وحتى مطلع عام 2019 ([د.ن]، ط1، 1441هـ/2020م).
علوان ناصح، عمار عبد الله. "أخلاقية العولمة في القرآن الكريم: مقارنة مع أخلاقية العولمة اليوم". مجلة التمدن، مج4، ع1 (2009). https://jice.um.edu.my/index.php/JAT/article/view/8348
ثانيًا:
References
Académie nationale de médicine. "Rapport officiel sur la consommation de drogues licites et illicites chez l’adolescent." 01 octobre 2019. https://www.academie-medecine.fr/consommation-de-drogues-licites-et-illicites-chez-ladolescent-une-situation-alarmante-qui-impose-une-prevention-precoce
Aetna Inc., "Social Isolation and Loneliness: America’s Next Public Health Issues," In: The 2021 Health Care Insights Study, Executive Summary. CVS Health, 2021. https://www.aetna.com/content/dam/aetna/pdfs/aetnacom/digital-resources/cvs-health-health-care-insights-study-2021-report-executive-summary.pdf
Butler, Judith. Défaire le genre. Traduit de l'anglais par Maxime Cervulle, Postface traduite par: Joëlle Marelli. Paris: Éditions Amsterdam, 2016.
Carol, Hanisch. "Problèmes actuels: éveil de la conscience féminine. Le personnel est aussi politique," Partisans, n°54-55, "Libération des femmes ", juillet-octobre 1970.
de Certeau, Michel. La prise de parole. Paris, Editions du Seuil, 1994.
de Singly, François. Le lien familial en crise. Paris, Editions Rue d’Ulm/Presses de l’Ecole normale supérieure, 2007.
–––. Sociologie des familles contemporaines. Paris, Armand Colin, 7em ed., 2023.
Droit, Roger-Pol. "Il est interdit d'interdire»: une erreur de Mai 68." Les Echos, 9/2/2018. https://www.lesechos.fr/2018/02/il-est-interdit-dinterdire-une-erreur-de-mai-68
Du Brulle, Christian. "La solitude, une maladie sociale qui touche surtout l’Europe du Sud, de l’Est et la Belgique," Daily Science, Brussels, 2019. https://dailyscience.be/18/06/2019
European Union Drugs Agency (EUDA). "European Drug Report 2023: Trends and Developments" Luxembourg: Publications Office of the European Union, 2023. consulted 20 September 2024. https://www.euda.europa.eu/publications/european-drug-report/2023_en
Febvre, Lucien. Autour de l'Heptaméron. Amour sacré, amour profane, Paris, Gallimard, Collection NRF, 1944.
Ferry, Luc, et Alain Renaut. La pensée 68، Essai sur l'antihumanisme contemporain. Paris, folio essais, Éditions Gallimard, 1988.
Foucault, Michel. Dits et écrits, 1976-1988, Paris: Editions Gallimard, 2001.
Fraser, Nancy. Le féminisme en mouvements Des années 1960 à l'ère néolibérale. Paris: Éditions La Découverte, 2012.
Galster, Ingrid. "Relire Beauvoir. 'Le Deuxième Sexe' soixante ans après." Revue Sens public, 2013. https://doi.org/10.7202/1053998ar
Gauchet, Marcel. Mai 68, Le Débat. Paris: Gallimard, 2018.
Kant, Emmanuel. Vers la paix perpétuelle, que signifie s’orienter dans la pensée? Qu’est-ce que les lumières? présentation par Françoise Proust, traduction par Jean-François Poirier. Paris, Flammarion, 1991.
l’institut CSA, Dossier de presse "Solitude et isolement quand on a plus de 60 ans en France en 2017," Fondation des petits frères des Pauvres, Paris, 2017.
Lançon, Bertrand, et Adeline Gargam. Histoire de la misogynie: le mépris des femmes de l’Antiquité à nos jours. Paris: Les Éditions Arkhé, 2020.
