قيم الأسرة المسلمة والتغريب المصطلحي
دراسة تحليلية مقارنة

طارق خليفة

باحث في الفلسفة بمخبر فيلياس [PHILIAS]،كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة صفاقستونس

tarakkhalifa.tunisia@gmail.com

https://orcid.org/0009-0005-8697-6112

تاريخ الاستلام: 13/10/2024                                تاريخ التحكيم: 3/3/2025                    تاريخ القبول: 18/9/2025

ملخص البحث

أهداف البحث: دراسة العلاقات الممكنة بين الخطاب الإعلامي، وبين التغيرات في صورة الأسرة المسلمة؛ قصد الوقوف على العلاقة السببية المفترضة بين المصطلحات المتداولة في عالم الميديا والعالم السيبراني من جهة أولى، وتغير قيم الأسرة المسلمة من جهة ثانية.

منهج الدراسة: عكف البحث وفق المنهج المقارن على تحليل جملة من المصطلحات المرتبطة بالأسرة ومكوناتها داخل بعض لغات وسائل الاتصال الحديثة (العربية والفرنسية والإنجليزية)، وقد اخترنا أن تكون الدراسة قائمة بالأساس على المقارنة بين بعض المفردات العربية المتصلة بالعلاقة الأسرية (كالزواج، والبنوّة، والأخوّة...)، وبينما يقابلها من مفردات في اللغتين الفرنسية والإنجليزية. أما المنهج التحليلي فقد توجهنا من خلاله إلى بيان مستويات ومظاهر وأسباب هذا التغير الحاصل في قيم الأسرة المسلمة وبيان مدى اتصاله بالتغريب المصطلحي.

النتائج: خلصت الدراسة، بعد بيان عناصر العلاقة المفترضة بين التحولات في صورة الأسرة المسلمة وقيمها من جهة أولى، وبين التغير المصطلحي الغالب على خطاب الإعلام من جهة ثانية، إلى اكتشاف الدور المزدوج للإعلام؛ بوصفه عامل أزمة وعامل حلّ في ذات الوقت، وهو ما ألزمنا باقتراح الوسائل التي ستمكننا من الاستثمار الإيجابي لسلطة الصورة على الوعي والسلوك.

أصالة البحث: قد تكون تلك المقاربة المصطلحية الوصفية المقارنة التي اعتمدتها الدراسة لافتة إلى خطورة بعض الأسباب اللامفكر فيها كامنة وراء تفكك قيم الأسرة المسلمة، وهو المجال الذي ينبغي طرقه من جديد.

الكلمات المفتاحية: الأسرة المسلمة، العولمة، الإعلام، المصطلحات، التغريب، القيم

للاقتباس: خليفة، طارق. «قيم الأسرة المسلمة والتغريب المصطلحي دراسة تحليلية مقارنة»، مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة قطر، المجلد 44، العدد 1 (2026).

https://doi.org/10.29117/jcsis.2026.0436

 ©2026، خليفة. مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، دار نشر جامعة قطر. نّشرت هذه المقالة البحثية وفقًا لشروطCreative Commons Attribution-Non Commercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0). تسمح هذه الرخصة بالاستخدام غير التجاري، وتنبغي نسبة العمل إلى صاحبه، مع بيان التعديلات عليه. كما تتيح حرية نسخ، وتوزيع، ونقل العمل بأي شكل من الأشكال، أو بأية وسيلة، ومزجه وتحويله والبناء عليه، طالما يُنسب العمل الأصلي إلى المؤلف. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0


 

Muslim Family Values and Terminological Westernization: A Comparative Analytical Study

Tarek Khalifa

Researcher in the Laboratory of Interdisciplinary and Transcultural Approaches in Philosophy,
Arts and Human Sciences "PHILIAS", Faculty of Letters and Human Sciences, Sfax–Tunisia

tarakkhalifa.tunisia@gmail.com

https://orcid.org/0009-0005-8697-6112

Received: 13/10/2024                      Peer-reviewed: 3/3/2025                  Accepted: 18/9/2025

Abstract

Objective: This study aims to examine the potential correlations between media discourse and the evolving image and representation of the Muslim family. It seeks to explore the hypothesized causal relationship between the terminology prevalent in media and cyberspace, and the shifting values within the Muslim family structure.

Methodology: This study made use of comparative methodology, undertaking an analysis of a set of terms related to the family and its components within certain languages used in modern means of communication (Arabic, French, and English). We chose to base the study primarily on comparing selected Arabic vocabulary connected to familial relations (such as marriage, parenthood, brotherhood, etc.) with their corresponding terms in French and English. As for the analytical method, it enabled us to clarify the levels, manifestations, and causes of the changes occurring in the values of the Muslim family, and to determine the extent to which these changes are linked to terminological Estrangement

Results: After outlining the elements of the presumed relationship between the transformations illustrated in the image and values cherished by the Muslim family on one side, as well as the terminological shifts common in media discourse on the other, the study culminated in recognizing the dual function of media as both a catalyst for crisis and a possible means of resolution. This finding necessitated the proposal of strategies aimed at positively leveraging the power of imagery to influence awareness and behavior.

Originality: This descriptive and comparative terminological method utilized in this study may highlight the significance of specific neglected elements contributing to the decline of values in the Muslim family. This is a field that deserves scholarly attention and focus.

Keywords: Muslim family; Globalization; Media; Discourse; Terminology; Estrangement; Values

Cite this article as: Khalifa, T. "Muslim Family Values and Terminological Westernization – A Comparative Analytical Study", Journal of College of Sharia and Islamic Studies, Qatar University, Vol. 44, Issue 1 (2026).

 https://doi.org/10.29117/jcsis.2026.0436

© 2026, Khalifa, T. Published in Journal of College of Sharia and Islamic Studies. Published by QU Press. This article is published under the terms of the Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0), which permits non-commercial use of the material, appropriate credit, and indication if changes in the material were made. You can copy and redistribute the material in any medium or format as well as remix, transform, and build upon the material, provided the original work is properly cited. The full terms of this license may be seen at: https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0


 

مقدمة

تميزت العلاقة بين الشرق والغرب، وهي التقابل الذي طالما ألفناه، بثقافةٍ عُدّ الروحي والديني قوامها، وأخرى صارت المنافع قِيَمها، وبين هذا وذاك دار صراع حضاري خفيّ، لم نَنتبه أحيانًا إلى بعض تفصيلاته المستتِرة؛ حيث رجَّحَتْ فيه اللغة والصورة، بشكلٍ حاسمٍ، كفّةَ الغالب على المغلوب الذي صار (مولعًا دائمًا بالاقتداء بالغالب) على حد عبارة ابن خلدون الشهيرة([1]). فلا شك إذًا؛ في إمكان أن تكون اللغة، وهي "حمّالة أوجه"، أيضًا حمّالة لِمَعانٍ ولثقافاتٍ ولعاداتٍ ولسلوكياتٍ ارتبطت بأهلها الذين جاؤوا بها.

مشكلة الدراسة:

 طالما أن قوة اللغة من قوة أهلها([2])كما قال ابن حزم، وطالما أننا صرنا أمام تحالفٍ جديدٍ، مؤثرٍ وحاسمٍ بين الكلمة وبين الصورة التي استحوذت على كل أرجاء فضائنا اليومي، فهل صار بإمكاننا فعلًا إدانةُ اللغة الغربية المُهيمِنة إعلاميًا وعولميًا، بمفرداتها التي صارت تقتحم بيوتنا؟ ألا نرى أن أغلب الكلمات والمفردات "المستوردة" (حتى التقنية منها) تُلزمنا فتوجهنا إلى مَا لها وما فيها من سلطة لا مرئية؟

أوليس بالإمكان أن نصل المكان الحاضر بالزمن الماضي رهانًا على المستقبل خصوصًا حين يتعلق الأمر بأسرة مسلمة كادت تفقد إحداثيات المكان والزمان والهوية؟ ألا يمكن أن نفكر في مستقبل جديد يليق بها خصوصًا وقد صار حاضرها على خلاف ماضيها رهين عولمة آذنت بانتزاع الهوية من جذورها؟ أسئلة قد تفتح لنا بعض دروب الممكن في واقع صارت مفاعيله غريبة عن لغة ودين وهوية وقيم أربكتها عولمة وافدة، ظن الكثيرون ممن وثقوا بها أن ليس من حل إلا بها أو فيها، وسُدّت آفاق التفكير في الحلول الممكنة بعدما فَـتَنتنا حداثةٌ غربية استفاق أهلها أنفسهم على أزماتها المتعاقبة واستيقنوا أنه ما من حل إلا ويكون عنوانه الأبرز: عودة الروح والقيم رهانا على الإنسان والإنسانية.

"إن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم باختلاطهم بغيرهم"([3]). هكذا حدثنا ابن حزم قديما عن سقوط اللغة بسقوط سلطان أهلها؛ ولكن ألا يمكننا أن نقول في اتجاهٍ مُغاير بأن "سلطان الأهل" ذاك وقد ضَعُف، بإمكانه أن يَصير هو نفسه مُهدَّدًا بقوة تأثير اللغة في مستعمليها الجُدد؟ بالنظر خصوصا إلى قوة تأثير الصورة بمختلف تقنياتها بوصفها "أيديولوجية ناعمة" Soft Ideology على حد التسمية التي أطلقها عليها بيار بورديو([4])، فتصير اللغات الوافدة جزءًا مُهمّا وخفيّا من حدثِ التفكك المجتمعي المستمر دائم الحدوث؛ حتى ينتهي بنا الأمر إلى تفكيك نواته الصلبة وهي الأسرة.

فرضيات الدراسة:

تستعين الدراسة بجملة من الفرضيات؛ تمهيدًا لبلورة المنهج والحلول على ضوء تلك الفرضيات، وهي كالآتي:

-      توجد علاقة سببية مؤثرة بين الهيمنة اللغوية لثقافة على أخرى.

-      العلاقة السببية بين الهيمنة اللغوية والهيمنة الثقافية، هي علاقة جوهرية تمس الهوية النواة للأسرة المسلمة.

-       تتغير عادات وأحوال المجتمعات والأسر بالتغيرات الحاصلة في لغاتها.

-      جل التغيرات الحاصلة في صلب الأسرة بالمجتمعات المسلمة مرتبطة أساسًا بما للتواصل الحديث من قدرة على إحداث تغيير في البنية والوظيفة لكل من المجتمع والأسرة.

-      إعادة تشكيل الوعي الفردي والجمعي، هو حاصل خيارات عولمية مسبقة تهدف في مجملها إلى تنميط مشترك ومتماثل للمتساكنين الجدد لـ"العالم-قرية". بواسطة لغته المؤثرة على المعطى اللغوي والسلوكي.

منهج الدراسة:

تجمع الدراسة بين الوصف وبين التحليل اللغوي المقارن، فوضع الأسرة المسلمة اليوم يقتضي تشخيصًا وصفيًا دقيقًا يبدأ بأبسط أدوات التواصل اليومي بين أفرادها، وهي اللغة، التي تعد مفرداتها نقطة البداية الأنسب لدراسة كهذه. وإذا كانت اللغة المعتمدة في أشكال التواصل اليومي لأفراد الأسرة المسلمة هي اللغة العربية بلهجاتها المحلية المتصلة بها على نحو وثيق؛ فإننا سنجعل ضمن خيار منهجي أوليّ من اللغة العربية طرفًا أول من أطراف تلك الدراسة اللغوية المقارنة التي نبتغي الاستناد إليها.

