تاريخ الاستلام: 15/01/2025        تاريخ التحكيم: 07/05/2025                    تاريخ القبول: 30/06/2025

الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية: الأساليب والسياسات

إبراهيم يوسف هرموش https://orcid.org/0009-0003-8925-4727

مدرس القانون العام، الجامعة الافتراضية السورية–سوريا

t_iharmush@svuonline.org

ملخص

أصبحت الشراكة بين القطاعين العام والخاص تقنية استراتيجية لا غنى عنها في جميع أنحاء العالم لتوفير الرعاية الصحية، من خلال تعبئة قدرات القطاع الخاص المالية والتكنولوجية وكفاءته الإدارية، فضلًا عن الاستجابة للنزعة العالمية في تقليص حجم الدولة. ومع ذلك، فإن تصميم هذه الشراكات وتنفيذها ليس بالأمر الناجح دائمًا، نظرًا لتباين القيم والأهداف والأطر التنظيمية والقانونية التي يتبناها الشركاء.

يهدف البحث إلى استعراض أبرز الأساليب القانونية للشراكة في المجال الصحي، ثم يقترح أفضل السياسات والدروس والتوصيات المستقاة من التجارب العالمية لتحقيق شراكة ناجحة.

وقد أظهرت النتائج أن الدول تستخدم طيفًا واسعًا من التقنيات القانونية لإشراك القطاع الخاص في تقديم الرعاية الصحية، مثل عقود البنية التحتية، وعقود الامتياز، وعقود تقديم الخدمات الصحية المتكاملة، وصولًا إلى خصخصة القطاع برمته، كما أظهر البحث بأن الشراكات الناجحة تتطلب الإنجاز الدقيق لمرحلتين أساسيتين هما، التحضير للشراكة، وتنفيذ الشراكة؛ حيث تحتاج مرحلة التحضير إلى تشخيص مسبق للقطاع الصحي في الدولة، وإلى تحضير البيئة الملائمة لنجاحها سياسيًا واجتماعيًا، وإلى إرساء الإطار القانوني والمؤسساتي، أما مرحلة التنفيذ فتتطلب ذاتية اختيار أسلوب الشراكة، والاستعانة بالخبرات العالمية، وتأمين الجدوى الاقتصادية، وتغطية مخاطر الطلب والتضخم، فضلًا عن حماية الفقراء وضمان الرقابة والمساءلة.

الكلمات المفتاحية: القطاع الصحي، الشراكة بين القطاعين العام والخاص، عقود البنى التحتية، المرفق الصحي الرقمي، توصيات شراكة ناجحة

للاقتباس: هرموش، إبراهيم يوسف. (2025). "الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية: الأساليب والسياسات". سلسلة الأوراق البحثية للشبكة الأكاديمية للحوار التنموي – النسخة الثالثة، 2025. https://doi.org/10.29117/andd.2025.010

© 2025، هرموش. سلسلة الأوراق البحثية للشبكة الأكاديمية للحوار التنموي، دار نشر جامعة قطر. نّشرت هذه المقالة وفقًا لشروط Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0). تسمح هذه الرخصة بالاستخدام غير التجاري، وتنبغي نسبة العمل إلى صاحبه، مع بيان أي تعديلات عليه. كما تتيح حرية نسخ، وتوزيع، ونقل العمل بأي شكل من الأشكال، أو بأية وسيلة، ومزجه وتحويله والبناء عليه، طالما يُنسب العمل الأصلي إلى المؤلف. https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0


 

Received: 15/01/2025        Peer-reviewed: 07/05/2025                          Accepted: 30/06/2025

Public-Private Partnerships in Health Care: Approaches and Policies

Ibrahim Yousef Harmoush https://orcid.org/0009-0003-8925-4727

Assistant Professor of Public Law, Syrian Virtual University, Syria

t_iharmush@svuonline.org

Abstract

Public-private partnerships (PPPs) have become an indispensable strategic technique worldwide for healthcare delivery, by mobilizing the private sector's financial, technological, and managerial capabilities. as well as responding to the global trend toward state downsizing. However, the design and implementation of these partnerships are not always successful, given the varying values, objectives, and regulatory and legal frameworks adopted by the partners.

This research aims to review the most prominent legal methods for partnership in the health sector a worldwide, and then propose the best policies, lessons and recommendations drawn from global experiences to achieve a successful partnership. The results showed that countries utilize a wide range of legal techniques to engage the private sector in healthcare provision, such as infrastructure contracts, concession contracts, and integrated healthcare service contracts, all the way to privatizing the entire sector. The research also demonstrated that achieving successful partnerships requires two key stages, preparing for the partnership and implementing it. The preparation stage requires a preliminary diagnosis of the country's health sector, creating a favorable political and social environment for its success, and establishing a legal and institutional framework. The implementation stage requires objective selection of the partnership approach, leveraging international expertise, ensuring economic feasibility, covering demand and inflation risks, as well as protecting vulnerable populations and ensuring oversight and accountability.

Keywords: Health sector; Public-private partnership; Infrastructure contracts; Digital health facility; Recommendations for a successful partnership

 

Cite as: Harmoush, I.Y. (2025). “Public-Private Partnerships in Health Care: Approaches and Policies”. The Academic Network for Development Dialogue (ANDD) Paper Series, Third Edition, 2025. https://doi.org/10.29117/andd.2025.010

© 2025, Harmoush, I.Y., Published in The Academic Network for Development Dialogue (ANDD) Paper Series, by QU Press. This article is published under the terms of the Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0), which permits non-commercial use of the material, appropriate credit, and indication if changes in the material were made. You can copy and redistribute the material in any medium or format as well as remix, transform, and build upon the material, provided the original work is properly cited. The full terms of this licence may be seen at: https://creativecommons.org/licenses/by-nc/4.0

 

 


 

1. مقدمة

يُعدّ الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية ركنًا جوهريًا من أركان التنمية المستدامة، كما أن تعزيز الأداء الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي مرتبطان بالضرورة بتوفر نظام صحي مرن وفعّال. فالتمويل الصحي مرتفع الأداء هو استثمار اقتصادي يسهم في بناء رأس المال البشري وزيادة إنتاجية العمالة وتحقيق النمو (World Bank, 2019)، وقد تولت الحكومات تقليديًا مهمة توفير الرعاية الصحية عبر مرافقها الصحية العامة، ولكن الزيادة الهائلة في حجم النفقات الصحية، بالتزامن مع الأزمة المالية العالمية في عام (2008)، ومؤخرًا مع انتشار وباء (COVID-19)، قد ضغط بقوة على الموازنات العامة من اجل الاستجابة لهذه الأزمات وإنعاش الاقتصادات الراكدة؛ مما قلّص من موازنة الرعاية الصحية – خاصةً بعد انحسار الجائحة – وأدى لتردي الخدمات، أو نقصها[1]؛ حتى في البيئات ذات الدخل المرتفع مثل أوروبا؛ حيث لا تحصل الفئات المهمّشة على اللقاحات بنفس الدرجة كسائر السكان (WHO, 2o19a, p. 7)؛ لذلك فقد تعالت الأصوات لاعتماد الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية خاصةً بعد أن وجدت الحكومات نفسها – في ظل جائحة كورونا – عاجزة، مع قطاع صحي قديم ومتهالك، أضف إلى ذلك سوء الإدارة والفساد الإداري، ففي إحدى الدراسات الاستقصائية التي أجرتها منظمة الشفافية العالمية (Transparency International, 2016) في (42) دولة في أوروبا ووسط آسيا، اعتبر أكثر من (53٪) من المستجيبين[2] أن قطاع الرعاية الصحية العام فاسد، أو فاسد للغاية، الأمر الذي اضطر واحد من كل ستة أسر في المنطقة لدفع رشوة للحصول على الخدمات الصحية، كما قدّرت منظمة الصحة العالمية (WHO, 2023)، أن الفساد يلتهم حوالي (7,3%) من حجم الإنفاق الصحي حول العالم (بعد كورونا)، بما يعادل تقريبًا (455 مليار دولار)، وهو ما يتجاوز الكلفة التقديرية السنوية لتحقيق التغطية الصحية الشاملة (370 مليار دولار)، هذا فضلًا عن الشعور المتزايد بأن القطاع العام يقدّم رعاية منخفضة الجودة مقارنةً بالقطاع الخاص (Das et al., 2008) ناهيك عن القدرة المحدودة لديه على تقديم الرعاية الصحية في بعض المواقع الريفية، والاستجابة للتحضّر السريع والتغيرات الديموغرافية (Elsey et al., 2019). من هنا بدأت الحكومات تدرك أنه لا بد من تطوير نهج مبتكر لتوفير الخدمات الصحية، واقتنعت تمامًا بأن الحل يكمن عبر اجتراح الرؤى ووضع الأهداف لا تنفيذها، والاستعانة برأس المال، والقدرة الإدارية والتكنولوجية للقطاع الخاص. وقد شهد العقدين الأخيرين بالفعل نموًا مضطردًا ومتسارعًا في مشاركة القطاع الخاص في النظم الصحية على صعيد العالم بأسره[3]، كما حثت منظمة الصحة العالمية منذ عام (2010) جميع الدول على "المشاركة البنّاءة للقطاع الخاص في تقديم خدمات الرعاية الصحية الأساسية (WHO, 2010)، وبالمثل أكّد بيان الأمم المتحدة (UN, 2019) بشكل مباشر على حتمية مشاركة القطاع الخاص في تحقيق "التغطية الصحية الشاملة"[4]، فضلًا عن تعزيز الحاجة إلى اعتباره جزءًا من الأمن الصحي العالمي والإقليمي والوطني (WHO, 2020a, pp. IV, X).

مشكلة البحث: تتمثل مشكلة البحث في التنقيب عن أفضل الأساليب والسياسات التي تكفل قيام شراكة فعّالة ومستدامة، تزيد امكانية الوصول إلى الرعاية الصحية، وتعزز الكفاءة التشغيلية والابتكار، وتضمن دوام سير المرفق الصحي بانتظام واضطراد.

أهمية البحث: يكتسب البحث أهميته لكونه يعالج تفويض مرفق عام على درجة عالية من الحساسية الأخلاقية والسياسية، فضلًا عن عرضه لأبرز التقنيات القانونية للشراكة بين القطاعين في المجال الصحي، وتقديمه لمنهج عملي متكامل يدعم السياسة العامة لتصميم شراكات ناجحة ومستدامة تلائم الواقع المحلي، وتضمن حماية المصلحة العامة.

أهداف البحث: يهدف البحث إلى دراسة الأساليب القانونية للشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية، واقتراح سياسات فعّالة لوضع إطار قانوني وتنظيمي يعزز نجاح الشراكة، ويتجنب الثغرات والمشكلات التي وقعت في العديد من دول العالم أثناء التطبيق العملي.