Le Goff, Jean-Pierre. La gauche à l’agonie? 1968-2017. Paris: Perrin, Collection Tempus, 2017.
Ledroit, Valentin. "Fécondité dans l’Union Européenne: combien d’enfants par femmes dans les Etats membres?". Toute l’Europe, Mis à jour le 23/1/2024. https://www.touteleurope.eu/societe/le-nombre-d-enfants-par-femme-dans-les-pays-de-l-union-europeenne
Lewis, Patricia C. et al.. "Femicide in the United States: A Call for Legal Codification and National Surveillance." Frontiers in Public Health, vol. 12 (2024), pp. 1-2. https://doi.org/10.3389/fpubh.2024.1338548
Louiz, Serine. "Guiding Women’s Roles in the Thought of Imam Yūsuf Al-Qaraḍāwī" (in Arabic). Journal of College of Sharia and Islamic Studies, vol. 43, no. 1 (2025), pp. 269-294. https://doi.org/10.29117/jcsis.2025.0407
Martin, Claude. "Changements et permanences dans la famille," in P. Huerre et L. Renard. Parents et adolescents: des interactions au fil du temps. Paris: Fondation de France, 2001, pp. 17-37. https://shs.hal.science/halshs-00201832v1
Morin, Céline. Les Héroïnes de séries Américaines: De Ma Sorcière Bien-Aimée à The Good Wife. Nouvelle édition [en ligne]. Tours: Presses universitaires François-Rabelais, 2017. généré le 28 janvier 2022), pp. 12-18. https://doi.org/10.4000/books.pufr.9023.P12-18
Muḥammad, Kāmīliyā Ḥilmī. International Charters and Their Impact on The Destruction of The Family, Starting with The Founding of The United Nations in 1945 AD Until The Beginning of 2019. (in Arabic). [No publisher], 1441AH/2021CE.
Nasih Ulwan, Ammar Abdullah, "Ethics of Globalization in the Holy Quran: Compared with Ethics of Globalization Today" (in Arabic). Journal of Al-Tamaddun, vol. 4, no. 1 (2009). https:// https://mjir.um.edu.my/index.php/JAT/article/view/8348/6096
Picoury, M.-L et M. Schreiner. "Mieux comprendre l’isolement des personnes âgées." Monalisa, 2019– Mobilisation Nationale contre l’Isolement des Âgés, ReSanté-Vous. https://www.monalisa-asso.fr and https://www.resantevous.fr.
Picq, Françoise. "Le personnel est politique Féminisme et for interieur." Article publié dans les actes du colloque Le for intérieur (Paris, CURAPP, PUF, 1995.
Ricoeur, Paul. "De la philosophie au politique, Préface a «Condition de l’homme moderne»." In Lectures 1, Autour du politique, la couleur des idées. Paris: Editions du Seuil, 1991.
–––. "Vers une herméneutique de la conscience historique," In Temps et récit 3. Le temps raconte. Paris, Edition du Seuil, 1985.
Roussel, Louis. La famille incertaine. Paris, Editions Odile Jacob, 1999.
Scott, Joan, et Varikas Éléni. "Genre: Une catégorie utile d'analyse historique," In: Les Cahiers du GRIF, n°37-38, 1988. Le genre de l'histoire. pp. 125-153. https://doi.org/10.3406/grif.1988.1759
Scott, Joan. The Politics of the Veil. New Jersey: Princeton University Press, 2007.
Soltan, Salah. Marriage Life in The West, Real Problems and Practical Solutions. USA: Sultan Publishing, 2005.
UNFPA, "Etat de la population mondiale 2023, Huit milliards d’humains Un horizon infini de possibilités, défendre les droits et la liberté de choix," reliefweb, 23 Apr 2023. New York: Fonds des Nations Unies pour la population, 2023. https://reliefweb.int/report/world/etat-de-la-population-mondiale-2023-huit-milliards-dhumains-un-horizon-infini-de-possibilites-defendre-les-droits-et-la-liberte-de-choix
([1]) Salah Soltan, Marriage Life In The West, Real Problems and Practical Solutions (USA: Sultan Publishing, 2005).