 أما في الطرف المقابل من تلك المقارنة؛ فقد يبدو من الأنسب عدم الاقتصار على اللغة الواحدة، ودراسة اللغتين الإنجليزية والفرنسية معًا بالتوازي، وذلك اعتبارًا للأصل اللاتيني المشترك، وللحضور المكثف لكل منهما في الفضاء السيبراني داخل مجتمعاتنا العربية، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية العيّنات المستهدفة في الدراسة، وهي في جزء منها متصلة ببعض بلدان المغرب العربي (تونس، والجزائر، والمغرب) التي تستعمل اللغة الفرنسية بشكل ملحوظ، كما في وسائل التواصل الاجتماعي مثلًا. كما أن الدراسة المقارنة نفسها متصلة أيضًا، وفي جزء آخر منها باللغة الإنجليزية المستعملة، بالتوازي مع اللغة العربية، في الكثير من مجتمعاتنا العربية. مع الأخذ بعين الاعتبار الطابع المعولم للّغة الإنجليزية، الذي نلمس له حضورًا مكثّفًا في كل المجالات: التواصلية، والتقنية، والثقافية، والاقتصادية.

خطة الدراسة:

سنتناول في هذه الدراسة ثلاثة مباحث يندرج تحت كلٍ منها عدد من المطالب والفروع، وهي:

-      المبحث الأول: واقع الأسرة المسلمة بين التغريب اللغوي والتغريب القيمي؛

-      المبحث الثاني: تأثير لغة العولمة على تفكيك قيم الأسرة المسلمة؛

-      المبحث الثالث: آفاق وحلول مقترحة، بين لغة الصورة واللغة العربية.

المبحث الأول: واقع الأسرة المسلمة بين التغريب اللغوي والتغريب القيمي

مما لا شك فيه أن وضع الأسرة المسلمة اليوم لا ينفك عن حالة من الشعور بالاغتراب من جهة القيم كما من جهة اللغة، وهو الاغتراب الذي له أسبابه ومداخله العديدة. سنسعى في هذا المبحث لاستعراض التحولات اللغوية وهوية الأسرة المسلمة، ومصطلحات الميديا وعلاقتها ببرمجة الأسرة المسلمة، في مطلبين على التوالي.

المطلب الأول: التحولات اللغوية وهوية الأسرة المسلمة

لُغتنا العربية ليست مجرد أصوات منظومة وأحرف مرتبة نتواصل بها وحسب، إنها رُوحٌ ووِجدان، ورموزٌ ومعان، هي هوية تنطق تاريخا وتعبق قيما وترسم صُوَرا، لا يمكننا تجاهلها بأي حال من الأحوال، خصوصا لمّا كانت معاني التنزيل وأسراره محمولة في لغة عربية فصيحة، بليغة وفريدة في صُوَرها ومعانيها: ﴿وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ [النحل: 103]. فصرنا نعثر في الكلمة المنزّلة على الأمر والنهي والوعد والوعيد، وعلى العلم والعمل والمعاملات، عما يجب أن نفعل وعما لا يجب أن نفعل، من تلك الزاوية صار حديثنا عن اللغة وما تحمل وتفعل، يؤخذ من باب الحديث عن الدين وكيف يأمر وينظّم ويوجّه؛ حتى ارتبط الكلام عن الأسرة بالكلام عن الكلام وكيف يفعل وينظّم.

وبناء على ما سبق؛ فإن مقارنة لغوية بسيطة تبحث في المصطلح ودلالاته، وتأخذ في حسبانها جملة المضامين الثقافية والدينية والتاريخية والروحية والقيمية؛ قد تبدو مقنعة وتسعى في نفس الوقت إلى بيان القيمة الجوهرية لثرائها الدلالي وهي اللغة الأم والجامعة لكل مكونات الأسرة المسلمة، وبيان العلاقة بين متانة الروابط اللغوية، ومتانة الروابط الأسرية والروحية التي يمكننا اعتبارها بحق الأساس الصلب للنواة المجتمعية التي ما إن تبدأ في التفكك حتى يصير أمر التفكك المجتمعي مآلا محتومًا.

وحسبنا؛ لبيان مدى وجاهة هذا الربط السببي الذي ذهبنا إليه، والذي يمكن اعتباره سببًا في إرباك وتفكيك بنية الأسرة المسلمة اليوم، أن نحتكم إلى بعض المقارنات التي رأيناها وجيهة بين مفردات وتسميات تتصل بالرابطة الزوجية داخل الأسرة بين المعنى القرآني واللغة العربية التي من المفروض أن تكون اللغة الأم للأسرة المسلمة من جهة، وبين اللغات الأجنبية الوافدة والمهيمنة في الوسائط الإعلامية من جهة ثانية.

جدول (1): مقارنة مصطلحات العلاقة الأسرية في العربية باستعمالاتها في اللغتين الإنجليزية والفرنسية

المصطلحات الدالّة على رابطة الزواج في القرآن/اللغة العربية

المصطلحات المجاورة في اللغة الإنجليزية

المصطلحات المجاورة في اللغة الفرنسية

- قرين: لفظٌ الشريك في العلاقة الزوجية، ويُقال للرجل والمرأة.

-spouse: لفظٌ يقال بنفس المعنى المستعمل تقريبًا في العربية.

- conjoint: لفظٌ يقال بنفس المعنى المستعمل تقريبًا في العربية.

- زوج: لفظٌ يُطلق ضمن الرابطة الزوجية على الرجل وعلى المرأة معًا، (ولكنه اليوم أكثر استعمالا بالنسبة إلى الرجل، ولهذا المعنى اخترنا مقابلته بالألفاظ الدالة على الرجل في الإنجليزية والفرنسية).

- husband: لفظٌ يقال على الرجل دون المرأة ضمن الرابطة الزوجية.

- mari: لفظٌ يقال على الرجل دون المرأة ضمن الرابطة الزوجية.

- زوجة: لفظٌ يقال على المرأة ضمن الرابطة الزوجية.

- wife: لفظٌ يقال على المرأة ضمن الرابطة الزوجية.

- épouse: لفظٌ يقال على المرأة ضمن الرابطة الزوجية.

- بعل: لفظ قرآني استُعمل في إطار الرابطة الزوجية للدلالة على الرجل ويمتاز بمعنى العلو والاستعلاء.

- لا وجود للفظٍ يماثله بدقة من حيث المعنى.

- لا وجود للفظٍ يماثله بدقة من حيث المعنى.

- امرأة: لفظ يقال على الزوجة إذا نُسِبت للرجل ("امرأته") وعلى المرأة دون نسبة ("امرأة")

- women: لفظٌ دال على المرأة ولا يُستعمل للدلالة على انتساب المرأة للرجل.

Femme: يُقال على المرأة بشكل عام وعلى الزوجة إذا نُسِبت الكلمة في سياقها إلى رجل ("sa femme").

- صاحبة: لفظ قرآني استُعمل في إطار الرابطة الزوجية للدلالة على الصُّحبة والمعاشرة الحسنة للزوجة في إطار الرابطة الزوجية.

- girlfriend: لفظٌ يُستعمل للدلالة على علاقة بين الرجل والمرأة خارج إطار الرابطة الزوجية.

- amante (العشيقة) للدلالة على علاقة بين الرجل والمرأة خارج إطار الرابطة الزوجية. كما يمكن أن نستعمل هنا واحدًا من معاني كلمة: copine (التي تدل أيضًا على معنى الصداقة amitié).

اخترنا في هذا الجدول مقارنة المصطلحات المرتبطة بالأسرة في اللغة العربية، بنظائرها في اللغتين الإنجليزية والفرنسية. ولابد من أن نلاحظ هنا أمرين اثنين وهما:

-     أما بخصوص المصطلحات المجاورة في اللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ فإن اقتصارنا على هاتين اللغتين دون سواهما كان مرتبطا أساسًا بخصوصية زاوية النظر للموضوع المدروس؛ إذ إن لغة وسائل التواصل الاجتماعي والافتراضي الأكثر رواجا، والأكثر استعمالًا بين أفراد الأسرة المسلمة اليوم هي اللغة الإنجليزية في المرتبة الأولى، ثم اللغة الفرنسية بدرجة ثانية (خصوصًا في بعض بلدان المغرب العربي: تونس والجزائر والمغرب).وما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أن كلّا من اللغتين المذكورتين تمتلكان ما يكفي من الوسائل المباشرة وغير المباشرة لفرض هيمنتها على الفضاء التواصلي اليومي للأسرة المسلمة. وحسبنا أن نشير هنا إلى إحصائية أعدّها "مرصد التنوع اللغوي والثقافي في فضاء الإنترنت" The Observatory of the Linguistic and Cultural Diversity in the Internet (OBDILCI) ([5])، قام فيها بقياس مؤشر حضور اللغات في الإنترنت، وقد خَلُص المرصد إلى أن اللغتين الإنجليزية والفرنسية تستأثران برُبع نسبة الحضور بين كل لغات العالم (25%)، وإلى أن اللغة الفرنسية تأتي في المرتبة الثانية وفق "مؤشر العولمة السيبرانية"([6]). ولعل الأمر يدعونا للنظر إلى الأمر بجدية أكثر خصوصًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار حضورهما اللافت للانتباه لدى المستخدمين العرب للإنترنت.

-     فيما يتعلق بالمصطلحات المجاورة في القرآن/اللغة العربية؛ فإن ربط المصطلحات العربية بالقرآن تحديدا قائم على حقيقة أن المفردات المرتبطة بالأسرة وبالرابطة الزوجية في هذا السياق، والمستعملة في اللغة العربية الفصحى، وفي أغلب اللهجات العربية المحلية مشرقًا أو مغربًا بلا استثناء؛ إنما تلتقي حول مشترك دلالي يتوافق في حده الأدنى مع المدلولات القرآنية للمصطلح نفسه.

انطلاقًا من المقارنة الأولية السابقة؛ نلاحظ وبشكل عامأن هذا "الغنى الدلالي للمعجم العربي"([7])، والثراء اللغوي للنص القرآني الذي أُنزلَ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ[الشعراء: 195]، قد مكّننا من إظهار العناصر التالية:

-     العجز الدلالي الواضح في لغة العولمة وفي خطاب الصورة المهيمنة على عالم التواصل الافتراضي عن الإلمام بمختلف المعاني والأشكال المعبِّرة عن الثراء المادي والامتداد الروحي للأسرة المسلمة، وعن التعبير عنها أو حتى المحافظة عليها، في مقابل ثراء المعجم العربي الذي كانت تستقي منه الأسرة مصطلحاتها المتداولة.

-     إن الهيمنة شبه المطلقة للغة الميديا على مختلف أشكال التواصل الافتراضي بيننا قد أخفت فوارق واختلافات كثيرة كانت تحملها اللغة الأم (العربية) في ثنايا كلماتها التي كانت فيما مضى حاضرة وبوضوح في المشهد اليومي للأسرة المسلمة. وما أحوجنا اليوم إلى إظهار تلك الفوارق وإلى المحافظة عليها! من قبيل الفرق بين مفردتي: "امرأة" و"زوجة" وهو شبيه بالفرق بين مفردات: "أب/أم" "والد/والدة"؛ إذ لا يمكن اختزال العلاقة بين الرجل والمرأة، أو الابن وأبيه... في مجرد الرابطة المكانية أو البيولوجية، كما في لغة الميديا؛ إذ إننا، وبمجرد سماع الآيات:﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ [النساء: 19]، أو﴿وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا [النساء: 36] ندرك أن الروابط الأسرية التي نحتاجها اليوم حتى لا تفقد الأسرة المسلمة تماسكها؛ إنما كانت تستمد متانتها من الروابط الدينية ومما في مفردات النص القرآني من مضامين روحية.

إن تلك المضامين غير المادية المصاحبة للغة العربية سيتم التخلي عنها تدريجيا بفعل التخلي الممنهج يوما بعد يوم، عن استعمال المفردات الدالة عليها، وهو ما تقوم العولمة بتفكيكه بشكل واضح من خلال التزامن والترابط الوثيق بين وسائلها التقنية ولغتها التي تفرض نفسها وأدواتها على مستعمليها، كما لو كان الأمر شبيهًا بالترابط المعهود بين الآلة التي نستوردها من مصنّعها الأوروبي، وبين الكلمات الإنجليزية أو اللاتينية المرقومة على أزرارها ومفاتيحها.