منهج البحث: يعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي من خلال استعراض أبرز تقنيات الشراكة المستخدمة حول العالم، ومن ثم تحليلها وصولًا لاستنباط أفضل السياسات والتوصيات وتجنّب الممارسات الخاطئة.

خطة البحث: سنعالج موضوع بحثنا من خلال محورين، هما:

-       التقنيات القانونية للشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية.

-       سياسات ومتطلّبات إشراك القطاع الخاص في نظم الرعاية الصحية.

2. التقنيات القانونية للشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية

تُعرِّف منظمة الصحة العالمية الشراكة في القطاع الصحي بأنها "علاقة تعاونية تتخطى الحدود الوطنية وتجمع على الأقل ثلاثة أطراف لإنجاز هدف صحي مشترك بناءً على الأدوار والمبادئ المتفق عليها بشكل متبادل" (Buse et al., 2000)، وبدورنا نعرّف الشراكة في مجال الرعاية الصحية بأنها "وسيلة قانونية تعاقدية تهدف إلى قيام القطاع الخاص بتمويل، بناء، تحديث، صيانة، أو إدارة، أو تقديم الخدمات العلاجية، أو الخدمية لمشروعات القطاع الصحي، مع تحمّله لمعظم المخاطر المترتبة، في مقابل عوائد مالية تغطي التكلفة وتضمن أرباحًا معقولة، ولمدة زمنية كافية لتحقيقها". وسنتطرق فيما يلي لدراسة أبرز التقنيات التعاقدية للشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية، والتي يمكن تقسيمها إلى عقود البنية الأساسية، وعقود امتياز الخدمات العلاجية، وعقود تقديم الخدمات والإدارة، وعقود الشراكة الصحية المتكاملة، وخصخصة المرافق الصحية، ثم نتطرق للنماذج الأحدث من تقنيات الشراكة.

1.2. عقود البنية الأساسية للرعاية الصحية

وتتمحور مهمة هذه العقود في إنشاء البنى الصحية الأساسية، أو تجديدها وصيانتها، وتشمل طيفًا واسعًا من العقود، من أبرزها عقود البنى التحتية (البوت وأخواتها): وتتضمن العديد من الأنماط التعاقدية، ومن أهمها:

1-       عقد التصميم والبناء والتمويل والإدارة Design, Build, Finance & Operate (DBFO):

استُخدمت هذه العقود على نطاق واسع في الشراكة بين القطاعين في المجال الصحي خاصةً من خلال مبادرة التمويل الخاص (Private Finance Initiative PFI) في المملكة المتحدة، وقد كان عقد (DBFO) هو الوسيلة الأساسية لتمويل الاستثمارات الصحية في المملكة المتحدة (McKee et al., 2006)؛ حيث يقوم الشريك الخاص بإنشاء شركة ذات غرض خاص "special purpose vehicle SPV" لتقديم العطاءات للحصول على عقد مع هيئة صحية لبناء مستشفى، ويبرم لاحقًا ثلاثة أنواع من العقود من الباطن، مع البنوك لتمويل المشروع، ومع شركة إنشاءات لبناء المستشفى، ومع شركة إدارة لإدارتها وصيانتها طيلة مدة العقد الذي عادةً ما يمتد إلى (30 سنة)، وقد تم اعتماد هذا الأسلوب في معظم دول العالم مثل كندا والبرتغال وإسبانيا (Lethbridge, 2004)، وفي إنشاء المستشفيات الجامعية في مصر (المواساة-سموحة) (الوحدة المركزية للشراكة، 2013)، وقد تفرّع عن هذا العقد أيضًا مجموعة من الأنماط مثل عقد تصميم، تمويل، بناء، صيانة (Design, Finance, Build and Maintain DFBM)، وعقد بناء، تطوير، إدارة (Build–Develop–Operate)؛ حيث يشتري القطاع الخاص، أو يستأجر مستشفى عامًا موجودًا ليطوره ويستثمره ومن ثم يديره طبقًا لبنود العقد المبرم.

2-       عقد البناء والتشغيل والتحويل Build, Operate & Transfer (B.O.T):

والبوت – بتقدير الباحث – لا يخرج عن كونه: اتفاق قانوني، يقوم الشخص العام بموجبه بمنح شخص خاص (طبيعي، أو معنوي، وطني، أو أجنبي) مهمة تمويل وإنشاء ومن ثم إدارة واستغلال مرفق عام غالبًا ما يكون من مرافق البنى التحتية، لفترة زمنية محددة هي مدة العقد ذاته، والتي بعد انتهائها يتوجب عليه إعادة المرفق بحالة جيدة إلى الإدارة المانحة، ومن دون مقابل، لقاء تمكينه من استغلال المشروع والحصول على عائداته المتمثلة بوجه خاص في البدلات النقدية التي يتقاضاها من المنتفعين، وتتعاقد الحكومة مع القطاع الخاص بموجب هذا الأسلوب لبناء المستشفيات والمجمعات الصحية، وإدارتها ثم إعادتها بعد نهاية مدة العقد.

3-       عقد البناء والتملك وإعادة التأجير Build, Own, Lease & Back (BOLB):

حيث يقوم الشريك الخاص ببناء المرفق الصحي، وتملكه، ثم يقوم بإعادة تأجيره إلى القطاع العام الذي يتولى إدارته.

4-       عقد البناء والتأجير والصيانة والتحويل Build, Lease, Maintain & Transfer (BLMT):

لقي هذا النوع من العقود رواجًا كبيرًا في بناء المستشفيات في دول مثل تركيا (Pekdemir, 2017)، وماليزيا (Usman et al., 2018)، وبموجبه يقوم الشريك الخاص بتمويل وبناء المستشفى ثم يؤجره للقطاع العام لمدة تصل إلى (30) عامًا، مع قيامه بمهام الصيانة الروتينية، وتحويله إلى الحكومة بعد انتهاء العقد، وفي المقابل يتلقى دفعات مالية ثابتة ومجدولة على مدى عمر العقد.

5-       إعادة التأهيل، التأجير، التحويل Rehabilitate, Lease & Transfer (RLT):

من أهم نماذج الشراكة الصحية التي تم تنفيذها في أستراليا والبرتغال وأفريقيا (Jomo et al., 2016)؛ حيث اعتمدت الحكومات على الشريك الخاص لإعادة تأهيل المرفق الصحي ثم السماح له بتقديم الخدمات السريرية للمواطنين برسوم معقولة متفق عليها، يدفعها المواطنون، أو تدفعها الدولة عبر نظام الرسوم الوهمية، ومن أشباه هذا العقد أيضًا كل من عقد التأهيل والتملك والتشغيل (Rehabilitate -Own-Operate)، وعقد التأهيل والتملك والتحويل R.O.T (Rehabilitate Own-Transfer).

6-       التركيب، التملك، التشغيلInstall, Own & Operate :

يقوم الشريك الخاص في هذا العقد بتركيب معدات باهظة الثمن مثل معدات المختبرات، والأشعة المقطعية، وأجهزة الأشعة لعلاج السرطانات، ثم يتولى صيانتها وتشغيلها مقابل رسوم متفق عليها مع الشريك العام. والمثال على هذا النموذج هو تركيب أجهزة (مراكز العلاج بالبروتونات proton therapy centers) التي توفر علاجًا إشعاعيًا قويًا ودقيقًا وانتقائيًا ضد الخلايا السرطانية وحماية الأنسجة السليمة؛ حيث تبلغ تكلفة التركيب أكثر من (125) مليون يورو، ويوجد عدة مراكز في العالم تم إنشاؤها وفقًا لبرامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، وألمانيا (Maltby, 2007).

ومن الجدير بالذكر أن استخدام فصيلة عقود (البوت) في الشراكات الصحية يتكاثر ويتطور يومًا بعد يوم بسبب تنامي الاكتشافات العلمية، ورغبة الحكومات في التآزر مع القطاع الخاص لتحقيق التغطية الصحية المتكاملة لمواطنيها.

2.2. عقود امتياز الخدمات العلاجية

نعرّف عقد الامتياز بأنه اتفاق تمنح الإدارة بموجبه شخص خاص (طبيعي، أو اعتباري) حق استغلال مرفق عام يُسلّم إليه بإنشاءاته المعدّة سلفًا، في مقابل مبلغ محدد من المال، أو مقابل السماح له بتقاضي الرسوم من المنتفعين، وفي القطاع الصحي تتولى شركة خاصة تسيير المستشفى العام الموجود، وقد يقتصر الامتياز فقط على أقسام علاجية في المشفى مثل قسم غسيل الكلى، أو قسم التصوير التشخيصي، أو مختبرات التحاليل، أو الجراحة العينية الليزرية، وقد تمت تجربة هذا النموذج في دول عديدة مثل هونغ كونغ (Zhu, Zhou et al., 2020)، والسويد (Sveman, 2001)، وألبانيا حيث تم إبرام عقد امتياز مدته عشر سنوات لتمويل وبناء، أو تجديد وتجهيز وتشغيل شبكة من (18) مختبرًا عامًا، وتتطلب الاتفاقية من مقدم العرض الفائز الالتزام بمؤشرات الأداء الرئيسية مثل الحد الأقصى لوقت التنفيذ، ووقت تعطّل المعدات، فضلًا عن الالتزام بمعايير (الآيزو) للجودة، وتكافئ الحكومة صاحب الامتياز على أساس "الدفع مقابل الاستخدام"، من خلال موازنة محددة بوضوح لمنع تجاوزها، كما ستحتفظ الحكومة بملكية جميع معدات وأصول المختبر عند إبرام العقد (IFC, 2023).

كما يمكن استخدام عقد الامتياز لتطوير المستشفيات العامة بالشراكة مع الكليات الطبية الخاصة، كالشراكة بين كلية (Frontier) الطبية الخاصة والمستشفى العام في باكستان (Pasha, 2003)، ويعتمد نموذج الشراكة هذا على التوازن المالي والمصلحي بين الشريكين؛ حيث يقدم الشريك الخاص التمويل، ويقدم القطاع العام المرفق العام بكامل خدماته، ويمكن أن نطلق على هذا النوع من العقود (التكامل في الشراكة)، إذ يكون كل طرف داعم للآخر؛ حيث تدفقت مبالغ مالية كبيرة من الكلية الطبية، تم استخدامها في تحسين مستوى المرافق في المستشفى، كما أن الكلية الطبية ارتبطت بمستشفى تعليمي؛ مما أدى إلى انخفاض كبير في تكاليف بدء تشغيلها، إذ كانت تحتاج لبناء مستشفى تعليمي جديد باستثمار كبير؛ مما كان سيؤخر افتتاحها، هذا فضلًا عن توفر عدد كبير من المرضى في المستشفى؛ مما منح الطلاب تنوعًا واسعًا في الحالات المرضية الدراسية، وحسّن جودة تدريبهم السريري.