([2]) كاميليا حلمي محمد، المواثيق الدولية وأثرها في هدم الأسرة بداية من تأسيس منظمة الأمم المتحدة عام 1945م وحتى مطلع عام 2019م ([د.ن]، ط1، 1441هـ/2020م).
([3]) خديجة كرار الشيخ الطيب بدر، الأسرة في الغرب: أسباب تغيير مفاهيمها ووظيفتها – دراسة تحليلية نقدية (دمشق: دار الفكر، 2009).
([4]) عمار عبد الله ناصح علوان، "أخلاقية العولمة في القرآن الكريم مقارنة مع أخلاقية العولمة اليوم"، مجلة التمدن، مج4، ع1 (2009)، ص181. https://jice.um.edu.my/index.php/JAT/article/view/8348
([5]) Valentin Ledroit, "Fécondité dans l’Union européenne: combien d’enfants par femmes dans les Etats membres?", Toute l’Europe, Mis à jour le: 23/01/2024. https://www.touteleurope.eu/societe/le-nombre-d-enfants-par-femme-dans-les-pays-de-l-union-europeenne
([6]) UNFPA, "Etat de la population mondiale 2023, Huit milliards d’humains Un horizon infini de possibilités, défendre les droits et la liberté de choix," reliefweb, 23 Apr 2023 (New York: Fonds des Nations Unies pour la population, 2023), p. 80. https://reliefweb.int/report/world/etat-de-la-population-mondiale-2023-huit-milliards-dhumains-un-horizon-infini-de-possibilites-defendre-les-droits-et-la-liberte-de-choix
([7]) Académie nationale de médicine, "Rapport officiel sur la consommation de drogues licites et illicites chez l’adolescent", 01 octobre 2019, pp. 2-3. https://www.academie-medecine.fr/consommation-de-drogues-licites-et-illicites-chez-ladolescent-une-situation-alarmante-qui-impose-une-prevention-precoce
([8]) European Union Drugs Agency (EUDA), "European Drug Report 2023: Trends and Developments," Luxembourg: Publications Office of the European Union, 2023. consulted 20 September 2024, p. 2. https://www.euda.europa.eu/publications/european-drug-report/2023_en
([9]) l’institut CSA, Dossier de presse "Solitude et isolement quand on a plus de 60 ans en France en 2017," Fondation des petits frères des Pauvres, Paris, 2017, p. 8.
([13]) Marie-Laure Picoury, et Mélanie Schreiner, "Mieux comprendre l’isolement des personnes âgées," Monalisa, 2019– Mobilisation Nationale contre l’Isolement des Âgés, ReSanté-Vous, pp. 10 –11. https://www.monalisa-asso.fr and https://www.resantevous.fr
([14]) Christian Du Brulle, "La solitude, une maladie sociale qui touche surtout l’Europe du Sud, de l’Est et la Belgique," Daily Science, Brussels, 2019. https://dailyscience.be/18/06/2019
([15]) Aetna Inc., "Social Isolation and Loneliness: America’s Next Public Health Issues," In: The 2021 Health Care Insights Study, Executive Summary. CVS Health, 2021, https://www.aetna.com/content/dam/aetna/pdfs/aetnacom/digital-resources/cvs-health-health-care-insights-study-2021-report-executive-summary.pdf
([16]) Bertrand Lançon, et Adeline Gargam, Histoire de la misogynie: le mépris des femmes de l’antiquité à nos jours (Paris: Les Editions Arkhe, 2020), p. 290.
([19]) Patricia. C. Lewis, et al, "Femicide in the United States: A Call for Legal Codification and National Surveillance," Frontiers in Public Health, vol. 12 (2024), pp. 1-2. https://doi.org/10.3389/fpubh.2024.1338548
([21]) François de Singly, Le lien familial en crise (Paris: Editions Rue d’Ulm/Presses de l’Ecole normale supérieure, 2007), pp. 7-9.