-      ما يمكن أن ينكشف لنا هنا، كمعطًى أولي، هو ذهاب ذلك المخزون الروحي والأفق العلائقي لجملة الروابط الوجدانية بين مكونات الأسرة المسلمة، مع ذهاب المفردات الدالة عليها والحاملة لها؛ إذ إن الشعوب عادة ما تحمل قيمها في كلماتها، وتفكر وتتمثل ذاتها انطلاقا من لغتها. ولعل أبرزها الألفاظ الدالة على الصحبة والمودة وطيب المعشر بين الرجل والمرأة والأهل، من قبيل العبارات القرآنية: ﴿لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا[الروم: 21]، و"صاحبته" ﴿وَصَٰحِبَتِهِۦ وَأَخِيهِ١٢[الحاقة: 12]، ﴿وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ٣٦ [التكوير: 36]، مع اختزال كل العلاقة الزوجية في المقابل، في مجرد العلاقة المكانية أو الحسية في أغلب الأحوال ضمن مفردات كافية لوحدها لتأكيد ما ذهبنا إليه.

-     كما أن لغة العولمة نفسها لم تَنجُ من هذا التحول الدلالي لمصطلحات الأسرة، قد فقدت بعضًا من ثرائها عبر سعيها إلى فرض تجانس المعنى وتماثل الألفاظ، بدءا بمفردة إنسان([8])، ووصولًا إلى مفردة عائلة كما في منطوقها الإنجليزي: (Family)، أو الفرنسي (Famille) حين مقارنتها بالأصل الاشتقاقي اللاتيني (familia) الذي يدل على امتداد في المعنى يرتبط بالعائلة الموسعة بكل من فيها بما في ذلك العبيد. ومن اللافت للانتباه هنا أن الكلمة اللاتينية تقترب أكثر من معنى العائلة في الاصطلاح العربي (على خلاف الكلمتين الفرنسية والإنجليزية) حتى أننا لنجد الكلمة نفسها وبمنطوقها عينه مُعرّبا ("فاميليا") في اللهجة التونسية؛ حيث تحيل هي الأخرى على معنى العائلة المحافظة والأصيلة([9]): غير أن هذا المعنى نفسه قد لقي، وهو القادم من اللغة الأوروبية الأم، المصير نفسه من التضييق في الدلالة والتحول في الاستعمالات.

-     يمكننا القول إن اللغة المعولمة اليوم قد صارت بمثابة المواصلة "للمشروع الاستعماري الغربي"؛ ولكن بوسائل ناعمة، وحسبنا في هذا السياق أن نذكّر بدراسة مفهومية مقارنة أقامها دومينيك جلاسمان (Glasman Dominique) بين مصطلحي: "العائلة" Famille و"الأولياء" Parents([10]) في علاقة بالمدرسة في المجتمعات الغربية. إذ تشير الدراسة إلى الفرق الحاصل في التسمية بين المفردتين: ونحن نتحدث عن الابن نفسه، كنا في الماضي نتحدث عن العائلة بما هي المحيط الطبيعي لتربية الأبناء، وصرنا في الحاضر نتحدث عن "الولي" (الأب الجد الوصي على الأبناء؛ كالخال أو العم...)،ومع هذا التحول في التسمية حدث تحول جوهري في عملية تربية الأبناء؛ حتى إن صاحب الدراسة قد أشار إلى إمكانية أن يتحول الابن نفسه إلى مربٍّ بشكل أو بآخر لوالديه، وكل ذلك يحدث طبعا في إطار تصورٍ أوروبي مركزي قد اختزله في التوصيف التالي: "وبعبارات مغايرة، في إطار المدرسة: تكون "الأُسَـرُ" بالنسبة إلى "الأولياء" بمثابة "المتوحشين" بالنسبة إلى "المتحضرين" في أعين المستعمرين"!([11]).

المطلب الثاني: مصطلحات الميديا وعلاقتها ببرمجة الأسرة المسلمة

يبدو أن أحادية الدلالة والمعنى والاستعمال للفظ الواحد التي اتصفت بها أغلب المصطلحات المتداولة في عالم الإعلام وفي فضاءات التواصل الافتراضي، وأن ما لقيته من التطويع والتحويل في الاستعمال والتضييق في الدلالة؛ لم يكن أمرا تلقائيا عارضا؛ بل هو أمر مقصود فعلًا لأجل الحصول على النجاعة القصوى والنتائج المطلوبة، ولعل تلك القدرة العجيبة التي اكتسبتها الصورة، مردها نوع من "السلطة الرمزية" التي صارت تمتلكها وسائل الإعلام والتواصل على حد عبارة (بيار بورديو)، وهي سلطة "تابعة" ومضاعفة لِما لأصحابها من نفوذ مادي وسياسي واقتصادي. ويمكننا هنا، في سياق هذا الربط الذي نلاحظه بين سلطة الفضاء الافتراضي من جهة، وبين وما يصحب تلك السلطة من أشكال خفية وموازية من الهيمنة اللغوية للغات الغربية، أن نستحضر على سبيل الذكر لا الحصر جدولًا مقارنًا أورده دانيال بيميانتا (Daniel Pimienta) ضمن مؤلّف جماعي أصدرته منظمة اليونسكو بعنوان: "قياس التنوع اللغوي على الإنترنت"، وقد ورد في هذا الجدول ذكر مصطلح "التمكين" Empowerment في صيغته الإنجليزية باعتباره مفهوما جديدا مستحدثا في عالم الميديا، فتم التنبيه إلى أنه، داخل الكلمة الواحدة تجتمع كل "معاني: التقبّل، وتحصيل الاستطاعة، إضافة إلى تملّك قوة الفعل (أو الاقتدار عليه) من خلال القدرة على القيام به"[12]. ومنذ تلك اللحظة لم تعد اللغة الإنجليزية أو الفرنسية مجرد لغات أو أدوات تواصل وحسب؛ بل صارت لغة العالم الافتراضي ذاته. وقد لا نتمكن ساعتئذ من الحديث عن المقارنة اللغوية التي نقصدها إلا داخل هذا السياق العولمي، كما قد يصير من الوجيه أيضًا عدم الفصل بين اللغتين الإنجليزية والفرنسية أمام اقتدار أصحابها على امتلاك مقاليد التحكم والتوجيه والبرمجة العولمية لبقية المجتمعات غير الأوروبية.

ولعله قد بات من الضروري هنا، واستنادا إلى ما سبق بيانه، أن نبين بعضًا من وجوه تلك الآلية الخفية التي ارتبط بها مصير اُسَرِنا الحاضرة. فالسِّمة البارزة التي نلاحظها من خلال المقارنات المصطلحية السابقة كانت بالأساس: ضيق الحقل الدلالي للألفاظ المستعملة. ولمّا يصير المصطلح الواحد موحد الدلالة والمعنى فإنه سيصير بالإمكان إحكام السيطرة على الثقافات المستهدفة من قبل العولمة بتمكنها من الأمور التالية:

-     ازدياد القدرة على التوقع: فاللفظ لمّا يكون أحادي الدلالة يمكننا أن نتوقع الـتأثير نفسه، أو بعبارة أدق أن نتوقع نفس الوقع السيكولوجي للكلمة لدى الجميع وبنفس الكيفية والقدر حتى وإن اختلفت لغاتهم وثقافاتهم ووضعياتهم، طالما أنهم يفهمونه بنفس المعنى.

-     إن اكتساب القدرة على التوقع تعنى، بشكل أو بآخر، اكتساب القدرة على التحكم؛ فأن نعرف كيف ننتقي المصطلحات المؤثرة في عالم الميديا يعني أن نعرف كيف نمتلك فن "الخطابة الجديدة"، و"سفسطائيو" العالم الافتراضي قد لا يختلفون كثيرًا عن سفسطائيي أثينا: ما دامت الغاية واحدة وهي الربح المادي والتكسب من الخطاب ومن حذق أفانين الكلام المؤثر، ولذلك ترانا نستعمل اللفظ نفسه لتوصيف أولئك الذين يكونون اليوم بارعين أكثر من غيرهم في التأثير على جمهور الإعلام الجديد فنسميهم "مؤثرين، أو "صانعي محتوى".

-     اكتساب القدرة على تغيير الواقع بحسب ما هو مبرمج له، لأن القدرة على التحكم، وهي المقصد غير المعلن للعولمة وللإعلام الجديد، تعنى في النهاية اكتساب القدرة على التحكم في العقول والإرادات والأذواق والسلوكيات، وعلى صناعة الرأي العام وحتى السياسات، وهي كلها أمور قد لا تحتاج منا دليلا آخر غير ما صار يكتسبه الإعلام والفضاء السيبراني من قدرة لا يُستهان بها على خلق الأزمات أو حلها، أو حتى على الإطاحة بأنظمة ودول، فلا عجب من أن نلحظ الأسرة المسلمة وهي تترنح إيذانا بتفكك قريب، بين عوالم افتراضية مختلفة اتفقت كلها على تغيير هذا النمط الأسري الذي لم يعُد في رأي المبرمجين الجدد "صالحا" في مجتمع الاستهلاك والدعاية والربح.

المبحث الثاني: تأثير لغة العولمة في تفكيك قيم الأسرة المسلمة

لفظ العولمة قد يكون في عموم معناه دالًا على هيمنة النموذج الثقافي الغربي على سائر الثقافات "غير الأوروبية"؛ وفق مقاييس: المحور/الأطراف، غير أن اللفظ في ثناياه حامل جنينيًا لـ"عولميات" تترافق كلها في مسار التغريب الممنهج الذي يسير على دربه العالم المعاصر. ولعلنا نعثر على أوجه مختلفة من تلك العولمة الشمولية التي استبعدت دور الأسرة والمدرسة في الخطاب الديني الراهن؛ إذ إن "وسائل التواصل الاجتماعي في عصر العولمة، يتم استخدامها على نطاق واسع من قبل الشباب... فكان من الطبيعي أن تختزل وسائل التواصل الاجتماعي دور المدارس والأسر في أنشطة تعلم الدين"[13])، وتلك الأوجه يمكن محورتها في مسارات ثلاثة كبرى:

-      عولمة اقتصادية: قائمة على نشر النظام الاقتصادي الليبرالي الرأسمالي، وفتح الأسواق العالمية على بعضها البعض.

-      عولمة سياسية: وتحديدا عولمة النظام السياسي الديمقراطي، والتماثل في الحقوق والحريات الكونية التي تنُصّ عليها المواثيق والمعاهدات الدولية، ولا تأخذ هنا الخصوصيات الثقافية بعين الاعتبار.

-      عولمة ثقافية: وهي التي تعنينا بالدرجة الأولى، من جهة لغتها (الإنجليزية) وعاداتها الأوروبية التي جُعِلت لتتماشى مع النظام الاستهلاكي المعمم، ومع قيمه النفعية الربحية بالأساس، والتي لا تُقاس إلا بمقياس النجاعة والمال.

فهل يمكننا فعلًا فهم هذا المدّ العولمي بأبعاده السياسية والثقافية والاقتصادية على أنه فِعلُ تفكيك مبرمَج لمجتمعاتنا العربية الإسلامية؟ إلى أن وصل بنا الأمر إلى حد الخشية على الأسرة من الانحلال، وهي ركيزة المجتمع ونواته الصلبة؟ أم أن الأمر يُفصِح عن تفكك تلقائي، صاحَبَ بشكل طبيعي تمظهرات الهيمنة التقنية والاقتصادية للعالم الغربي، وليس في أمر الانحلال الأسري المُتحدَّثِ عنه من شيء آخر غير وَلعِ المغلوب الدائم بـ"الاقتداء بالغالب".