وفي إطار عقد الامتياز نفسه نشير إلى استخدام بعض الدول لنموذج (Co-location Model)، أو (الموقع المشترك)، وهو أسلوب شراكة يكون فيه الجناح الخاص داخل، أو بجوار المستشفى العام، ويتم اللجوء إليه عندما تكون هناك مساحات فائضة عن حاجة المرفق، أو عند وجود قطاعات بحاجة للصيانة، أو التجديد ولا يستطيع القطاع العام تنفيذها بسبب ضعف التمويل، أو الإدارة (Taylor et al., 2002). ومثاله عقد الشراكة بين مركز هاشمي نجاد للكلى (HKC) في إيران، وهو مستشفى تعليمي تابع للجامعة الإيرانية للعلوم الطبية (IUMS)، ومعهد (محب) الطبي (وقف إسلامي)، على إنشاء جناح بسعة (16) سرير داخل مبنى مركز الكلى في عام (2004)، ليقدّم الخدمات الصحية ذات المستوى العالي التي تتوفر فقط في المستشفيات الخاصة، مع سعر قابل للدفع تقريبًا من الجميع (Etemadian et al., 2013).

3.2. عقود تقديم الخدمات وإدارة المرافق الصحية

وتشمل التعاقد مع القطاع الخاص لتقديم بعض الخدمات الضرورية للمستشفيات العامة مثل خدمات التنظيف والتعقيم، والغسيل، وإعداد الوجبات الغذائية...، الأمر الذي من شأنه أن يخفّض النفقات ويقضي على الهدر، وينقل عبء الخدمات غير الطبية على عاتق القطاع الخاص، ويسود هذا الأسلوب في معظم قارات العالم (Krajewski-Siuda et al., 2006)، وقد بدأت تركيا على سبيل المثال منذ بداية الثمانينيات بإبرام عقود مع القطاع الخاص لتقديم الخدمات غير الطبية (غسيل، أمن، كافتيريا، مرافق وقوف السيارات، ...إلخ) (Perihan et al., 2010)، وفي ألبانيا عمدت الحكومة إلى تفويض معظم الخدمات غير الطبية في المستشفيات إلى القطاع الخاص، كالتخلّص من النفايات البيولوجية، وتعقيم المرافق الجراحية، وخدمات المختبرات (Ombashi et al., 2023)، كما يمكن الإشارة إلى عقد مستشفى (catering) والذي تم بموجبه منح خدمة الإطعام لشركة إيطالية بمبلغ (66 ألف دولار) سنويًا؛ حيث تقوم الشركة بتقديم (1125) وجبة يوميًا مع مراعاة أنظمة غذائية مختلفة لأمراض مختلفة، كما تلتزم بشراء المواد الغذائية، وبناء مطبخ مركزي جديد بكامل تجهيزاته، وتقديم الصيانة العامة للتجهيزات والأدوات، وتدريب أكثر من (25) عاملًا، وكانت النتيجة أن نوعية الطعام، ورضا المرضى قد ازدادا بنسبة كبيرة جدًا (Kerschbaumer, 2007). أما فيما يتعلق بعقد إدارة المستشفيات، فتتولى بموجبه شركة خاصة إدارة المستشفى العام لفترة محددة مقابل مبلغ مالي ثابت يُدفع بحسب الاتفاق، وتتمتع هذه الشركة باستقلالية كبيرة في الإدارة بعيدًا عن الروتين الحكومي الصارم (Alexander et al., 1985).

4.2. شراكة الخدمات الصحية المتكاملة Public Private Integrated Partnership (PPIP)

وتذهب الشراكة بين القطاعين العام والخاص في هذا النموذج إلى أبعد من تمويل وبناء وصيانة وتشغيل مبنى المستشفى فحسب، بل إلى تقديم الخدمات العلاجية أيضًا، وكل خدمات الدعم الإضافية، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، (المختبرات، والأشعة، والتنظيف والغسيل، والكافتيريا..)، والميزة الفريدة لهذا العقد هي أن الحكومة قد فوّضت خدمات الرعاية الصحية بالكامل، واقتصر دورها على تقديم التمويل عبر دفع (رسوم سنوية) للفرد الواحد من موازنة الصحة العامة لتقديم مجموعة محددة من الخدمات الصحية لسكان منطقة جغرافية معينة، بغض النظر عن مدى تكرار استخدامهم لها، ويعد هذا النموذج للشراكة هو الأكثر تعقيدًا، ويتطلب مجموعة من الاتفاقيات مع الشريك الخاص لإدارة مراحل المشروع المتعددة، وفي الوقت نفسه من الأهمية بمكان أن يكون العقد مرنًا بما يكفي لمعالجة التغييرات مثل التحولات في التركيبة السكانية والاحتياجات الصحية خلال المدة التي يغطيها (Sekhri et al., 2011)، وكان أول من استخدم هذا النموذج هو مستشفى (La Ribera) في بلدة (Alzira) (250000 نسمة)، في منطقة الحكم الذاتي في فالنسيا بإسبانيا؛ حيث تم إبرام عقد لمدة عشر سنوات في عام (1997)، لبناء مستشفى جامعي، و(4 مستشفيات متكاملة، و44 مركزًا للرعاية الصحية الأولية)، وتقديم الخدمات السريرية، وغير السريرية في البلدة، فيما تدفع الحكومة المحلية تمويلًا ثابتًا قدره (535 يورو) للفرد سنويًا، وتتعهد الشركة بإنشاء البنى التحتية، وتقديم المعدات الطبية، وإدارة المراكز الأولية والمتخصصة (Acerete et al., 2011)، وقد عمل نموذج (Alzira) بشكل أفضل من القطاع العام، وبتكلفة منخفضة، وسمح بإلغاء قوائم الانتظار، بالإضافة إلى زيادة الإنتاجية، والمرونة والسرعة في استقبال المرضى وعلاجهم، ومع ذلك، فقد أصبح المستشفى في الآونة الأخيرة تحت الإدارة العامة المباشرة، بسبب القضايا المالية، وفشل الحوكمة، والمعارضة السياسية التي ساهمت في إنهاء العقد (Comendeiro‐Maaloe et al., 2019).

وقد تم استنساخ تجربة (Alzira) في جنوب أفريقيا في عام (2006) من خلال مستشفى Queen Mamohato) Memorial)، في (Lesotho) وهو ترتيب تعاقدي لمدة (18) عامًا، لبناء المرافق وتقديم الخدمات السريرية وغير السريرية لعدد محدد من المرضى، في مقابل أن تدفع الحكومة رسمًا سنويًا موحدًا يغطي سداد رأس المال وتكاليف تقديم الخدمة (Stemmer, 2008).

5.2. خصخصة المستشفيات العامة

نُعرّف الخصخصة بأنها: "تصرف قانوني، تقوم الدولة بموجبه بنقل حصة الأغلبية في ملكية الشركات والأصول العامة إلى القطاع الخاص" (هرموش، 2013)، وفي الواقع الصحي تقوم الحكومة ببيع المستشفى العام لشركة خاصة، مع احتفاظها بوضع مميز في مجلس الإدارة من خلال الأسهم الذهبية (هرموش، 2025)، للتأكد من جودة واستمرارية وعدالة الخدمات الصحية المقدمة.

وتعد المملكة العربية السعودية رائدةً في هذا المجال؛ حيث تم إقرار قوانين تسمح بخصخصة بعض المستشفيات الحكومية وتحويل ملكيتها إلى القطاع الخاص، وذلك بقرار من مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير، وفي مقابل ذلك سيحصل كل مواطن على "بوليصة تأمين" تؤهله للعلاج المجاني في أي من المستشفيات العامة، أو الخاصة؛ حيث سيتم شراء (بوالص) التأمين عن طريق وزارة الصحة، وعبر صندوق التأمين التعاوني الذي سيتولى الإنفاق من المخصصات المالية التي كانت تُعطى لوزارة الصحة، وتشمل بوليصة التأمين كل المواطنين، رجلًا كان، أو امرأة، كبيرًا، أو صغيرًا، وسواءً للعاملين، أو للمتقاعدين وعائلاتهم، أم لغير الموظفين، باستثناء المؤمن عليهم صحيًا في الشركات الكبرى، كما فرضت الدولة تأمينًا صحيًا إلزاميًا على ملايين العمال الأجانب بحيث تقدم بطاقات التأمين الصحي لهؤلاء قبل صدور تأشيرات الدخول (ملا، 2001)، هذا وتخطط المملكة لخصخصة (290) مستشفى، و(2259) وحدة صحية أولية، وإحدى المدن الطبية بحلول عام (2030)، كما تم فتح القطاع الصحي على الاستثمار الأجنبي؛ حيث أصبح بإمكان المستثمر الأجنبي الاحتفاظ بنسبة (100%) من ملكية المرفق الصحي (Global Health Saudi, 2019).

وفي تجربة أخرى، قامت كل من بنين، بوركينا فاسو، مدغشقر، والكاميرون، ببيع قطاعها الصحي الأساسي لمنظمات غير ربحية (Nonprofit Organizations) لتضمن الحفاظ على المصالح الوطنية لمواطنيها، واحتفظت بمركز مؤثر في مجالس الإدارات (Mutua et al., 2020).

6.2. النماذج الأكثر حداثةً في الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية

مع دخولنا إلى القرن الحادي والعشرين تغير وجه المرافق العامة التقليدي، ومنها المرفق الصحي، بفضل التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة مما خلق تحديات طارئة على النظم الصحية العامة، ولذلك سعت الدول إلى تفويض المزيد من المهام المعقدة إلى القطاع الخاص والمنظمات غير الربحية، من أجل تحقيق الاستجابة المرنة والسريعة للأوبئة الطارئة، أو لتركيب وتشغيل التقنيات الحديثة. ونتطرق فيما يلي لأحدث القطاعات التي تمت فيها الشراكة:

1-       الشراكة بين القطاعين للقاحات والتحصينات

وقد ظهرت هذه الشراكة بقوة إبّان انتشار وباء (COVID 19)؛ حيث قامت الحكومات بعقد التحالفات مع شركات الأدوية والمختبرات العالمية لإنتاج اللقاحات المناسبة لمواجهة هذه الجائحة، وكما هو معروف فإن معظم اللقاحات لهذا الفيروس قد أنتجته شركات خاصة مثل (فايزر) و(استرا زينيكا) و(جونسون). ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى التحالف العالمي للقاحات والتحصينات (GAVI The Global Alliance for Vaccines and Immunization)، والذي تم إنشاؤه بالشراكة بين شركة (Gates Foundation) والتي تعهدت بدفع (750) مليون دولار خلال خمسة أعوام، بالإضافة لمساهمات من حكومات النرويج وهولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، لجمع تمويل يزيد عن مليار دولار، بهدف تطوير وتوفير اللقاحات للأطفال في جميع أنحاء العالم (Muraskin, 2002)، كما شهد النصف الأخير من تسعينيات القرن العشرين قيام الشراكات العالمية بين القطاعين العام والخاص من أجل التنمية الصحية (Global Public-Private Partnerships for health development (GPPPs))، والتي تسعى إلى التعاون بين القطاعين بهدف التغلب على "إخفاقات" السوق في مجال الصحة العامة؛ خاصة في قطاع الأدوية واللقاحات (Buse et al., 2000).