([26]) François de Singly, Sociologie des familles contemporaines (Paris: Armand Colin, 7em Edition, 2023), p. 43.
([27]) Lucien Febvre, Autour de l'Heptaméron. Amour sacré, amour profane (Paris: Gallimard, Collection NRF, 1944), p. 68.
([32]) Roussel, la famille incertaine, pp. 9-11.
([33]) Claude Martin, "Changements et permanences dans la famille," in P. Huerre et L. Renard. Parents et adolescents: des interactions au fil du temps, Paris: Fondation de France, 2001), pp. 17-37. https://shs.hal.science/halshs-00201832v1
([34]) Jean-Pierre Le Goff, La gauche à l’agonie ? 1968-2017 (Paris: Perrin, Collection Tempus, 2017(, p. 18.
([35]) Paul Ricoeur, "Vers une herméneutique de la conscience historique," In Temps et récit 3. Le temps raconte) Paris, Edition du Seuil, 1985), p. 32.
([37]) Luc Ferry, et Alain Renaut, La pensée 68، Essai sur l'antihumanisme contemporain (Paris: Folio essais, Éditions Gallimard, 1988), p. 18.
([38]) Roger-Pol Droit, "«Il est interdit d'interdire»: une erreur de Mai 68," Les Echos, 9/2/2018. https://www.lesechos.fr/2018/02/il-est-interdit-dinterdire-une-erreur-de-mai-68
([39]) Paul Ricoeur, "De la philosophie au politique, Préface a «Condition de l’homme moderne»." In Lectures 1, Autour du politique, la couleur des idées (Paris: Editions du Seuil, 1991), p. 52.
([43]) سيرين لويز، "ترشيد أدوار المرأة في فكر الإمام يوسف القرضاوي"، مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة قطر، مج43، ع1(2025) ص272. https://doi.org/10.35682/2305-5545.1551779
([44]) Ingrid Galster, "Relire Beauvoir. 'Le Deuxième Sexe' soixante ans après," Revue Sens public, 2013, pp. 3–4. https://doi.org/10.7202/1053998ar
([45]) Emmanuel Kant, Vers la paix perpétuelle, que signifie s’orienter dans la pensée? Qu’est-ce que les lumières? présentation par Françoise Proust, traduction par Jean-François Poirier (Paris: Flammarion, 1991), p. 26.
([47]) Céline Morin, Les Héroïnes de séries Américaines: De Ma Sorcière Bien-Aimée à The Good Wife. Nouvelle édition [en ligne]. (Tours: Presses universitaires François-Rabelais, 2017) (généré le 28 janvier 2022), pp. 12-18. https://doi.org/10.4000/books.pufr.9023.P12-18
([48]) Françoise Picq, "Le personnel est politique Féminisme et for interieur," Article publié dans les actes du colloque Le for intérieur (Paris, CURAPP, PUF, 1995), pp. 341-344; Hanisch Carol, "Problèmes actuels: éveil de la conscience féminine. Le personnel est aussi politique," Partisans, n°54-55, "Libération des femmes ", juillet-octobre 1970, p. 6
([49]) Judith Butler, Défaire le genre, Traduit de l'anglais par Maxime Cervulle, Postface traduite par Joëlle Marelli (Paris: Éditions Amsterdam, 2016), p. 24.
([50]) Nancy Fraser, Le féminisme en mouvements Des années 1960 à l'ère néolibérale (Paris: Éditions La Découverte, 2012), p. 112.
([52]) Scott Joan et Varikas Éléni, "Genre: Une catégorie utile d'analyse historique," In: Les Cahiers du GRIF, n°37-38, 1988. Le genre de l'histoire. pp. 125-153. https://doi.org/10.3406/grif.1988.1759