هكذا ومع رياح العولمة القادمة من الغرب، ترنحت قيمٌ ولغاتٌ وسلوكيات عدة في أسرة بدت مهدَّدة تقريبًا في فقدان كل شيء يربطها بماضيها الخاص، وتعاظمت قيم جديدة أبرز ما يميزها ذاتية نفعية براغماتية بلغت حد الأنانية ترفضها القيم الإسلامية التي تدفع بالفرد إلى التفكير في الآخرين سبيلا للعيش المشترك، في مشهد قيمي بديع، قد تستوعبه الآية التالية: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا٣٦[النساء: 36[.

لكن السؤال الذي يعنينا هنا هو: هل بإمكاننا فعلًا أن نعثر داخل تلك العولمة الجديدة للمكان والزمان والإنسان عن علامات دالة على وجود علاقة سببية مبرَّرة نظريا بين العزل الاجتماعي التدريجي للأسرة المسلمة، وبين ما حصل لها من تغيرات راهنة؟ وهل يمكن اعتبار التبدلات الجوهرية التي أصابت بنيتها اللغوية بما تحمله من مضامين روحية ودينية وأخلاقية وعادات اجتماعية وتصوراتسببًا في فقدان قيمها وانهيارها؟

سنحاول تتبع هذه المسائل في مطلبين أساسيين هما: مقاصد حفظ الأسرة والمجتمع والنوع في واقع الهيمنة اللغوية للعالم الافتراضي، وعولمة المكان وتقلص معاني الانتماء في ثقافة العزل الاجتماعي للأسرة

المطلب الأول: مقاصد حفظ الأسرة والمجتمع والنوع في واقع الهيمنة اللغوية للعالم الافتراضي

لا يُحفَظ الكل إلا بحفظ أجزائه، والأسَر أجزاء من مجتمعاتها وأممها، كما لا تُحفظ تلك المجتمعات إلا بقيامها على قوانين وقيم وأعراف وعادات تُنظمها وتحفظها من الاندثار، حفاظا على النوع والنسل؛ إذ إن "انتظام أمر العائلات في الأمة أساس حضارتها وانتظام جامعتها، فلذلك كان الاعتناء بضبط نظام العائلةِ من مقاصد الشرائع البشرية كلها، وكان ذلك من أول ما عُنيَ به الإنسان المدني في إقامة أصول مدينته بإلهام إلهي رُوعِيَ فيه حفظُ الانتساب من الشك في انتسابها"([14]).

ومن هنا صار حفظ النسب من حفظ الأسرة وحفظ الأسرة من حفظ النسل؛ حتى عده الفقهاء من الكليات التي لا نزاع في الحفاظ عليها وصونها؛ إذ "لا شُبهة في عده من الكليات، لأنه يُعادل حفظ النفوس"([15]). وفي واقع الهيمنة اللغوية للعالم الافتراضي الذي بات يشهد على تراجع ملحوظ لمكانة اللغة العربية ضمن أشكال التواصل اليومي القائم بين مكونات الأسرة المسلمة؛ فإنه يبدو من الأنسب بالنسبة إلينا أن ننظر في بعض الأطر اللغوية المصاحبة لما صرنا نشهده من تفكك تدريجي لبعض الروابط الأسرية، بهدف البحث عن العلاقة الممكنة بين الظاهرتين:

الفرع الأول: الإطار اللغوي المصاحب لتفكك روابط النسب

بالنظر إلى الإطار اللغوي المهدد لانحلال رابطة النسب، وإلى ما يتصل بهذا التغير من مصطلحات غريبة عن المنظومة القيمية الحافظة للنسب والنسل في الأسرة المسلمة، قد تنكشف لنا منظومة مركبة ومتحولة في الآن نفسه، من المصطلحات من جهة استعمالاتها ودلالاتها ومخاطرها وهو أمر يدفعنا إلى الاكتفاء بالنظر في بعض التسميات المستعملة في الفضاء السيبراني، وهي الوافدة من ثقافة غير ثقافتنا. إن تلك التسميات قد تبدو في ظاهرها مجرد توصيف لوضعية مجتمعية معينة، غير أنها قد تنبئ، بمجرد قبولنا بتداولها في أوساطنا الأسرية، بتغير جوهري في منظومة العلاقات داخل الأسرة، من قبيل مصطلحات:

-     "الأم العزباء"/Mèrecélibataire/Single Mother: وهي مصطلحات وإن كانت تشير في ظاهرها إلى المرأة، أو الفتاة التي أنجبت خارج إطار العلاقة الزوجية؛ فإنها في مجملها قد "تشرعن" Legitimating بمعنى ما هذا النوع من العلاقات بين الرجل والمرأة خارج مؤسسة الزواج، مما من شأنه أن يهدد حفظ النسب والنسل على حد سواء. إن هذا الوضع الذي نشهده في الكثير من الأسر الغربية المعاصرة قد صار اعتياديا حتى اختلطت الأنساب وتفككت الأسرة بشكل تدرجي، وقد تعبر عنه العبارة التالية لموريس غودلييه (Maurice Godelier): "إن وضعية الطفل غير الشرعي قد اختفت من مجتمعاتنا"([16]) أحسن تعبير.

-     "الثنائي المرتبط" (دون زواج) /Le couple/the unmarried couple: وهو شكل من أشكال العلاقة بين الرجل والمرأة، خارج أو قبل، أو دون زواج رسمي، رائج في البلدان الغربية وقد وصفه موريس غودلييه بقوله: "الثنائي المرتبط ليس أبدا هو العائلة؛ إذ يشرع الأفراد في العيش مع في شكل ثنائي، ولا يعتبرون أنفسهم في عائلة إلا عند اللحظة التي ينجبون فيها طفلا. وغالبًا ما يكون قرار الثنائي بالزواج انطلاقا من حدث الولادة ذاك"([17]). وبالمثل؛ فإن هذه التسمية الجديدة، علاوة على أنها مرفوضة دينا ومجتمعا وأخلاقا في مجتمعاتنا العربية الإسلامية؛ فإنها قد تمهد بشكل أو بآخر للتعايش التدريجي مع هذا الوضع غير الاعتيادي.

-     الأسرة ذات الولي الواحد/Lafamille mono-parentale/The Single-Parent Family: وهي شكل جديد من أشكال العيش في المجتمعات الغربية، يقوم على الوجود منذ البداية وباستمرار، لعنصر واحد من الأسرة: إما الأب أو الأم، ومن مخاطر هذا التصنيف الجديد الذي يدل عليه المصطلح، إرباك تصوراتنا المعهودة حول الأسرة ومن ثمة تفكيك الأسرة نفسها بمجرد طمس الحدود اللغوية والمفهومية والواقعية بين ما يمكن وما لا يمكن أن نطلق عليه تسمية "أسرة".

الفرع الثاني: تبعات ومضار تفكك روابط النسب في الأسرة المسلمة

أما الضرر الحاصل من التفريط في حفظ النسب أو التغافل عنه، فجسيم لا يقتصر على الفرد دون الجماعة بل يمكنه علاوة على ذلك أن يمس أكثر أواصر الأسرة متانة كالأخوة والأبوة والأمومة؛ حتى يبلغ المدينة برمتها. والضرر الحاصل للنسب، والمؤدي إلى ضياعه، قد يكون إما باختلاطه فلا تُحفظ الروابط الرحمية حق حفظها، أو بتهديد النسل وقطع مسار التواصل البيولوجي للنوع البشري: لقد حرم الإسلام اختلاط الأنساب بالفصل بين علاقة التبني وعلاقة الأبوة البيولوجية (الوالد/الأب) مع الإبقاء على أواصر الأخوة والاحترام، قال تعالى: ﴿ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا [الأحزاب: 5]، كما حرص الشارع في الإسلام على دفع الشبهات التي يمكن أن تحيط بانتساب الفرد إلى أهله وإلى أسرته قدر الإمكان؛ لأن "في هذه الحالة مضرة عظيمة، وهي أن الشك في انتساب النسل إلى أصله يزيل من الأصل الميل الجبلي الباعث عن الذبِّ عنه والقيام عليه بما فيه بقاؤه وصلاحه وكمالُ جسده وعقله بالتربية والإنفاق على الأطفال إلى أن يبلغوا مبلغ الاستغناء عن العناية ... وهو يزيل من الفرع الإحساس بالمبرة والصلة والمعاونةِ والحفظ عند العجزِ، فيكون حفظ النسب بهذا المعنى بالنظر إلى تفكيك جوانبه من قبيل الحاجّي"([18]).

المطلب الثاني: عولمة المكان وتقلص معاني الانتماء في ثقافة العزل الاجتماعي للأسرة

قد يكفينا جردٌ بسيط وغير معمّق لبعض المصطلحات الدالة على الانتماء المكاني للأسرة وأفرادها؛ حتى نلحظ وجود علاقة رأيناها ممكنة هي الأخرى بين ضعف الروابط العائلية وبين التغيّر الحاصل في الإطار المكاني للأسرة (المسكن والحي والمدينة وما يتوفر فيها من علاقات قرابة دموية وجوار وصداقة) وهي تغيرات قد تُعَقّد مشكل الانحلال الأسري، وتأذن بتفكك العلاقات الوجدانية المتينة الواصلة بين الآباء والأبناء، أو الإخوة، أو الأقرباء، وحسبنا لمعرفة بعض أوجه هذا الربط الذي أقمناه القيام بمقارنة لغوية بين الحقول الدلالية لمصطلحات الانتماء الأسري الضيق والعائلي الموسع والمكاني، كما في الجدول المبين أدناه:

جدول (2): مقارنة لغوية للفوارق المفهومية والدلالية لمصطلحات الانتماء الأسري والعائلي والمكاني

اسم/نوع العلاقة

الاستعمال والدلالة في اللغة العربية/والنص القرآني

الاستعمال والدلالة في اللغة الإنجليزية

الاستعمال والدلالة في اللغة الفرنسية

 

 

 

 

الانتماء العائلي الموسع

"العائلة بمدلولها الموسع"

- الأهل والآل: يوجد تمييز في المعنى وفي الحقل الدلالي، مع توفر مصطلحات كثيرة مجاورة في المعنى مثل: العشيرة، ذي القربى، الرحم، الرهط

- لا وجود لتمييز بينهما؛ إذ لا وجود لمرادف دقيق لمصطلح الآل، ما عدا مصطلح Parents إذا استُعمِل للدلالة على القرابة الرحمية

- لا وجود لتمييز بينهما؛ إذ لا وجود لمرادف دقيق لمصطلح الآل، ما عدى مصطلح Parents إذا استُعمِل للدلالة على القرابة الرحمية

- العائلة والأسرة: يوجد تمييز في المعنى وفي الحقل الدلالي

 

- لا وجود للتمييز بينهما؛ إذ يُعبر عنهما بلفظ واحد: Family، ونحتاج إلى إضافة توصيفات من قبيل extended حتى نحصل على معنى مشابه (extended family)

- لا وجود للتمييز بينهما؛ إذ يُعبر عنهما بلفظ واحد: Famille. ونحتاج إلى إضافة توصيفات من قبيل élargie حتى نحصل على معنى مشابه (Familleélargie)

- العم والخال: يوجد تمييز مصطلحي واضح بينهما في العربية وفي النص القرآني

 

- لا وجود لتمييز مصطلحي،؛ إذ يُعبَّر عنهما معا بلفظ واحد: uncle، ولا يتم التمييز بينهما إلا بحسب السياق الذي رد فيه اللفظ. أو بإضافة مفردة Paternal للدلالة على العم، وMaternal للدلالة على الخال