2-       المرفق الصحي الرقمي والذكاء الاصطناعي

تحتاج الحكومات في عصر التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي إلى شركاء من القطاع الخاص ليزوّدوها بالحلول التكنولوجية المستجدة للواقع الصحي (كالروبوتات الجراحية، وأجهزة الطباعة ثلاثية الأبعاد للأعضاء والأطراف، والأجهزة الطبية القابلة للارتداء والمتصلة لاسلكيًا بالإنترنت)، فضلًا عن تسخير خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعلم الآلي لتحليل ومعالجة كميات هائلة من بيانات الرعاية الصحية، كالصور الطبية والسجلات الصحية الإلكترونية، لمساعدة مقدمي الرعاية الصحية في التشخيص والعلاج، والإدارة الإلكترونیة للملفات الطبیة وحمايتها، إضافةً لتوفير انترنت الأشياء (IOT Internet of Things) لإدارة الأمراض المزمنة ومراقبة المرضى في المستشفيات، وقد دعت منظمة الصحة العالمية (WHO, 2017) لإقامة شراكات بين الحكومات والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمتخصصين في تكنولوجيا المعلومات لبناء منصّات لتبادل الأدلة والخبرات والممارسات الجيدة في مجال تطبيق الصحة الرقمية، وقد انتشرت هذه الشراكات على نطاق واسع نظرًا لاعتماد الناس بشكل كبير على وسائل الاتصال الحديثة، فعلى سبيل المثال نشير إلى البوابة الوطنية للطب عن بعد في الدنمارك (www.sundhed.dk)، وهي موقع طبي إلكتروني، قدمته الحكومة بواسطة شركات متخصصة في تكنولوجيا المعلومات، ويشمل السجلات الطبية الإلكترونية للسكان الدنماركيين، ويسمح بالاستشارات الإلكترونية، والتحويلات الإلكترونية، والوصفات الطبية الإلكترونية، وما إلى ذلك. وقد نجح هذا الموقع في تحقيق وفورات في الموازنة العامة بلغت (60) مليون يورو في السنة (Nikolic et al., 2006)، وفي مثال آخر على الشراكة بين القطاعين في التطبيقات المعلوماتية الصحية نجد تطبيق (Stopp Corona) الذي موّلته الحكومة النمساوية كجزء من خطتها لاحتواء الفيروس، وتم إطلاقه في عام (2020)، وأصبحت النمسا بفضله واحدة من أولى الدول في أوروبا التي تتّبع جهات الاتصال لحالات كورونا (Fanta, 2021). ومن جهةٍ أخرى، أصبحت روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تُقدّم التطبيب عن بُعد في دول متعددة مثل المملكة المتحدة وكندا ورواندا، وغالبًا ما يكون ذلك بالشراكة مع شركات التأمين (World Health Organization, 2020a, p.10). وفي المنطقة العربية، يمكننا الإشارة إلى "مختبر الذكاء الاصطناعي" الذي تم تنفيذه بالتعاون بين هيئة الصحة بدبي وشركة "IBM"، وتهدف هذه المبادرة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ مسبقًا بحالة المرضى المقيمين في المستشفى من خلال رصد ست قراءات حيوية تشمل ضغط الدم والحرارة والنبض وغيرها، وبالتالي اتخاذ ما يلزم من الإجراءات الاحترازية التي قد تسهم في إنقاذ حياة الكثيرين (هيئة الصحة بدبي، 2019).

3. سياسات ومتطلّبات إشراك القطاع الخاص في نظم الرعاية الصحية

تُعد الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية بمثابة عملية جراحية دقيقة، يجب أن تتم بتأنٍّ وبحرص شديدين؛ لأن القرارات والخطوات الخاطئة التي تتعلق بها قد تؤدي إلى عواقب كارثية، ولذلك فإن أحد أهم الدروس التي أمكننا استخلاصها من تجارب الشراكة في القطاع الصحي حول العالم، هي أن البرنامج الذي يوضع موضع التنفيذ من دون أخذ نتائجه المتوقعة بعين الاعتبار يمكن أن يكون له نتائج سلبية للغاية، فالشراكة عمل معقّد أكثر من مجرد كونه عملية (تفويض) للمرفق الصحي إلى القطاع الخاص، نظرًا لآثارها الممتدة إلى جميع مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة، ولذلك فهي تحتاج إلى تشخيص وفهم مسبق للقطاع الصحي في الدولة، وإلى تحضير البيئة الملائمة لنجاحها سياسيًا واجتماعيًا، وإلى إرساء الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يسمح بتنفيذها بكل شفافية، ويمنع أي هدر للأموال العامة، ويرى الباحث بأن إنجاز الشراكة الناجحة في مجال الرعاية الصحية ينقسم إلى مرحلتين أساسيتين هما، التحضير للشراكة، وتنفيذ الشراكة، وسنتطرق فيما يلي لأفضل الممارسات والسياسات الممكن اتباعها في كل مرحلة.

1.3. التحضير للشراكة

إن عملية التحضير للشراكة قد تكون بتقديرنا العامل الحاسم في تحديد الآفاق المرتقبة لنجاح، أو فشل المشروع برمته، فالشراكة كالغرسة التي لا يمكن أن تنمو وتترعرع وتؤتي أوكلها مالم تتم تهيئة البيئة الملائمة لنموها. وتتطلب عملية التحضير للشراكة، أولًا تهيئة بيئة الشراكة، ثم وضع الإطارين القانوني والمؤسساتي.

1.1.3. تهيئة بيئة الشراكة

وتتطلب هذه المرحلة العديد من الخطوات التي تتلخص فيما يأتي:

1-       تشخيص واقع المنظومة الصحية

غالبًا ما تفتقر البلدان إلى البيانات المتعلقة بنطاق وحجم قطاعها الصحي الخاص، وتعد هذه الفجوة في البيانات عائقًا أساسيًا أمام مشاركة القطاع الخاص، وخاصة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل (WHO, 2020b, p. 5)، ويحتاج التشخيص إلى جمع البيانات وتحليلها، بما في ذلك معلومات موثوقة عن متطلبات وتكاليف الرعاية الصحية الحالية والمتوقعة، في سبيل إدراك مشهد القطاع الصحي الخاص الذي يعتبر (صندوقًا أسود) في العديد من الدول (لا سيما العربية)، كما يجب أن يكون هناك تقييم واضح وقواعد بيانات متكاملة لأداء المنظومة الصحية العامة والخاصة، ورصد لتجارب مستخدميها من مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية للتعرّف على مزاياها ومواطن الخلل والقصور وتحديد المشاكل، من أجل تصميم استراتيجية للتغيير وآليات المشاركة لسد الثغرات في القطاع العام (WHO, 2016)، فعلى سبيل المثال قامت وزارة الصحة الفلبينية بتطوير البنية المؤسسية لإدارة المعلومات الصحية لقطاع الصحة الفلبيني بأكمله في جميع أنحاء البلاد، وأنشأت مجموعة قياسية من المؤشرات للمساعدة في جمع البيانات وتخزينها، وتبادل المعلومات بين مختلف الكيانات، كالمرضى، والوكالات الحكومية الوطنية، والمنظمات الخاصة، وسائر أصحاب المصالح (Dayrit et al., 2018).

2-       الدعم السياسي

في معظم البلدان يُنظر إلى الرعاية الصحية باعتبارها مسؤولية حكومية، ويشعر السياسيون والشعب بعدم الارتياح لفكرة إدارتها، أو تقديمها من جانب القطاع الخاص؛ لذلك فإننا نعتبر أن قرار الشراكة في القطاع الصحي هو عمل سياسي خالص؛ لأنه يتعلق بتغيير السياسة العامة في الدولة، وقد يحمل انعكاسات سياسية خطيرة على الحزب الحاكم والدولة ككل، لذا فمن الواجب اتخاذه من جانب أعلى سلطة سياسية لإحاطته بالقوة والحصانة التي ستساعده في التغلب على المقاومة المتوقعة من جانب بعض أصحاب المصالح، ومن أجل إعطاء إشارة واضحة للمستثمرين المحليين والأجانب بالالتزام السياسي الكامل بعملية الشراكة، وهو يعد بمثابة شهادة الميلاد لعملية الشراكة برمتها، فالتجارب السابقة في) ليسوتو وفالنسيا) وغيرها، تكشف لنا كيف أن التغيرات السياسية بعد الانتخابات قد يكون لها تأثير كبير بما في ذلك وقف المشاريع (Abuzaineh et al., 2018)، الأمر الذي يدفع القطاع الخاص للإحجام عن المشاركة بسبب انخفاض اليقين في الالتزام السياسي، وبالتالي فإن التغيرات في الإرادة السياسية تمثل أكبر خطر يهدد مشروعات الشراكة، ولذلك تبرز الحاجة إلى ضمان دعم سياسي قوي للمشروع من جانب كافة الأطراف في الدولة على المدى الطويل.

3-       الحوار واشراك أصحاب المصلحة ورسم السياسات بشفافية

فمن الواجب عدم اتخاذ القرارات الاستراتيجية الرئيسية في أي بلد دون التنسيق والتشاور مع الجهات التي يتعيّن عليها تنفيذها، أو التي لديها مصلحة فيها، ولذلك يجب أن يتم التمهيد والتحضير لقرار الشراكة بشكل جيد أمام الرأي العام لاستمالته وكسب تأييده؛ لأنه في النهاية يتعلق بتخلي الدولة عن قطاع حيوي من أخصّ مسؤولياتها، ويجب أن يتم الانتباه دائمًا إلى أن هذا القرار سيجلب معارضة واسعة من أولئك الذين ستتعرض مصالحهم ومراكز نفوذهم للتهديد، وبالتالي فإنه لا بد من وضع خطط مسبقة لمواجهة هذه المعارضة ومحاولة إرضاءها، كما يجب القيام بحملات إعلامية وترويجية واسعة ومدروسة بطريقة علمية لشرح مفهوم الشراكة ودوافعها وأهدافها ومزاياها، مع مراعاة كافة المستويات الثقافية للفئات التي تتم مخاطبتها، وتشمل هذه الحملات حوارات ومقالات وتحليلات في جميع وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة، لإطلاع العامة على أهم التجارب العالمية الناجحة، وطمأنة المشككين، والرد على الأسئلة والاستفسارات، ومحاولة تغيير الموروث السياسي العاطفي الذي ربط الناس بالخدمة العامة لفترة طويلة من الزمن، وذلك لأن طرح القرار في الإعلام دون تهيئة مسبقة للرأي العام سيؤدي إلى اكتسابه معارضة شعبية واسعة، وإلى إثارة الشكوك حول بواعثه، ومن هنا، فإن عملية تعبئة الدعم الشعبي للقرار السياسي تعد من أهم متطلبات السير نحو تنفيذ برنامج الشراكة، ولذلك، فإن الباحث يقترح بعض النقاط المهمة التي يجدر بالحكومات إتباعها فيما يخص الترويج لقرار الشراكة:

‌أ-        يجب على الحكومات أن تأخذ الوقت الكافي في تهيئة الرأي العام.