- لا وجود لتمييز مصطلحي؛ إذ يُعبَّر عنهما معا بلفظ واحد: oncle، ولا يتم التمييز بينهما إلا بحسب السياق الذي يرد فيه اللفظ. أو بإضافة مفردة Paternel للدلالة على العم، وMaternel للدلالة على الخال

- ابن/ابنة العم(ة) ابن/ابنة الخال(ة): يوجد لكل علاقة قرابة لفظها الخاص بها ولا حاجة للسياق لمعرفة نوع العلاقة المقصودة

- يُعبَّرُ فيه عن كل العلاقات بلفظ واحد cousin، ولا يعُرف معناه المقصود منفردًا بل في سياق معين يرد فيه

- يُعبَّرُ فيه عن كل العلاقات بلفظ واحد تضاف إليه صيغة المذكر أو المؤنث، Cousin/e ولا يعُرف معناه المقصود منفردا بل في سياق معين يرد فيه

الجوار

(الامتداد الدلالي والقيمي لمصطلحات الجوار)

- الجار: مصطلحات دالة على العلاقة المكانية والقيمية والدينية بالغير وتربطنا بالجار علاقة واجب وحق معا (حق الجار وحق "الجار ذي القربى")

-Neighbor: مصطلح صار يُفهم في غالب الأحوال في إطار العلاقة المكانية بمن يشاركنا المكان لا غير، وتربطنا بالجار علاقة واجب واحترام فقط

- Voisin: مصطلح صار يُفهم في غالب الأحوال في إطار العلاقة المكانية بمن يشاركنا المكان لا غير، وتربطنا بالجار علاقة واجب واحترام فقط

حاولنا في هذا الجدول أن نقتصر على أهم أصناف علاقات القرابة الرحمية، مع إضافة علاقة الجوار، طلبًا لكشف بعض الاختلافات بين بعض مصطلحات الأسرة من جهة المعنى من قبيل الاختلاف الحاصل في المعنى بين مفهومي "الأسرة" و"العائلة" فالأخيرة قد تذهب بنا أبعد من العلاقة الأسرية المباشرة. هذا بطبيعة الحال دون ذكر عامل الانتماء القبلي أو الجغرافي الذي لا يعنينا كثيرًا وبشكل مباشر في مقارنتنا الحاضرة، على أهميته في زوايا نظر مغايرة، بقدر ما عُنينا بالنظر في المصطلحات المرتبطة بالجوار وهي التي تسمح لنا بالنظر في إمكان وجود تحول دلالي في المصطلحات المتصلة بالمحيط الاجتماعي للأسرة.

من خلال تلك المقارنة المصطلحية بين مفردات العلاقة الأسرية من جهة الحقل الدلالي والاستعمالات نخلص إلى أن تلك الفوارق والتحولات الملاحظة، لم تقتصر على المستوى الدلالي وحسب، بل إنها كانت مصاحبة لتحول قيمي قد لا ننتبه إليه، غير إنه متصل، بشكل أو بآخر، بالمصطلحات الوافدة التي فرضتها علينا الميديا، وبما كانت تحمله معها من قيم غربية. إنها تغيرات مسّت أهم العلاقات الأسرية وخصوصا منها:

-     علاقة الأمومة: لقد غيرت العولمة والعلم في المجتمعات الغربية أشياء كثيرة ترتبط بمفهوم الأم كما هو متداول في موروثنا اللغوي والديني حتى أننا صرنا نتحدث عن مصطلح "الأم البيولوجية" تمييزًا لها مثلًا عن المتبنّية، وصرنا نتحدث كما في الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا، وهي التي تسمح بهذا الأمر قانونيا، عن "الأم الحاضنة" (surrogate mother)، وهي الأم التي تحمل، بمقتضى اتفاق مسبق بينها وبين "والديه الأصليين" (إن صحت التسمية) على حضانة النطفة إلى حين حلول أجل الولادة، وكأن الأمر يتعلق بـ"عقد كراء للرحم" لزوجين آخرين غريبين عن الأم التي تلد الجنين! فمن عساها تكون الأم الحقيقية للجنين؟ وإلى مَن يُنسب الابن على وجه الحقيقة؟ أم تراه وُلد من أمين اثنين وأب واحد؟ أسئلة كثيرة قد أربكت مفاهيمنا ومصطلحاتنا حتى عجزنا عن تسمية الأشياء بمسمياتها المعهودة فلا عادت الأم أما ولا عاد الابن يَعرف إلى مَن يتوجه بالنداء حين يريد أن يقول: "يا أمي"!

-     علاقة الأبوّة؛ إذ نتج عن اختلاط النسب وعن ظهور أشكال مستحدثة للأسرة ظهور صورة جديدة الأب الذي لا يلعب أي دور من أدوار الوصاية على العائلة، أو إنه قد لا يكون موجودا أصلا في الحياة الأسرية، أو مجهولا من قبل أبنائه.

الفرع الأول: لغة الاستهلاك وعولمة قيم الأسرة

سعيُ المجتمع الصناعي اليوم حثيث لبلوغ أقصى مستويات الاستهلاك تحقيقا لأقصى أشكال الربح والثروة، ولن يحصل ذلك، حسب أبسط أبجديات اقتصاد السوق، دون تحصيلٍ للزيادة في إقبال جمهور المستهلكين على بضائع صاروا يرونها بمنظور غربي ضرورية؛ بل وحيوية أحيانًا؛ حتى استُخدمت في سبيل ذلك آخر نظريات علم النفس بفروعه المختلفة، وعلم الاقتصاد، وعلم الاجتماع؛ ولكن الظاهرة اللغوية لم تكن هي الأخرى بمنأى عن هذا التوظيف الربحي للمعرفة الهادف إلى تغيير الأنماط والعادات الاستهلاكية للمجتمعات غير الأوروبية، أما مجتمعاتنا العربية الإسلامية فقد كانت بطبيعة الحال في مرمى هذا السعي العولمي إلى إعادة برمجة العقول والأذواق والعادات والكلمات على ميقات غربي جديد، فصار الصراع الخفي والمعلن حول الأسرة المسلمة، وهي قاطرة المستقبل والمدرسة الأولى لأجياله اللاحقة.

ضمن تلك السياقات الاقتصادية والثقافية للعولمة، صارت كل العادات المرتبطة بالأسرة هدفًا مباشرًا وغير معلن للقابعين وراء الصورة الإعلامية المعولمة، الراغبين في الذهاب بها مباشرة نحو النمط الاستهلاكي الغربي القائم بدوره على سياسة "بَضْعَنَة" (Marchandisation) كل شيء تقريبًا؛ حتى كاد كل شيء أن يصير بضاعة يُتاجر بها وتُقيّم من منظور مادي ربحي: أحلامهم وسعادتهم، أفكارهم، فنونهم، لغاتهم؛ حتى قيم المحبة والتراحم فقد صارت مواضيع "دسمة" لبرامج تلفزيونية تُحسب بعدد المشاهدين وبـ"عامل التأثير" المرتبط بها، أما العلاقات الأسرية، وحتى الحميمية منها، فقد تحولت هي الأخرى إلى مواضيع جالبة لجمهور المشاهدين لـ"البرامج الاجتماعية" ويُتحدّث فيها في العلن، بعد أن كان الكثير منها قابعا وراء جدران البيوت وفي إطار أسري ضيق جدا.

 وبمجرد أن تحولت تلك المسائل الخاصة بين الزوج وزوجته إلى موضوع يُتناقش فيه على الهواء وبحضور الجمهور في استوديوهات الفضائيات، بدأت حدود الحياء في الإمِّحاء التدريجي وبدأت الممنوعات الاجتماعية تتحول شيئا فشيئا من مواضيع نتحرج من الحديث عنها ونرفض سماعها، إلى مواضيع نتحرج من الحديث عنها ونقبل بسماعها، ثم وبعد زمن قد يطول أو يقصرنرجو أن لا نصل إليهوتحت "القصف الإعلامي للعقول"([19])، تصبح تلك الأسرار العائلية الضيقة مواضيع نقبل بسماعها وبالتحدث عنها؛ تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة استسهال رؤيتها في الواقع ! وهنا تحديدا بدأت قيم الأسرة المسلمة في التفكك التدريجي تحت ضغط الصورة و"جاذبية" الإعلام الجديد الذي يُغري الكثيرين بإشباع الدوافع الفضولية لديهم في الاستماع إلى مشاكل عائلية قد لا تعنيهم أصلا. فما منزلة اللغة والكلام من هذا المشروع التفكيكي الذي تنوي العولمة فرضه على القيم الحافظة للتماسك الأسري للأسرة المسلمة؟

وقعُ الصورة على تمثلات الجمهور وسلوكياتهم لا يكاد ينكره عاقل؛ ولكن ماذا لو كان هذا الأثر الذي تحدثه في أشكال الوعي مبرمجا له؟ مثلما وصَف بيار بورديو(Pierre Bourdieu) تلك الظاهرة في قوله: "إن السلطة الرمزية، من حيث هي قدرة على تكوين المعطى عن طريق العبارات اللفظية، ومن حيث هي قدرة على الإبانة والإقناع، وإقرار رؤية عن العالم أو تحويلها، ومن ثمة قدرة على تحويل التأثير في العالم، وبالتالي تحويل العالم ذاته، قدرة شبه سحرية تمكن من بلوغ ما يعادل ما تمكن منه القوة الطبيعية أو الاقتصادية بفضل قدرتها على التعبئة"([20]).

الفرع الثاني: عدالة الأسرة بين عولمة المساواة وقيم الإنصاف

لقد لحقت مصطلحات العولمة، وبشكل ممنهج كل مكونات الأسرة فغيرت مفاهيمها وصُوَرها مع تغيير مسمياتها:

-      تغيير صورة المرأة ودورها ومكانتها في الأسرة تحت وطأة الهيمنة الإعلامية للحركة النسوية بالصيغة التي يريدها الغرب، لا بالصيغة التي ترتقي بمكانة المرأة بوصفها شريكا فاعلا وأساسيا في الأسرة؛ إذ يرى فرانك براينس (Frank Briens)([21]) وإن كانت الدراسة تذهب في سياق مغايرأن بعضًا من تلك الأفلام المعروضة في بلدان المغرب العربي منذ 1990، والتي شملتها الدراسة، لا تزيد من وضعية المرأة إلا تعقيدا؛ حيث تقدم للمُشاهِد وضعية الحركة النسوية على أنها حركة معادية للرجل بشكل عام وعلى أنها ثائرة ضد وضعها كامرأة في بلدان المغرب العربي. ويرى صاحب الدراسة أن تلك الصورة وبتلك الكيفية من شأنها أن تُعقِّد Complexifie/Complexify)) دور المرأة ووظيفتها في المجتمعات المغاربية([22])؛ بل وأكثر من ذلك؛ فإن فيلما مثل "La source des femmes"([23]) ("مَورِدُ النساء" أو "عين النساء")، يُـقدم لنا "الجنسانية بوصفها وسيلة للصعود الاجتماعي"([24])؛إذ لم تعد العلاقة الجنسية، حقا زوجيّا؛ بل صارت، وبالشكل الذي يقدمه الفيلم، وسيلة "ناجعة" لاحتجاج للمرأة على الرجل، ولإيصال صوتها حتى إلى البرلمان، و"للتعبير" بمضامين غربية معولمة!

 أما الإطار اللغوي لهذا التغيّر الحاصل في واجبات وحقوق ومكانة ووظيفة المرأة في الأسرة المسلمة، فقائم على الحضور المكثف لمصطلحات، وإن كانت في منطوق بعضها عربية، من قبيل مصطلحات التحرر (الحرية الجسدية المدفوع بها إلى أقصى معانيها) والمساواة بين الرجل والمرأة (في الفضائل والرذائل على حد سواء).

-     تغيير المصطلحات الدالة على العدالة الأسرية من قبيل مصطلحات: المساواة، العدالة، الإنصاف، كما سنتبين ذلك من الجدول التالي:

جدول (3): التحول الدلالي لبعض المصطلحات المتصلة بالحقوق والحريات للأسرة المسلمة

المصطلح

المصطلح الأجنبي المعنى الاصطلاحي المعنى القرآني

بعض السياقات والاستعمالات المرتبطة بالأسرة، الغالبة في الخطاب الإعلامي السيبراني

 

 

المساواة

 

- Equality

- المعنى الاصطلاحي: تُفهم بشكل عام بمعنى الحصول على نفس المقدار من الحق والثروة والامتيازات، مع الإلزام بنفس الواجبات دون تفاوت، ولا تفاضل، ولا تمييز في كل الأحوال والكيفيات والوضعيات.

- المعنى القرآني: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ[الكهف: 96]، وقد يفيد المصطلح هنا معنى التكافؤ الكمّي بين الطرفين.

- المساواة بين الجنسين

- المساواة في الميراث

- المساواة في الحقوق والواجبات

 

 

الإنصاف

- Equity/Équité

- المعنى الاصطلاحي والقرآني: هو التمييز اللامتكافئ بين الأفراد طلبًا للعدالة التصحيحية بحسب التفاوت في الوضعيات والقدرات والاحتياجات.

- يُتناوَلُ المفهوم غالبًا في وسائل الإعلام والفضاء الافتراضي في سياق إنصاف المرأة دون الرجل.

 

العدالة

- Justice/Justice

- المعنى الاصطلاحي: تفهم في معناها العام على معنى إعطاء كل ذي حق حقه: إما مساواةً، أو إنصافًا، بحسب الأطر والوضعيات.

- المعنى القرآني: استُعملت المفردة بمعنى المساواة، وبمعنى الإنصاف؛ باعتبارها صفة عامة ضدها الظلم والجور.

غالبًا ما يتم تناولها في سياق سياسي، وإذا اتصلت بالأسرة يُقصَدُ بها المساواة دون الإنصاف.

لقد صار مصطلح العدالة كما نتحدث عنه في العلاقة بين الرجل والمرأة في الأسرة؛ بل وحتى خارجها، دالّا على معنى المساواة وحسب، وتم فيه استبعاد معنى الإنصاف، رغم أن شعارات الإنصاف بوصفه شرطا لازما من شروط تطبيق العدالة لم تغِب عن سياقات كثيرة مغايرة نتناول فيها علاقة الرجل بالمرأة (السياسة، الرياضة، قوانين الشغل) حتى ارتبطت العدالة الأسرية في خطابات الميديا بالمطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة في كل شيء بلا استثناء: المساواة في الميراث، في الأدوار الأسرية والوظائف، وفي الأملاك (كما في نظام الاشتراك في الأملاك المطبق في بلدان المغرب العربي مثلًا) حتى صار مفهومُ قِوامة الرجل على المرأة (ولو في معناه المباشر الذي يُفهم على معنى تحمّل أعباء الأسرة وأفرادها) مفهوما "متعارضا" مع المرجعية الحقوقية والقانونية المحددة للحقوق والحريات في الأسرة وخارجها على حد سواء، أمام ضغط القوى الليبرالية العالمية ذات النفوذ السياسي والاقتصادي خاصة، تحت عناوين الحرية والعدالة وحقوق الإنسان ونشر الديمقراطية؛ حتى انتفت الحدود الفاصلة بين مصطلحات اختلفت في دلالاتها فأربكت تصوراتنا الخاصة حول الأسرة وتركيبتها وحول جملة الحقوق والحريات المتصلة بها.

الفرع الثالث: عادات الأسرة وتغريب الحَكي والمكان

قد يلحظ المتأمل اليوم في عادات الأسرة المسلمة وجود تغيّر ما قد حصل بالفعل، وقد نختلف في الحكم حول درجة هذا التغيّر أو في مدى خطورته؛ لكننا نكاد نتفق حول الإقرار بأنه بات من قبيل الأمر الواقع، بمجرد إقامة مقارنة بسيطة بين الماضي والحاضر. غير أننا نبقى، رغم ذلك، في حاجة إلى طرح السؤال المهم: حول ما إذا كانت توجد علاقة ما، بين هذا التغير الحاصل في عادات الأسرة وبنيتها، وبين الهيمنة اللغوية للغات العالم الافتراضي، وحول ما إذا كانت تلك اللغات نفسها جزءًا من فعل التغريب التدريجي للأسرة المسلمة. نذهب في سياق الإجابة عن هذا السؤال، إلى النظر في أهم العادات الأسرية المرتبطة بهذا التغير، وهي عاداتٌ على الرغم من اختلاف سياقاتها القيمية، والاجتماعية والسلوكية والثقافية... تبقى متصلة بشكل أو بآخر بالظاهرة اللغوية في ثوبها الجديد، الافتراضي والمعولم:

·      عادات الزواج ودور الصورة في تغريبها: جرى الانتقال من نمط زواج تقليدي يتمحور حول قيمة الزواج نفسه من منظور ديني اجتماعي نفسي إلى نمط احتفالي غلبت عليه النماذج الاستهلاكية، وهو نمط جديد عمل الفضاء السيبراني على تشكيله في الوعي الجمعي بواسطة نماذج افتراضية للحياة السعيدة، وللرفاه وللعائلة... وهي نماذج تمت صياغتها والتعبير عنها في إطار لغوي جديد بمفردات غربية غريبة عن أسرنا، تكفلت الصورة بنقلها إلينا. لقد صار الزواج أمرا مكلفا يثقل كاهل الشباب المقدمين عليه مما نتج عنه عزوف نسبة هامة عن الزواج لعدم الاستطاعة (الانتقال من "الجوهر إلى المظهر" بحسب عبارة إريك فروم في كتابه: الإنسان بين الجوهر والمظهر)([25]).

أما الإطار اللغوي لهذا الحدث الجوهري في بناء الأسرة؛ فيتمثل في جملة من المفاهيم المتداولة في الوسط الاجتماعي والحافة بالطقوس الاحتفالية للزواج، وهي غربية في مضامينها؛ حتى وإن كانت في منطوق بعضها عربية، من قبيل: عادات الاحتفال بالزواج (وهي اللحظة التأسيسية للأسرة)؛ حيث ذهبت بها العولمة الاستهلاكية إلى أبعد ما يمكن الذهاب إليه من عُسر بناء تلك النواة الأولى؛ إذ تم الانتقال إلى الفرض التدريجي للكثير من العادات الاستهلاكية والمظاهر الاحتفالية غير الضرورية على أنها ضروريات لا يمكن الاستغناء عنها مما أثقل كاهل الشباب المقدمين على الزواج ورفع السقف المادي لتكاليف بناء الأسرة؛ حتى تحول حلم الشباب من التخطيط لرسم المشاريع الأسرية المستقبلية إلى مجرد الحلم بتجاوز عقبة مصاريف احتفالات الزواج دون تداين أو إرهاق للعائلة الموسعة التي بدأت هي ذاتها في الانسحاب التدريجي بعدما لحق تلك العلاقات من تفكك، وهو الأمر الذي نتج عنه:

-     عزوف الشباب عن الزواج؛ بسبب الكلفة الباهظة للزواج.

-     ارتفاع نسبة تأخّر سنّ الزواج بشكل ملحوظ خصوصًا في الفئات محدودة الدخل.

-     العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج؛ وما ينتج عنها من عقوبات قانونية؛ إن وُجِدت وإن طبِّقت ففي الكثير من البلدان العربية تبقى تلك القوانين التي من المفروض أن تحمي التماسك الأخلاقي والأسري والاجتماعي، مجرد نصوص قانونية غير معمول بها على أرض الواقع، خصوصًا تحت ضغط منظمات حقوق الإنسان والهيئات الدولية الغربية التي تحاول فرض فهم مخصوص للحرية.

-     ارتفاع عدد الأطفال الذين تم إنجابهم خارج إطار الزواج في دول عربية كثيرة صارت لا تنظر إلى تلك الظاهرة إلا من زاوية الأطفال بوصفهم ضحايا رغم أن هؤلاء الأطفال هم ضحايا بالفعل-في حين أنه يتوجب علينا النظر إلى المشكل من زاوية شمولية تأخذ بعين الاعتبار الانهيار التدريجي للقيم ولمؤسسة الزواج قصد التوقي من نتائجها تلك.

·      عادات السكن؛ إذ تم الانتقال وبشكل كاد يكون نهائيا إلى نموذج السكن الأسري الفردي الأفقي والعمودي، مع التخلي عن نموذج السكن العائلي الجماعي التقليدي؛ حيث كان السكن الواحد يضم أكثر من عائلة يتواجد فيها الجد والجدة والعم والأخ والأخت وأبناء العمومة، وكانت الروابط الأسرية أكثر حميمية ومتانة.

والإطار اللغوي الذي يبين التغير يمكن أن نشير بموجبه إلى الفروقات التي أصبحت موجودة بين مصطلحات: عائلة، وأسرة، دار، ومسكن، وبيت، أو كالفرق مثلًا في بعض اللهجات العربية المحلية بين مفردات "دار" و"غرفة" و"بيت" وَ"حُوشْ" (اللهجة التونسية مثلًا والتي تستعمل مفردة: "حوش عربي" للدلالة على المسكن التقليدي الذي تسكنه أكثر من "أسرة نواتية" واحدة).

·      عادات تربية الأبناء: عوَّضت كلِماتُ الصورة حكايات الجدة؛ إذ تمّت الاستعاضة عن الحَكي كلامًا بالحَكي صورةً، وعن الحكي السردي بالحكي المرئي، فالتواصل بين الأجيال وهو الذي تُنقَلُ عبره قيم الأجداد إلى الأحفاد: كقيم المحبة والمودّة والتراحم والتخلق الحسن؛ تنتقل إلى الأطفال في كلمات وشخوص رمزية أبطالها من مأثورنا الموروث: الديني والثقافي والتاريخي الخاص. أما اليوم فقد سكتت الجدة عن الحكي، واختفى أبطال الأخلاق والكرم والشجاعة وحب الخير المُتحدَّث عنهم في حكايا الماضي الذي كنا نفخر به، وحلّت الصورة المرئية محل الكلمة المنطوقة، و"عوضت كلمة البصر كلمة التفكير والفهم" على حد قول ريجيس دي براي (Régis Debray)([26])، فصار أطفالنا يتحدثون عن أبطال أفلام الكرتون وصارت للشجاعة مفردات وشخصيات لا تمتّ بصلة حتى للثقافة القادمة منها. ومن هنا تحديدا تبدأ الأسرة في الانسحاب من المشهد القيمي والتربوي للطفل المسلم، وتبدأ معها حكاية الهيمنة الثقافية، و"صناعة العقول" المُبرمَج لها بإحكام وبعنايةِ آخر المكتشفات العلمية.

·      العادات الاجتماعية للأسرة: وهي عبارة عن جملة من السلوكيات التي يحافظ المجتمع من خلالها على تماسكه كعادات المعايدة، وعيادة المريض، وزيارة الأقارب، وألعاب الحي، وألعاب الأفراح، فكل ذلك صار اليوم افتراضيا، مع الانتقال إلى ما يشبه الاتفاق أو الإجماع الضمني على تفضيل القيام ببعض تلك العادات بشكل افتراضي، فمعايدة الأهل والأقارب مثلًا عبر الفضاء الافتراضي صارت كافية وتغنينا عن الزيارات الفعلية "المرهقة"!فقد صارت بعض الكلمات المستحدثة وبعض الإشارات والرموز والصور والتعابير... المتفق افتراضيا على مدلولها في فضاء التواصل الاجتماعي، قادرة بمفردها على أن تلعب دور اللقاء الحميمي والودّي مع الأهل والأقارب، وهو ما من شأنه أن يضعف الروابط الاجتماعية بشكل عام والأسرية منها بشكل خاص.