‌ب-    الاستعانة بالشركات المتخصصة في مجال العلاقات العامة والإعلام في سبيل تقديم حزمة إعلامية متكاملة ومنسجمة وفعّالة.

‌ج-      من المستحسن عدم الإعلان عن القرار السياسي بانتهاج الشراكة (المتخذ أصلًا) إلى حين التوصل إلى نوع من الرضا العام، وبذلك يشعر المواطنون وكأنهم قد ساهموا بأنفسهم في اتخاذ القرار.

‌د-       يجب على الحكومات عدم المبالغة في الحملة الترويجية للشراكة، واعتبارها (ترياقًا) لكافة العلل بحيث تتضخم آمال وتوقعات المواطنين بحصول نتائج خيالية من غير الواقعي حدوثها، وبالتالي يتعرضون لخيبة أمل قاسية، ويفقدون الثقة بالحكومة، ويشعرون بأنها عرّضتهم لنوع من الخداع السياسي.

‌ه-      التواصل المنتظم الذي يبني الثقة مع أصحاب المصلحة (بشكل خاص العاملين في القطاع الصحي ونقاباتهم) للمشاركة في وضع السياسات والاستراتيجيات، الأمر الذي قد يكون له دور فعّال للغاية في تهدئة مخاوفهم وتجنب معارضتهم، وإن أبسط طريقة لتفكيك معارضة هؤلاء هي خلق مصلحة لهم في برنامج الشراكة، من خلال المزايا المالية، أو التقديمات العينية الأخرى (كالقسائم العلاجية، أو الدوائية)، فضلًا عن التعهد الجازم بحمايتهم من التسريح.

4-       تحضير البيئة الاقتصادية والقانونية الداعمة للشراكة

من غير الممكن أن تحقق الشراكة النتائج الإيجابية في ظل غياب البيئة الاقتصادية، والبنية التحتية المؤسساتية التي تنسجم مع ديناميكية القطاع الخاص، وتفتح المجال أمام نشاط الشركات الجديدة، ولعلّ من أهم الإجراءات الواجب على الحكومات اتخاذها لتهيئة البيئة الاقتصادية للشراكة هي: التثبيت الاقتصادي، وكبح جماح التضخم، وإنشاء وتطوير المؤسسات المالية والمصرفية وأسواق المال، وإزالة القيود التنظيمية التي تعيق، أو تقيّد عمل قوى السوق، بالإضافة إلى تعزيز المنافسة وإرساء آلياتها ومؤسساتها، ومن جهةٍ أخرى يجب أيضًا تهيئة البيئة القانونية الملائمة لعمل الشركات بما يضمن توافق برنامج الشراكة مع التشريعات والقوانين النافذة في الدولة، وإرساء البيئة القانونية الصديقة للسوق، والتي تكفل جذب الاستثمارات وحماية المستثمرين، فضلًا عن تحفيزهم عبر تقديم التسهيلات والإعفاءات الضريبية التي تدفعهم لضخ المزيد من الأموال في القطاع الصحي للدولة. ويمكن أن يشمل تحضير البيئة القانونية كلًا من قوانين الاستثمار، وحماية الملكية، وحماية حملة الأسهم، والشفافية والوصول إلى المعلومات، وقوانين الشركات، والعقود العامة والعمل، والضرائب، والمنافسة ومنع الاحتكارات، بالإضافة إلى قوانين حل المنازعات بالطرق الودية، وقوانين حماية البيئة.

وبطبيعة الحال، فإننا نعتقد أن معظم حالات فشل عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص يعود في جزء كبير منه إلى عدم تجهيز البيئة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية.

2.1.3. إرساء الإطار القانوني والمؤسساتي للشراكة

إن الشراكة بين القطاعين العام والخاص هي تصرف قانوني في المقام الأول، ولذلك فلا بد من قيام الدول بتحضير الإطار القانوني الفعّال الذي ينظمها ويضمن تنفيذها بدقة وشفافية، وفي المقابل فإن الإطار المؤسساتي لا يقل أهميةً عن نظيره القانوني في نجاح الشراكة؛ حيث تشير إحدى أهم الخبرات لدى البنك الدولي بأن نموذج التطور قد انزاح عبر الزمن من مبدأ" اضبط أسعارك إلى مبدأ اضبط مؤسساتك" (Shirley, 2008)، فالمؤسسات المنظمة الكفؤة تلعب دورًا حاسمًا في نجاح الشراكة وتقليص حجم تكاليفها، وبما أن الإطار القانوني والمؤسساتي للشراكة يعد حجر الزاوية في تنفيذها ونجاحها فإننا سنتطرق لأفضل الممارسات التي تضمن إنجازهما بشكل فعّال.

وضع الإطار القانوني:

بالإضافة لقوانين الشراكة بين القطاعين العام والخاص، من المهم جدًا إصدار قانون خاص لتنظيم الشراكة في قطاع الصحة يتولى تحديد الأهداف والأدوار والمعايير الصارمة لتفويض هذا المرفق بالغ الحساسية الأخلاقية والسياسية، فضلًا عن مواءمة مصالح وسلوكيات القطاع الخاص مع المصالح الفضلى للمواطنين والقيم العامة والمبادئ الدستورية للدولة،حيث تُبرم هذه الشراكات بين كيانات غير متجانسة من نواحي متعددة كالأهداف والتكوين التنظيمي والأطر القانونية، ويجب أولًا من الناحية الأخلاقية قوننة أربعة مبادئ وفقًا لمنظمة الصحة العالمية هي (Buse et al., 2000)، الهدف النافع للشراكة من حيث الصحة العامة، والنوايا الطيبة، واستقلالية جميع الشركاء، والعدالة، كما يوصي الباحث بضرورة إدراج بنود خاصة للإشراف والرقابة الحكومية الفعّالة، وقياس مدى قيام الشريك الخاص بتحقيق الأهداف وتنفيذ الخطط المتفق عليها من خلال رقابة المخرجات والنتائج، وفرض غرامات مالية وعقوبات رادعة في حالة التقصير، أو الإهمال في أداء الخدمة الصحية، بما في ذلك الرعاية غير الضرورية، أو غير الفعّالة، أو الضارة، مع الأخذ بعين الاعتبار– وفقًا لتوصية (United Nations - Economic Commission for Europe, 2016) – ضرورة عدم فرض قدر كبير من الصرامة التشريعية في وقت مبكر من البرنامج حتى يمكن تبنّي الدروس المبكرة.

وتجدر الإشارة إلى صدور القانون رقم (87 لسنة 2024) في مصر بشأن تنظيم منح التزام المرافق العامة لإنشاء وإدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية، والذي فتح المجال أمام منح التزامات المرافق العامة للمستثمرين المصريين، أو الأجانب سواء أكانوا أشخاصًا طبيعيين أم اعتباريين لإنشاء وإدارة وتشغيل المنشآت الصحية، أو لإدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية القائمة، مع أيلولة جميع المنشآت الصحية بما فيها من تجهيزات وأجهزة طبية لازمة لتشغيلها إلى الدولة في نهاية مدة الالتزام دون مقابل وبحالة جيدة، وعلى ألا تقل مدة الالتزام عن ثلاثة أعوام ولا تزيد عن خمسة عشر عامًا، ويعد هذا القانون مثالًا جيدًا على التنظيم القانوني للشراكة في مجال الرعاية الصحية، كما أنه لا يعد من قبيل الخصخصة على الإطلاق لاحتفاظ الشخص العام بملكية المرفق.

وضع الإطار المؤسساتي:

يُعدّ إنشاء إدارة عامة مركزية للشراكة بين القطاعين ضمن الهيكل الإداري لوزارات الصحة من أهم توصيات وضع الإطار المؤسساتي، بحيث تضم مجموعة من الخبراء في مختلف الاختصاصات لتتولى مهام مركبة ومعقدة كالتفاوض على العقود والاختيار المحترف لشركة المشروع بكل شفافية، ومن ثم إدارتها ورقابتها بعيدًا عن المحسوبيات وشبهات الفساد، الأمر الذي يمثل تحولًا كبيرًا في مهام وزارات الصحة من إدارة المرفق وتقديم الرعاية بشكل مباشر، إلى الاكتفاء بإدارة العقود ورقابتها، ويتطلب هذا التحول مجموعة من المهارات والاختصاصات الجديدة في الوزارات، بما في ذلك الشؤون القانونية، والمالية، وإدارة المخاطر، ورصد وتقييم مؤشرات الأداء، ومراقبة معايير الجودة.

كما يجب إعادة تصميم الهياكل المؤسساتية باتجاه خلق نظام بيئي تمكيني للقطاع الخاص؛ لأنه غالبًا ما يتم إعداد الأُطُر المؤسسية للتغطية الصحية الشاملة للقطاع العام دون مراعاة أي جهة أخرى (World Health Organization, 2018a).

2.3. تنفيذ الشراكة

لضمان أفضل النتائج في عملية تنفيذ الشراكة في القطاع الصحي يمكن أن نشير إلى مجموعة من الدروس المستخلصة من التجارب العالمية:

أولًا: ذاتية قرار الشراكة: يعد اختيار أسلوب تنفيذ الشراكة من أهم وأدق القرارات في العملية برمتها؛ لأن من شأنه أن يؤثر على أداء المرافق الصحية التي تم تفويضها للقطاع الخاص، فأسلوب الشراكة الذي نجح في دولة ما قد لا ينجح في دولة أخرى، ولذلك فإنه يتوجب على الدول أن تشخّص واقعها الصحي، ثم تختار الأسلوب الملائم لظروفها الفريدة ومواردها المتاحة، وبالتالي فإن أساليب إشراك القطاع الخاص الفعّالة يجب أن يتم تصميمها وهندستها لتعالج المشاكل وتسد الثغرات التي يعاني منها المرفق الصحي لدولة ما، وليس عبر استيراد التجارب الجاهزة والحلول المصممة مسبقًا.