المبحث الثالث: الحلول الممكنة لحماية اللغة وإصلاحها في سياق الأسرة المسلمة

يبدو أن أي اقتراح حلول للأزمة التي ألمت بالأسرة المسلمة؛ إنما يبدأ وبكل بساطة بالتفكير فيما يكون ممكنا منها، فافتراض إلغاء التيار العولمي قد يبدو حلا طوباويا بالنظر إلى تجذره واكتساحه الواسع. وعلى هذا الأساس فإنه لا محيص لكل دارس لوضع الأسرة المسلمة من تقييم وضع العولمة الحاضرة بمنطق الأمر الواقع الذي يتهدد مركزيات الهوية، ولا يتعلق الأمر هاهنا بمنطق الرفض الكلي، ولا حتى بمنطق القبول اللامشروط لكل ما صارت تُمليه علينا "ديانة السوق" من أنماطِ عيشٍ وسلوك وتفكير وقيم غريبة عنا غربة اللغة التي تنطق بها تلك العولمة الوافدة على أسَرِنا.

وبناءً على ما تقدم؛ فإنه بإمكاننا تتبع بعض الآليات واقتراح الحلول التي قد تسمح بحماية ما يمكننا الإبقاء عليه من توازن أسري ضروري في زمن الهيمنة الإعلامية والمعلوماتية على كل تفاصيل مشهدنا اليومي المعاصر، فمنها ما هو متصل باللغة نفسها، ومنها ما هو مرتبط إضافة إلى ذلكببعض الفضاءات المرتبطة بالأسرة بشكل مباشر كالمدرسة بفضائها المكاني وشخوصها ومناهجها، والفضاءات الترفيهية، والتسويقية، والإعلامية.

كما أن تلك الحلول التي نراها ممكنة، ترتبط، وإن بكيفيات مختلفة، بِنِسَب التغيّر الحاصل في مختلف الأمكنة المحيطة بالأسرة في عالمنا العربي المعاصر، وما يتصل بها من مصطلحات يتعين المراهنة على استعمالها، كما يرتبط الأمر أيضًا بالوسائط التواصلية تسهيلًا لهذا الأمر وتمهيدًا لاستقلال لغوي يكون بداية لاستقلال قيمي أسري ومجتمعي.

المطلب الأول: أهمية المراهنة على المصطلح

غالبًا ما يكون الخيركما عهِدناه في قيمنا ودينناعلى هيئة فعل؛ ولكن يمكن أن يكون في شكل كلمةٍ أيضًا، إنه قول وفعل في آن، كبرّ الوالدين يمكن أن يكون كلامًا و﴿قَوۡلٗا كَرِيمٗا٢٣ [الإسراء: 11]، والإثم والأذى فيهما أيضًا قسط وافر من صنوف القول والكلام، فـ"إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم"([27]). ولو لم تكن للكلمة قيمة وأثر لما بُدئ بها الخلق، ولما أخذت الكلمة الإلهية "كُن" تلك المنزلة الإيجادية التي يتحول بموجبها الشيء من العدم المحض إلى مرتبة الوجود بأمر موجده الذي قال له: "كُن" فكان.

 وعليه؛ فإن أمة فقدت كلماتها ستفقد قدراتها وهويتها بلا شك؛ إن عاجلًا أو آجلًا، لو لم تُسارع بالتفكير في الحلول المتصلة أساسًا بمدى حضور أو غياب مصطلحاتها الخاصة. وبناء على ذلك أيضًا؛ فإن الحل الممكن يبدأ من محاولة استعادة الثراء اللغوي الذي بدأ في الاختفاء تدريجيا من الفضاء الافتراضي كأن يكون الأمر مرتبطا مثلًا بـ:

-      الحرص على إعادة ضخّ المصطلحات المتروكة في خطاب الميديا وفي الفضاء السيبراني وتكثيف استعمالاتها حين تناولنا لمسائل تتصل بالأسرة ووفق استراتيجية واضحة ومبرمج لها مسبقا، وهي نفسها الآلية التي تعتمدها العولمة لفرض مصطلحاتها الجديدة الوافدة. ونقصد أساسًا وخاصة تلك المصطلحات التي يختص بها القرآن وتنفرد بها اللغة العربية بحسب ما حاولنا بيانه في الجدول عدد01.

-      ضرورة ربط إحياء المصطلحات المنسية في الفضاء السيبراني بالمراهنة على أجيال المستقبل، من خلال الحضور المكثف لتلك المفردات، وبمضامينها الأصلية، في برامج ترفيهية، أو تثقيفية، أو تعليمية دراسية، أو برمجيات وألعاب إلكترونية... هدفها الأساسي إعادة إحياء لغتنا المنسية، عملا بالقاعدة القائلة "علّم الأطفال وهم يلعبون".

-      الدفع بحركة الترجمة نحو هذا المسار، وذلك بالتخلي مثلًا عن الترجمة الحرفية واستبدالها بترجمة المعنى التي تسمح لنا بإدخال تلك المصطلحات التي نهدف إلى إعادة إحيائها وإعادة إدماجها في المنطوق اليومي للأسرة، في العالمَين الافتراضي والواقعي على حد سواء.

-      المراهنة على دور الرأي العام، وإن بكيفية مخصوصة وشروط معينة، سنسعى إلى توضيحها في العنصر الموالي لهذا.

المطلب الثاني: الرأي العام وواقع الأسرة المسلمة

إن "إمبريالية التلفزيون والإمبريالية الدولية لا يواجهها سوى اختراع حديث واحد أوجدته المجتمعات الديموقراطية الحديثة، وهو الرأي العام تقول منى فياض وإن أهم ما يمكن أن يواجه الفساد المتفشي عالميا، ولو على درجات، هو الرأي العام"([28]). هكذا راهنت صاحبة الدراسة على اعتماد نفس الآلية التي اعتمدتها العولمة في تفكيك بنية المجتمعات غير الأوروبية في مواجهتها بها. غير إن تلك المراهنة على مفهوم الرأي العام وبتلك الكيفية، بوصفها سبيلا ممكنا للخلاص من منطق العولمة الاستهلاكية المعممة، قد لا تبدو ذات مقنع للأسباب التالية:

-      أن المراهنة على الرأي العام حلّا ممكنا لنتجاوز الهيمنة العولمية والإعلامية على الوعي الأسري والفردي، لا شك وأنها تنطلق من مبدأ الأمر الواقع، فهيمنة الرأي العام في كل فضاءاتنا اليومية سواء كانت الافتراضية منها أو الواقعية، قد صارت حدثا جليا وظاهر الحضور والتأثير بشكل لا يمكننا البتة إنكاره، وهو أمر يتوجب علينا تثمينه لأن الحل الأكثر واقية في رأينا يبدأ من هنا.

-     غير أن هذا الرأي العام الذي نراهن عليه وبتلك الكيفية عينها، ودون وضع محاذير لا محيص من التنبيه إليها، قد يبدو حلا غير مجدٍ، لأنه (الرأي العام) هو نفسه نتاج عولمي، وهو آلية من آليات الهيمنة السيبرانية الراهنة على الوعي والسلوك، ولأنه تابعٌ بطبعه للصورة؛ فإن الأخيرة بإمكانها أن تقده على المقاس وتشكله كيفما شاءت بصور صارت اليوم قادرة على فعل كل شيء حتى على الإطاحة بأنظمة ودول برمتها، فهل نراها تجد ذات العناء في استبدال رأي عام بآخر، أو في تطويعه وتوجيهه؟

-     أن المراهنة على الرأي العام قد لا تبدو في رأينا حلا وجيها إلا إذا رافقتها، وبالتوازي ضرورة استراتيجية واضحة في بناء منظومة اصطلاحية لغوية مغايرة يكون هدفها الأساس إعادة إحياء الموروث اللغوي الثري ومن خلاله إعادة الاعتبار للمنظومة القيمية والروحية والدينية التي ستحملها معها تلك المفردات المتأصلة في ماضيها وماضينا الخاص، بمجرد عودتها إلى الاستعمال بمعانيها ومضامينها الأصلية والأصيلة.

ولهذا؛ فإنّ وصل هذا الذي يمكن وسمه بـ"الرأي العام اللغوي" الجديد بعالم الميديا والصورةإنقاذا لما يمكن إنقاذه من مكونات الأسرة المسلمة المتأزمةقد لا يكون حلا جذريا أو نهائيا؛ ولكنه يمكن أن يكون جزءًا من الحل الذي يجعلنا نأمل في أنسنة المكان من جديد وفي عودة الروح إلى أسرة لن تنعم بحاضرها ما دامت تحيا بذاكرة قصيرة منبتّة عن منابتها الأصلية.

خاتمة

تتبعت الدراسة في مباحثها صورة الارتباط بين الهيمنة اللغوية الغربية على الخطاب الإعلامي، وبين التغير في بنية وهيئة الأسرة المسلمة بافتراض وجود علاقة أساسها ترابط سببي حاصل، من خلال تحليل المفردات والمضامين الإعلامية؛ إسهامًا في محاولة بناء وعي أسري يحيط بالتحديات الثقافية، ويوجّه السلوك الاجتماعي ضمن سياقات منسجمة مع الهوية الإسلامية.

وقد توصلت الدراسة إلى التالي:

أولًا: النتائج

-      يمكننا بالفعل فهم الظاهرة الثقافية والمجتمعية في عمومها، والأسرية في خصوصها، من جهة العلاقة المركبة بالظاهرة اللغوية؛ وفق ما يسمى بـ"مبدأ العِلِّيَّة (السببية) الدائرية"؛ حيث لا نستبعد أن يكون السبب هو ذاته نتيجةً، بمعنى أن نفكر في السبب على أنه يمكن أن يكون بشكل أو بآخر نتيجة للظاهرة التي نحاول دراستها؛ فلا نستبعد إمكانية أن تكون الهيمنة السيبرانية والإعلامية للّغات الأجنبية على حياتنا اليومية نتيجة لتغريب الأسرة المسلمة، وسببًا لها في آن. وعليه؛ فإنه يتعين علينا أن نعمل، قدر جهدنا، على توضيح تلك العلاقة الارتدادية بين السبب والنتيجة لعل الأمر يساعدنا فيما بعد في التفكير فيما يمكن أن ينفعنا من حلول.

-      يمكن أن يبدأ الحديث عن هوية الأسرة المسلمة من جهة التحولات الراهنة الحاصلةمن محاولة المقارنة بين جملة المفاهيم والتصورات التي كانت متداولة داخلها في الموروث الثقافي اللغوي، وبين المفردات اللغوية الحاضرة التي تستقي منها معانيها وتؤسس عليها قيمها، وهو أمر يمكّّننا من تشخيص الفوارق الحاصلة في المفاهيم والمفردات المرتبطة بالأسرة بين الماضي والحاضر.

-      يفرض الفضاء السيبراني بوصفه فضاءَ تواصُلٍ عابر للقارات والحدود نفسه على مستعمليه بنفس الأدوات والمصطلحات وهو ليس مجرد فضاء افتراضي نتواصل في آفاقه؛ بل صار يفرض على مستعمليه جملة أدواته ومصطلحاته وقيمه، فاللغات الوافدة إلينا مع الألياف الضوئية Fiber cable ما هي إلا وجهٌ من وجوه التحويل الناعم والتدريجي لبنية المجتمعات غير الغربية، وقيم الأسرة المسلمة لا تشذ هي الأخرى عن هذا السياق المعولَم.

ثانيًا: التوصيات

توصي الدراسة بضرورة الاهتمام بالتلقي الإعلامي، ولعل المراهنة على تفعيل ما وسمناه في الدراسة بمشروع "الرأي العام اللغوي" الجديد، قد يبدو بالفعل حلًّا ممكنًا من جهة واقعيته ومن جهة نجاعته في آنٍ؛ إن جرى الالتفات إليه من قبل جميع الفاعلين في الحقول الإعلامية والاجتماعية والدينية.

المصادر والمراجع

أولًا: العربية

البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. تحقيق: محمد زهير ناصر. بيروت: دار طوق النجاة،1442هـ.

بورديو، بيار. الرمز والسلطة. ترجمة: عبد السالم بنعبد العالي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، ط3، 2007م.

___. التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول. ترجمة: درويش الحلوجي. دمشق: دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الإعلامية،2004م.

بوكيدو، روسدالينا، وشريف عبيد عبد اﷲ ومانتو، رحمن. "رؤية الأقليات المسلمة حول التدين: موقف جيل الشباب في مانادو". ستودیا إسلامیكا، مج27، ع3 (2020م)، ص551-596.https://doi.org/10.36712/sdi.v27i3.12705

ابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد. الإحكام في أصول الأحكام. تحقيق: أحمد محمد شاكر. بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط2،1983م.

ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون، تحقيق عبد الله الدرويش. دمشق: دار يعرب للنشر، 2002م.

ابن عاشور، محمد الطاهر. مقاصد الشريعة الإسلامية. القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ط6، 2014.

دوبري، ريجيس. حياة الصورة وموتها. ترجمة: فريد الزاهي. الدار البيضاء: إفريقيا الشرق،2002م.

شودكوفيتش، ميشال. بحر بلا ساحل: ابن عربي الكتاب والشريعة. ترجمة: أحمد الصادقي. بيروت: دار المدار الإسلامي،2018م.

فياض، منى. "العولمة والثقافة". موقع الإسكوا: اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة (2005م). https://www.unescwa.org/sites/default/files/event/materials/19dec05fayyad.pdf

قاسمي، عمار. "صورة الإنسان بين المرجعيتين الغربية والعربية". مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، مج36، ع2 (2019م)، ص73-98. https://doi.org/10.29117/jcsis.2019.0217

ثانيًا:

References

Al-Bukhārī, Muḥammad ibn Ismāʻīl. Ṣaḥīḥ al-Bukhārī (in Arabic). Taḥqīq: Muḥammad Zuhayr Nāṣir, Beirut: Dār Ṭawq al-Najāh, 1st ed., 1442AH.

Bourdieu, Pierre. Al-ramz wa-al-sulṭah (in Arabic). Trans: ʻAbd al-Sālim Bin-ʻAbd al-ʻĀlī. Casablanca: Dār Tūbqāl lil-Nashr, 3rded., 2007.

–––. Al-Tilifizyūn wa-ālīyāt al-talāʻub bilʻuqwl, (in Arabic). Trans: Darwīsh, al-Ḥalwajī. Damascus: Dār Kanʻān lil-Dirāsāt wa-al-Nashr wa-al-Khidmāt al-Iʻlāmīyah, 1sted. 2004.

Briens, Frank. Représentations des rapports de genre dans les coproductions cinématographiques franco-maghrébines depuis 1990. [Master] Relations Internationales, Mondialisations et interculturalités, Laboratoire de recherche: Arènes UMR, Etudes sur le genre )Renne: Université Rennes 2, 2021(.

Bukido, Rosdalina; Syarif, Ubed Abdilah & Mantu Rahman. "Ru’yat al-aqallīyāt al-muslimah hawla al-tadayyun: Mawqifjayl al-shabāb fi Manado" (in Arabic). Studio Islamika, vol. 27, no. 3 (2020): 551-596. https://doi.org/10.36712/sdi.v27i3.12705

Debray, Rejis. Hayāt al-Ṣūrah Wa mawtuhā, (in Arabic) Trans: Farīd al-Zāhī. Casablanca, Ifrīqiyā al-Sharq, 1sted., 2002.

Dominique, Glasman. "Parents" ou "familles": critique d'un vocabulaire générique". Revue française de pédagogie, vol. 100 (1992): 19-33.. https://doi.org/10.3406/rfp.1992.1315.

Fayyāḍ, Muná, "Al-ʻawlamah wa-al-Thaqāfah" (in Arabic). UNESCWA, 19/12/2005, availableat:https://www.unescwa.org/sites/default/files/event/materials/19dec05fayyad.pdf

Gasmi, Ammar. "Comparing the Image of Man Between the Islamic and Western Sources" (in Arabic). Journal of College of Sharia and Islamic Studies, vol. 36, no. 2 (2019). https://doi.org/10.29117/jcsis.2019.0217

Godelier, Maurice. “Le statut d’enfant bâtard a disparu de nos sociétés,” Systèmes de parenté, formes de famille Quelques problèmes contemporains qui se posent en Europe occidentale et en Euro-Amérique: Revue lacanienne Éditions Érès, n°8/3 (2010), p. 44. https://doi.org/10.3917/lrl.103.0037

Ibn ‘Āshūr, Muḥammad al-Ṭāhir. Maqāṣid al-sharīʻah al-Islāmīyah (in Arabic). Cairo: Dār al-Salāmlil-Ṭibāʻahwa-al-Nashrwa-al-Tawzīʻwa-al-Tarjamah, 6thed., 2014.

Ibn Ḥazm al-Andalusī, ʻAlī ibn Aḥmad. al-Iḥkāmfīuṣūl al-aḥkām (in Arabic). Taḥqīq: Aḥmad Muḥammad Shākir. Beirut: Dār al-Āfāq al-Jadīdah, 2nd ed., 1983.

Ibn Khaldūn, ʻAbd al-Raḥmān. Muqaddimah Ibn Khaldūn (in Arabic). Taḥqīq: ʻAbdAllāh al-Darwīsh. Damascus: Dār Yaʻrub lil-Nashr, 1st ed., 2002.

Pimienta, Daniel. "Linguistic Diversity in Cyberspace, Models for Development and Measurement" ‘Measuring linguistic diversity on the Internet’. UNESCO publication for the world summit on the information society, 2005. https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000142186

Shūdukūfītsh, Mīshāl. Baḥr bi-lāSāḥil: Ibn ʻArabī al-Kitāb wa-al-sharīʻah (in Arabic). Trans: Aḥmad al-Ṣādiqī. Beirut: Dār al-Madār al-Islāmī, 1st ed., 2018.

 



([1]) هو عنوان الفصل الثالث والعشرين من كتابه: "في أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده". عبد الرحمن ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق عبد الله الدرويش (دمشق: دار يعرب للنشر، 2002)، ص283.

([2]) علي بن أحمد ابن حزم الأندلسي، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: أحمد محمد شاكر (بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط2،1983)، ج1، ص32.

([3]) المرجع نفسه.

([4]) توصيفٌ استعمله بيار بوديو في كتابه: التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول، ترجمة: درويش الحلوجي (دمشق: دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الإعلامية،2004)، ص46.

([5]) "The Observatory of the Linguistic and Cultural Diversity in the Internet". (OBDILCI) https://www.obdilci.org/en

([6]) "French is a strong second in the cyber-globalization Index, behind English"." The Observatory of the Linguistic and Cultural Diversity in the Internet". (Obdilci’s other Projects). https://www.obdilci.org/projects/other

([7]) ميشال شودكوفيتش، بحر بلا ساحل: ابن عربي الكتاب والشريعة، ترجمة: أحمد الصادقي (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2018)، ص60.

([8]) بالنسبة إلى مفردة إنسان؛ فإن تفكيكًا دلاليًا مقارنًا يمكنه أن يكشف لنا ما يتضمنه المفهوم من تباين دلالي بين استعمالاته في اللغات الغربية ودلالته في اللغة العربية؛ في حين أن خطاب الميديا يستعمله للدلالة على الشيء نفسه. عمار قاسمي، "صورة الإنسان بين المرجعيتين الغربية والعربية"، مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، مج36، ع2 (2019م)، ص73-98.

([9]) يستعمل في اللهجة التونسية لفظ "بنت فاميليا" للدلالة على الفتاة الملتزمة بالقيم.

([10]) تجدر الإشارة هنا إلى أن كلمة (Parents)؛ كما في اللغة الفرنسية قد تم التضييق على دلالتها فصارت تشير في سياقات كثيرة إلى من له قرابة مباشرة بالتلميذ مثل؛ الأب، والأم، والعم، والخال... (parent proche/parent d’élève).

([11]) العبارة في الأصل:

"En d'autres termes, pour l'école, les ‘famille’ seraient aux ‘parents’ ce que, pour le colonisateur, le ‘sauvage’ est au ‘civilisé." Glasman Dominique, "‘Parents’ ou ‘familles’: critique d'un vocabulaire générique," Revue française de pédagogie, vol. 100 (1992), p. 23.

([12]) Empowerment: "This word unites the sense of receiving and assuming the capability, as well as the notion of acquiring power by using it". See: Daniel Pimienta, "Linguistic Diversity in Cyberspace, Models for Development and Measurement," Measuring linguistic diversity on the Internet. (UNESCO publication for the world summit on the information society, 2005). p. 23. https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000142186

([13]) روسدالينا بوكيدو وعبيد عبد اﷲ شريف ورحمن مانتو، "رؤية الأقليات المسلمة حول التدين وموقف جيل الشباب في مانادو"، ستودیا إسلامیكا، مج27، ع3 (2020)، ص574.

([14]) محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، ط6، 2014)، ص182، 183.

([15]) المرجع نفسه، ص90.

([16]) Maurice Godelier, "Le statut d’enfant bâtard a disparu de nos sociétés," Systèmes de parenté, formes de famille Quelques problèmes contemporains qui se posent en Europe occidentale et en Euro-Amérique: Revue lacanienne Éditions Érès, n°8/3 (2010), p. 44. https://doi.org/10.3917/lrl.103.0037

([17]) "Autrephénomènefondamental: le couple n’estdonc plus la famille. Les individus se mettent à vivre en couple et ne se considèrentenfamillequ’au moment oùnaît un enfant. C’estsouvent à partir de cette naissance qu’un couple vadéciderou nom de se marier." Godelier, Systèmes de parenté, p. 44.

([18]) ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص90.

([19]) التوصيف مقتبس من عنوان كتاب: فيليب تايلور، قصف العقول، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع256، أبريل2000.

([20]) بيار بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة: عبد السالم بنعبد العالي (الدار البيضاء، المغرب: دار توبقال للنشر، ط3، 2007م)، ص56.

([21]) Frank Briens, Représentations des rapports de genre dans les coproductions cinématographiques franco-maghrébines depuis 1990. [Master] Relations Internationales, Mondialisations et interculturalités, Laboratoire de recherche: Arènes UMR, Etudes sur le genre )Renne: Université Rennes 2, 2021(. p. 120.

([22]) Ibid., pp. 121-123.

([23]) La Source des femmes’: فيلم فرنسي عرض في مهرجان كان عام 2011. من إخراج المخرج الفرنسي الروماني الأصل رادو ميهايلينو (Radu Mihaileanu)، رابط المقطع الدعائي للفلم:https://www.youtube.com/watch?v=Fsx94jI9-04

([24]) Briens, Op. cit., p. 123.

([25]) إيريك فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، ترجمة: سعد زهران، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع140، 1989.

([26]) ريجيس دوبري، حياة الصورة وموتها، ترجمة: فريد الزاهي (الدار البيضاء: دار إفريقيا الشرق،2002)، ص289.

([27]) محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، صحيح البخاري كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، حديث رقم: 6478(دمشقبيروت: دار ابن كثير، 1423هـ/2002م)، ص1612.

([28]) منى فيّاض، "العولمة والثقافة"، موقعالإسكوا، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة، 19/12/2005، ص26.https://www.unescwa.org/sites/default/files/event/materials/19dec05fayyad.pdf