ثانيًا: الاستعانة بالخبرات العالمية: يمكن للدول الاستفادة من التجارب السابقة في جميع أنحاء العالم، واستخلاص الدروس والاستفادة من الأخطاء؛ حيث أن الشراكة الفّعالة مع القطاع الخاص تتطلب إعدادًا دقيقًا للعقود والعطاءات، ويمكن لمؤسسات التمويل وللمنظمات الدولية أن تقدم خبرتها ومستشاريها في هذا المجال، فعلى سبيل المثال قدمت (مؤسسة التمويل الدولية) المشورة لوحدة الشراكة بين القطاعين العام والخاص التابعة لوزارة المالية المصرية بشأن اتفاقية "تمويل وتصميم وإنشاء" مستشفيي سموحة والمواساة في الإسكندرية (IFC, handshake, 2011, p.12)، كما تجدر الإشارة إلى أنه في عام (2019) أنشأت منظمة الصحة العالمية مجموعة استشارية من أجل تقديم المشورة للدول بشأن ترتيبات الحوكمة والترتيبات التنظيمية للشراكة الصحية الفعّالة (World Health Organization, 2019b).

ثالثًا: الجدوى الاقتصادية: يجب أن تكون الشراكات بين القطاعين العام والخاص كبيرة نسبيًا ولفترات زمنية ملائمة، لتحقق الجدوى الاقتصادية والمالية، من أجل استقطاب الشركاء المؤهلين تقنيًا وماليًا مع خبرات عالمية موثوقة؛ حيث تواجه مشروعات الشراكة صغيرة الحجم عدم اهتمام القطاع الخاص لانخفاض عائدات المشروع، ومن جهةٍ أخرى يجب الانتباه إلى عدم خلق الاحتكارات من خلال سيطرة إحدى الشركات على السوق، من أجل تعزيز المنافسة الإيجابية بين مقدمي الخدمات؛ لأن الدولة ستظل المسؤولة النهائية عن القطاع.

رابعًا: آليات الدفع وضمان مخاطر الطلب: لجذب شركاء موثوقين، وضمان جودة الأداء خلال دورة حياة العقد، يتعين على الحكومات تخصيص التمويل اللازم للعقد وضمان الدفع في الوقت المناسب، وينبغي أن يغطّي المقابل المالي في مشاريع الشراكة، التكاليف، وخدمة الدين، وضمان عائد معقول على الاستثمار للشريك الخاص، وإيجاد التوازن بين الإيرادات والتكاليف؛ خاصة في الدول التي يعاني سكانها من ضعف المداخيل ومحدودية التغطية التأمينية، وحيث لا يسمح نقص البيانات الموثوقة بالتنبؤ بالطلب الفعّال بدرجة كافية من اليقين. هذا ويعد انهيار التوازن المالي للعقد سببًا رئيسًا لفشل عقود الشراكة في القطاع الصحي حول العالم، ولحل هذه المشكلة يتوجب على الحكومات القيام بما يلي:

1-       التحليل المالي المتقن لتحديد التعريفات المناسبة، مع ضرورة المراجعة المنتظمة لمعالجة تقلبات السوق والظروف الطارئة.

2-       اعتبار بنود العقد "حيّة" بحيث تخضع للمراجعة على فترات منتظمة تتماشى مع المراجعات الدورية لاستراتيجية الرعاية الصحية. وهو أمر لا مفر منه وفقًا للخبرة الدولية (Monteiro, 2011)؛ خاصة في البلدان ذات الدخل المنخفض، أو التي تواجه ضائقة اقتصادية، فالعقود الطويلة الأجل سوف تواجه بالضرورة تغيرات تكنولوجية وديموغرافية وإدارية وسياسية، ويتعين على الجهات المتعاقدة أن تدير التغيير بالطريقة الأكثر توافقًا مع سياسة الرعاية الصحية، كما حدث في عقد (Alzira) بإسبانيا الذي تم إعادة تصميمه وطرحه بعد مرور ثلاث سنوات، إثر تغيّر الحكومة؛ مما أدى إلى زيادة الرسوم للفرد الواحد وتعديل خدمات الرعاية الأولية في العقد الأصلي (Sosa et al., 2016)، ويمكن أن تتخذ المرونة أشكالًا عديدة، فعلى سبيل المثال، لضمان استفادة المشاريع من التقدم التكنولوجي السريع، نصّت العديد من عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص في جنوب أفريقيا على تحديث معدات تكنولوجيا المعلومات كل ثلاث سنوات، والمعدات الطبية كل خمس سنوات، وفي المكسيك، يُسمح بالتعديلات العقدية التي تلبّي معايير معينة وتكون ضمن حدود مالية محددة، طالما لم تكن هناك تغييرات في تخصيص المخاطر، وفي بيرو، تسمح العقود بالمرونة في حجم البنية التحتية المخطط لها إذا تبيّن أن التوسع ضروري (Abuzaineh et al., 2018)، والدرس المهم هنا أن نجاح مشروع الشراكة يعتمد في المدى الطويل على تصميم العقد ومرونته، ومهارات إدارة العقود في القطاع العام، والثقة المستدامة بين الشركاء؛ خاصة وأن الشروط الأصلية التي تم تحديدها أثناء تخطيط المشروع سوف تتطور بمرور الوقت مع التغيرات في بنية النظام الصحي، والقوانين والسياسات الوطنية، أو المحلية، واحتياجات صحة السكان، والتقدم في تكنولوجيا الرعاية الصحية والممارسات الطبية.

وفي الحالات التي لا تكون فيها إعادة التفاوض على العقد مثالية، يجب أن يتضمن الإطار القانوني بندًا واضحًا للجوء إلى التحكيم لإنهاء العقد بطريقة ودّية.

3-       معالجة مخاطر انخفاض الطلب من خلال مشاركة الحكومة في تحمل المخاطر عبر ضمان الحد الأدنى من الطلب على الخدمات التي يقدمها مشروع الشراكة، بما يوفر قدرًا أكبر من اليقين للشريك الخاص فيما يتعلق بتوليد الإيرادات واستدامتها. ويمكن – بتقدير الباحث – لنظام العقد بالرسوم الوهمية (Shadow Toll) أن يعالج مخاطر الطلب بشكل جذري من خلال قيام السلطة المانحة بدفع بدلات الاستشفاء وفقًا لعدد المرضى المنتفعين ونوعية الخدمات المقدمة.

4-       تغطية مخاطر التضخم وإدراجها بشكل مناسب في العقد.

5-       دعم التمويل من القطاع العام للشراكات: وتشمل آليات التمويل الحكومية حزمة واسعة من الأدوات المالية كالتمويل المباشر، القسائم، التأمين، المنح، التسهيلات الائتمانية، وقد اتبعت بعض الدول ما يسمى بتمويل فجوة الجدوى، أو "الشراكات الهجينة بين القطاعين العام والخاص (Hybrid PPPs) (Villani et al., 2017)، والتي تعالج قضايا القدرة على تحمل التكاليف من خلال آليات دعم الجدوى المالية المتاحة للحكومات للحد من المخاطر، وبالتالي إنتاج تكلفة تمويل أقل، وجعل الشراكات قابلة للاستمرار ماليًا، وتعمل بلدان مثل كندا وألمانيا على تطوير شراكاتها بين القطاعين العام والخاص في مجال المستشفيات بهذا النهج، كما بدأت بعض البلدان الناشئة أيضا في تنفيذه، فعلى سبيل المثال، وضعت الهند في عام (2020) سياسة لدعم الشراكات بين القطاعين العام والخاص في المستشفيات والتعليم الطبي من خلال تمويل الحكومات المركزية وحكومات الولايات ما يصل إلى (80%) من النفقات الرأسمالية، و(50%) من تكاليف النفقات التشغيلية (IFC, 2023)، كما تستخدم بعض البلدان مثل تركيا، آليات إضافية "كتعهدات تحمل الديون"؛ حيث تلتزم الحكومة بتحمل ديون الشريك الخاص في الشراكة في حالة إنهاء العقد (EPEC, 2011).

كما يجب تحفيز الشريك الخاص ماليًا من خلال مؤشرات أداء رئيسية واضحة وشفافة وقابلة للقياس، ويمكن أن يشمل ذلك الإنتاجية والكفاءة والجودة وأوقات الانتظار ورضا المرضى ...إلخ.

خامسًا: حماية الفقراء: إن عدم القدرة على تحمل تكاليف الرعاية الصحية هو أمر بالغ الحساسية، ولذلك فإن الوصول إلى الرعاية الصحية يجب أن يبقى مقدسًا، وفي متناول كل مواطن، ويجب أن تكون كافة الحلول التعاقدية ضمن هذا الهدف وفي إطار خدمته، وإلا تعرضت للسخط الشعبي والمجتمعي، وحركت مشاعر عدم المساواة والطبقية، فلابد من معالجة الاعتبارات المتعلقة بالمساواة والعدالة بعناية، فالقطاع الخاص بالرغم من كفاءته الإدارية إلا أنه غالبًا لا ينجح في تقديم الخدمات بإنصاف (Kramer et al., 2017)؛ لذلك ينبغي على السياسات الوطنية أن تركز على التوزيع العادل للمرافق، فالقطاع الخاص المهيمن والمركّز يمكن أن يشكل تهديدًا لسلامة النظام الصحي واستدامته إذا ظل خارج نطاق السيطرة (Appleford, 2019).

سادسًا: الشفافية في التنفيذ: تلعب الشفافية دورًا مهما في تشجيع مشاركة القطاع الخاص وتعزيز الثقة؛ مما يؤدي إلى زيادة المنافسة وإمكانية الحصول على عطاءات ذات جودة أعلى، وأكثر تنافسية من حيث التكلفة والنوعية، ويجب على الحكومات أن تُطلع الرأي العام على كافة تفاصيل العملية، فعلى سبيل المثال يمكن في تشيلي وهندوراس وبيرو العثور بسهولة على معلومات عن جميع مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما في ذلك إعلانات العطاءات والعقود وتقارير التقدم، على المواقع الإلكترونية العامة (Abuzaineh et al., 2018).

سابعًا: ضمان الرقابة والمساءلة: فحتى تحقق الشراكة أهدافها لا بد من وضع إطار رقابي فعّال يضمن التقيد التام بالبنود العقدية وبمعايير الجودة وبأهداف السياسة الصحية التي رسمتها الدولة، وهو ما يشكل تحديًا كبيرًا خاصة فيما يتعلق بنوعية وجودة الخدمات المقدمة، وتتولى وزارات الصحة الدور الرئيس في عملية الرقابة باعتبارها مانح العقد والأقدر تقنيًا ومعرفيًا على تقديم التقييم المناسب، كما توجد أشكال أخرى للرقابة، كالرقابة السياسية من خلال البرلمان والهياكل السياسية الأخرى، ورقابة المجتمع عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الرقمية والتدقيق الاجتماعي وآليات التغذية الراجعة "كبطاقات الأداء المتوازن" (balanced scorecard BSC)[5]، والتي استخدمتها وزارة الصحة العامة في أفغانستان منذ عام (2004)، وهي أداة قرار مبتكرة تسمح للمجتمع بتقديم التغذية الراجعة ومراقبة وتقييم الخدمات على المستوى المحلي، وقد مكّنت هذه البطاقات المسؤولين من تحديد علامات دالّة على الأداء، والتعرّف على مواطن القوة والضعف في قطاع الصحة الأفغاني (Hansen et al., 2008).

ثامنًا: فيما يتعلق بأساليب التنفيذ؛ فإن الباحث يوصي بما يلي:

1-       اعتماد الإدارة الموقفية، واختيار أسلوب الشراكة الملائم لكل حالة على حدة.

2-       التطبيق الفوري والمباشر للشراكة مع القطاع الخاص في تقديم خدمات الإطعام والغسيل والنظافة، وجميع الخدمات غير الطبية في المستشفيات العامة، بما يؤدي إلى تجفيف منابع الهدر والسرقة اليومية المستمرة.

3-       محاكاة التجارب العالمية في مجال الشراكة مع الكليات الطبية الخاصة لبناء وتجديد المستشفيات العامة باعتباره أسلوبًا قابلًا للتطبيق الفوري في العديد من الدول العربية كسوريا ومصر على سبيل المثال؛ خاصة مع تنامي عدد الجامعات الخاصة والكليات الطبية فيها، وفي ظل حاجتها لمستشفيات تعليمية ذات كلف باهظة جدًا، وبما يعود بالفائدة على القطاع الصحي العام وعلى الجامعات في الوقت نفسه.

4-       استخدام نماذج عقود التأهيل والإدارة والتحويل في المستشفيات العامة القديمة.

5-       تطبيق أسلوب (co-location) للشراكة مع المنظمات غير الحكومية وغير الربحية، عبر تخصيصها بأقسام من المستشفيات لتتولى تجديدها وإدارتها وتقديم الخدمات بسعر التكلفة، أو مجانًا.

6-       الإسراع بعقد اتفاقيات مع شركات التكنولوجيا الوطنية والعالمية لتقديم برمجيات وتقنيات طبية، لمواكبة الطفرة العالمية في هذا المجال، ولو بالحد الأدنى بادئ الأمر.

7-       اللجوء (في الدول القادرة ماديًا) إلى خصخصة المستشفيات العامة ومنح التأمين الصحي المجاني، أو التعاوني، أو حتى المدفوع بمبلغ مالي مقبول.

4. خاتمة

خلص البحث إلى أن العالم يتجه إلى اعتماد الشراكة بين القطاعين العام والخاص على نطاق واسع كنهج مبتكر لتقديم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير وتوزيع اللقاحات، وتمويل مراكز البحوث والمختبرات لاكتشاف العلاجات للأمراض المستعصية، وذلك من خلال العديد من الصيغ القانونية العقدية التي تتدرج من التصميم والتمويل والبناء والإدارة وصولًا إلى تفويض الخدمات العلاجية وغير العلاجية للقطاع الخاص، وانتهاءً بخصخصة القطاع بأكمله.

لقد أدركت الدول حقيقة عجزها – منفردةً – عن تقديم الخدمات الصحية المتكاملة لمواطنيها؛ لذلك فإننا نعتقد بضرورة لجوئها إلى مزيج من التمويل العام، بالإضافة إلى عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والقاعدة التي نقترحها لشراكة ناجحة تتمثل في؛ الالتزام السياسي الصلب، والترويج للشراكة وبناء الثقة، وإشراك أصحاب المصلحة، وتهيئة البيئة الاقتصادية والقانونية، ووضع الإطارين القانوني والمؤسساتي، واختيار التقنية التعاقدية الملائمة لكل حالة على حدة، وإحكام الهندسة المالية والقانونية للعقود، والاستعانة بالتقنيات المالية لتقديم الدعم للشريك الخاص، ووضع آليات موثوقة للرقابة والمساءلة، وتأمين العدالة وحماية الفقراء.

المراجع

أولًا: العربية

الوحدة المركزية للمشاركة مع القطاع الخاص. (2013). مشروع مستشفى المواساة التخصصي الجامعي. وزارة المالية، جمهورية مصر العربية.

ملا، عادل محمد. (2001). خصخصة المستشفيات العامة وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية. وزارة الصحة، المملكة العربية السعودية.

منظمة الصحة العالمية. (2017). التكنولوجيات المحمولة في مجال الصحة. 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017.

منظمة الصحة العالمية. اللجنة الإقليمية لشرق المتوسط. (2018). المشاركة مع القطاع الخاص للنهوض بالتغطية الصحية الشاملة. https://iris.who.int/handle/10665/370581

هرموش، إبراهيم يوسف. (2025). النظام القانوني لخصخصة الشركات العامة - دراسة مقارنة. ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان.

–––. (2014). السهم الذهبي وتحدياته المعاصرة في قضاء محكمة العدل الأوروبية. مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، 30(1)، 473-493.

ثانيًا: الأجنبية

References:

Abuzaineh, N., Brashers, E., Foong, S., Feachem, R., & Da Rita, P. (2018). PPPs in healthcare: Models, lessons and trends for the future (Healthcare public-private partnership series, No. 4). The Global Health Group, Institute for Global Health Sciences, University of California, San Francisco and PwC.

Acerete, B., Stafford, A., & Stapleton, P. (2011). Spanish healthcare public-private partnerships: The ‘Alzira model’. Critical Perspectives on Accounting, 22(6), 533–549. https://doi.org/10.1016/j.cpa.2011.06.004

Alexander, J. A., & Rundall, T. G. (1985). Public hospitals under contract management: An assessment of operating performance. Medical Care, 23(3), 209-219.

Almalki, A., & Al-Hanawi, M. (2018). Public private partnerships and collaboration in the health sector in the Kingdom of Saudi Arabia: A qualitative study. Global Journal of Health Science, 10(6), 1-10.

Appleford, G. (2019). Private sector accountability for service delivery in the context of universal health care. World Health Organization.

Buse, K., & Walt, G. (2000). Global public-private partnerships: Part I-A new development in health? Bulletin of the World Health Organization, 78(4), 549–561. https://apps.who.int/iris/handle/10665/268107

Central Unit for Partnership with the Private Sector. (2013). Al-Mouwasat Specialized University Hospital Project (in Arabic). Ministry of Finance, Arab Republic of Egypt.

Comendeiro-Maaloe, M., Ridao-Lopez, M., Gorgemans, S., & Bernal-Delgado, E. (2019). Public-private partnerships in the Spanish National Health System: The reversion of the Alzira model. Health Policy, 123(4), 408-411. https://doi.org/10.1016/j.healthpol.2019.01.012

Das, J., Hammer, J., & Leonard, K. (2008). The quality of medical advice in low-income countries. Journal of Economic Perspectives, 22(2), 93-114. https://doi.org/10.1257/jep.22.2.93

Davies, P. (2011, February 2). The role of the private sector in the context of aid effectiveness: Consultative findings document, Final report. OECD.

Dayrit, M. M., Lagrada, L. P., Picazo, O. F., Pons, M. C., & Villaverde, M. C. (2018). The Philippines health system review. World Health Organization. Regional Office for South-East Asia. https://iris.who.int/hadle/10665/274579

Elsey, H., Agyepong, I., Huque, R., Quayyem, Z., Baral, S., Ebenso, B., et al. (2019). Rethinking health systems in the context of urbanisation: Challenges from four rapidly urbanising low-income and middle-income countries. BMJ Global Health, 4(3). https://doi.org/10.1136/bmjgh-2019-001501

Etemadian, M., Shadpour, P., Soleimani, M. J., Biglar, M., Radfar, M. H., & Jarrahi, M. (2013). An Iranian-Islamic model of public-private partnership in hospital management: Introducing Moheb Hospital Model. International Journal of Hospital Research, 2(2), 95-98.

European Expertise PPP Center (EPEC). (2011, May). State Guarantees in PPPs, A Guide to Better Evaluation, Design, Implementation and Management. http://www.eib.org/epec

Fanta, A. (2021). Österreich plant keine Check-in-Funktion für Stopp-Corona-App. 2021. netzpolitik.org. https://netzpolitik.org

Global Health Saudi. (2019). Saudi Arabia Healthcare Industry Overview: Towards the Healthcare Goals of Saudi Vision 2030.

Hansen, P. M., Peters, D. H., & et al. (2008). Measuring and managing progress in the establishment of basic health services: The Afghanistan health sector balanced scorecard. International Journal of Health Planning and Management. https://doi.org/10.1002/hpm.931

Harmoush, I. Y. (2025). The legal system for the privatization of public companies (in Arabic). 1st ed., Al-halabi legal publication, Beirut, Lebanon.

–––. (2014). The Golden Arrow and its Contemporary Challenges in the Jurisprudence of the European Court of Justice (in Arabic). Damascus University Journal of Economic and Political Sciences, 30(1), 473-493.

Hildyard, N. (2015). Public-Private Partnerships, Financial Extraction and the Growing Wealth Gap: Exploring the Connections. The Corner House.

HM Treasury. (2012). PFI signed contracts. http://www.hm-treasury.gov.uk/ppp

IFC. (2011). Health and PPPs. Handshake, A Journal on Public- Private Partnerships, (1946). International Finance Corporation.

IFC. (2023). PPP insights, Can PPPs expand access to affordable diagnostic services in emerging markets? Lessons from 15 case studies. https://www.ifc.org/content/dam/ifc/doc/2023/2023-PPP-Insights-Health.pdf

Jomo, K. S., Chowdhury, A., Sharma, K., & Platz, D. (2016). Public-private partnerships and the 2030 Agenda for Sustainable Development: Fit for purpose? (Working Papers No. 148). United Nations, Department of Economics and Social Affairs.

Jones, B., & Jing, A. H. (2011). Prevention not cure in tackling health-care fraud. Bulletin of the World Health Organization, 89(12), 858-859. https://doi.org/10.2471/BLT.11.021211

Kaplan, R. S., & Norton, D. P. (1992). The balanced scorecard: Measures that drive performance. Harvard Business Review, January-February, 71-79.

Kerschbaumer, K. (2007). Public-private partnerships in Eastern Europe. Health, Technological Development and the Law, 13(2), 7.

Krajewski-Siuda, K., & Romaniuk, P. (2006). Privatisation of hospitals in Poland – barriers and opportunities. Central European Journal of Public Health, 14(1), 25-29. https://doi.org/10.21101/cejph.b0046

Kramer, K., Mandike, R., Nathan, R., et al. (2017). Effectiveness and equity of the Tanzania National Voucher Scheme for mosquito nets over 10 years of implementation. Malaria Journal, 16(255). https://doi.org/10.1186/s12936-017-1902-0

KSA. Vision 2030. (2016). Vision 2030. Ministry of Planning and Economic Development. https://www.vision2030.gov.sa/en

Lethbridge, J. (2004). European works councils and the healthcare sector. PSIRU.

Maltby, N. (2007). Public Private Partnerships in the Health Sector. European Public Private Partnership Law Review, 2(4), 211-229.

McKee, M., Edwards, N., & Atunc, R. (2006). Public–private partnerships for hospitals. Bulletin of the World Health Organization, 84(11).

Monteiro, R. (2011, October). Managing healthcare PPPs: Building public sector capacity. Health PPPs, Handshake, 3.

Mulla, A. M. (2001). Privatization of public hospitals and its applications in the Kingdom of Saudi Arabia. (in Arabic).

Muraskin, W. (2002). The last years of the CVI and the birth of the GAVI. In M. R. Reich (Ed.), Public-private partnerships for public health (Harvard series on population and international health). Harvard Center for Population and Development Studies.

Mutua, J., & Wamalwa, N. (2020). Leasing of Medical Equipment Project in Kenya: Value for Money Assessment. Africa Portal. https://www.africaportal.org/publications/

Nikolic, I. A., & Maikisch, H. (2006). Public-private partnerships and collaboration in the health sector: An overview with case studies from recent European experience. World Bank.

Ombashi, B., Cepiku, D., & Persiani, N. (2023). Public-private partnership in the health care sector: The case of Albania. Vestnik of Saint Petersburg University Management, 22(1), 23-36. https://doi.org/10.21638/11701/spbu08.2023.102

Pasha, H. A., & Nasar, A. (2003). Public private partnership in the health sector: Evidence from a developing country. The Lahore Journal of Economics, 8(2), 43-64. https://doi.org/10.35536/lje.2003.v8.i2.a3

Pekdemir, D. (2017). Alternative financing models in public facilities: The case study of Medical Campuses, Healthcare PPP Program in Turkey. European Real Estate Society, 8(7), 5720-5734.

Perihan Senel Tekin, Y. C. (2010, April). Analysing public-private partnership policy as a financing method in turkey health sector with political mapping [Conference Paper].

Peters, B. G. (1998). With a little help from our friends: Public-private partnerships as institutions and instruments. In J. Pierre (Ed.), Partnerships in urban governance: European and American experience. Macmillan Press.

Raman, A. V., & Björkman, J. W. (2015). Public-Private Partnerships in Healthcare. In E. Kuhlmann, R. H. Blank, I. L. Bourgeault, & C. Wendt (Eds.), The Palgrave international handbook of healthcare policy and governance. Palgrave Macmillan, pp 376–392 https://doi.org/10.1057/9781137384935_23

Rosenthal, G. D., & Newbrander, W. C. (1996). Public policy and private sector provision of health services. The International Journal of Health Planning and Management, 11(3), 203-216.

Sekhri, N., Feachem, R., & Ni, A. (2011). Public private integrated partnerships demonstrate the potential to improve health care access, quality and efficiency. Health Affairs, 30(8), 1498-1507. https://doi.org/10.1377/hlthaff.2010.0461

Shirley, M. (2008). Institutions and development. World Bank.

Sosa Delgado-Pastor, S., Brasher, E., Foong, S., Montagu, D., & Feachem, R. (2016). Innovation roll out. Valencia’s experience with public-private integrated partnerships (Healthcare public-private partnerships series, No. (3). https://globalhealthsciences.ucsf.edu/sites/globalhealthsciences.ucsf.edu/files/pub/pwc-innovation-rollout-af8_0.pdf

Stemmer, E. (2008, February). Contractual structures and risk allocation and mitigation in the context of Public Private Partnerships in the Health Sector (No. 49605). Finance Economics & Urban Department Finance & Guarantees Group.

Sveman, E., & Essinger, K. (2001). Procurement of health care services in Sweden in general, and the example of procurement of acute care in the Stockholm Region. In European integration and health care systems: A challenge for social policy. Swedish Federation of County Councils.

Taylor, R., & Blair, S. (2002). Public policy for the private sector; options for reform through public–private partnerships (Note Number 241). The World Bank’s Private Sector and Infrastructure Network.

Transparency International. (2016). Global corruption barometer: Europe & Central Asia 2016. https://www.transparency.org/en/gcb/europe-and-central-asia/europe-central-asia-2016

UN. (2019). Political declaration for the UN High-Level Meeting Meeting on UHC. https://www.uhc2030.org/news-events/uhc2030-news/political-declaration-for-the-un-high-level-meeting-meeting-on-uhc-555296/

United Nations Economic Commission for Europe (UNECE). (2016, February). Draft standards (revised).

Usman, A., Ibrahim, Y. B., & Abu Bakar, A. B. (2018). Malaysian public private partnership. Academy of Accounting and Financial Studies Journal, 22(Special Issue).

Villani, E., Greco, L., & Phillips, N. (2017). Understanding value creation in public-private partnerships: A comparative case study. Journal of Management Studies, 54(6), 876-905. https://doi.org/10.1111/joms.12270

World Bank Group. (2016). Public-Private Partnerships in Health, World Bank Group Engagement in Health PPPs An IEG Synthesis Report.

World Bank Group. (2019). High-performance health financing for universal health coverage, Driving sustainable, inclusive growth in the 21st Century. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/641451561043585615

World Health Organization. (2010). Resolution WHA63.27. In Resolutions and decisions of regional interest adopted by the Sixty-third World Health Assembly.

World Health Organization. (2016). Role and contribution of the private sector in moving towards universal health coverage. https://iris.who.int/handle/10665/249567

World Health Organization. (2017, November 27). M Health: Use of appropriate digital technologies for public health (EB142/20). (in Arabic).

World Health Organization. (2018a). Independent Accountability Panel for Every Woman Every Child Every Adolescent. 2018 report: Private sector: Who is accountable? for women’s, children’s and adolescents’ health. https://www.aidsdatahub.org/sites/default/files/resource/iap-everywoman-every-child-every-adolescent-2018.pdf

World Health Organization. Regional Office for the Eastern Mediterranean. (2018b). Private sector engagement for advancing universal health coverage. (in Arabic). https://iris.who.int/handle/10665/370581

World Health Organization. (2019a). TIP: Tailoring immunization programmes. https://www.who.int/europe/publications/i/item/9789289054492

World Health Organization. (2019b). Thirteenth General Programme of Work 2019-2023. https://apps.who.int/iris/bitstream/handle/10665/324775/WHO-PRP-18.1-eng.pdf?ua=1

World Health Organization. (2020a). Engaging the private health service delivery sector through governance in mixed health systems: Strategy report of the WHO Advisory Group on the Governance of the Private Sector for Universal Health Coverage. https://iris.who.int/bitstream/handle/10665/341057/9789240018327-eng.pdf?sequence=2

World Health Organization. (2020b). Private sector landscape in mixed health systems. https://www.who.int/docs/default-source/health-system-governance/private-sector-landscape-in-mixedhealth-systemsc23a2a3a-dc7a-4ef2-8c11-09d74fdb606e.pdf

World Health Organization. (2023, September). Tackling corruption to move towards universal health coverage and health security (TECHNICAL BRIEF). https://cdn.who.int/media/docs/default-source/universal-health-coverage/who-uhl-technical-brief-anti-corruption.pdf?sfvrsn=a9a746f2_3

World Health Organization. (2024). Global spending on health: Emerging from the pandemic. https://iris.who.int/handle/10665/379750

Zhu, Z., et al. (2020). COVID-19 in Wuhan: Sociodemographic characteristics and hospital support measures associated with the immediate psychological impact on healthcare workers. EClinical Medicine, 24, 100443.

 



[1]- حيث يشير تقرير الإنفاق العالمي على الصحة لعام (2024) الصادر عن منظمة الصحة العالمية، أن متوسط الإنفاق الحكومي للفرد على الصحة في جميع فئات الدخل قد انخفض في عام 2022 مقارنة بعام 2021 بعد أن ارتفع ارتفاعًا شديدًا خلال السنوات الأولى لظهور الجائحة، بحيث بلغ حوالي (10) دولارات أمريكية في البلدان منخفضة الدخل بحلول عام 2023، كما انخفض في البلدان متوسطة الدخل الى حوالي (55) دولار أمريكي، وقد أدت هذه الانخفاضات في موازنة الرعاية الصحية الى نمو سنوي ضعيف يقارب (1.2%) بين عامي (2019-2023) مقارنةً بمعدل (2.4%) في الدول متوسطة الدخل، و(4,2%) في الدول منخفضة الدخل بين عامي (2015-2019)، أي قبل الجائحة (WHO, 2024).

[2]- أجري المسح على حوالي (60,000) مستجيب عبر (42) دولة في أوروبا وآسيا الوسطى، بما في ذلك (23) دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.

[3]- ففي المملكة المتحدة على سبيل المثال تم توقيع (123) عقد شراكة لبناء مستشفيات بين قطاع الصحة الوطني واتحادات خاصة (HM Treasury 2012)، وفي فرنسا اعتبارًا من عام (2007)، تم إبرام أكثر من (80) عقد بمبلغ إجمالي قدره (10) مليار يورو في إطار برنامج (MAINH) Mission d'Appui à l'Investissement Hospitalier) (stemmer, 2008)، كما حظيت الشراكة في القطاع الصحي بدعم المؤسسات المالية العالمية حيث وافقت مجموعة البنك الدولي في الفترة من السنة المالية (2004) إلى السنة المالية (2015)، على (78) مشروعًا للشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية (World Bank Group, 2016, vi).

[4]- التغطية الصحية الشاملة تعني إمكانية حصول جميع الناس على الخدمات الصحية التعزيزية والوقائية والعلاجية والتأهيلية والملطفة، التي يحتاجون إليها والتي تكون على درجة كافية من الجودة بما يضمن فعاليتها، دون مواجهة ضائقة مالية (WHO, 2018b).

[5]- ابتكر روبرت كابلان وديفيد نورتون هذه الطريقة في التسعينيات من القرن العشرين من خلال عملهم في جامعة هارفرد، ويستخدمها المدراء لتتبع تنفيذ الأنشطة، ولرصد ومتابعة العواقب الناجمة عن هذه الإجراءات (Kaplan and Norton, 1992).